البحث

عبارات مقترحة:

الغني

كلمة (غَنِيّ) في اللغة صفة مشبهة على وزن (فعيل) من الفعل (غَنِيَ...

الرحمن

هذا تعريف باسم الله (الرحمن)، وفيه معناه في اللغة والاصطلاح،...

الرقيب

كلمة (الرقيب) في اللغة صفة مشبهة على وزن (فعيل) بمعنى (فاعل) أي:...

التَّطَوُّعُ


من معجم المصطلحات الشرعية

عبادات بدنية، ومالية مشروعة ليست على سبيل الإلزام . ومن أمثلته صلاة الضحى، والصدقة، والوقف . ومن شواهده قوله تعالى : ﱫﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾ ﴿ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇﱪ البقرة :١٧٧ .


انظر : المبسوط للسرخسي، 1/18، 29، التاج والإكليل للمواق، 2/417، المجموع للنووي، 1/461.

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف

عبادات بدنية، ومالية مشروعة ليست على سبيل الإلزام.

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّطَوُّعُ: هُوَ التَّبَرُّعُ، يُقَال: تَطَوَّعَ بِالشَّيْءِ: تَبَرَّعَ بِهِ.
وَقَال الرَّاغِبُ: التَّطَوُّعُ فِي الأَْصْل: تَكَلُّفُ الطَّاعَةِ، وَهُوَ فِي التَّعَارُفِ: التَّبَرُّعُ بِمَا لاَ يَلْزَمُ كَالتَّنَفُّل (1) . قَال تَعَالَى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} . (2)
وَالْفُقَهَاءُ عِنْدَمَا أَرَادُوا أَنْ يُعَرِّفُوا التَّطَوُّعَ، عَدَلُوا عَنْ تَعْرِيفِ الْمَصْدَرِ إِِلَى تَعْرِيفِ مَا هُوَ حَاصِلٌ بِالْمَصْدَرِ، فَذَكَرُوا لَهُ فِي الاِصْطِلاَحِ ثَلاَثَةَ مَعَانٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا شُرِعَ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، أَوْ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِطَاعَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، أَوْ هُوَ الْفِعْل الْمَطْلُوبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ. وَكُلُّهَا مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٌ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ رَأْيُ الأُْصُولِيِّينَ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ (3) .
وَالتَّطَوُّعُ بِهَذَا الْمَعْنَى يُطْلَقُ عَلَى: السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالنَّفَل وَالْمُرَغَّبِ فِيهِ وَالْقُرْبَةِ وَالإِِْحْسَانِ وَالْحَسَنِ، فَهِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ.

الثَّانِي: أَنَّ التَّطَوُّعَ هُوَ مَا عَدَا الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنَ، وَهُوَ اتِّجَاهُ الأُْصُولِيِّينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَفِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ: السُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلاَ وُجُوبٍ، وَأَمَّا حَدُّ النَّفْل - وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّطَوُّعِ - فَقِيل: مَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ فِي الشَّرْعِ (4) . . . إِلَخْ.

الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ: هُوَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ بِخُصُوصِهِ، بَل يُنْشِئُهُ الإِِْنْسَانُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ اتِّجَاهُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (5) .
هَذِهِ هِيَ الاِتِّجَاهَاتُ فِي مَعْنَى التَّطَوُّعِ وَمَا يُرَادِفُهُ. غَيْرَ أَنَّ الْمُتَتَبِّعَ لِمَا ذَكَرَهُ الأُْصُولِيُّونَ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ - بِمَا فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ - يَجِدُ أَنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ بِإِِطْلاَقِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا عَدَا الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ التَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ وَالنَّفَل وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً، وَلِذَلِكَ قَال السُّبْكِيُّ: إِنَّ الْخِلاَفَ لَفْظِيٌّ (6) .
غَايَةُ الأَْمْرِ أَنَّ مَا يَدْخُل فِي دَائِرَةِ التَّطَوُّعِ بَعْضُهُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ فِي الرُّتْبَةِ، فَأَعْلاَهُ هُوَ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ، كَالْعِيدَيْنِ، وَالْوِتْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَلِي ذَلِكَ الْمَنْدُوبُ أَوِ الْمُسْتَحَبُّ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَيَلِي ذَلِكَ مَا يُنْشِئُهُ الإِِْنْسَانُ ابْتِدَاءً، لَكِنَّ كُل ذَلِكَ يُسَمَّى تَطَوُّعًا (7) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُل - الَّذِي سَأَل بَعْدَمَا عَرَفَ فَرَائِضَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَال لَهُ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ (8) . أَنْوَاعُ التَّطَوُّعِ:
2 - مِنَ التَّطَوُّعِ مَا يَكُونُ لَهُ نَظِيرٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ، مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ وَجِهَادٍ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ حِينَ يُذْكَرُ لَفْظُ التَّطَوُّعِ.
وَالتَّطَوُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ يَخْتَلِفُ فِي جِنْسِهِ بِاعْتِبَارَاتٍ، فَهُوَ يَخْتَلِفُ مِنْ حَيْثُ الرُّتْبَةُ، إِذْ مِنْهُ مَا هُوَ مُؤَكَّدٌ كَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَقَل رُتْبَةً كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَقَل كَالنَّوَافِل الْمُطْلَقَةِ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا.
وَمِنْ ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ: صِيَامُ يَوْمَيْ عَاشُورَاءَ وَعَرَفَةَ، فَهُمَا أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الصِّيَامِ فِي غَيْرِهِمَا، وَالاِعْتِكَافُ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَل مِنْهُ فِي غَيْرِهَا. كَمَا أَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْعِبَادَاتِ يَخْتَلِفُ فِي جِنْسِهِ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الإِِْطْلاَقُ وَالتَّقْيِيدُ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُقَيَّدٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّقْيِيدُ بِوَقْتٍ أَوْ بِسَبَبٍ، كَالضُّحَى وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفُرُوضِ. وَمِنْهُ مَا هُوَ مُطْلَقٌ كَالنَّفْل الْمُطْلَقِ بِاللَّيْل أَوْ بِالنَّهَارِ.
وَيَخْتَلِفُ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ كَالرَّوَاتِبِ مِنَ الْفُرُوضِ، إِذْ هِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَشْرٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً: اثْنَتَانِ قَبْل الصُّبْحِ، وَاثْنَتَانِ قَبْل الظُّهْرِ (وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَرْبَعٌ) وَاثْنَتَانِ بَعْدَهُ، وَاثْنَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَاثْنَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَالتَّطَوُّعُ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْفْضَل أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِثْل ذَلِكَ تَطَوُّعُ اللَّيْل عِنْدَأَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ، وَبِهَذَا يُفْتَى (9) .
وَفِي كُل مَا سَبَقَ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَنَفْلٌ) وَفِيمَا لَهُ أَبْوَابٌ مِنْ ذَلِكَ مِثْل: عِيدٌ - كُسُوفٌ - اسْتِسْقَاءٌ. . . إِلَخْ.
وَمِنَ التَّطَوُّعِ مَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ كَطَلَبِ عِلْمٍ غَيْرِ مَفْرُوضٍ (10) .
وَكَذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالتَّطَوُّعِ بِالإِِْنْفَاقِ عَلَى قَرِيبٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ مُحْتَاجٍ، أَوْ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، أَوْ إِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ، أَوِ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، أَوِ الإِِْرْفَاقِ الْمَعْرُوفِ بِجَعْل الْغَيْرِ يَحْصُل عَلَى مَنَافِعِ الْعَقَارِ، أَوْ إِسْقَاطِ الْحُقُوقِ. . . وَهَكَذَا.
وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ بِعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالإِِْعَارَةِ وَالْهِبَةِ، إِذْ إِنَّهَا قُرُبَاتٌ شُرِعَتْ لِلتَّعَاوُنِ بَيْنَ النَّاسِ.
3 - وَمِنَ التَّطَوُّعِ مَا هُوَ عَيْنِيٌّ مَطْلُوبٌ نَدْبًا مِنْ كُل فَرْدٍ، كَالتَّطَوُّعِ بِالْعِبَادَاتِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ. . . وَمِنْهُ مَا هُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالأَْذَانِ وَغَيْرِهِ. قَال النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: ابْتِدَاءُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ جَمَاعَةً كَفَى عَنْهُمْ تَسْلِيمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (11) .

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّطَوُّعِ:
4 - التَّطَوُّعُ يُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ وَيَزِيدُهُ ثَوَابًا، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ. (12) الْحَدِيثُ. وَالْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ التَّطَوُّعِ هِيَ:

أ - اكْتِسَابُ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نَيْل ثَوَابِهِ وَمُضَاعَفَةُ الْحَسَنَاتِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَابِ التَّطَوُّعِ بِالْعِبَادَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. (13) وَقَوْلُهُ ﷺ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (14) وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي شَأْنِ الصَّلاَةِ (15) .
وَفِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَقُول النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لأََحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (16) وَالْمُرَادُ الصَّغَائِرُ. حَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَإِِنْ لَمْ تَكُنِ الصَّغَائِرُ رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتِ الدَّرَجَاتُ، وَقَال ﷺ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ. (17)
وَقَال الزُّهْرِيُّ: فِي الاِعْتِكَافِ تَفْرِيغُ الْقَلْبِ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَتَسْلِيمُ النَّفْسِ إِِلَى بَارِئِهَا، وَالتَّحَصُّنُ بِحِصْنٍ حَصِينٍ، وَمُلاَزَمَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَال عَطَاءٌ: مَثَل الْمُعْتَكِفِ كَمَثَل رَجُلٍ لَهُ حَاجَةٌ إِِلَى عَظِيمٍ يَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ، وَيَقُول: لاَ أَبْرَحُ حَتَّى تُقْضَى حَاجَتِي (18) .
وَمِثْل ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ. يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} (19) ، وَيَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: مِنْ مَحَاسِنِ الْعَارِيَّةِ أَنَّهَا نِيَابَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ لِمُحْتَاجٍ كَالْقَرْضِ، فَلِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ (20) .

ب - الأُْنْسُ بِالْعِبَادَةِ وَالتَّهَيُّؤُ لَهَا:
5 - قَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي تَقْدِيمِ النَّوَافِل عَلَى الْفَرَائِضِ مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ؛ لأَِنَّ النُّفُوسَ لاِنْشِغَالِهَا بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا تَكُونُ بَعِيدَةً عَنْ حَالَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ، الَّتِي هِيَ رُوحُ الْعِبَادَةِ، فَإِِذَا قُدِّمَتِ النَّوَافِل عَلَى الْفَرَائِضِ أَنِسَتِ النُّفُوسُ بِالْعِبَادَةِ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تُقَرِّبُ مِنَ الْخُشُوعِ (21) .

ج - جُبْرَانُ الْفَرَائِضِ:
6 - قَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: النَّوَافِل الَّتِي بَعْدَ الْفَرَائِضِ هِيَ لِجَبْرِ النَّقْصِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِي الْفَرَائِضِ، فَإِِذَا وَقَعَ نَقْصٌ فِي الْفَرْضِ نَاسَبَ أَنْ يَقَعَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ الْخَلَل الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِيهِ (22) .
وَفِي الْحَدِيثِ: فَإِِنِ انْتُقِصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَال الرَّبُّ ﷿: انْظُرُوا هَل لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّل بِهِ مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ. (23)
قَال الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ: أَوَّل مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي الصَّلاَةَ. . . " (24) وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ غَالِبًا إِلاَّ وَجَعَل لَهُ مِنْ جِنْسِهِ نَافِلَةً، حَتَّى إِِذَا قَامَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ - وَفِيهِ خَلَلٌ مَا - يُجْبَرُ بِالنَّافِلَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلِذَا أَمَرَ بِالنَّظَرِ فِي فَرِيضَةِ الْعَبْدِ، فَإِِذَا قَامَ بِهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ جُوزِيَ عَلَيْهَا، وَأُثْبِتَتْ لَهُ، وَإِِنْ كَانَ فِيهَا خَلَلٌ كُمِّلَتْ مِنْ نَافِلَتِهِ حَتَّى قَال الْبَعْضُ: إِنَّمَا تَثْبُتُ لَكَ نَافِلَةٌ إِِذَا سَلِمَتْ لَكَ الْفَرِيضَةُ (25) . وَلِذَلِكَ يَقُول الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَنْ تَرَكَ التَّطَوُّعَاتِ وَلَمْ يَعْمَل بِشَيْءٍ مِنْهَا فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رِبْحًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَسِيمًا (26) . د - التَّعَاوُنُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَوْثِيقُ الرَّوَابِطِ بَيْنَهُمْ وَاسْتِجْلاَبُ مَحَبَّتِهِمُ:
7 - التَّطَوُّعُ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ يَنْشُرُ التَّعَاوُنَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ دَعَا اللَّهُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (27) ، وَيَقُول النَّبِيُّ ﷺ: وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (28) وَفِي فَتْحِ الْبَارِي عِنْدَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا. (29) يَقُول ابْنُ حَجَرٍ: فِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْخَيْرِ بِالْفِعْل، وَبِالتَّسَبُّبِ إِلَيْهِ بِكُل وَجْهٍ، وَالشَّفَاعَةِ إِِلَى الْكَبِيرِ فِي كَشْفِ كُرْبَةٍ وَمَعُونَةِ ضَعِيفٍ، إِذْ لَيْسَ كُل أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُول إِِلَى الرَّئِيسِ (30) .
كَذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ ﷺ: تَهَادَوْا تَحَابُّوا (31)

أَفْضَل التَّطَوُّعِ:
8 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَفْضَل التَّطَوُّعِ، فَقِيل: أَفْضَل عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلاَةُ. فَفَرْضُهَا أَفْضَل مِنْ فَرْضِ غَيْرِهَا، وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَل مِنْ تَطَوُّعِ غَيْرِهَا؛ لأَِنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرُبَاتِ، لِجَمْعِهَا أَنْوَاعًا مِنَ الْعِبَادَاتِ لاَ تُجْمَعُ فِي غَيْرِهَا. قَال بِهَذَا الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَهُمْ قَوْلٌ آخَرُ بِتَفْضِيل الصِّيَامِ.
قَال صَاحِبُ الْمَجْمُوعِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الصَّلاَةُ أَفْضَل مِنَ الصَّوْمِ: أَنَّ صَلاَةَ رَكْعَتَيْنِ أَفْضَل مِنْ صِيَامِ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمٍ، فَإِِنَّ الصَّوْمَ أَفْضَل مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِلاَ شَكٍّ، وَإِِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الاِسْتِكْثَارِ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ يَكُونُ غَالِبًا عَلَيْهِ، مَنْسُوبًا إِِلَى الإِِْكْثَارِ مِنْهُ، وَيَقْتَصِرُ مِنَ الآْخَرِ عَلَى الْمُتَأَكِّدِ مِنْهُ، فَهَذَا مَحَل الْخِلاَفِ وَالتَّفْصِيل. وَالصَّحِيحُ تَفْضِيل الصَّلاَةِ (32) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ أَفْضَل تَطَوُّعَاتِ الْبَدَنِ الْجِهَادُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} (33) ثُمَّ النَّفَقَةُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ كَمَثَل حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِل} (34) الآْيَةَ، ثُمَّ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ، لِحَدِيثِ: فَضْل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ (35) .
ثُمَّ الصَّلاَةُ أَفْضَل بَعْدَ ذَلِكَ، لِلإِِْخْبَارِ بِأَنَّهَا أَحَبُّ الأَْعْمَال إِِلَى اللَّهِ، وَمُدَاوَمَتُهُ ﷺ عَلَى نَفْلِهَا. وَنَصَّ الإِِْمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَل مِنْهَا، أَيْ مِنَ الصَّلاَةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لأَِنَّهُ خَاصٌّ بِهِ يَفُوتُ بِمُفَارَقَتِهِ بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، فَالاِشْتِغَال بِمَفْضُولٍ يَخْتَصُّ بُقْعَةً أَوْ زَمَنًا أَفْضَل مِنْ فَاضِلٍ لاَ يَخْتَصُّ، وَاخْتَارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ فِي الإِِْحْيَاءِ: أَنَّ أَفْضَل الطَّاعَاتِ عَلَى قَدْرِ الْمَصَالِحِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا (36) .
9 - وَيَتَفَاوَتُ مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فِي الْفَضْل، فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَل مِنْ عِتْقِ أَجْنَبِيٍّ؛ لأَِنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَفِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ: لَوْ مَلَكَ عَقَارًا، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ، فَهَل الأَْوْلَى الصَّدَقَةُ بِهِ حَالاً، أَمْ وَقْفُهُ؟ قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ وَحَاجَةٍ فَتَعْجِيل الصَّدَقَةِ أَفْضَل، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَلَعَل الْوَقْفَ أَوْلَى، لِكَثْرَةِ جَدْوَاهُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَقْدِيمَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ حَظِّ النَّفْسِ فِي الْحَال بِخِلاَفِ الْوَقْفِ.
وَفِي الْمَنْثُورِ أَيْضًا: مَرَاتِبُ الْقُرْبِ تَتَفَاوَتُ، فَالْقُرْبَةُ فِي الْهِبَةِ أَتَمُّ مِنْهَا فِي الْقَرْضِ، وَفِي الْوَقْفِ أَتَمُّ مِنْهَا فِي الْهِبَةِ، لأَِنَّ نَفْعَهُ دَائِمٌ يَتَكَرَّرُ، وَالصَّدَقَةُ أَتَمُّ مِنَ الْكُل؛ لأَِنَّ قَطْعَ حَظِّهِ مِنَ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ فِي الْحَال (37) .
وَقِيل: إِنَّ الْقَرْضَ أَفْضَل مِنَ الصَّدَقَةِ (38) .
لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ رَأَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ: دِرْهَمُ الْقَرْضِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَدِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشْرٍ، فَسَأَل جِبْرِيل: مَا بَال الْقَرْضِ أَفْضَل مِنَ الصَّدَقَةِ: فَقَال: لأَِنَّ السَّائِل يَسْأَل وَعِنْدَهُ، وَالْمُقْتَرِضُ لاَ يَقْتَرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ. (39)
وَتَكَسُّبُ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ - لِمُوَاسَاةِ الْفَقِيرِ أَوْ مُجَازَاةِ الْقَرِيبِ - أَفْضَل مِنَ التَّخَلِّي لِنَفْل الْعِبَادَةِ؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ النَّفْل تَخُصُّهُ، وَمَنْفَعَةُ الْكَسْبِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ (40) ، فَقَدْ قَال ﵊: خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ (41) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَال: إِنَّ الأَْعْمَال تَتَبَاهَى، فَتَقُول الصَّدَقَةُ: أَنَا أَفْضَلُكُمْ (42) .
وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: بِنَاءُ الرِّبَاطِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، أَفْضَل مِنَ الْحَجَّةِ الثَّانِيَةِ (43) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
10 - الأَْصْل فِي التَّطَوُّعِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ (44) . سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ. . . أَمْ كَانَ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالإِِْعَارَةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَأَنْوَاعِ الإِِْرْفَاقِ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ آيَاتٌ مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (45) ، وقَوْله تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} . (46) وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ (47) قَوْلُهُ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ (48) وَقَوْلُهُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ (49) وَقَوْلُهُ: لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ. (50)
وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، كَبَذْل الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ، وَكَإِِعَارَةِ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِمَنْ يُخْشَى هَلاَكُهُ بِعَدَمِهَا، وَكَإِِعَارَةِ الْحَبْل لإِِِنْقَاذِ غَرِيقٍ (51) .
وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، كَالْعِبَادَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ كَالصَّلاَةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا، وَكَصِيَامِ يَوْمَيِ الْعِيدِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَكَتَصَدُّقِ الْمَدِينِ مَعَ حُلُول دَيْنِهِ وَالْمُطَالَبَةِ بِهِ، وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يُسَدِّدُ بِهِ دَيْنَهُ (52) .
وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، كَوُقُوعِ الصَّلاَةِ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطِيَّةِ لأَِوْلاَدِهِ (53) .

أَهْلِيَّةُ التَّطَوُّعِ:
11 - التَّطَوُّعُ يَكُونُ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا، أَمَّا الْعِبَادَاتُ فَإِِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَطَوِّعِ بِهَا مَا يَلِي:
أ - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِالْعِبَادَاتِ مِنَ الْكَافِرِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ.
ب - أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، فَلاَ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّتِهِ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْحَجِّ،
لأَِنَّهُ فِي الْحَجِّ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَكَذَلِكَ يُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنَ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ.
ج - التَّمْيِيزُ، فَلاَ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ مِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ؛ لأَِنَّ تَطَوُّعَ الصَّبِيِّ بِالْعِبَادَاتِ صَحِيحٌ (54) .
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ: فَإِِنَّ الشَّرْطَ هُوَ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ مِنْ عَقْلٍ وَبُلُوغٍ وَرُشْدٍ، فَلاَ يَصِحُّ تَبَرُّعُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (55) .
وَتَفْصِيل هَذَا يُنْظَرُ فِي (أَهْلِيَّةٌ) .

أَحْكَامُ التَّطَوُّعِ:
12 - أَحْكَامُ التَّطَوُّعِ مِنْهَا مَا يَخُصُّ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَشْمَل الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ غَيْرَ الْعِبَادَاتِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

(أَوَّلاً) مَا يَخُصُّ الْعِبَادَاتِ:
أ - مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
13 - تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِصَلاَةِ الْكُسُوفِ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَتُسَنُّ لِلتَّرَاوِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِذِ الأَْفْضَل الاِنْفِرَادُ بِهَا - بَعِيدًا عَنِ الرِّيَاءِ - إِنْ لَمْ تُعَطَّل الْمَسَاجِدُ عَنْ فِعْلِهَا فِيهَا. وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ كَذَلِكَ لِصَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَتُصَلَّى جَمَاعَةً وَفُرَادَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلاَ تُصَلَّى إِلاَّ فُرَادَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَالْجَمَاعَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ. وَيُسَنُّ الْوِتْرُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ
وَبَقِيَّةُ التَّطَوُّعَاتِ تَجُوزُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَتُكْرَهُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِِذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيل التَّدَاعِي، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْجَمَاعَةُ فِي الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ سُنَّةٌ وَالْفَجْرُ خِلاَفُ الأَْوْلَى. أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ جَمَاعَةً، إِلاَّ أَنْ تَكْثُرَ الْجَمَاعَةُ أَوْ يَشْتَهِرَ الْمَكَانُ فَتُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ حَذَرَ الرِّيَاءِ (56) .
وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ - نَفْلٌ)

مَكَانُ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
14 - صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَل، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِِنَّ أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (57) وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ، فَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل، وَيُسْتَثْنَى كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَلاَةُ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَتَنَفَّل فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ (58) . وَقَال الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يُكْرَهُ لِلإِِْمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ شَيْئًا مِنَ السُّنَنِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (59) ، وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَأْمُومِ، لأَِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الإِِْمَامِ لِلاِشْتِبَاهِ، وَهَذَا لاَ يُوجَدُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَحَّى أَيْضًا، حَتَّى تَنْكَسِرَ الصُّفُوفُ، وَيَزُول الاِشْتِبَاهُ عَلَى الدَّاخِل مِنْ كُل وَجْهٍ (60) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: قَال أَحْمَدُ: لاَ يَتَطَوَّعُ الإِِْمَامُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ. كَذَا قَال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. قَال أَحْمَدُ: وَمَنْ صَلَّى وَرَاءَ الإِِْمَامِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ مَكَانَهُ، فَعَل ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ﵄. وَبِهَذَا قَال إِسْحَاقُ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِإِِسْنَادِهِ. وَبِإِِسْنَادِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَتَطَوَّعُ الإِِْمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ. (61)

صَلاَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ:
15 - يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيل. قَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُل مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلاَةَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَل السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ التَّطَوُّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (62) ، قَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً حَيْثُ تَوَجَّهَ بِهِ بَعِيرُك. وَهَذَا يَتَنَاوَل بِإِِطْلاَقِهِ مَحَل النِّزَاعِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (63) . وَلِلْبُخَارِيِّ: إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ؛ وَلأَِنَّ إِبَاحَةَ الصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، كَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِِلَى قَطْعِهَا وَتَقْلِيلِهَا (64) .
وَالْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِهَذَا لاَ يُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُول. كَذَلِكَ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى النُّزُول لاَ يَجُوزُ، لاِخْتِصَاصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِزِيَادَةِ تَوْكِيدٍ وَتَرْغِيبٍ بِتَحْصِيلِهَا وَتَرْهِيبٍ وَتَحْذِيرٍ عَلَى تَرْكِهَا، فَالْتَحَقَتْ بِالْوَاجِبَاتِ كَالْوِتْرِ (65) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نَفْلٌ - نَافِلَةٌ) . صَلاَةُ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا:
16 - تَجُوزُ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ مِنْ قُعُودٍ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، وَأَنَّهُ فِي الْقِيَامِ أَفْضَل، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (66) وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتَرَكَ أَكْثَرَهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ (67) .

الْفَصْل بَيْنَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
17 - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِل الْمُصَلِّي بَيْنَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَلاَةِ التَّطَوُّعِ بَعْدَهَا بِالأَْذْكَارِ الْوَارِدَةِ، كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ الْفَصْل بَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ وَالسُّنَّةِ، بَل يَشْتَغِل بِالسُّنَّةِ (68) . وَلِلتَّفْصِيل: (ر: نَفْلٌ) .

قَضَاءُ التَّطَوُّعِ:
18 - إِِذَا فَاتَ التَّطَوُّعُ - سَوَاءٌ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُقَيَّدُ بِسَبَبٍ أَوْ وَقْتٍ - فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ يُقْضَى سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَل بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، صَلَّيْتَ صَلاَةً لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا فَقَال: قَدِمَ عَلَيَّ مَالٌ فَشَغَلَنِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ كُنْتُ أَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآْنَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَفَنَقْضِيهِمَا إِِذَا فَاتَتَا؟ قَال: لاَ. (69) وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الأُْمَّةِ، وَإِِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ اخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلاَ شَرِكَةَ لَنَا فِي خَصَائِصِهِ. وَقِيَاسُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ قَضَاءُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَصْلاً، إِلاَّ أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْقَضَاءَ إِِذَا فَاتَتَا مَعَ الْفَرْضِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُمَا مَعَ الْفَرْضِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ (70) فَنَحْنُ نَفْعَل ذَلِكَ لِنَكُونَ عَلَى طَرِيقَتِهِ. وَهَذَا بِخِلاَفِ الْوِتْرِ، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مُلْحَقٌ بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْعَمَل.
وَقَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ فَاتَ النَّفَل الْمُؤَقَّتُ (كَصَلاَةِ الْعِيدِ وَالضُّحَى) نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَْظْهَرِ، لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِِذَا ذَكَرَهَا (71) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ إِِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَفِي مُسْلِمٍ نَحْوُهُ. وَقَضَى رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَأَخِّرَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ وَلأَِنَّهَا صَلاَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَقُضِيَتْ كَالْفَرَائِضِ، وَسَوَاءٌ السَّفَرُ وَالْحَضَرُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَالثَّانِي: لاَ يُقْضَى كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَتْبَعْ غَيْرَهُ كَالضُّحَى قُضِيَ، لِشَبَهِهِ بِالْفَرْضِ فِي الاِسْتِقْلاَل، وَإِِنْ تَبِعَ غَيْرَهُ كَالرَّوَاتِبِ فَلاَ. قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: قَضِيَّةُ كَلاَمِهِ (أَيِ النَّوَوِيِّ) أَنَّ الْمُؤَقَّتَ يُقْضَى أَبَدًا وَهُوَ الأَْظْهَرُ، وَالثَّانِي: يَقْضِي فَائِتَةَ النَّهَارِ مَا لَمْ تُضْرَبْ شَمْسُهُ، وَفَائِتَةَ اللَّيْل مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُهُ. وَالثَّالِثُ: يَقْضِي مَا لَمْ يُصَل الْفَرْضَ الَّذِي بَعْدَهُ. وَخَرَجَ بِالْمُؤَقَّتِ مَا لَهُ سَبَبٌ كَالتَّحِيَّةِ وَالْكُسُوفِ فَإِِنَّهُ لاَ مَدْخَل لِلْقَضَاءِ فِيهِ. نَعَمْ لَوْ فَاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ الصَّلاَةِ، فَإِِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قَال الإِِْمَامُ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى شَيْئًا مِنَ التَّطَوُّعِ، إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
وَقَال الْقَاضِي وَبَعْضُ الأَْصْحَابِ: لاَ يُقْضَى إِلاَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تُقْضَى جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَعْضَهَا، وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَيْهَا.
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يُسَنُّ قَضَاءُ الرَّوَاتِبِ، إِلاَّ مَا فَاتَ مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ، فَالأَْوْلَى تَرْكُهُ، إِلاَّ سُنَّةُ الْفَجْرِ فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا لِتَأَكُّدِهَا (72) .

انْقِلاَبُ الْوَاجِبِ تَطَوُّعًا:
19 - قَدْ يَنْقَلِبُ وَاجِبُ الْعِبَادَاتِ إِِلَى تَطَوُّعٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِقَصْدٍ أَمْ بِغَيْرِ قَصْدٍ. وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً فِي الصَّلاَةِ يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، ثُمَّ غَيَّرَ نِيَّتَهُ فِي الصَّلاَةِ وَجَعَلَهَا تَطَوُّعًا، صَارَتْ تَطَوُّعًا.
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: إِنْ أَحْرَمَ مُصَلٍّ بِفَرْضٍ، كَظُهْرٍ فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسِعِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلاً، بِأَنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ نِيَّةِ الصَّلاَةِ، صَحَّتْ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى الأَْكْثَرَ مِنْهَا أَوِ الأَْقَل، وَسَوَاءٌ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّ النَّفَل يَدْخُل فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ، وَكُرِهَ قَلْبُهُ نَفْلاً لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. ثُمَّ قَال: وَيَنْقَلِبُ نَفْلاً مَا بَانَ عَدَمُهُ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَائِتَةٍ ظَنَّهَا عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، أَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُهُ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِل النَّفَل.
وَمِنْ ذَلِكَ الصِّيَامُ. جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: مَنْ قَطَعَ نِيَّةَ صَوْمِ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ، ثُمَّ نَوَى صَوْمًا نَفْلاً صَحَّ نَفْلُهُ، وَإِِنْ قَلَبَ صَائِمٌ نِيَّةَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ إِِلَى نَفْلٍ صَحَّ، كَقَلْبِ فَرْضِ الصَّلاَةِ نَفْلاً. وَخَالَفَ الْحَجَّاوِيُّ فِي " الإِِْقْنَاعِ " فِي مَسْأَلَةِ قَلْبِ الْقَضَاءِ، وَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ (73) .
وَمِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ. جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: إِِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِِلَى رَجُلٍ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ إِلَيْهِمْ وَقْتَ الدَّفْعِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَمْرِهِ، فَإِِذَا ظَهَرَ بِيَقِينٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصَارِفِهَا لَمْ تُجْزِئْهُ زَكَاةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِِْعَادَةُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَيَقَعُ تَطَوُّعًا. ثُمَّ قَال الْكَاسَانِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حُكْمُ الْمُعَجَّل إِِذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً: أَنَّهُ إِنْ وَصَل إِِلَى يَدِ الْفَقِيرِ يَكُونُ تَطَوُّعًا، سَوَاءٌ وَصَل إِِلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ رَبِّ الْمَال أَوْ مِنْ يَدِ الإِِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ - وَهُوَ السَّاعِي - لأَِنَّهُ حَصَل أَصْل الْقُرْبَةِ. وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لاَ يُحْتَمَل الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِِلَى يَدِ الْفَقِيرِ.
وَفِي الْمُهَذَّبِ أَيْضًا: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَإِِذَا عَقَدَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا انْعَقَدَ غَيْرُهَا مِنْ جِنْسِهَا، كَصَلاَةِ الظُّهْرِ إِِذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْل الزَّوَال، فَإِِنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالنَّفْل.
وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ نَذْرًا وَنَفْلاً كَانَ نَفْلاً، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا كَانَ تَطَوُّعًا عِنْدَهُمَا فِي الأَْصَحِّ (74) .

حُصُول التَّطَوُّعِ بِأَدَاءِ الْفَرْضِ وَعَكْسُهُ:
20 - هُنَاكَ صُوَرٌ يَحْصُل التَّطَوُّعُ فِيهَا بِأَدَاءِ الْفَرْضِ، وَلَكِنَّ ثَوَابَ التَّطَوُّعِ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِنِيَّتِهِ. جَاءَ فِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ (فِي الْجَمْعِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ) قَالُوا: لَوِ اغْتَسَل الْجُنُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلِرَفْعِ الْجَنَابَةِ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ، وَحَصَل لَهُ ثَوَابُ غُسْل الْجُمُعَةِ.
وَفِي ابْنِ عَابِدِينَ: مَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ نَسِيَهَا وَاغْتَسَل لِلْجُمُعَةِ مَثَلاً، فَإِِنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ضِمْنًا، وَلاَ يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَهُوَ غُسْل الْجَنَابَةِ مَا لَمْ يَنْوِهِ، لأَِنَّهُ لاَ ثَوَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ.
وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: تَتَأَدَّى تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِصَلاَةِ الْفَرْضِ فَيَسْقُطُ طَلَبُ التَّحِيَّةِ بِصَلاَتِهِ، فَإِِنْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّحِيَّةَ حَصَلاَ، وَإِِنْ لَمْ يَنْوِ التَّحِيَّةَ لَمْ يَحْصُل لَهُ ثَوَابُهَا؛ لأَِنَّ الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
وَمِثْل ذَلِكَ غُسْل الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ مَعَ نِيَّةِ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ.
وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: لَوْ طَافَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ وَالْوَدَاعَ، فَقَال الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي: يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا (75) .

(ثَانِيًا) مَا يَشْمَل الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - قَطْعُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ:
21 - إِِذَا كَانَ التَّطَوُّعُ عِبَادَةً كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: إِِذَا شَرَعَ فِيهِ وَجَبَ إِتْمَامُهُ، وَإِِذَا فَسَدَ وَجَبَ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا وَقَضَاءً. وَلأَِنَّ الْمُؤَدَّى عِبَادَةٌ، وَإِِبْطَال الْعِبَادَةِ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (76) ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﵄ وَقَدْ أَفْطَرَتَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ. (77)
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ إِلاَّ إِِذَا كَانَ الْفَسَادُ مُتَعَمِّدًا، فَإِِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ قَضَاءَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُسْتَحَبُّ الإِِْتْمَامُ إِِذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ وَلاَ يَجِبُ، كَمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ إِِذَا فَسَدَ، إِلاَّ فِي تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَجِبُ إِتْمَامُهُمَا إِِذَا شَرَعَ فِيهِمَا؛ لأَِنَّ نَفْلَهُمَا كَفَرْضِهِمَا نِيَّةً وَفِدْيَةً وَغَيْرَهُمَا (78) .
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الإِِْتْمَامِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِِنْ شَاءَ أَفْطَرَ. (79)
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي (نَفْلٌ، صَلاَةٌ، صِيَامٌ، حَجٌّ) .
22 - أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، فَإِِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيل عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ الْمَعْرُوفَةِ كَالْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، وَإِِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِِنْ كَانَ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، فَلِكُل عَقْدٍ حُكْمُهُ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ أَوْ عَدَمِ جَوَازِهِ. فَفِي الْوَصِيَّةِ مَثَلاً: يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا دَامَ الْمُوصِي حَيًّا. وَفِي الْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِطَلَبِ رَدِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَعَارِ وَاسْتِرْدَادِ بَدَل الْقَرْضِ فِي الْحَال بَعْدَ الْقَبْضِ. وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، بَل قَال الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْمُقْرِضَ إِِذَا أَجَّل الْقَرْضَ لاَ يَلْزَمُهُ التَّأْجِيل؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ فِيهِ الأَْجَل لَمْ يَبْقَ تَبَرُّعًا.
وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ، فَإِِذَا تَمَّ الْقَبْضُ فَلاَ رُجُوعَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ فِيمَا وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ (80) .
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهِ. وَفِي (تَبَرُّعٌ) .
أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ كَالصَّدَقَةِ وَالإِِْنْفَاقِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ، فَإِِنْ كَانَ قَدْ مَضَى فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ، مَا دَامَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّ بِنِيَّةِ التَّبَرُّعِ. يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الثَّوَابُ لاَ الْعِوَضُ. وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ فِي صَدَقَتِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ قَال فِي حَدِيثِهِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا. وَمِثْل ذَلِكَ الإِِْنْفَاقُ إِِذَا كَانَ بِقَصْدِ التَّبَرُّعِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِِذَا أَنْفَقَ الْوَصِيُّ مِنْ مَال نَفْسِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ غَائِبٌ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الإِِْنْفَاقِ اسْتِحْسَانًا، إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ قَرْضٌ، أَوْ أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمَقَاصِدُ تُغَيِّرُ أَحْكَامَ التَّصَرُّفَاتِ، فَالنِّيَّةُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ نَفَقَةً وَاجِبَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - يَنْوِي التَّبَرُّعَ وَالْهِبَةَ - لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ بِالْبَدَل، وَإِِنْ لَمْ يَنْوِ فَلَهُ الرُّجُوعُ. عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاً وَخِلاَفًا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً: أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ وَلِسَائِرِ الأُْصُول الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا عَلَى الْوَلَدِ، أَمَّا الْوَاجِبَةُ فَلاَ رُجُوعَ فِيهَا. وَلاَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ الرُّجُوعَ فِي الإِِْبْرَاءِ لِوَلَدِهِ عَنْ دَيْنِهِ. بَيْنَمَا يُجِيزُ الْحَنَابِلَةُ رُجُوعَ الأَْبِ فِيمَا أَبْرَأَ ابْنَهُ مِنْهُ مِنَ الدُّيُونِ (81) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَبَرُّعٌ، صَدَقَةٌ، إِبْرَاءٌ، هِبَةٌ، نَفَقَةٌ) .
23 - أَمَّا مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ. فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ.
يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: انْعَقَدَ الإِِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الإِِْنْسَانَ لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الاِعْتِكَافِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ رَجَبٍ ذَكَرَ خِلاَفًا فِي ذَلِكَ.
وَالْحَطَّابُ عَدَّ الأَْشْيَاءَ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَهِيَ سَبْعٌ: الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالاِعْتِكَافُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالاِئْتِمَامُ وَالطَّوَافُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا لاَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِقَطْعِهِ، وَهُوَ: الصَّدَقَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالأَْذْكَارُ وَالْوَقْفُ وَالسَّفَرُ لِلْجِهَادِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ (82) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَبَرُّعٌ، صَدَقَةٌ) .

ب - نِيَّةُ التَّطَوُّعِ:
24 - التَّطَوُّعُ - إِنْ كَانَ عِبَادَةً - فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ بِالإِِْجْمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (83) وَقَوْلُهُ ﷺ: {إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (84) وَهِيَ مَقْصُودَةٌ بِهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ، وَتَمْيِيزُ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ. فَالْغُسْل قَدْ يَكُونُ تَبَرُّدًا وَعِبَادَةً، وَالإِِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ قَدْ يَكُونُ حَمِيَّةً أَوْ تَدَاوِيًا، وَدَفْعُ الْمَال يَكُونُ صَدَقَةً شَرْعِيَّةً وَصِلَةً مُتَعَارَفَةً. . وَهَكَذَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ بِاتِّفَاقٍ (85) ، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي النِّيَّةِ فِي تَطَوُّعِ الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعْيِينِ أَوِ الإِِْطْلاَقِ.
25 - وَالتَّطَوُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ، مِنْهُ مَا هُوَ مُطْلَقٌ كَالتَّهَجُّدِ وَالصَّوْمِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُقَيَّدٌ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَكَصِيَامِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ.
أَمَّا التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ، فَيَصِحُّ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ أَدَاؤُهُ دُونَ تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ، وَتَكْفِي نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلاَةِ أَوْ مُطْلَقِ الصَّوْمِ.
أَمَّا التَّطَوُّعُ الْمُعَيَّنُ كَالرَّوَاتِبِ وَالْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَإِِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعْيِينُهُ بِالنِّيَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ حَدَّدُوا الْمُعَيَّنَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ: الْوِتْرُ وَالْعِيدَانِ وَصَلاَةُ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَرَغِيبَةِ الْفَجْرِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُطْلَقِ عِنْدَهُمْ. وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّطَوُّعَ الْمُعَيَّنَ أَوَ الْمُقَيَّدَ يَصِحُّ دُونَ تَعْيِينِهِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ كَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ (86) .
26 - أَمَّا غَيْرُ الْعِبَادَاتِ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، فَالأَْصْل أَنَّهُ لاَ مَدْخَل لِلنِّيَّةِ فِيهَا، إِلاَّ أَنَّ نِيَّةَ الْقُرْبَةِ فِيهَا - امْتِثَالاً لأَِوَامِرِ الشَّرْعِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى الْمَعْرُوفِ - مَطْلُوبَةً لاِسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ، إِذْ إِنَّهَا لاَ تَتَمَحَّضُ قُرْبَةً إِلاَّ بِهَذِهِ النِّيَّةِ. يَقُول الشَّاطِبِيُّ: الْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ.
إِِلَى أَنْ قَال: وَأَمَّا الأَْعْمَال الْعَادِيَّةُ - وَإِِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِِلَى نِيَّةٍ - فَلاَ تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلاَ مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلاَّ مَعَ قَصْدِ الاِمْتِثَال، وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: لاَ يَتَوَقَّفُ الْوَقْفُ وَلاَ الْهِبَةُ وَلاَ الْوَصِيَّةُ عَلَى النِّيَّةِ، فَالْوَصِيَّةُ إِنْ قُصِدَ التَّقَرُّبُ بِهَا فَلَهُ الثَّوَابُ، وَإِِلاَّ فَهِيَ صَحِيحَةٌ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ إِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فَلَهُ الثَّوَابُ وَإِِلاَّ فَلاَ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْقُرَبِ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، بِمَعْنَى تَوَقُّفِ حُصُول الثَّوَابِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ بِهَا إِِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: الْهِبَةُ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ الْمَنْدُوبَةِ كَالصَّدَقَةِ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ الْقَصْدُ، وَإِِنِ اسْتَحْضَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا رَغَّبَ فِيهِ الشَّرْعُ فَإِِنَّهُ يُثَابُ. وَفِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلاَمِ قُرْبَةٌ، لاَ يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ (87) .

ج - النِّيَابَةُ فِي التَّطَوُّعِ:
27 - التَّطَوُّعُ إِنْ كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَلاَ تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ، لأَِنَّهُ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ تَجُوزُ فِي نَفْلِهِ. وَإِِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْهُمَا كَالْحَجِّ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ مُعْتَمَدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّطَوُّعَاتِ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالصَّدَقَةِ وَالْهَدْيِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالإِِْبْرَاءِ وَغَيْرِهَا فَإِِنَّهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا.
كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَتَطَوَّعَ الإِِْنْسَانُ بِجَعْل ثَوَابِ عَمَلِهِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ وَطَوَافٍ وَعُمْرَةٍ وَقِرَاءَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ. بِدَلِيل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنْهُ، وَالآْخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ. (88) وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ: لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ. (89)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا عَامٌّ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ عَمَل بِرٍّ وَطَاعَةٍ فَوَصَل نَفْعُهُ وَثَوَابُهُ كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ. عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانَا، وَنَحُجُّ عَنْهُمْ، وَنَدْعُو لَهُمْ، فَهَل يَصِل ذَلِكَ لَهُمْ؟ قَال: نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَصِل إِلَيْهِمْ، وَإِِنَّهُمْ لَيَفْرَحُونَ بِهِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالطَّبَقِ إِِذَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ (90) وَقَال ﷺ: إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْمَوْتِ أَنْ تُصَلِّيَ لأَِبَوَيْكَ مَعَ صَلاَتِكَ، وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ (91)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ فِيمَا عَدَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ (92) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نِيَابَةٌ - وَكَالَةٌ - نَفْلٌ - صَدَقَةٌ - صَلاَةٌ - وَصَوْمٌ) .

د - الأُْجْرَةُ عَلَى التَّطَوُّعِ:
28 - الأَْصْل أَنَّ كُل طَاعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُسْلِمُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا، كَالإِِْمَامَةِ وَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ. لِمَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ قَال: إِنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (93) وَلأَِنَّ الْقُرْبَةَ مَتَى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عَنِ الْعَامِل، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهُ، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأَْجْرِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ.
هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (94) .
وَيَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. جَاءَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: تُكْرَهُ إِجَارَةُ الإِِْنْسَانِ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ لِلَّهِ تَعَالَى، حَجًّا أَوْ غَيْرَهُ، كَقِرَاءَةٍ وَإِِمَامَةٍ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ، وَصِحَّتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. كَمَا تُكْرَهُ الإِِْجَارَةُ عَلَى الأَْذَانِ، قَال مَالِكٌ: لأََنْ يُؤَاجِرَ الرَّجُل نَفْسَهُ فِي عَمَل اللَّبِنِ وَقَطْعِ الْحَطَبِ وَسَوْقِ الإِِْبِل أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْمَل عَمَلاً لِلَّهِ بِأُجْرَةٍ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لاَ تَصِحُّ إِجَارَةُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ وَلاَ لِعِبَادَةٍ يَجِبُ لَهَا نِيَّةٌ، وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ الإِِْمَامَةَ وَلَوْ لِنَفْلٍ؛ لأَِنَّهُ حَصَل لِنَفْسِهِ. أَمَّا مَا لاَ تَجِبُ لَهُ نِيَّةٌ كَالأَْذَانِ فَيَصِحُّ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَاسْتُثْنِيَ مِمَّا فِيهِ نِيَّةٌ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَيَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ لَهُمَا أَوْ لأَِحَدِهِمَا عَنْ عَاجِزٍ أَوْ مَيِّتٍ، وَتَقَعُ صَلاَةُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ تَبَعًا لَهُمَا، وَتَجُوزُ الإِِْجَارَةُ عَنْ تَفْرِقَةِ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ وَهَدْيٍ وَذَبْحٍ وَصَوْمٍ عَنْ مَيِّتٍ وَسَائِرِ مَا يَقْبَل النِّيَابَةَ وَإِِنْ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ شَائِبَةِ الْمَال. وَتَصِحُّ الإِِْجَارَةُ لِكُل مَا لاَ تَجِبُ لَهُ نِيَّةٌ. وَتَصِحُّ لِتَجْهِيزِ مَيِّتٍ وَدَفْنِهِ وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ وَلِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقَبْرِ أَوْ مَعَ الدُّعَاءِ (95) .
وَفِي الاِخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ لاِبْنِ تَيْمِيَّةَ: لاَ يَجُوزُ لِلإِِْنْسَانِ أَنْ يَقْبَل هَدِيَّةً مِنْ شَخْصٍ لِيَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ ذِي أَمْرٍ، أَوْ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلَمَةً، أَوْ يُوصِل إِلَيْهِ حَقَّهُ أَوْ يُوَلِّيَهُ وِلاَيَةً يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمُهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ، وَإِِذَا امْتَنَعَتِ الْهَدِيَّةُ امْتَنَعَتِ الأُْجْرَةُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ أَخَذَ أَجْرًا عَلَى عَمَل تَطَوُّعٍ - مِمَّا يَجُوزُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ - فَإِِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَجِيرًا، وَلَيْسَ مُتَطَوِّعًا بِالْقُرُبَاتِ؛ لأَِنَّ الْقُرَبَ وَالطَّاعَاتِ إِِذَا وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً وَلاَ عِبَادَةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّشْرِيكُ فِي الْعِبَادَةِ، لَكِنْ إِِذَا كَانَ الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَال أَوْ مِنْ وَقْفٍ فَإِِنَّهُ يُعْتَبَرُ نَفَقَةً فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يُعْتَبَرُ أَجْرًا.
جَاءَ فِي الاِخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ: الأَْعْمَال الَّتِي يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ، هَل يَجُوزُ إِيقَاعُهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ؟ فَمَنْ قَال: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، لَمْ يُجِزِ الإِِْجَارَةَ عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا بِالْعِوَضِ تَقَعُ غَيْرَ قُرْبَةٍ وَإِِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَاللَّهُ تَعَالَى لاَ يَقْبَل مِنَ الْعَمَل إِلاَّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَمَنْ جَوَّزَ الإِِْجَارَةَ جَوَّزَ إِيقَاعَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَقَال: تَجُوزُ الإِِْجَارَةُ عَلَيْهَا لاَ فِيهَا مِنْ نَفْعِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَال فَلَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً، بَل رِزْقٌ لِلإِِْعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَمَنْ عَمِل مِنْهُمْ لِلَّهِ أُثِيبَ. وَكَذَلِكَ الْمَال الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَال الْبِرِّ وَالْمُوصَى بِهِ كَذَلِكَ، وَالْمَنْذُورُ كَذَلِكَ، لَيْسَ كَالأُْجْرَةِ. وَيَقُول الْقَرَافِيُّ: بَابُ الأَْرْزَاقِ أَدْخَل فِي بَابِ الإِِْحْسَانِ وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبَابُ الإِِْجَارَةِ أَبْعَدُ مِنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَل فِي بَابِ الْمُكَايَسَةِ (96) ، ثُمَّ يَقُول: الأَْرْزَاقُ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهَا، لأَِنَّهَا إِحْسَانٌ وَمَعْرُوفٌ وَإِِعَانَةٌ لاَ إِجَارَةٌ (97) .

انْقِلاَبُ التَّطَوُّعِ إِِلَى وَاجِبٍ:
29 - يَنْقَلِبُ التَّطَوُّعُ إِِلَى وَاجِبٍ لأَِسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا:

أ - الشُّرُوعُ:
30 - التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ يَصِيرُ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، بِحَيْثُ إِِذَا فَسَدَ وَجَبَ قَضَاؤُهُ. وَمِثْل ذَلِكَ: الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (98) . ب - التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِِْسْلاَمِ:
31 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ - مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِِْسْلاَمِ - وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الإِِْسْلاَمِ، وَبِهَذَا قَال ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَالشَّافِعِيُّ؛ لأَِنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ، فَوَقَعَ عَنْ فَرْضِهِ كَالْمُطْلَقِ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ وَعَلَيْهِ مَنْذُورَةٌ وَقَعَتْ عَنِ الْمَنْذُورَةِ، وَلأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ فَهِيَ كَحَجَّةِ الإِِْسْلاَمِ. وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا ذَكَرْنَا لأَِنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَأَشْبَهَتِ الآْخَرَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِِلَى: أَنَّهُ إِِذَا نَوَى حَجَّةَ نَفْلٍ - وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الإِِْسْلاَمِ - وَقَعَ عَمَّا نَوَاهُ؛ لأَِنَّ وَقْتَ الْحَجِّ يُشْبِهُ وَقْتَ الصَّلاَةِ (ظَرْفٌ) وَوَقْتُ الصَّوْمِ (مِعْيَارٌ) فَأُعْطِيَ حُكْمَهُمَا، فَيَتَأَدَّى فَرْضُهُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَيَقَعُ عَنِ النَّفْل إِِذَا نَوَاهُ.
وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوْ طَافَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ: لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ أَجْزَأَهُ عَنِ الزَّكَاةِ اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاسُ: أَنْ لاَ يَجُوزَ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَلاَ بُدَّ لَهَا مِنَ النِّيَّةِ. وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ دَلاَلَةً، وَعَلَى هَذَا إِِذَا وَهَبَ جَمِيعَ النِّصَابِ مِنَ الْفَقِيرِ، أَوْ نَوَى تَطَوُّعًا، وَلَوْ أَدَّى مِائَةً لاَ يَنْوِي الزَّكَاةَ، وَنَوَى تَطَوُّعًا، لاَ تَسْقُطُ زَكَاةُ الْمِائَةِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ الْكُلعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ مَا تَصَدَّقَ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْبَاقِي (99) .

ج - الاِلْتِزَامُ أَوِ التَّعْيِينُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْل:
32 - جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ عَلَى فُلاَنٍ، فَخَالَفَ، جَازَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَلَوْ خَالَفَ فِي بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا، بِأَنْ تَصَدَّقَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِبَلَدٍ آخَرَ بِدِرْهَمٍ آخَرَ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ جَازَ؛ لأَِنَّ الدَّاخِل تَحْتَ النَّذْرِ مَا هُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ أَصْل التَّصَدُّقِ دُونَ التَّعْيِينِ، فَبَطَل التَّعْيِينُ وَلَزِمَهُ الْقُرْبَةُ.
ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُطْعِمَ هَذَا الْمِسْكِينَ شَيْئًا سَمَّاهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلَّذِي سَمَّى؛ لأَِنَّهُ إِِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْمَنْذُورَ صَارَ تَعْيِينُ الْفَقِيرِ مَقْصُودًا، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ.
وَفِي الاِخْتِيَارِ: لاَ تَجِبُ الأُْضْحِيَّةُ عَلَى الْفَقِيرِ، لَكِنَّهَا تَجِبُ بِالشِّرَاءِ، وَيَتَعَيَّنُ مَا اشْتَرَاهُ لِلأُْضْحِيَّةِ. فَإِِنْ مَضَتْ أَيَّامُ الأُْضْحِيَّةِ وَلَمْ يَذْبَحْ، تَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةً؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْفَقِيرِ، فَإِِذَا اشْتَرَاهَا بِنِيَّةِ الأُْضْحِيَّةِ تَعَيَّنَتْ لِلْوُجُوبِ، وَالإِِْرَاقَةُ إِنَّمَا عُرِفَتْ قُرْبَةً فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ، وَقَدْ فَاتَ فَيَتَصَدَّقُ بِعَيْنِهَا. وَإِِنْ كَانَ الْمُضَحِّي غَنِيًّا، وَفَاتَ وَقْتُ الأُْضْحِيَّةِ، تَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا، اشْتَرَاهَا أَوْ لاَ؛ لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَإِِذَا فَاتَ وَقْتُ الْقُرْبَةِ فِي الأُْضْحِيَّةِ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ إِخْرَاجًا لَهُ عَنِ الْعُهْدَةِ.
وَجَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: الأُْضْحِيَّةُ سُنَّةٌ، وَلَكِنَّهَا تَجِبُ بِالاِلْتِزَامِ، كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ أُضْحِيَّةً كَسَائِرِ الْقُرَبِ.
وَفِي تَحْرِيرِ الْكَلاَمِ فِي مَسَائِل الاِلْتِزَامِ لِلْحَطَّابِ: الاِلْتِزَامُ الْمُطْلَقُ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُلْتَزِمِ، مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ أَوْ يَمْرَضْ.
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِيمَنْ عَزَل لِمِسْكِينٍ مُعَيَّنٍ شَيْئًا، وَبَتَّلَهُ لَهُ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إِنْ فَعَل. وَلَوْ نَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَمْ يُبَتِّلْهُ لَهُ بِقَوْلٍ وَلاَ نِيَّةٍ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِِلَى غَيْرِهِ. وَمَعْنَى بَتَّلَهُ: جَعَلَهُ لَهُ مِنَ الآْنَ.
وَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: مَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ. وَقَال غَيْرُهُ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: يُحْمَل كَلاَمُ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى مَا إِِذَا أَخْرَجَهَا لِمُعَيَّنٍ، فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ، وَحُمِل كَلاَمُ مَالِكٍ عَلَى إِخْرَاجِهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بَل يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الَّذِي يَأْخُذُهَا.وَفِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ لاِبْنِ رَجَبٍ: الْهَدْيُ وَالأُْضْحِيَّةُ يَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعْيِينِ بِالْقَوْل بِلاَ خِلاَفٍ. وَفِي تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ وَجْهَانِ، فَإِِذَا قَال: هَذِهِ صَدَقَةٌ، تَعَيَّنَتْ وَصَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَنْذُورَةِ، وَإِِذَا عَيَّنَ بِنِيَّتِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا صَدَقَةً - وَعَزَلَهَا عَنْ مَالِهِ - فَهُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَاةً يَنْوِي التَّضْحِيَةَ (100) .

د - النَّذْرُ:
33 - النَّذْرُ بِالْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ يَجْعَلُهَا وَاجِبَةً. قَال الْكَاسَانِيُّ: النَّذْرُ مِنْ أَسْبَابِ الْوُجُوبِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ الْمَقْصُودَةِ. وَفِي فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ: هُوَ الْتِزَامُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ (101) .

هـ - اسْتِدْعَاءُ الْحَاجَةِ:
34 - قَال ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِِلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ مِنَ الأَْعْيَانِ - وَلاَ ضَرَرَ فِي بَذْلِهِ لِتَيَسُّرِهِ، وَكَثْرَةِ وُجُودِهِ - أَوِ الْمَنَافِعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا يَجِبُ بَذْلُهُ مَجَّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الأَْظْهَرِ، وَمِنْ ذَلِكَ وَضْعُ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ إِِذَا لَمْ يَضُرَّ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ بَذْل الْمَاعُونِ، وَهُوَ مَا خَفَّ قَدْرُهُ وَسَهُل (وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِبَذْلِهِ) ،
وَمِنْهَا: الْمُصْحَفُ تَجِبُ إِعَارَتُهُ لِمُسْلِمٍ احْتَاجَ الْقِرَاءَةَ فِيهِ. وَفِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: الْعَارِيَّةُ مَنْدُوبَةٌ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهَا، كَغَنِيٍّ عَنْهَا لِمَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا هَلاَكَهُ. وَفِي الْقَرْضِ قَال: الْقَرْضُ مَنْدُوبٌ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُوجِبُهُ كَالْقَرْضِ لِتَخْلِيصِ مُسْتَهْلِكٍ (102) .

و الْمِلْكُ:
35 - الأَْصْل فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ، لَكِنْ يَكُونُ وَاجِبًا عَلَى مَنْ مَلَكَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ، حَيْثُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْمِلْكِ (103) .

أَسْبَابُ مَنْعِ التَّطَوُّعِ:
36 - يُمْنَعُ التَّطَوُّعُ لأَِسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا:

أ - وُقُوعُهُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا:
37 - التَّطَوُّعُ بِالْعِبَادَةِ فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي نَهَى الشَّارِعُ عَنْ وُقُوعِ الْعِبَادَةِ فِيهَا مَمْنُوعٌ، كَالصَّلاَةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا أَوْ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَال: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيل الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضِيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (104) وَمِثْل ذَلِكَ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ (105) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. (106)
وَيُنْظَرُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ وَتَفْصِيلِهِ: (أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ - صَلاَةٌ - نَفْلٌ - صَوْمٌ) .

ب - إِقَامَةُ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ:
38 - يُمْنَعُ التَّطَوُّعُ بِالصَّلاَةِ إِِذَا شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِِْقَامَةِ لِلصَّلاَةِ، أَوْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لاَ يَتَّسِعُ لأَِدَاءِ أَيِّ نَافِلَةٍ (107) . قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ (108) (ر: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ، نَفْلٌ) . ج - عَدَمُ الإِِْذْنِ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإِِْذْنَ:
39 - مَنْ يَتَوَقَّفُ تَطَوُّعُهُ عَلَى إِذْنِ غَيْرِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ إِلاَّ بَعْدَ الإِِْذْنِ لَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَطَوَّعَ بِصَوْمٍ أَوِ اعْتِكَافٍ أَوْ حَجٍّ إِلاَّ بِإِِذْنِ زَوْجِهَا، وَلاَ يَصُومُ الأَْجِيرُ تَطَوُّعًا إِلاَّ بِإِِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ إِِذَا تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الْبَالِغِ الإِِْحْرَامُ بِنَفْل حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ نَفْل جِهَادٍ إِلاَّ بِإِِذْنِ الأَْبَوَيْنِ (109) .
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نَفْلٌ، صَلاَةٌ، صَوْمٌ، حَجٌّ، إِجَارَةٌ، أُنْثَى) .

د - الإِِْفْلاَسُ فِي الْحَجْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ الْمَالِيَّةِ:
40 - مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَإِِنَّهُ يُمْنَعُ شَرْعًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِي أَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّبَرُّعِ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ، وَهَذَا بَعْدَ الْحَجْرِ بِاتِّفَاقٍ، أَمَّا قَبْل الْحَجْرِ فَفِيهِ اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ (ر: حَجْرٌ، تَبَرُّعٌ، إِفْلاَسٌ) .
وَتُمْنَعُ التَّبَرُّعَاتُ الْمُنَجَّزَةُ - كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - إِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ، وَكَانَتِ التَّبَرُّعَاتُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ قَبْل وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ. (110)
وَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ.
وَمَنْ وَقَفَ وَقْفًا مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَلَمْ يُمْكِنْ وَفَاءُ الدَّيْنِ إِلاَّ بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنَ الْوَقْفِ، وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، بِيعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَيُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ أَيْضًا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَفْضُل شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
جَاءَ فِي الْمَنْثُورِ: الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إِِذَا فَعَلَهَا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ مِمَّا لاَ يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلاَ يَحِل تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ. وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِيمَنْ تَبَرَّعَ بِمَالِهِ بِوَقْفٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَأَبَوَاهُ مُحْتَاجَانِ: أَنَّ لَهُمَا رَدَّهُ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ مَنْ أَوْصَى لأَِجَانِبَ، وَلَهُ أَقَارِبُ مُحْتَاجُونَ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ. فَتَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ لِوَارِثٍ أَوْ دَيْنٍ - لَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ - لَهُمَا رَدُّهُ (111) . وَكُل هَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ فِي: (حَجْرٌ، تَبَرُّعٌ، هِبَةٌ، وَقْفٌ، وَصِيَّةٌ) .

هـ - التَّطَوُّعُ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرُبَاتِ فِي الْمَعْصِيَةِ:
41 - لاَ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِشَيْءٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: -
لاَ تَصِحُّ إِعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ بِالْحَجِّ (112) . - لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ، كَالْوَصِيَّةِ لِلْكَنِيسَةِ، وَالْوَصِيَّةِ بِالسِّلاَحِ لأَِهْل الْحَرْبِ. وَلاَ الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ أَوْ عِمَارَتِهِمَا أَوِ الاِتِّفَاقِ عَلَيْهِمَا (113) .
لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلاَ عَلَى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ كَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَكَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالإِِْنْجِيل. وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالْوَقْفِ الْقُرْبَةُ. وَفِي وَقْفِ ذَلِكَ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (114) . وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجُمْلَةِ. وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: (الْوَقْفُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْهِبَةُ، وَالتَّبَرُّعُ)

ثَالِثًا: مَا يَخُصُّ غَيْرَ الْعِبَادَاتِ (مِنْ أَحْكَامِ التَّطَوُّعِ) :
الإِِْيجَابُ وَالْقَبُول وَالْقَبْضُ:
42 - مِنَ التَّطَوُّعَاتِ مَا يَحْتَاجُ إِِلَى الإِِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَذَلِكَ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، مِثْل الْعَارِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ - مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَاخْتِلاَفِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ أَيْضًا - وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ - الْعَارِيَّةُ
43 - الإِِْيجَابُ وَالْقَبُول رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْعَارِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ يَحِل التَّعَاطِي مَحَل الإِِْيجَابِ أَوِ الْقَبُول.
وَالْقَبْضُ لاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْعَارِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ عِنْدَهُمْ، وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا الْمُسْتَعِيرُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُل فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لأَِنَّهَا تُسْتَوْفَى شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكُلَّمَا اسْتَوْفَى شَيْئًا فَقَدْ قَبَضَهُ، وَالَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ فِي حَالٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ، كَإِِعَارَةِأَرْضٍ لِزِرَاعَةٍ أَوْ دَفْنِ مَيِّتٍ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي: (عَارِيَّةٌ) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَالإِِْعَارَةُ عَقْدٌ لاَزِمٌ عِنْدَهُمْ، فَهِيَ تُفِيدُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِالإِِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْل الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ، أَوْ قَبْل إِمْكَانِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمُسْتَعَارِ إِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً (115) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ كَذَلِكَ.

ب - الْهِبَةُ:
44 - الإِِْيجَابُ وَالْقَبُول رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا الْقَبْضُ فَلاَ بُدَّ مِنْهُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لَوْ ثَبَتَ بِدُونِهِ لَلَزِمَ الْمُتَبَرِّعَ شَيْءٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَهُوَ التَّسَلُّمُ، فَلاَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ بَل بِالْقَبْضِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَال: " وَاللَّهِ، يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلاَ أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَّدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال وَارِثٍ (116) . وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ هُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. قَال الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ لاَ يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ: أَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ كَالإِِْيجَابِ فِي غَيْرِهَا، وَكَلاَمُ الْخِرَقِيِّ يَدُل عَلَيْهِ.
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْهِبَةَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، فَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِيهَا قَبْل الْقَبْضِ، كَذَا فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الإِِْنْصَافِ.
وَعَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَمَنْ رَأَى رَأْيَهُمْ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْل الْقَبْضِ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَتِمَّ. وَلَكِنَّهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ يَكُونُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ قَال: إِنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تُمْلَكُ الْهِبَةُ بِالْقَبُول عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلِلْمُتَّهِبِ طَلَبُهَا مِنَ الْوَاهِبِ إِنَ امْتَنَعَ وَلَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ، لِيُجْبِرَهُ عَلَى تَمْكِينِ الْوَهُوبِ لَهُ مِنْهَا. لَكِنْ قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْقَبُول وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ فِي الْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَبُول رُكْنٌ وَالْحِيَازَةَ شَرْطٌ. أَيْ فِي تَمَامِهَا، فَإِِنْ عُدِمَ لَمْ تَلْزَمْ، وَإِِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً.
عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَوْ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ، فَإِِنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ، أَيْ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الرَّجُلأَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (117) أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ الْقَبْضِ، إِلاَّ الْوَالِدُ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ فَإِِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ (118) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ. (119)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (هِبَةٌ) .

ج - الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ:
45 - مِنْ أَرْكَانِ الْوَصِيَّةِ الإِِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَالْقَبُول مِنَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ، لَكِنَّ الْقَبُول لاَ يُعْتَبَرُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَلاَ يُفِيدُ الْقَبُول قَبْل مَوْتِهِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَالْمُوصِي يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَبِالْقَبُول يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى بِهِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبْضِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرَ زُفَرَ - وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا عِنْدَ زُفَرَ فَرُكْنُ الْوَصِيَّةِ هُوَ الإِِْيجَابُ فَقَطْ مِنَ الْمُوصِي، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ كَالإِِْرْثِ (120) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وَصِيَّةٌ) .

د - الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ:
46 - الإِِْيجَابُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْوَقْفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ. أَمَّا الْقَبُول: فَإِِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَفْتَقِرُ الْوُقُوفُ عَلَى مُعَيَّنٍ إِِلَى الْقَبُول؛ لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُول كَالْعِتْقِ، أَمَّا الْقَبْضُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَمَّدٍ: الْقَبْضُ شَرْطٌ (121) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (وَقْفٌ) .
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح للجوهري، والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب 1 / 89، والمفردات للراغب الأصفهاني.
(2) سورة البقرة / 184.
(3) التعريفات للجرجاني، والبناية في شرح الهداية 2 / 527، وكشاف القناع 1 / 411، والمجموع شرح المهذب 4 / 2، والكافي لابن عبد البر 1 / 255، والحطاب 2 / 75، وجمع الجوامع 1 / 89، وشرح الكوكب المنير / 126، ونهاية المحتاج 2 / 100، وإرشاد الفحول 1 / 6.
(4) كشف الأسرار 2 / 302 نشر دار الكتاب العربي، وكشاف اصطلاحات الفنون مادتي: " طوع، ونفل ".
(5) المواق بهامش الحطاب 2 / 66، ونهاية المحتاج 2 / 100، 101، وجمع الجوامع 1 / 90
(6) البدائع 1 / 285، 286، 290، 298، والكافي لابن عبد البر 1 / 255، والحطاب 2 / 75.
(7) جمع الجوامع 1 / 90، والكوكب المنير / 126، وإرشاد الفحول / 6، ونهاية المحتاج 2 / 101، وشرح منتهى الإرادات 1 / 222، والكافي لابن عبد البر 1 / 255.
(8) حديث: " لا، إلا أن تطوع " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 106 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 41 - ط الحلبي) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.
(9) البدائع 1 / 284 - 294، 295، والهداية 1 / 66، 67، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي / 215، وجواهر الإكليل 1 / 73 - 76، والحطاب 1 / 415، ونهاية المحتاج 2 / 102 وما بعدها، وكشاف القناع 1 / 411 وما بعدها.
(10) شرح منتهى الإرادات 1 / 253.
(11) البدائع 1 / 288، والفواكه الدواني 2 / 387، والذخيرة / 80، والأذكار للنووي / 210، 211.
(12) الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل. . . " أخرجه البخاري (الفتح 11 / 341 - ط السلفية) .
(13) حديث: " من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة " أخرجه الترمذي (2 / 273 - ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وأصله في مسلم (1 / 503 - ط الحلبي) من حديث أم حبيبة ﵂.
(14) حديث: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " أخرجه مسلم (1 / 501 ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂.
(15) نهاية المحتاج 3 / 199، والمنثور 3 / 61، والبدائع 1 / 284.
(16) حديث: " إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " أخرجه مسلم (2 / 819 - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة ﵁.
(17) حديث: " من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر " أخرجه مسلم (2 / 822 - ط الحلبي) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁.
(18) شرح منتهى الإرادات 1 / 459، والمبسوط 3 / 114، 115.
(19) سورة البقرة / 245.
(20) حاشية ابن عابدين 4 / 502.
(21) الشرح الصغير 1 / 145 ط الحلبي.
(22) الشرح الصغير 1 / 145.
(23) حديث: " فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب ﷿: انظروا هل لعبدي من تطوع " أخرجه الترمذي وحسنه (2 / 269 - 270 ط مصطفى البابي) وابن ماجه (1 / 458 ط عيسى الحلبي) ونقل أحمد شاكر عن ابن حجر تصحيحه، (الترمذي 2 / 271 ط مصطفى الحلبي) .
(24) حديث: " أول ما افترض الله على أمتي الصلاة " عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى الحاكم في الكنى وحسنه، وسكت عنه المناوي، (فيض القدير 3 / 95. ط المكتبة التجارية) .
(25) نهاية المحتاج 2 / 102، وكشاف القناع 1 / 411.
(26) الحطاب 2 / 75.
(27) سورة المائدة / 2.
(28) حديث: " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " أخرجه مسلم (4 / 2074 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(29) حديث: " اشفعوا تؤجروا " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 299 - ط السلفية) . من حديث أبي موسى الأشعري.
(30) فتح الباري 10 / 451 ط مكتبة الرياض الحديثة.
(31) حديث: " تهادوا تحابوا " أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص 155 - ط السلفية) وحسنه ابن حجر في التلخيص (3 / 70 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(32) الشرح الصغير 1 / 145 ط الحلبي، والمهذب 1 / 89، والمجموع شرح المهذب 3 / 456، 457، 459.
(33) سورة النساء / 95.
(34) سورة البقرة / 261.
(35) حديث: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " أخرجه الترمذي (5 / 50 - ط الحلبي) من حديث أبي أمامة ﵁ واستغربه.
(36) شرح منتهى الإرادات 1 / 222، 223، وكشاف القناع 1 / 411، 412، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 160.
(37) المنثور 1 / 345، 3 / 62.
(38) منح الجليل 3 / 46، والمهذب 1 / 309.
(39) حديث: " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 812 - ط الحلبي) وقال البوصيري: في إسناده خالد بن يزيد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهم.
(40) الاختيار 4 / 172.
(41) حديث: " خير الناس أنفعهم للناس " أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (2 / 223 - ط الرسالة) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وهو حسن لطرقه.
(42) عن عمر بن الخطاب قال: إن الأعمال تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم. أخرجه ابن خزيمة (4 / 95 - ط المكتب الإسلامي) وأعله بجهالة أحد رواته.
(43) الأشباه لابن نجيم / 174.
(44) الفواكه الدواني 2 / 216، 362، والاختيار 4 / 172 و 3 / 55، والمهذب 1 / 89، 194، 309، ومغني المحتاج 3 / 120، وشرح منتهى الإرادات 1 / 222، 223، ومنح الجليل 3 / 46، 487.
(45) سورة المائدة / 2.
(46) سورة البقرة / 245.
(47) حديث: " من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة " أخرجه مسلم (1 / 503 - ط الحلبي) من حديث أم حبيبة ﵂.
(48) حديث: " من صام رمضان ثم ستا من شوال كان كصيام الدهر " تقدم تخريجه (ف / 4) .
(49) حديث: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 283 - ط السلفية) ومسلم (2 / 704 - ط الحلبي) من حديث عدي بن حاتم ﵁.
(50) حديث: " لا يمنع أحدكم جارة أن يغرز خشبه في جداره " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 110 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1230 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(51) المهذب 1 / 257، والمنح 3 / 487، والقواعد لابن رجب ص 228.
(52) المنثور في القواعد 3 / 278، ومنح الجليل 3 / 489.
(53) جواهر الإكليل 1 / 34، ومغني المحتاج 3 / 401.
(54) الأشباه لابن نجيم ص 50، 307، والأشباه للسيوطي ص 214، 219.
(55) الشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي، والهداية 4 / 234، ونهاية المحتاج 5 / 356.
(56) البدائع 1 / 274، 280، 298، والشرح الصغير 1 / 152، وجواهر الإكليل 1 / 74، 76، ونهاية المحتاج 1 / 102، 120، وشرح منتهى الإرادات 1 / 224، والمغني 2 / 142، ونيل المآرب 1 / 204 ط الفلاح.
(57) حديث: " صلوا أيها الناس في بيوتكم " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 214 - ط السلفية) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(58) الفواكه الدواني 2 / 365، والحطاب 2 / 67، والكافي لابن عبد البر 1 / 212، 260، والمغني 1 / 561، 2 / 128، 141، ومنتهى الإرادات 1 / 231، والمهذب 1 / 91، 92، ومغني المحتاج 1 / 183.
(59) حديث: " أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر " أخرجه ابن ماجه (1 / 458 ط عيسى الحلبي) ، وأبو داود (1 / 409 ط عبيد الدعاس) . وضعف الحديث الحافظ في فتح الباري (2 / 335 ط السلفية) . لكنه حسن إسناده عند ابن أبي شيبة عن علي بلفظ " من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه " فهو إن شاء الله بشواهده حسن الإسناد.
(60) البدائع 1 / 285، 298.
(61) المغني 1 / 562. وحديث: " لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصل فيه المكتوبة " أخرجه ابن عدي في الكامل (5 / 1997 ط دار الفكر) ، وأبو داود (1 / 409 ط عبيد الدعاس) ، وابن ماجه (1 / 459 ط عيسى الحلبي) بنحوه. انظر تخريج الحديث السابق، وهو بشواهده حسن الإسناد.
(62) سورة البقرة / 115.
(63) حديث: " كان يوتر على بعيره " وفي رواية: " كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه وكان ابن عمر يفعله " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 573 ط السلفية) ومسلم (1 / 487 ط الحلبي) .
(64) وهذا يتناول كل وسائل النقل الحديثة من السيارات والطائرات على تفصيل ينظر في ملحق المسائل المستحدثة.
(65) البدائع 1 / 271، 290 وما بعدها، والهداية 1 / 69، وجواهر الإكليل 1 / 44، ومغني المحتاج 1 / 142، والمغني 1 / 434، 435.
(66) حديث: " من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 586 - ط السلفية) من حديث عمران بن حصين ﵁.
(67) الهداية 1 / 69، والبدائع 1 / 297، 298، وجواهر الإكليل 1 / 57، ومغني المحتاج 1 / 155. والمغني 2 / 142.
(68) الاختيار 1 / 66، وجواهر الإكليل 1 / 73، والمهذب 1 / 87، ومنتهى الإرادات 1 / 194.
(69) حديث أم سلمة: " قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر ثم دخل بيتي. . . " أخرجه أحمد (6 / 315 - ط الميمنية) وقال الهيثمي (2 / 224 - ط القدسي) : رجال أحمد رجال الصحيح.
(70) حديث: " فعلهما مع الفرض ليلة التعريس " أخرجه مسلم (1 / 473 - الحلبي) من حديث أبي قتادة ﵁.
(71) حديث: " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها " أخرجه مسلم (1 / 277 - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك ﵁، وأخرجه البخاري (الفتح 2 / 70 ط السلفية) دون ذكر النوم.
(72) البدائع 1 / 279، 287، 290، ومنح الجليل 1 / 210، والدسوقي 1 / 319، ومغني المحتاج 1 / 224، والمغني 2 / 128، وشرح منتهى الإرادات 1 / 230.
(73) الأشباه لابن نجيم ص 51، وشرح منتهى الإرادات 1 / 168، 169، 447.
(74) البدائع 2 / 50، 52، والمهذب 1 / 207، 240، والأشباه لابن نجيم ص 41.
(75) الأشباه لابن نجيم ص 40، وابن عابدين 1 / 77، والشرح الصغير 1 / 146، والقواعد لابن رجب ص 24.
(76) سورة محمد / 33.
(77) حديث: " اقضيا يوما مكانه " أخرجه الترمذي (3 / 112 - ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وأعله بالانقطاع.
(78) البدائع 1 / 290، 291، والاختيار 1 / 66، والشرح الصغير 1 / 408، والحطاب 2 / 90، والكافي لابن عبد البر 1 / 350، ومغني المحتاج 1 / 448، 523، والمهذب 1 / 95، والمغني 3 / 153، 365، وشرح منتهى الإرادات 1 / 461.
(79) حديث: " الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر " أخرجه الترمذي (3 / 109 - ط الحلبي) والحاكم (1 / 439 - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعله ابن التركماني بالاضطراب في سنده ومتنه (الجوهر النقي بهامش البيهقي 4 / 278 ط دائرة المعارف العثمانية) .
(80) البدائع 5 / 234 و 6 / 216 و 7 / 378، 396، والهداية 3 / 222 - 231 و 4 / 235، ومنح الجليل 3 / 50، وجواهر الإكليل 2 / 212، ومغني المحتاج 3 / 71، والمهذب 1 / 310، 370، 454، 468، ومنتهى الإرادات 2 / 227، 520، 525، والمغني 4 / 349 و 5 / 229.
(81) ابن عابدين 4 / 422، 5 / 458، والمغني 5 / 684، وإعلام الموقعين 3 / 98، وأسنى المطالب 2 / 483، والاختبارات الفقهية ص 187.
(82) المغني 3 / 185، والقواعد لابن رجب 86، ومواهب الجليل 2 / 90.
(83) سورة البينة / 5.
(84) حديث: " إنما الأعمال بالنيات " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 9 - ط السلفية ومسلم (3 / 1515 - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. واللفظ للبخاري.
(85) الأشباه لابن نجيم ص 19، 23 والذخيرة للقرافي ص 235، 236، والمنثور 3 / 287، والمغني 1 / 464.
(86) الأشباه لابن نجيم ص 32، 33، والبدائع 1 / 288، وحاشية الدسوقي 1 / 318، والحطاب 1 / 515، والأشباه للسيوطي ص 15 - 17، والمنثور 3 / 276، والمهذب 1 / 77، والمغني 1 / 466، وشرح منتهى الإرادات 1 / 167.
(87) الموافقات للثساطبي 2 / 323، 329، والأشباه لابن نجيم ص 23، 24، والشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي بتصرف، والمنثور في القواعد 3 / 61.
(88) حديث: " ضحى بكبشين أملحين: أحدهما عنه، والآخر عن أمته " أخرجه البيهقي (9 / 267 - ط دائرة المعارف العثمانية) وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد (4 / 22 - ط القدسي) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقال الهيثمي: إسناده حسن.
(89) حديث: " لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك " أخرجه أبو داود (3 / 302 - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(90) حديث: " إنه ليصل إليهم، وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه ". رواه أبو حفص العكبري كما ورد في ابن عابدين 2 / 237.
(91) حديث: " إن من البر بعد الموت أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صومك ". رواه الدارقطني كما ورد في ابن عابدين 2 / 237.
(92) البدائع 2 / 13، 41، 103، وابن عابدين 1 / 493، 606، 2 / 118، 237 - 241، والهداية 1 / 127 و 3 / 138، ومنح الجليل 1 / 306، 442، 449، 3 / 352، وجواهر الإكليل 2 / 125، والفروق للقرافي 3 / 191، والشرح الصغير 1 / 264، 2 / 182، ومغني المحتاج 3 / 67، ونهاية المحتاج 6 / 92 و 8 / 136، وقليوبي 2 / 338، والمنثور 3 / 312، والمهذب 1 / 355، والمغني 2 / 567، 568، 5 / 89، وشرح منتهى الإرادات 1 / 121، 362، 2 / 6.
(93) حديث: " اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " أخرجه أبو داود (1 / 363 ط. عبيد دعاس) والترمذي (1 / 410 - مصطفى البابي) . وقال: حديث عثمان حديث حسن صحيح.
(94) البدائع 4 / 192، والهداية 3 / 240، والمغني 3 / 231 و 5 / 555 - 559، والاختيارات الفقهية ص 55.
(95) الشرح الصغير 1 / 264 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 5 / 287، 288، 6 / 91.
(96) المكايسة: المغالبة والمسامحة (حاشية الدسوقي 3 / 2) .
(97) الاختيارات الفقهية ص 184، والمغني 3 / 231، والفروق للقرافي 3 / 3، 4. وحديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . " سبق تخريجه (ف 24) .
(98) البدائع 1 / 226 و 2 / 52، 108، 117، والشرح الصغير 1 / 248، ومغني المحتاج 1 / 448، والمغني 3 / 3.
(99) البدائع 2 / 40، والمغني 3 / 246، والأشباه لابن نجيم ص 45، وجواهر الإكليل 1 / 175، ومسلم الثبوت 1 / 72، وحاشية الدسوقي مع شرح الدردير 2 / 5.
(100) ابن عابدين 2 / 126، والاختيار 5 / 19، ونهاية المحتاج 8 / 207، وفتح العلي المالك 1 / 234، 248، والفواكه الدواني 2 / 220، والقواعد الفقهية لابن رجب ص 86، والمغني 3 / 537.
(101) البدائع 2 / 223، وفتح العلي المالك 1 / 218.
(102) القواعد لابن رجب ص 227، والشرح الصغير وحاشية الصاوي 2 / 104، 205 ط الحلبي.
(103) الشرح الصغير 2 / 445، والمهذب 2 / 5.
(104) حديث: " ثلاث ساعات. . . . " أخرجه مسلم (1 / 568 - 569 - ط الحلبي) .
(105) الاختيار 1 / 41، والدسوقي 1 / 186، وأسنى المطالب 1 / 123، والمغني 2 / 107.
(106) حديث: " نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر " أخرجه أحمد (2 / 511 ط المكتب الإسلامي) ، والبيهقي (4 / 297 ط دار المعرفة) وأصله عند الشيخين.
(107) جواهر الإكليل 1 / 77، ومنتهى الإرادات 1 / 347، ومراقي الفلاح / 102.
(108) حديث: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " أخرجه مسلم (1 / 493 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(109) البدائع 2 / 107، 108، والأشباه لابن نجيم / 173، والحطاب 2 / 453، 454، ونهاية المحتاج 3 / 356، والمغني 3 / 240.
(110) حديث: " إن الله تصدق عليكم بوفاتكم بثلث أموالكم " أخرجه ابن ماجه (2 / 904 ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، وفي إسناده ضعف، قال ابن حجر: طرقه كلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضا (بلوغ المرام ص 221 ط. عبد الحميد أحمد حنفي) .
(111) البدائع 7 / 174، والشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي، والحطاب 5 / 60، 61، ونهاية المحتاج 4 / 355، ومغني المحتاج 3 / 120، والمغني 5 / 633، 6 / 71، والاختيارات الفقهية ص 179، والمنثور في القواعد 3 / 278، والقواعد لابن رجب ص 14.
(112) البدائع 6 / 214، 215، والفتاوى الهندية 4 / 372، والشرح الصغير 2 / 206 ط الحلبي، والمغني 5 / 225.
(113) المهذب 1 / 458، والمغني 6 / 105.
(114) الحطاب 5 / 23، ونهاية المحتاج 5 / 365، والمغني 5 / 645.
(115) الهداية 3 / 220، والمهذب 1 / 370، وشرح منتهى الإرادات 2 / 393، وجواهر الإكليل 2 / 146.
(116) عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: " إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله ". . . أخرجه مالك في الموطأ (2 / 752 - ط الجمل) .
(117) حديث: " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " أخرجه ابن ماجه (2 / 798 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال البوصيري: في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف.
(118) الاختيار 3 / 48، والهداية 3 / 224 - 227، والدسوقي 4 / 101، والشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي، وأسنى المطالب 2 / 478، 482، والمهذب 1 / 454، وكشاف القناع 4 / 298، 300 - 301، 312، وشرح منتهى الإرادات 2 / 519.
(119) حديث: " العائد في هبته كالعائد في قيئه " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 234 - ط السلفية) ومسلم (3 / 124 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(120) البدائع 7 / 331، 342، 378، والاختيار 5 / 65، والهداية 4 / 233 - 234، والدسوقي 4 / 423 - 424، والشرح الصغير 2 / 466 ط الحلبي، وأسنى المطالب 3 / 43، والمهذب 1 / 459، وكشاف القناع 4 / 344، 348.
(121) ابن عابدين 3 / 360، 364 - 365، والاختيار 3 / 42، والدسوقي 4 / 78، 88، والشرح الصغير 2 / 300، وأسنى المطالب 2 / 463، وكشاف القناع 4 / 252.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 146/ 12