الحفي
كلمةُ (الحَفِيِّ) في اللغة هي صفةٌ من الحفاوة، وهي الاهتمامُ...
جَمْعُ نَقْدٍ، وَهُوَ العُمْلَةُ مِنَ الذَّهَبِ وَنَحْوِهِ يُتَعَامَل بِهِ، وَأَصْلُ النَّقْدِ: التَّمْيِيزُ وَالكَشْفُ، يُقَالُ: نَقَدَ الشَّيْءَ يَنْقُدُ نَقْدًا أَيْ مَيَّزَهُ لِيَعْرِفَ جَيِّدَهُ مِنْ رَدِيئِهِ، وَالنَّاقِدُ: الكَاشِفُ لِلْأُمُورِ، وَيُطْلَقُ النَّقْدُ بِمَعْنَى: التَّعْجِيلِ، كَقَوْلِ: نَقَدَ التّاجرُ الثَّمنَ إِذَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ حَاضِرًا، وَضِدُّهُ التَّأْجِيلُ.
يَرِد مُصطلَح (نُقُودٍ) فِي كِتابِ البُيوعِ فِي بَابِ الرِّبَا وَالصَّرْفِ، وَفِي كِتابِ الزَّكاةِ فِي بَابِ زَكاةِ النَّقْدَيْنِ. وَيُعَرِّفُهَا الاقْتِصادِيونَ بِأَنَّهَا: (وَسَائِلُ لِلتَّبادُلِ مَقْبولَةٌ قَبولاً عَاماً لِلدَّفْعِ مِنْ أَجْلِ الحُصولِ عَلَى السِّلَعِ أَوْ الخَدَمَاتِ الاقْتِصادِيَّةِ).
نقد
* روضة الطالبين : 5 / 117 - مقاييس اللغة : 367/5 - القاموس المحيط : ص322 - مقاييس اللغة : 367/5 - المدونة : 396/3 - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : 83/3 - المبسوط : 137/12 - روضة الطالبين : 363/3 -
التَّعْرِيفُ:
ا - النُّقُودُ لُغَةً جَمْعُ نَقْدٍ، وَالنَّقْدُ الْعُمْلَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُتَعَامَل بِهِ (1) .
وَالنُّقُودُ فِي الاِصْطِلاَحِ يَأْتِي بِمَعَانٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهَا اسْمٌ لِمَعْدِنَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِنْ هُنَا يَكْثُرُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ " النَّقْدَانِ " - بِالتَّثْنِيَةِ - إِشَارَةً إِلَى الْمَعْدِنَيْنِ.
وَيُطْلَقُ الاِسْمُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ أَكَانَا مَضْرُوبَيْنِ " أَيْ مَسْكُوكَيْنِ " أَمْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ بِأَنْ كَانَا سَبَائِكَ أَوْ تِبْرًا أَوْ حُلِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا فِي الْمَسْكُوكَيْنِ فَكَثِيرٌ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكَيْنِ فَمِنْهُ قَوْل الزُّرْقَانِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اسْتِعْمَال النَّقْدِ فِي جِدَارٍ وَسَقْفٍ (2) . يَقْصِدُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَقَوْل صَاحِبِ الْفُرُوعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَصِحُّ وَقْفُ قِنْدِيل نَقْدٍ، وَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ (3) ، وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: شَرْطُ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمُسُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا، وَالنَّقْدُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَضْرُوبَيْنِ (4) ، وَوَرَدَ مِثْل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ.
وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ فِي الْمَادَّةِ 130: النُّقُودُ جَمْعُ نَقْدٍ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، سَوَاءٌ كَانَا مَسْكُوكَيْنِ أَوْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ، وَيُقَال لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: النَّقْدَانِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خَاصَّةً، أُطْلِقَ عَلَيْهَا الاِسْمُ لأَِنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُنْقَدُ فِي الأَْثْمَانِ عَادَةً، سَوَاءٌ دُفِعَتْ حَالاً أَوْ بَعْدَ أَمَدٍ، جَيِّدَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ جَيِّدَةٍ، دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُسْتَعْمَل لِلتَّبَادُل. وَمِنْ عِبَارَاتِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْل السَّرَخْسِيِّ فِي الْمَبْسُوطِ: إِنَّ الْفُلُوسَ تُرَوَّجُ فِي ثَمَنِ الْخَسِيسِ مِنَ الأَْشْيَاءِ دُونَ النَّفِيسِ، بِخِلاَفِ النُّقُودِ (5) ، فَبَايَنَ بَيْنَ الْفُلُوسِ وَبَيْنَ النُّقُودِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقِرَاضِ: يُشْتَرَطُ فِي رَأْسِ الْمَال أَنْ يَكُونَ نَقْدًا، وَهُوَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ (6) . فَعَلَى هَذَا الاِصْطِلاَحِ وَالَّذِي قَبْلَهُ لَيْسَتِ الْفُلُوسُ نُقُودًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ اسْمٌ لِكُل مَا يُسْتَعْمَل وَسِيطًا لِلتَّبَادُل سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ جُلُودٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَلْقَى قَبُولاً عَامًّا.
وَمِنْهُ مَا قَال الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقُودٌ يَغْلِبُ التَّعَامُل بِوَاحِدٍ مِنْهَا انْصَرَفَ الْعَقْدُ إِلَى الْمَعْهُودِ وَإِنْ كَانَ فُلُوسًا (7) .
وَهَذَا الاِصْطِلاَحُ الثَّالِثُ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الاِسْتِعْمَال فِي هَذَا الْعَصْرِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفُلُوسُ:
2 - الْفُلُوسُ: جَمْعُ فَلْسٍ، وَهِيَ قِطَعٌ مَعْدِنِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، مَضْرُوبَةٌ مِنْ مَعْدِنٍ سِوَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ (8) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النُّقُودِ وَالْفُلُوسِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُتَعَامَل بِهِ. ب - التِّبْرُ:
3 - التِّبْرُ: هُوَ مَا اسْتُخْرِجَ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ مِنْ تُرَابِهِ قَبْل أَنْ يُضْرَبَ أَوْ يُصَاغَ، وَقِيل: يُسَمَّى بِذَلِكَ قَبْل تَخْلِيصِهِ مِنْ تُرَابِ الْمَعْدِنِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (9) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التِّبْرَ أَصْل النَّقْدَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
ج - السِّكَّةُ:
4 - السِّكَّةُ حَدِيدَةٌ مَنْقُوشَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا، تُضْرَبُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَالْمَسْكُوكَاتُ (وَيُقَال أَيْضًا: الْمَصْكُوكَاتُ) وَهِيَ الْعُمُلاَتُ الْمَعْدِنِيَّةُ الْمَضْرُوبَةُ مِنَ النَّقْدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَتُطْلَقُ السِّكَّةُ أَيْضًا عَلَى النُّقُوشِ وَالْكِتَابَةِ الَّتِي عَلَى النُّقُودِ (10) .
وَهِيَ تَخْتَلِفُ مِنْ دَوْلَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَمِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ فِي الدَّوْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَتُطْلَقُ السِّكَّةُ أَيْضًا عَلَى النُّقُودِ الْمَعْدِنِيَّةِ الْمَضْرُوبَةِ؛ لأَِنَّهَا طُبِعَتْ بِالْحَدِيدِ الَّتِي هِيَ السِّكَّةُ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ النُّقُودِ وَالسِّكَّةِ أَنَّ السِّكَّةَ أَعَمُّ مِنَ النُّقُودِ.
مَشْرُوعِيَّةُ التَّعَامُل بِالنُّقُودِ:
5 - التَّعَامُل بِالنُّقُودِ جَائِزٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ (11) } . وَتَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ إِجَازَةُ التَّعَامُل بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ قَال: دَفَعَ إِلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دِينَارًا لأَِشْتَرِيَ لَهُ شَاةً. فَاشْتَرَيْتُ لَهُ شَاتَيْنِ، فَبِعْتُ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَال لَهُ: " بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ " (12) .
وَفِي اتِّخَاذِ النُّقُودِ لِلتَّعَامُل حِكَمٌ وَمَصَالِحُ تَتَحَقَّقُ بِهَا، عَلِمَهَا النَّاسُ بِالتَّجَارِبِ وَطُول الْعَهْدِ، وَأَقَرَّهَا الشَّارِعُ مِنْ أَجْل تِلْكَ الْمَصَالِحِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ عَنِ النَّقْدَيْنِ: خَلَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِتَتَدَاوَلَهُمَا الأَْيْدِي، وَيَكُونَا حَاكِمَيْنِ بَيْنَ الأَْمْوَال بِالْعَدْل، وَلِحِكْمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ التَّوَسُّل بِهِمَا إِلَى سَائِرِ الأَْشْيَاءِ؛ لأَِنَّهُمَا عَزِيزَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا، وَلاَ غَرَضَ فِي أَعْيَانِهِمَا، وَنِسْبَتُهُمَا إِلَى سَائِرِ الأَْشْيَاءِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ مَلَكَهُمَا فَكَأَنَّهُ مَلَكَ كُل شَيْءٍ (13) .
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: الْعَدْل فِي الْمُعَامَلاَتِ إِنَّمَا هُوَ التَّسَاوِي، أَوْ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي، وَلِذَلِكَ لَمَّا عَسُرَ إِدْرَاكُ التَّسَاوِي فِي الأَْشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالذَّاتِ جُعِل الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ لِتَقْوِيمِهَا، أَعْنِي تَقْدِيرَهَا (14) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ، وَالثَّمَنُ هُوَ الْمِعْيَارُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ تَقْوِيمُ الأَْمْوَال، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مُنْضَبِطًا، لاَ يَرْتَفِعُ وَلاَ يَنْخَفِضُ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ كَالسِّلَعِ لَمْ يَكُنْ لَنَا ثَمَنٌ نَعْتَبِرُ بِهِ الْمَبِيعَاتِ، بَل الْكُل سِلَعٌ، وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَى ثَمَنٍ يَعْتَبِرُونَ بِهِ الْمَبِيعَاتِ حَاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عَامَّةٌ، وَذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ بِسِعْرٍ تُعْرَفُ بِهِ الْقِيمَةُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ يُقَوَّمُ هُوَ بِغَيْرِهِ؛ إِذْ يَصِيرُ سِلْعَةً يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ، فَتَفْسُدُ مُعَامَلاَتُ النَّاسِ وَيَقَعُ الْخُلْفُ (15) . وَقَال ابْنُ خَلْدُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْحَجَرَيْنِ الْمَعْدِنِيَّيْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قِيمَةً لِكُل مُتَمَوَّلٍ، وَهُمَا الذَّخِيرَةُ وَالْقُنْيَةُ لأَِهْل الْعَالَمِ فِي الْغَالِبِ، وَإِنِ اقْتُنِيَ سِوَاهُمَا فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ فَإِنَّمَا هُوَ لِقَصْدِ تَحْصِيلِهِمَا، لِمَا يَقَعُ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ حَوَالَةِ الأَْسْوَاقِ - أَيْ تَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ - الَّتِي هُمَا عَنْهَا بِمَعْزِلٍ (16) .
أَنْوَاعُ النُّقُودِ:
تَتَنَوَّعُ النُّقُودُ إِلَى الأَْنْوَاعِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلاً: النُّقُودُ الْخَلْقِيَّةُ:
النُّقُودُ الْخِلْقِيَّةُ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ فِي الْعُصُورِ الإِْسْلاَمِيَّةِ نَوْعَانِ، هُمَا:
أ - الدِّينَارُ:
6 - الدِّينَارُ لُغَةً: فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَهُوَ نَقْدٌ ذَهَبٌ.
وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِقَوْلِهِ: هُوَ اسْمٌ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الذَّهَبِ الْمَضْرُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْمِثْقَال (17) ، فَوَزْنُ الدِّينَارِ مِثْقَالٌ تَامٌّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَزْنِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دَنَانِير ف 7 - 8) . ب - الدِّرْهَمُ:
7 - الدِّرْهَمُ هُوَ لَفْظٌ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ مِنَ الْفِضَّةِ (18) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَزْنِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دَرَاهِم ف 6) .
ثَانِيًا: النُّقُودُ الاِصْطِلاَحِيَّةُ:
8 - النُّقُودُ الاِصْطِلاَحِيَّةُ هِيَ مَا يَلِي:
أ - الْفُلُوسُ، وَهِيَ النُّقُودُ الْمَعْدِنِيَّةُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَهَا حَالاَنِ:
الأُْولَى: أَنْ تَكُونَ رَائِجَةً، وَفِي هَذِهِ الْحَال يُخْتَلَفُ فِيهَا، فَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهَا أَحْكَامُ النَّقْدَيْنِ، فَلاَ يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا بِالتَّفَاضُل وَلاَ بِالنَّسَاءِ، وَلاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عِنْدَ الصَّيَارِفِ، وَيَرَى آخَرُونَ أَنَّهَا تَكُونُ أَثْمَانًا، بِجَامِعِ الثَّمَنِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّقْدَيْنِ، فَتَأْخُذُ أَحْكَامَهَا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ لاَ تَكُونَ رَائِجَةً: وَفِي هَذِهِ الْحَال لاَ يَكُونُ لَهَا حُكْمُ النَّقْدَيْنِ اتِّفَاقًا.
(ر: صَرْف ف 45 وَمَا بَعْدَهَا، وَفُلُوس ف 4 وَمَا بَعْدَهَا) . ب - الدَّرَاهِمُ الْغَالِبَةُ الْغِشِّ، وَهِيَ مَا كَانَ مَا فِيهَا مِنَ الْفِضَّةِ مَغْلُوبًا، وَالْغِشُّ فِيهَا غَالِبًا، فَهَذِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَهَا أَحْكَامُ الْفُلُوسِ لاَ أَحْكَامُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فَيُنْظَرُ إِلَى الْقَدْرِ الَّذِي فِيهَا مِنَ الْفِضَّةِ، فَتُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ النَّقْدَيْنِ (19) .
(ر: صَرْف ف 41 - 44، وَزَكَاة ف 71) .
ج - النُّقُودُ الْوَرَقِيَّةُ: وَقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، حَتَّى حَلَّتْ مَكَانَ النُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ، وَأَخَذَتْ وَظِيفَتَهُمَا فِي التَّعَامُل فِي عَامَّةِ بُلْدَانِ الْعَالَمِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى إِمْكَانِ اتِّخَاذِ النُّقُودِ مِنَ الْوَرَقِ الإِْمَامُ مَالِكٌ، مِنْ بَابِ افْتِرَاضِ وُقُوعِ مَا لَمْ يَقَعْ وَبَيَانِ حُكْمِهِ، فَقَال: لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَجَازُوا بَيْنَهُمُ الْجُلُودَ حَتَّى تَكُونَ لَهَا سِكَّةٌ وَعَيْنٌ لَكَرِهْتُهَا أَنْ تُبَاعَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ نَظِرَةً، وَقَال فِي مَوْضِعٍ: لَوْ جَرَتِ الْجُلُودُ بَيْنَ النَّاسِ مَجْرَى الْعَيْنِ الْمَسْكُوكِ لَكَرِهْنَا بَيْعَهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ نَظِرَةً (20) .
وَقَدْ عُرِفَ التَّعَامُل بِالأَْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ قَدِيمًا، فَقَدْ حَكَى الْمَقْرِيزِيُّ أَنَّهُ لَمَّا رَحَل إِلَى بَغْدَادَ أَخْرَجَ لَهُ أَحَدُ التُّجَّارِ وَرَقَةً فِيهَا خُطُوطٌ بِقَلَمِ الْخَطَا - أَيْ بِالْخَطِّ الْمَغُولِيِّ - وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الأَْوْرَاقَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَرَقِ التُّوتِ، فِيهَا لِينٌ وَنُعُومَةٌ، وَأَنَّ هَذِهِ الْوَرَقَةَ إِذَا احْتَاجَ الإِْنْسَانُ فِي (خَانْ بَالِقْ) مِنْ بِلاَدِ الصِّينِ لِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ دَفَعَهَا فِيهَا، وَأَنَّ مَلِكَهَا يَخْتِمُ لَهُمْ هَذِهِ الأَْوْرَاقَ وَيَنْتَفِعُ بِمَا يَأْخُذُ بَدَلاً عَنْهَا (21) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنُّقُودِ:
أَوَّلاً: الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُقَدَّرَةُ بِالنُّقُودِ:
أ - نِصَابُ الزَّكَاةِ:
9 - نِصَابُ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ هَذَا النِّصَابُ عِنْدَ مَالِكِهِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَغْشُوشًا فَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة ف 69 - 71) .
وَنِصَابُ الزَّكَاةِ فِي الْفُلُوسِ وَفِي الأَْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ فِيهَا الزَّكَاةَ يَقُومُ بِتَقْوِيمِهِمَا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ (22) (ر: زَكَاة 71 - 75) . وَنِصَابُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ يُقَوَّمُ بِالدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيَّيْنِ كَذَلِكَ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زَكَاة ف 84 وَمَا بَعْدَهَا) .
ب - أَقَل الْمَهْرِ:
10 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَقَل الْمَهْرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَل الْمَهْرِ مُقَدَّرٌ فَإِنَّهُ لاَ يَقِل عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ النِّصَابُ الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا.
فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَقَل مِنْ ذَلِكَ فَلَهَا تَمَامُ الْعَشَرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفَسَدَ النِّكَاحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَيُتِمُّهُ إِنْ دَخَل، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِتْمَامِهِ وَبَيْنَ الطَّلاَقِ إِنْ لَمْ يَدْخُل.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ حَدَّ لأَِقَل الْمَهْرِ شَرْعًا، بَل كُل مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مَبِيعًا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا (23) .
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي (مَهْر ف 18) .
ج - كَفَّارَةُ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي حَيْضِهَا:
11 - وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَاجِبَةٌ وَقَدْرُهَا دِينَارٌ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مُسْتَحَبَّةٌ وَقَدْرُهَا دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ.
(ر: حَيْض ف 43) .
د - نِصَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ:
12 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِصَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ.
وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ.
وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي (سَرِقَة ف 33 - 36) .
هـ - الدِّيَاتُ:
13 - حَدَّدَ الشَّرْعُ مِقْدَارَ الدِّيَاتِ، فَدِيَةُ نَفْسِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الإِْبِل أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَهِيَ فِي النَّقْدِ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ.
وَتَفْصِيل دِيَاتِ غَيْرِهِ وَدِيَةِ الأَْعْضَاءِ وَالْقُوَى يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (دِيَات ف 28 وَمَا بَعْدَهَا) .
و الْجِزْيَةُ:
14 - تُفْرَضُ الْجِزْيَةُ عَلَى رِجَال أَهْل الذِّمَّةِ، فَهِيَ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِيالسَّنَةِ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، يُنْظَرُ فِي (جِزْيَة ف 44) .
ثَانِيًا: ضَرْبُ النُّقُودِ وَإِصْدَارُهَا:
15 - ضَرْبُ النُّقُودِ هُوَ صِنَاعَتُهَا وَنَقْشُهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ بِضَرْبِهَا عَلَى السِّكَّةِ، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الْمَنْقُوشُ عَلَيْهَا الْكِتَابَةُ بِوَضْعٍ مَقْلُوبٍ.
وَيُقَال: سَكُّ النُّقُودِ وَصَكُّهَا.
أ - حَقُّ إِصْدَارِ النُّقُودِ:
16 - حَقُّ إِصْدَارِ النُّقُودِ هُوَ لِلإِْمَامِ وَحْدَهُ، وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَفْوِيضِ مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْوَظِيفَةِ لِيَتَمَيَّزَ الْخَالِصُ مِنَ الْمَغْشُوشِ فِي الْمُعَامَلاَتِ، وَيُتَّقَى الْغِشُّ فِيهَا بِخَتْمِ السُّلْطَانِ عَلَيْهَا بِالنَّقْشِ الْمَعْرُوفِ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِعِيَارٍ مُحَدَّدٍ وَأَوْزَانٍ مُحَدَّدَةٍ لِيُمْكِنَ التَّعَامُل بِهَا عَدَدًا، كَمَا حَصَل فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَلاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الإِْمَامِ ضَرْبُ النُّقُودِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ.
وَيَحِقُّ لِلإِْمَامِ تَعْزِيرُ مَنِ افْتَاتَ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ مِنْ حُقُوقِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا ضَرَبَهُ مُخَالِفًا لِضَرْبِ السُّلْطَانِ، أَوْ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْوَزْنِ وَنِسْبَةِ الْغِشِّ، وَفِي الْجَوْدَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لاَ يَصْلُحُ ضَرْبُالدَّرَاهِمِ إِلاَّ فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ إِنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ. قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: فَقَدْ مُنِعَ مِنَ الضَّرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ الاِفْتِيَاتِ عَلَيْهِ (24) .
وَانْظُرْ (دَرَاهِم ف 7، وَسِكَّة ف 4) .
17 - وَيَنْبَغِي لِلإِْمَامِ ضَرْبُ الْفُلُوسِ لِيَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ إِنْفَاقِهَا فِي الْحَاجَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي هِيَ أَقَل مِنْ قِيمَةِ الدِّرْهَمِ، وَالْعَادَةُ أَنْ تُضْرَبَ مِنَ النُّحَاسِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الَّتِي تَحْتَمِل كَثْرَةَ الاِسْتِعْمَال، قَال ابْنُ تَيْمِيَةَ: يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَضْرِبَ لِلرَّعَايَا فُلُوسًا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْعَدْل فِي مُعَامَلاَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ تَسْهِيلاً عَلَيْهِمْ وَتَيْسِيرًا لِمُعَامَلاَتِهِمْ.
وَمَقْصُودُهُ بِقِيمَةِ الْعَدْل أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنَ النُّحَاسِ لِتَكُونَ قِيمَتُهَا ذَاتِيَّةً.
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَةَ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى النَّاسِ الْفُلُوسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَيَضْرِبَ لَهُمْ غَيْرَهَا، لأَِنَّهُ إِذَا فَعَل ذَلِكَ أَفْسَدَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الأَْمْوَال بِنَقْصِ أَسْعَارِهَا، وَلِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلاَّ مِنْ بَأْسٍ " (25) . وَالْبَأْسُ - كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ - نَحْوُ أَنْ يُشْتَبَهَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ فَيَكْسِرَهُ (26) .
ب - أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى سَكِّ النُّقُودِ:
18 - يَجُوزُ لِلإِْمَامِ دَفْعُ الأُْجْرَةِ عَلَى سَكِّ النُّقُودِ، وَقَدْ نَقَل الْبُهُوتِيُّ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أَنَّ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَدْفَعَ أُجْرَةَ ضَرْبِ الْفُلُوسِ مِنْ بَيْتِ الْمَال.
وَلَوْ ضَرَبَ النُّقُودَ الذَّهَبِيَّةَ أَوِ الْفِضِّيَّةَ، وَالذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَعْطَى الصُّنَّاعَ أَجْرَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَال فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَقَدْ جَاءَ وَقْتٌ كَانَ بِإِمْكَانِ مَالِكِ النُّقْرَةِ أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إِلَى دَارِ الضَّرْبِ، لِتُضْرَبَ لَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَيُعْطِي مَالِكُهَا أُجْرَةَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ شَرْعًا إِنْ رُدَّتْ لَهُ دَرَاهِمُهُ أَوْ دَنَانِيرُهُ مِنْ نُقْرَتِهِ بِعَيْنِهَا، أَمَّا إِنْ جَرَى تَبَادُلٌ، بِأَنْ أَخَذَ غَيْرَ مَا أَعْطَى، فَقَدْ نَبَّهَ الْغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الاِحْتِرَازُ لأَِنَّهُ يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْل، وَرُبَّمَا دَخَلَهُ رِبَا النَّسَاءِ، قَال: وَذَلِكَ حَرَامٌ (27) . وَابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَوْلِهِ الْمَشْهُورِ بِجَوَازِ بَيْعِ الْحِلْيَةِ الذَّهَبِيَّةِ أَوِ الْفِضِّيَّةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِنْ جِنْسِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا وَزْنًا فِي مُقَابَلَةِ الصِّيَاغَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ جَوَازَ بَيْعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ بِسَبَائِكَ مِنْ جِنْسِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا وَزْنًا، مِنْ أَجْل صِنَاعَةِ الضَّرْبِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بِأَنَّ السِّكَّةَ لاَ تَتَقَوَّمُ فِيهَا الصِّنَاعَةُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَضْرِبُهَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ يَضْرِبُهَا بِأُجْرَةٍ، فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مِعْيَارًا لِلنَّاسِ لاَ يَتَّجِرُونَ فِيهَا، وَالسِّكَّةُ فِيهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِالزِّيَادَةِ فِي الْعُرْفِ، وَلَوْ قُوبِلَتْ بِالزِّيَادَةِ فَسَدَتِ الْمُعَامَلَةُ، وَانْتُقِضَتِ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لأَِجْلِهَا، وَاحْتَاجَتِ الدَّرَاهِمُ إِلَى التَّقْوِيمِ بِغَيْرِهَا، وَلِهَذَا قَامَ الدِّرْهَمُ مَقَامَ الدِّرْهَمِ مِنْ كُل وَجْهٍ، وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُل الدَّرَاهِمَ رَدَّ نَظِيرَهَا، وَلَيْسَتِ الْمَصُوغُ كَذَلِكَ (28) .
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ حَالَةً أَجَازُوهَا لِلضَّرُورَةِ، وَهِيَ مَا قَال النَّفْرَاوِيُّ: الْمُسَافِرُ تَكُونُ مَعَهُ الْعَيْنُ غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ، وَلاَ تَرُوجُ مَعَهُ فِي الْمَحَل الَّذِي يُسَافِرُ إِلَيْهِ، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى السَّكَّاكِ لِيَدْفَعَ لَهُ بَدَلَهَا مَسْكُوكًا - أَيْ جَاهِزًا - وَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُ أُجْرَةِ السِّكَّةِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّ الأُْجْرَةَ لِلزِّيَادَةِ، قَال: وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُسَافِرِ مِنَ السَّفَرِ لَوْ تَأَخَّرَ لإِِتْمَامِ ضَرْبِهَا (29) ، وَقِيل: يَجُوزُ أَيْضًا لِلْحَاجَةِ، قَال الدَّرْدِيرُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: الْمَسْكُوكُ الَّذِي لاَ يَرُوجُ مَعَ الْمُسَافِرِ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ كَالنُّقْرَةِ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ يَدْفَعَ مَسْكُوكَهُ إِلَى السَّكَّاكِ لِيُعْطِيَهُ الْمَسْكُوكَ الَّذِي يَرُوُجُ مَعَ زِيَادَةِ أُجْرَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُسَافِرِ، وَلاَ لِغَيْرِ الْمُحْتَاجِ، وَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَلَوِ اشْتَدَّتِ الْحَاجَةُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ وَإِلاَّ جَازَ، وَالْمُعْتَمَدُ الأَْوَّل (30) .
ج - نَقْشُ شَيْءٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ عَلَى النُّقُودِ:
19 - قَال الْمَقْرِيزِيُّ: ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ الدَّرَاهِمَ عَلَى نَقْشِ الْكِسْرَوِيَّةِ (31) ، وَشَكَّلَهَا بِأَعْيَانِهَا غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِي بَعْضِهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِي بَعْضِهَا: رَسُول اللَّهِ، وَعَلَى آخَرَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَعَلَى آخَرَ: عُمَرُ، فَلَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ ضَرَبَ دَرَاهِمَ، وَنَقَشَهَا " اللَّهُ أَكْبَرُ ".
فَلَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ بِمَكَّةَ ضَرَبَ دَرَاهِمَ مُدَوَّرَةً، وَنَقَشَ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ، وَبِالآْخَرِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ وَالْعَدْل.
فَلَمَّا اسْتَوْثَقَ الأَْمْرُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ مَقْتَل عَبْدِ اللَّهِ وَمُصْعَبٍ ابْنَيِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵃، فَحَصَ عَنِ النُّقُودِ وَالأَْوْزَانِ وَالْمَكَايِيل، وَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَتَبَ فِي صَدْرِ كُتُبِهِ إِلَى الرُّومِ: " قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ التَّارِيخِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ كَذَا وَكَذَا فَاتْرُكُوهُ، وَإِلاَّ أَتَاكُمْ فِي دَنَانِيرِنَا مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّكُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَلَّمَ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ دَنَانِيرَ الرُّومِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا، وَيَضْرِبَ لِلنَّاسِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ فَضَرَبَ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ.
وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ أَنِ اضْرِبْهَا قِبَلَكَ، وَنَهَى أَنْ يَضْرِبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ.
وَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالسِّكَّةِ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ، فَسَيَّرَهَا الْحَجَّاجُ إِلَى الآْفَاقِ لِتُضْرَبَ الدَّرَاهِمُ بِهَا، وَتَقَدَّمَ إِلَى الأَْمْصَارِ كُلِّهَا أَنْ يُكْتَبَ إِلَيْهِ مِنْهَا كُل شَهْرٍ بِمَا يَجْتَمِعُ قِبَلَهُمْ مِنَ الْمَال كَيْ يُحْصِيَهُ عِنْدَهُمْ، وَأَنْ تُضْرَبَ الدَّرَاهِمُ بِالآْفَاقِ عَلَى السِّكَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَتُحْمَل إِلَيْهِ أَوَّلاً بِأَوَّلٍ، وَقَدَّرَ فِي كُل مِائَةِ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا عَنِ الْحَطَبِ وَأُجْرَةِ الضَّرَّابِ، وَنَقَشَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيِ الدِّرْهَمِ: " قُل هُوَ اللَّهُأَحَدٌ " وَعَلَى الآْخَرِ: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " وَطَوَّقَ الدِّرْهَمَ مِنْ وَجْهَيْهِ بِطَوْقٍ، وَكَتَبَ فِي الطَّوْقِ الْوَاحِدِ " ضُرِبَ هَذَا الدِّرْهَمُ بِمَدِينَةِ كَذَا "، وَفِي الطَّوْقِ الآْخَرِ: مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (32) .
د - مَسُّ الْمُحْدِثِ النُّقُودَ الْمَضْرُوبَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ:
20 - إِذَا كُتِبَ عَلَى النُّقُودِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسِّهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْمُحْدِثِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ، وَقِيل: يَحْرُمُ، وَقِيل: يُكْرَهُ (33) .
(ر: دَرَاهِم ف 10 - 11) .
هـ - ضَرْبُ النُّقُودِ الْحَامِلَةِ لِلصُّوَرِ وَاسْتِعْمَالُهَا:
21 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَرْبِ وَاسْتِعْمَال النُّقُودِ الَّتِي تَحْمِل صُوَرًا فَأَبَاحَهَا بَعْضُهُمْ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ.
وَالتَّفْصِيل فِي (دَرَاهِم ف 12، تَصْوِير ف 30، 57) . و - ضَرْبُ النُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ وَالتَّعَامُل بِهَا:
22 - النُّقُودُ الْمَغْشُوشَةُ هِيَ الَّتِي خَالَطَ الْمَعْدِنَ النَّفِيسَ فِيهَا مَعْدِنٌ آخَرُ.
وَغِشُّ النُّقُودِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْغِشُّ مِنَ الإِْمَامِ لِمَصْلَحَةِ صَلاَبَةِ النَّقْدِ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا الإِْمَامُ وَيَتَصَرَّفُ بِمُقْتَضَاهَا لِمَصْلَحَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الإِْمَامِ فَفِيهِ وَفِي التَّعَامُل بِهَذِهِ النُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (34) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَزْوِير ف 16، زُيُوف ف 6، 7، سَتُّوقَة ف 4، غِشّ ف 9، صَرْف ف 41 - 45، نَبَهْرَجَة ف 4) .
كَيْفِيَّةُ التَّصَرُّفِ بِالنُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ:
23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّصَرُّفِ فِي النُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى سَبْكَهَا وَتَصْفِيَتَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى كَسْرَهَا. وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زُيُوف ف 7) . التَّعَامُل بِالنُّقُودِ الرَّدِيئَةِ:
24 - النُّقُودُ الرَّدِيئَةُ هِيَ ضِدُّ الْجَيِّدَةِ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ حُكْمَ التَّعَامُل بِالنُّقُودِ الرَّدِيئَةِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (رَدَاءَة ف 2 - 5) .
ثَالِثًا: كَسْرُ النُّقُودِ:
25 - الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَكْسُورَةُ، أَوِ الْمَقْطُوعَةُ - وَضِدُّهَا الصَّحِيحَةُ وَالصِّحَاحُ - هِيَ مَا قُطِعَتْ بِالْمِقْرَاضِ، أَمَّا أَرْبَاعُ الْقُرُوشِ فَهِيَ نُقُودٌ صَحِيحَةٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ كَسْرِ الدَّرَاهِمِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دَرَاهِم ف 8) .
رَابِعًا: التَّزَيُّنُ بِالنُّقُودِ:
26 - اسْتِعْمَال زِينَةِ الذَّهَبِ حَلاَلٌ لِلنِّسَاءِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَال، وَزِينَةُ الْفِضَّةِ حَلاَلٌ لِلنِّسَاءِ أَيْضًا، وَيَجُوزُ لِلرَّجُل مِنْهَا الْيَسِيرُ عَلَى تَفْصِيلٍ ذُكِرَ فِي مُصْطَلَحِ (ذَهَب ف 4، 9، وَفِضَّة ف 6 - 8) .
وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالتَّحَلِّي بِالدَّنَانِيرِ أَوِ الدَّرَاهِمِ حَسَبَ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ إِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى قَطْعِهَا، فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قَطْعِهَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَال الرَّمْلِيُّ: لَوِ اسْتَعْمَلَتِ الْمَرْأَةُ الدَّنَانِيرَ لِلتَّحَلِّي، فَإِنْ جَعَلَتْ لَهَا عُرًىوَجَعَلَتْهَا فِي قِلاَدَتِهَا جَازَ، أَمَّا إِنْ تَقَلَّدَتْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَثْقُوبَةً فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَحْرِيمُهَا (35) .
وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ أَنْ تُقْطَعَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ مِنْ أَجْل التَّحَلِّي.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلاَ بَأْسَ بِقَطْعِهَا لِهَذَا الْغَرَضِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ (36) .
(ر: دَرَاهِم ف 8) .
خَامِسًا: النُّقُودُ فِي الْعُقُودِ:
27 - تُسْتَخْدَمُ النُّقُودُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَالأَْنْكِحَةِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلاَ تَخْتَصُّ بِذَلِكَ فَقَدْ تُسْتَعْمَل الْعُرُوضُ أَيْضًا، فَيَكُونُ الْعَرْضُ ثَمَنَ مَبِيعٍ، أَوْ أُجْرَةً، أَوْ مَهْرًا أَوْ مَوْهُوبًا، أَوْ جُعْلاً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَفِي الْبَيْعِ يُسَمَّى بَيْعُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ مُقَايَضَةً، وَبَيْعُ الْعَقَارِ بِالْعَقَارِ مُنَاقَلَةً.
غَيْرَ أَنَّ الأَْكْثَرَ فِي الْمُبَايَعَاتِ وَنَحْوِهَا أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ نَقْدًا، وَهِيَ الْوَظِيفَةُ الْكُبْرَى لِلنُّقُودِ، وَيُسَمَّى الْعِوَضُ النَّقْدِيُّ ثَمَنًا، وَتُنْظَرُ أَحْكَامُ النُّقُودِ فِي الْمُبَايَعَاتِ فِي مُصْطَلَحِ (ثَمَن ف 8) . وَإِذَا بِيعَ النَّقْدُ بِالنَّقْدِ سُمِّيَ ذَلِكَ صَرْفًا، وَهُوَ تَبَادُل الْعُمُلاَتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
وَإِذَا بِيعَ النَّقْدُ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ وَجَبَ التَّمَاثُل فِي الْوَزْنِ وَالتَّقَابُضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَإِلاَّ كَانَ رِبَا فَضْلٍ أَوْ رِبَا نَسِيئَةٍ، وَإِذَا بِيعَ بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَجَبَ التَّقَابُضُ وَلَمْ يَجِبِ التَّمَاثُل، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (صَرْف ف 20، 28) .
مَا يَجِبُ فِيهِ النُّقُودُ وَلاَ يَجُوزُ الْعَرْضُ:
رَأْسُ مَال شَرِكَةِ الْعَقْدِ:
28 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَعْل الْعُرُوضِ رَأْسَ مَالٍ فِي شَرِكَةِ الْعَقْدِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَعَامَّةُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأَْثْمَانِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَرْضًا وَلَوْ كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِرَأْسِ الْمَال أَوْ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ كَانَ عَرْضًا تَعَذَّرَ رُجُوعُ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ إِلَى حَقِّهِ بِيَقِينٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ الْمِثْلِيُّ رَأْسَ مَال شَرِكَةٍ، وَيُرْجَعُ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِمِثْلِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ إِلاَّ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَال طَعَامًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلاَ تَجُوزُ، (ر: شَرِكَة الْعَقْدِ ف 44) .وَعِنْدَ الأَْوْزَاعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ بِالْعُرُوضِ.
29 - وَقَال الأَْكْثَرُونَ: يُعْتَبَرُ فِي رَأْسِ الْمَال فِي الْمُضَارَبَةِ وَفِي الشَّرِكَةِ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا مَضْرُوبًا وَلاَ يَجُوزُ فِي النُّقْرَةِ؛ لأَِنَّهَا تَزِيدُ قِيمَتُهَا وَتَنْقُصُ.
قَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: لاَ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ؛ لأَِنَّهَا أُصُول الأَْثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَلاَ يَدْخُل أَسْوَاقَهَا تَغْيِيرٌ، فَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ تَغْيِيرُ الأَْسْوَاقِ مِنَ الْعُرُوضِ فَلاَ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ، وَمُرَادُهُ بِتَغْيِيرِ الأَْسْوَاقِ ارْتِفَاعُ الأَْسْعَارِ وَانْخِفَاضُهُ (37) .
وَلاَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالنَّقْدِ الْمَغْشُوشِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَل الْغِشُّ أَوْ كَثُرَ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ الْغِشُّ أَقَل مِنَ النِّصْفِ جَازَ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلأَْكْثَرِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ الشَّرِكَةِ بِالنَّقْدِ الْمَغْشُوشِ إِنْ كَانَ رَائِجًا (38) .
أَمَّا الْفُلُوسُ فَلاَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِهَا فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ؛ لأَِنَّهَا تَنْفُقُ مَرَّةً وَتَكْسُدُ أُخْرَى فَأَشْبَهَتِ الْعُرُوضَ. وَفِي قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِهَا إِنْ كَانَتْ نَافِقَةً وَبَنَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي الْعُرُوضِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِيهَا فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَافِقَةً كَانَ رَأْسُ الْمَال مِثْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً كَانَ رَأْسُ الْمَال قِيمَتَهَا (39) .
(ر: فُلُوس ف 5) .
30 - وَجَمَعَ السُّيُوطِيُّ مِنْ فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ أَحْكَامًا يَخْتَصُّ بِهَا النَّقْدُ الذَّهَبِيُّ وَالْفِضِّيُّ:
مِنْهَا: أَنَّهُمَا قِيَمُ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ تَقْوِيمَ بِغَيْرِهِمَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لاَ يَبِيعُ الْقَاضِي وَالْوَكِيل وَالْوَلِيُّ مَال الْغَيْرِ إِلاَّ بِهِمَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لاَ يُفْرَضُ مَهْرُ الْمِثْل إِلاَّ مِنْهُمَا (40) .
مَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ النَّقْدُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فِي الْعُقُودِ وَالإِْقْرَارَاتِ وَنَحْوِهِمَا:
31 - إِذَا تَبَايَعَا سِلْعَةً بِنَقْدٍ، دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَعَيَّنَا نَوْعًا مِنْهُ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَ عَزِيزًا، أَمَّا إِنْ أَطْلَقَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إِلاَّ نَوْعٌ وَاحِدٌ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَيَصِيرُ هُوَ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ نَوْعٍ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْغَالِبِ رَوَاجًا وَلَوْ كَانَ مَغْشُوشًا أَوْ نَاقِصَ الْوَزْنِ، إِذِ الظَّاهِرُ إِرَادَتُهُمَا لَهُ.
وَإِنْ تَفَاوَتَتْ قِيمَةُ أَنْوَاعِ النُّقُودِ وَرَوَاجُهَا وَجَبَ التَّعْيِينُ، فَإِنِ اتَّفَقَتِ الْقِيمَةُ وَاخْتَلَفَا فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ تَحَالَفَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ فَأَكْثَرُ وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا اشْتُرِطَ التَّعْيِينُ لَفْظًا (41) .
وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل (ثَمَن ف 20) .
وَلَوْ ذَكَرَ عَدَدًا دُونَ تَفْسِيرٍ بِأَنْ لَمْ يَذْكُرْ دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَلاَ فَلْسًا، يَعْمَل بِالْعُرْفِ، قَال الْمَوْصِلِيُّ: لَوْ قَال: اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ بِعَشَرَةٍ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ، أَوْ هَذَا الْبِطِّيخَ بِعَشَرَةٍ انْصَرَفَتِ الْعَشَرَةُ فِي الدَّارِ إِلَى الدَّنَانِيرِ، وَفِي الثَّوْبِ إِلَى الدَّرَاهِمِ، وَفِي الْبِطِّيخِ إِلَى الْفُلُوسِ بِدَلاَلَةِ الْعُرْفِ (42) .
وَمِنْ هُنَا يَنُصُّ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ كُل عِوَضٍ نَقْدِيٍّ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ مِقْدَارِهِ وَصِفَتِهِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، إِلاَّ إِذَا لَمْ يَرُجْ فِي الْبَلَدِ إِلاَّ نَقْدٌ وَاحِدٌ.
وَيُعْمَل فِي الْوَصَايَا وَالأَْوْقَافِ وَنَحْوِهَا، إِذَا جُعِل لِلْمُوصَى لَهُ أَوِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ مَعْدُودَةٌ فِي حَال الإِْطْلاَقِ بِالْعُرْفِ الَّذِي كَانَ جَارِيًا وَقْتَ الْوَقْفِ أَوِ الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ ثُمَّ فَسَّرَهَا بِنَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهَا فِيهِ قُبِل، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا هُوَ أَجْوَدُ مِنْهَا قُبِل كَذَلِكَ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا هُوَ أَدْنَى لَمْ يُقْبَل (43) .
وَلَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَأَطْلَقَ يَلْزَمُهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ الْوَزْنِ أَوْ مَغْشُوشَةً؛ لأَِنَّ مُطْلَقَ كَلاَمِهِمْ يُحْمَل عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِمْ، كَمَا فِي الثَّمَنِ وَالأُْجْرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَفِي وَجْهٍ ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ وَالْقَلْيُوبِيُّ: تَلْزَمُهُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْوَازِنَةُ الْخَالِصَةُ مِنَ الْغِشِّ حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ فِي النَّقْدِ الإِْسْلاَمِيِّ فِي الصَّدْرِ الأَْوَّل، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَفَارَقَ الإِْقْرَارُ الْبَيْعَ فِي هَذَا؛ لأَِنَّهُ إِيجَابٌ فِي الْحَال فَاخْتَصَّ بِدَرَاهِمِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمَا فِيهِ، وَالإِْقْرَارُ إِخْبَارٌ بِحَقٍّ سَابِقٍ، فَانْصَرَفَ إِلَى دَرَاهِمِ الإِْسْلاَمِ (44) . وَيُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ وَكَّل إِنْسَانًا يَبِيعُ لَهُ عَيْنًا وَأَطْلَقَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ إِلاَّ بِإِذْنٍ، عَمَلاً بِالْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ الشَّرِيكُ؛ لأَِنَّ الشَّرِيكَ وَالْوَكِيل لَهُمَا التَّصَرُّفُ بِلاَ ضَرَرٍ، كَمَا أَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ وَالْوِكَالَةِ لاَ يُتِيحُ لَهُمَا الْبَيْعَ بِنَسِيئَةٍ أَوْ بِغَبْنٍ فَاحْشٍ إِلاَّ بِإِذْنٍ (45) .
تَعَيُّنُ النُّقُودِ بِالتَّعْيِينِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ:
32 - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ النُّقُودَ الذَّهَبِيَّةَ وَالْفِضِّيَّةَ، وَكَذَا الْفُلُوسُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، تَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ بِالتَّعْيِينِ كَمَا تَتَعَيَّنُ السِّلَعُ، فَلَوِ اشْتَرَى شَاةً بِهَذَا الدِّينَارِ لَزِمَهُ أَدَاءُ ذَلِكَ الدِّينَارِ بِعَيْنِهِ إِلَى الْبَائِعِ، وَلَوْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ الدِّينَارَ مَغْصُوبًا أَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْل قَبْضِ الْبَائِعِ لَهُ فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّ الثَّمَنَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ، فَيَتَعَيَّنُ قِيَاسًا عَلَى الْمَبِيعِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ النُّقُودَ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ إِطْلاَقُهَا فِيهِ، كَالْمِكْيَال وَالصَّنْجَةِ، وَلأَِنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِمَا فِي الذِّمَّةِ، فَلاَ يَكُونُ مُحْتَمِلاً لِلتَّعْيِينِ بِالإِْشَارَةِ.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ فَتَتَعَيَّنُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فِي الصَّرْفِ بِالتَّعْيِينِ فِيهِ لاِشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِيهِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ فَسَادِهِ، وَبَعْدَ هَلاَكِ الْمَبِيعِ، وَفِي الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ، فَيُؤْمَرُ الْقَابِضُ مِنْهُمَا بِرَدِّ نِصْفِ مَا قَبَضَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَفِيمَا إِذَا تَبَيَّنَ بُطْلاَنُ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلَوِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالاً فَأَخَذَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ حَقٌّ، فَعَلَى الْمُدَّعِي رَدُّ مَا أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ مَا دَامَ قَائِمًا.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ النُّقُودَ لاَ تَتَعَيَّنُ فِي الْمَهْرِ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول فَتُرَدُّ مِثْل نِصْفِهِ، وَلاَ فِي النَّذْرِ، وَالْوِكَالَةِ قَبْل التَّسْلِيمِ، وَأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الأَْمَانَاتِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْغَصْبِ.
وَفِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَتَانِ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ تَفْصِيلاً: أَنَّ مَا فَسَدَ مِنْ أَصْلِهِ تَتَعَيَّنُ فِيهِ، لاَ فِيمَا انْتُقِضَ بَعْدَ صِحَّتِهِ.
وَأَمَّا الْفُلُوسُ فَإِنَّهَا لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَتْ رَائِجَةً لأَِنَّهَا بِالاِصْطِلاَحِ صَارَتْ أَثْمَانًا.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الصَّرْفَ وَالْكِرَاءَ، وَكَوْنَ الآْخِذِ لَهَا مِنْ ذَوِي الشُّبَهَاتِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَتَتَعَيَّنُ النُّقُودُ فِي حَقِّهِ، فَيُلْزَمُ بِرَدِّهَا بِعَيْنِهَا إِنْ حَصَلَتْ إِقَالَةٌ (46) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ أَيْضًا (ثَمَن ف 9 - 11، صَرْف ف 49) .
قِيَامُ بَعْضِ النُّقُودِ مَقَامَ بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ وَالْمُعَامَلاَتِ:
33 - الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ جِنْسَانِ مُتَبَايِنَانِ، وَلِذَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ نَقْدًا مَعَ التَّفَاضُل بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي الثَّمَنِيَّةِ، وَهِيَ الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي أَحْكَامٍ مُعَيَّنَةٍ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجْرِي الدَّرَاهِمُ مَجْرَى الدَّنَانِيرِ فِي عِدَّةِ مَسَائِل، وَيُوَافِقُهُمْ غَيْرُهُمْ فِي بَعْضِهَا. وَفَصَّلَهَا ابْنُ عَابِدِينَ، وَمِنْهَا:
أ - الزَّكَاةُ، فَتُضَمُّ الدَّرَاهِمُ إِلَى الدَّنَانِيرِ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ عَنِ الآْخَرِ. وَيُوَافِقُ الْحَنَفِيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ الضَّمِّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ. وَيُخَالِفُهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
(ر: زَكَاة ف 76 وَمَا بَعْدَهَا) .
ب - قَضَاءُ الدَّيْنِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، وَقَدِ امْتَنَعَ مِنَ الْقَضَاءِ، فَوَقَعَ مِنْ مَالِهِ فِي يَدِ الْقَاضِي دَنَانِيرُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا بِالدَّرَاهِمِ حَتَّى يَقْضِيَ غَرِيمَهُ. وَلاَ يُفْعَل ذَلِكَ فِي غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
(ر: إِفْلاَس ف 6) .
ج - لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِدَرَاهِمَ ثُمَّ قَبْل أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ اشْتَرَى ذَلِكَ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ مِنْ مُشْتَرِيهِ بِدَرَاهِمَ أَقَل مِمَّا بَاعَ بِهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ رِبَا الْفَضْل. وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ بِدَرَاهِمَ بَل بِدَنَانِيرَ تَقِل قِيمَتُهَا عَنِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي بَاعَهَا بِهِ يَفْسُدُ أَيْضًا، بِخِلاَفِ مَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ جِنْسَانِ صُورَةً وَجِنْسٌ وَاحِدٌ مَعْنًى؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الثَّمَنِيَّةُ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْعَيِّنَةِ، يَرَى تَحْرِيمَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهُ (47) ، وَلأَِنَّهُ ذَرِيعَةُ الرِّبَا. وَيُجِيزُهُ الشَّافِعِيُّ نَظَرًا إِلَى صُورَةِ الْعَقْدِ حَيْثُ تَوَافَرَتْ أَرْكَانُهُ وَشُرُوطُهُ.
(ر: بَيْع الْعَيِّنَةِ ف 3) . د - الشُّفْعَةُ، وَصُورَتُهُ: أَخْبَرَ الشَّفِيعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَى الدَّارَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدِ اشْتَرَاهُ بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرُ لَيْسَ لَهُ طَلَبُهَا وَسَقَطَتْ بِالتَّسْلِيمِ الأَْوَّل.
هـ - الإِْكْرَاهُ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ عَبْدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ الْبَيْعُ عَلَى حُكْمِ الإِْكْرَاهِ، لاَ لَوْ بَاعَهُ بِكَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ أَوْ عَرْضٍ، وَالْقِيمَةُ كَذَلِكَ.
و الْمُضَارَبَةُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَبَقَاءً، وَلَهَا ثَلاَثُ صُوَرٍ:
إِحْدَاهَا: مَا إِذَا كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ دَرَاهِمَ فَمَاتَ رَبُّ الْمَال أَوْ عُزِل الْمُضَارِبُ عَنِ الْمُضَارَبَةِ وَفِي يَدِهِ دَنَانِيرُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ يَصْرِفُ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ، وَلَوْ كَانَ مَا فِي يَدِهِ عُرُوضٌ أَوْ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى رَأْسِ الْمَال، وَلَوْ بَاعَ الْمَتَاعَ بِالدَّنَانِيرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا إِلاَّ الدَّرَاهِمَ.
وَثَانِيَتُهَا: لَوْ كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ دَرَاهِمَ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ فَاشْتَرَى مَتَاعًا بِكَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ لَزِمَهُ، وَلَوِ اشْتَرَى بِالدَّنَانِيرِ فَهُوَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَهُمَا، فَالصُّورَةُ الأُْولَى تَصْلُحُ مِثَالاً لِلاِنْتِهَاءِ، وَالثَّانِيَةُ لِلْبَقَاءِ.وَالثَّالِثَةُ: وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُضَارَبَةِ ابْتِدَاءً، فَصُورَتُهَا: عَقَدَ مَعَهُ الْمُضَارَبَةَ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ وَبَيَّنَ الرِّبْحَ، فَدَفَعَ لَهُ دَرَاهِمَ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَا أَوَّلاً.
ز - امْتِنَاعُ الْمُرَابَحَةِ، وَصُورَتُهُ: اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَبَاعَهُ مُرَابَحَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَيْضًا بِدَنَانِيرَ، لاَ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَحُطَّ مِنَ الدَّنَانِيرِ رِبْحَهُ وَهُوَ دِرْهَمَانِ فِي قَوْل الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلاَ يُدْرَكُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكَيْلِيِّ أَوِ الْوَزْنِيِّ أَوِ الْعَرُوضِ بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ الثَّانِي؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْوِيمِ الدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ وَهُوَ مُجَرَّدُ ظَنٍّ، وَمَبْنَى الْمُرَابَحَةِ كَالتَّوْلِيَةِ وَالْوَضِيعَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِمَا قَامَ عَلَيْهِ لِتَنْتَفِيَ شُبْهَةُ الْخِيَانَةِ.
ح - الشَّرِكَاتُ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَال أَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ وَمَال الآْخَرِ دَنَانِيرَ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ شَرِكَةُ الْعِنَانِ بَيْنَهُمَا.
ط - قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، يَعْنِي أَنَّ الْمُقَوِّمَ إِنْ شَاءَ قَوَّمَ بِدَرَاهِمَ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَ بِدَنَانِيرَ وَلاَ يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ.
ي - أُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، كَالْمُوضِحَةِ يَجِبُ فِيهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الْهَاشِمَةِ الْعُشْرُ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَالدِّيَةُ إِمَّا أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةُ آلاَفِدِرْهَمٍ مِنَ الْوَرِقِ فَيَجُوزُ التَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ مِنْ أَيِّ الْجِنْسَيْنِ (48) .
اسْتِيفَاءُ أَحَدِ جِنْسَيِ النَّقْدِ مِنَ الآْخَرِ:
34 - مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، كَدَنَانِيرَ فَأَخَذَ عَنْهَا دَرَاهِمَ، أَوْ عَكْسُهُ، جَازَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، وَالْتَزَمَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ ذَلِكَ إِلاَّ إِنْ كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، آخِذًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: " لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا " (49) ، وَلأَِنَّهُ اقْتِضَاءُ دَيْنٍ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَقْضِيهِ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ عَلَى التَّرَاضِي؛ لأَِنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَال، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ (50) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَقُول ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي بَابِ السَّلَمِ: إِذَا حَل الأَْجْرُ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْفِضَّةِ الذَّهَبَ، وَمِنَ الذَّهَبِ الْفِضَّةَ بِصَرْفِ الْيَوْمِ وَبِمَا شَاءَ، ثُمَّ لاَ يَفْتَرِقَانِ وَبَيْنَهُمَا عَمَلٌ فِيمَا تَصَارَفَا فِيهِ.
وَيَنُصُّ الْحَنَابِلَةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دِينَارٌ فَأَكْثَرُ فَقَضَاهُ دَرَاهِمَ مُتَفَرِّقَةً، كُل نَقْدَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِحِسَابِهَا مِنَ الدَّنَانِيرِ صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. أَمَّا إِنْ صَارَ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ صَارَفَهُ بِهَا وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ فَلاَ يَجُوزُ وَلاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ ذَلِكَ (51) .
وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (صَرْف ف 37 - 40) .
الْمُقَاصَّةُ فِي الدُّيُونِ النَّقْدِيَّةِ:
35 - إِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْ شَخْصَيْنِ دَيْنٌ عَلَى الآْخَرِ، وَاتَّفَقَ الدَّيْنَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْوَصْفِ وَوَقْتِ الأَْدَاءِ، كَأَنْ كَانَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً بِأَجَلٍ وَاحِدٍ، تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ (52) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (مُقَاصَّة ف 5 وَمَا بَعْدَهَا) . السَّلَمُ فِي النُّقُودِ:
36 - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ دَنَانِيرَ فِي دَرَاهِمَ، وَلاَ دَرَاهِمَ فِي دَنَانِيرَ، فَإِنْ فَعَل يَكُونُ الْعَقْدُ فَاسِدًا.
أَمَّا لَوْ أَسْلَمَ عَرْضًا فِي دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، لأَِنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْضَبِطَ بِالْوَصْفِ وَالْوَزْنِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: " مَنْ أَسْلَفَ فَلاَ يُسْلِفْ إِلاَّ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ " (53) وَهِيَ مَوْزُونَةٌ وَلأَِنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالْمَهْرِ الْمُؤَجَّل، وَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ آجِلٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ ذَلِكَ سَلَمًا بِاتِّفَاقٍ؛ لأَِنَّهَا أَثْمَانٌ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُثَمَّنًا، لأَِنَّهُ مَحَل الْبَيْعِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الأَْعْمَشُ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعًا، لأَِنَّهُ فِي الْمَعْنَى بَيْعٌ لِلْعَرْضِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي. وَقَال عِيسَى بْنُ أَبَانَ: يَبْطُل؛ لأَِنَّ الْعَاقِدَيْنِ لَمْ يُوجِبَا الْعَقْدَ فِي الْعَرْضِ بَل فِي الدَّرَاهِمِ، فَلاَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ مَعَ اخْتِلاَفِ الْمَحَل. وَرَجَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ الأَْوَّل تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا، وَرَجَّحَ صَاحِبُ النَّهْرِ الثَّانِيَ (54) .
وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ.
37 - وَأَمَّا الْمَغْشُوشَةُ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا إِنْ كَانَ الْغِشُّ فِيهَا مَغْلُوبًا فَيَمْتَنِعُ فِيهَا السَّلَمُ؛ لأَِنَّهَا تَجْرِي فِي الْمُعَامَلاَتِ لَدَيْهَا مَجْرَى الْخَالِصِ، لأَِنَّ الْعِبْرَةَ لِلأَْغْلَبِ، وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ غَالِبًا فَهِيَ كَالْفُلُوسِ كَمَا يَأْتِي.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِأَنَّ الأَْثْمَانَ الْمَغْشُوشَةَ لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا؛ لأَِنَّ غِشَّهَا يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ تَكُونَ رَأْسَ مَال سَلَمٍ لِلسَّبَبِ نَفْسِهِ.
وَقَال الشَّيْخُ عُمَيْرَةُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَوْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ؛ لأَِنَّ الْغِشَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ (55) . السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ:
38 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - إِلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا؛ لأَِنَّ ثَمَنِيَّتَهَا لَيْسَتْ بِلاَزِمَةٍ بَل تَحْتَمِل الزَّوَال، لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ بِالاِصْطِلاَحِ فَتَزُول بِالاِصْطِلاَحِ، وَإِقْدَامُ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى عَقْدِ السَّلَمِ فِيهَا مَعَ عِلْمِهِمَا أَنَّهُ لاَ صِحَّةَ لِلسَّلَمِ فِي الأَْثْمَانِ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا عَلَى إِخْرَاجِهَا عَنْ صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ، فَتَبْطُل فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ وَتَصِيرُ سُلَفًا عَدَدِيَّةً فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا (56) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْفُلُوسِ وَلَوْ كَانَتْ نَافِقَةً، سَوَاءٌ ضَبَطَهَا بِالْعَدَدِ أَوِ الْوَزْنِ؛ لأَِنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالنَّقْدِ عَلَى مَا قَال الْبُهُوتِيُّ، وَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ عَرْضًا لاَ نَقْدًا.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَدْ قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَرِهَ مَالِكٌ السَّلَمَ فِي الْفُلُوسِ وَبَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسِيئَةً وَلَمْ يُجِزْهَا إِلاَّ يَدًا بِيَدٍ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ (57) .
التِّجَارَةُ فِي النُّقُودِ (الصِّرَافَةُ) :
39 - صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِكَرَاهَةِ التِّجَارَةِ فِي النُّقُودِ، قَال الْغَزَالِيُّ: خَلَقَ اللَّهُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لِيَكُونَا حَاكِمَيْنِ بَيْنَ الأَْمْوَال بِالْعَدْل، ثُمَّ قَال: وَالنَّقْدُ لاَ غَرَضَ فِيهِ وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى كُل غَرَضٍ، فَهُوَ كَالْحَرْفِ لاَ مَعْنَى لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَتَظْهَرُ بِهِ الْمَعَانِي فِي غَيْرِهِ. ثُمَّ قَال: مَنْ مَعَهُ عَرْضٌ فَهُوَ مَعْذُورٌ إِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ لِيَصِل بِهِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ الْعُرُوضِ. أَمَّا مَنْ يَتَّخِذُ بَيْعَ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ غَايَتَهُ، فَإِنَّ النَّقْدَ يَبْقَى مُقَيَّدًا عِنْدَهُ، وَيَنْزِل مَنْزِلَةَ الْمَكْنُوزِ، فَلاَ مَعْنَى لِبَيْعِ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ إِلاَّ اتِّخَاذُ النَّقْدِ مَقْصُودًا لِلاِدِّخَارِ وَهُوَ ظُلْمٌ (58) .
وَقَال الْغَزَالِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: كَرِهُوا الصَّرْفَ؛ لأَِنَّ الاِحْتِرَازَ فِيهِ عَنْ دَقَائِقِ الرِّبَا عَسِيرٌ، وَلأَِنَّهُ طَلَبٌ لِدَقَائِقِ الصِّفَاتِ فِيمَا لاَ تُقْصَدُ أَعْيَانُهَا، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ رَوَاجُهَا، وَقَلَّمَا يَتِمُّ لِلصَّيْرَفِيِّ رِبْحٌ إِلاَّ بِاعْتِمَادِ جَهَالَةِ مُعَامِلِهِ بِدَقَائِقِ النَّقْدِ، فَقَلَّمَا يَسْلَمُ الصَّيْرَفِيُّ وَإِنِ احْتَاطَ (59) .
وَكَرَاهَةُ حِرْفَةِ الصِّرَافَةِ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، قَال الْبُهُوتِيُّ: لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ، وَفِي نَيْل الْمَآرِبِ: جَعَلَهَا مِنْ أَبْغَضِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، كَالصِّيَاغَةِ (60) . إِقْرَاضُ النُّقُودِ:
40 - يَجُوزُ إِقْرَاضُ النُّقُودِ سَوَاءٌ كَانَتْ ذَهَبِيَّةً أَوْ فِضِّيَّةً أَوْ فُلُوسًا.
وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَعْطَاهُ، أَوْ يَرُدَّ صِحَاحًا عَنْ مُكَسَّرَةٍ. فَإِنْ رَدَّ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ، لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: " خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً " (61) قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَانَ مَكْرُوهًا، وَلَوْ لِمَنْ عُرِفَ بِالرَّدِّ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَقَال كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْحُرْمَةِ (62) .
وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَعُرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ فَلاَ يَحْرُمُ إِقْرَاضُهُ عَلَى الأَْصَحِّ، وَبِمِثْل ذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ (63) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (قَرْض ف 24 وَمَا بَعْدَهَا) . رَهْنُ النُّقُودِ:
41 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ رَهْنِ النُّقُودِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الاِسْتِيفَاءِ مِنْهَا، فَإِنْ رُهِنَتْ بِجِنْسِهَا فَهَلَكَتْ سَقَطَ مِثْلُهَا مِنَ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ حَصَل، وَلاَ فَائِدَةَ فِي تَضْمِينِهِ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ مِثْلِيٌّ، ثُمَّ يَدْفَعُهُ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ قَضَاءً.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يَجُوزُ رَهْنُ النُّقُودِ سَوَاءٌ جُعِلَتْ فِي يَدِ عَدْلٍ أَوْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ رَهْنِهَا أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهَا خَتْمًا مُحْكَمًا بِحَيْثُ مَتَى أُزِيل الْخَتْمُ عُرِفَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطُوا ذَلِكَ حِمَايَةً لِلذَّرِيعَةِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَا قَصَدَا بِهِ السَّلَفَ، وَسَمَّيَاهُ رَهْنًا، وَالسَّلَفُ مَعَ الْمُدَايَنَةِ مَمْنُوعٌ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا فِيمَا إِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ أَوِ الْحَاكِمُ الْمَرْهُونَ، وَكَمَا إِذَا بَاعَ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُجْعَل ثَمَنُهُ رَهْنًا (64) . إِعَارَةُ النُّقُودِ:
42 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ جَوَازَ إِعَارَةِ النُّقُودِ.
ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: عَارِيَةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ قَرْضٌ تَغْلِيبًا لِلْمَعْنَى عَلَى اللَّفْظِ، وَهَذَا إِذَا أُطْلِقَ الْعَارِيَةُ، فَأَمَّا إِذَا بَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي تُسْتَعْمَل فِيهَا، كَمَا إِذَا اسْتَعَارَهَا لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانَهُ أَوْ يُجَمِّل بِهَا دُكَّانَهُ أَوْ لِتَجَمُّل أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ تَنْقَلِبُ بِهِ أَعْيَانُهَا، لاَ يَكُونُ قَرْضًا، بَل يَكُونُ عَارِيَةً تُمْلَكُ بِهَا الْمَنْفَعَةُ الْمُسَمَّاةُ دُونَ غَيْرِهَا، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ مَا سَمَّاهُ لَهُ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِعَارَةَ النُّقُودِ قَرْضٌ لاَ عَارِيَةٌ وَإِنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْعَارِيَةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعَارِيَةِ الاِنْتِفَاعُ بِهَا مَعَ رَدِّ عَيْنِهَا لِرَبِّهَا، وَالنُّقُودُ إِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ ذَهَابِ عَيْنِهَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجُوزُ إِعَارَةُ النَّقْدِ لَوْ صَرَّحَ بِإِعَارَتِهِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ أَوِ الطَّبْعِ عَلَى طَبْعِهِ، وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ كَفَى. أَمَّا فِي حَال الإِْطْلاَقِ فَلاَ تَصِحُّ الْعَارِيَةُ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ مُعْظَمَ الْقَصْدِ مِنَ النَّقْدِ الإِْنْفَاقُ (65) . إِجَارَةُ النُّقُودِ:
43 - يَرَى الْحَنَابِلَةُ جَوَازَ إِجَارَةِ النُّقُودِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَالتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ؛ لأَِنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ النُّقُودَ لاَ تَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِلضَّرْبِ عَلَى صُورَتِهَا، أَوْ لِلتَّزَيُّنِ بِهَا أَوِ الْوَزْنِ بِهَا؛ لأَِنَّهَا مَنَافِعُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ غَالِبًا بِدَلِيل عَدَمِ ضَمَانِ غَاصِبِهَا أُجْرَتَهَا، وَهَذَا عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. أَمَّا إِذَا لَمْ يُصَرَّحْ بِالتَّزْيِينِ وَنَحْوِهِ فَلاَ تَصِحُّ إِجَارَتُهَا جَزْمًا. فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا عُرًى جَازَتْ إِجَارَتُهَا لِلتَّزَيُّنِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوِ اسْتَأْجَرَ دِرْهَمًا لِيُزَيَّنَ بِهَا جَازَ إِنْ وَقَّتَ وَبَيَّنَ الأُْجْرَةَ (66) .
وَقْفُ النُّقُودِ:
44 - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ وَقْفَ النُّقُودِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لأَِنَّ النُّقُودَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، بَل الاِنْتِفَاعُ بِهَا إِنَّمَا هُوَ بِإِنْفَاقِهَا، وَهُوَ اسْتِهْلاَكٌ لأَِصْلِهَا، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ الْوَقْفِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَ إِجَارَةِ النُّقُودِ وَإِعَارَتِهَا لِمَنْفَعَةِ التَّزَيُّنِ بِهَا أَوْ مُعَايَرَةِ الْوَزْنِ بِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَبَيْنَ وَقْفِهَا عَلَى مِثْل هَذِهِ الْمَنَافِعِ، بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الأَْصْلِيَّةَ الْمَقْصُودَةَ الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا النُّقُودُ هِيَ كَوْنُهَا أَثْمَانًا تُنْفَقُ إِلَى الأَْغْرَاضِ وَالْحَاجَاتِ، وَأَنَّ الإِْجَارَةَ وَالإِْعَارَةَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِمَا عَدَمُ الدَّوَامِ بِخِلاَفِ الْوَقْفِ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: يَجُوزُ وَقْفُهَا لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (67) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ وَقْفِ النُّقُودِ عَلَى الإِْنْفَاقِ وَعَلَى التَّزَيُّنِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، لَكِنْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا إِنْ وُقِفَتْ عَلَى الإِْقْرَاضِ جَازَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَتُقْرَضُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِإِنْفَاقِهَا، وَيَرُدُّ بَدَلَهَا، فَإِذَا رَدَّ بَدَلَهَا تُقْرَضُ لِغَيْرِهِ، وَهَكَذَا. قَالُوا: وَيَنْزِل رَدُّ بَدَل النُّقُودِ مَنْزِلَةَ بَقَاءِ عَيْنِهَا (68) .
وَتَفْصِيل مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَدَمُ جَوَازِ وَقْفِ النُّقُودِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُولاَتِ أَصْلاً عِنْدَهُمَا.
وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ مِنْ طَرِيقِ الأَْنْصَارِيِّ إِجَازَةُ وَقْفِهَا - أَيِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ -.
وَقَوْل مُحَمَّدٍ إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُولاَتِ لَكِنْ إِنْ جَرَى التَّعَامُل بِوَقْفِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولاَتِ جَازَ وَقْفُهُ. قَال فِي الاِخْتِيَارِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَتَعَامُلِهِمْ بِذَلِكَ، كَالْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ وَالسِّلاَحِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَحِينَ جَرَى التَّعَامُل فِي الْعُصُورِ اللاَّحِقَةِ بِوَقْفِ النُّقُودِ وُجِدَتِ الْفَتْوَى بِدُخُول النُّقُودِ تَحْتَ قَوْل مُحَمَّدٍ بِجَوَازِ وَقْفِ مَا جَرَى التَّعَامُل بِوَقْفِهِ. قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: بَل وَرَدَ الأَْمْرُ لِلْقُضَاةِ بِالْحُكْمِ بِهِ كَمَا فِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ.
وَوَجْهُ الاِنْتِفَاعِ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا هُوَ عِنْدَهُمْ بِإِقْرَاضِهَا، وَإِذَا رَدَّ مِثْلَهَا جَرَى إِقْرَاضُهُ أَيْضًا، وَهَكَذَا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَمَّا كَانَتِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، يَكُونُ بَدَلُهَا قَائِمًا مَقَامَهَا لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا.
وَذَكَرَ زُفَرُ وَجْهًا آخَرَ: أَنْ تُدْفَعَ مُضَارَبَةً إِلَى مَنْ يَعْمَل فِيهَا، ثُمَّ يُتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي وُقِفَتْ عَلَيْهِ (69) . السُّفْتَجَةُ:
45 - السُّفْتَجَةُ طَرِيقَةٌ تُتَّبَعُ فِي نَقْل النُّقُودِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، تُتَفَادَى بِهَا أَخْطَارُ النَّقْل مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ نَهْبٍ أَوْ فِقْدَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَصُورَتُهَا: أَنْ يُعْطِيَ النُّقُودَ الَّتِي يُرِيدُ نَقْلَهَا تَاجِرًا فِي الْبَلَدِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَيُعْطِيَهُ التَّاجِرُ كِتَابًا إِلَى وَكِيلِهِ فِي الْبَلَدِ الآْخَرِ لِيُعْطِيَهُ مِثْلَهَا.
وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قَرْضًا أَوْ حَوَالَةً.
وَقَدْ مَنَعَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ؛ لِكَوْنِهَا قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ الأَْمْنِ مِنْ أَخْطَارِ الطَّرِيقِ. وَأَجَازَهَا آخَرُونَ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْكَبِيرَةِ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَقَعُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَامِلِينَ بِهَا (70) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ وَالْخِلاَفُ فِيهِ فِي مُصْطَلَحِ (سُفْتَجَة ف 3) .
سَادِسًا: التَّغَيُّرَاتُ الَّتِي تَعْتَرِي النُّقُودَ مِنْ حَيْثُ قِيمَتُهَا:
46 - إِنَّ النُّقُودَ الذَّهَبِيَّةَ وَالْفِضِّيَّةَ تَتَمَيَّزُ بِأَنَّهَا ثَابِتَةُ الْقِيمَةِ عَلَى الزَّمَنِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ عُرْضَةٌ لِتَبَدُّل قِيمَتِهَا، إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْعَادَةِ بِنِسْبَةٍ ضَئِيلَةٍ جِدًّا. وَأَمَّا الْفُلُوسُ فَتَعْتَرِيهَا تَغَيُّرَاتٌ فِي قِيمَتِهَا، قَدْ تَكُونُ شَدِيدَةً، مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى قِيمَةِ مُدَّخَرَاتِ الدَّوْلَةِ، وَمُدَّخَرَاتِ الرَّعِيَّةِ مِنْهَا، وَعَلَى قِيمَةِ الدُّيُونِ.
وَمِنْ تِلْكَ التَّغَيُّرَاتِ مَا يَلِي:
أ - الْغَلاَءُ، وَسَبَبُهُ إِمَّا كَثْرَةُ الإِْقْبَال عَلَى تَدَاوُلِهَا، وَالتَّوَسُّعُ فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُبَايَعَاتِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ، وَكَثْرَةُ ادِّخَارِهَا، هَذَا مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قِلَّةُ الْمُتَوَافِرِ مِنَ الْمَعْدِنِ الَّذِي تُضْرَبُ مِنْهُ، أَوْ عَدَمُ قِيَامِ الدَّوْلَةِ بِضَرْبِ مَا يَكُونُ كَافِيًا لِيَسَعَ حَاجَةَ النَّاسِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمَقْرِيزِيُّ أَنَّ الْفُلُوسَ فِي عَهْدِهِ رَاجَتْ رَوَاجًا عَظِيمًا حَتَّى نُسِبَتْ إِلَيْهَا سَائِرُ الْمَبِيعَاتِ، وَصَارَ يُقَال: كُل دِينَارٍ بِكَذَا مِنَ الْفُلُوسِ.
ب - الرُّخْصُ، بِسَبَبِ قِلَّةِ الطَّلَبِ عَلَيْهَا، أَوْ قِلَّةِ الإِْقْبَال عَلَى ادِّخَارِهَا، أَوْ تَوَافُرِ الْمَعْدِنِ الَّذِي تُصْنَعُ مِنْهُ بِكَثْرَةٍ، أَوْ كَثْرَةِ مَا يُصْنَعُ مِنْهَا وَيَدْخُل السُّوقَ. وَمَعْنَى رُخْصِهَا انْخِفَاضُ قُوَّتِهَا الشِّرَائِيَّةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يُشْتَرَى بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا أَقَل مِمَّا كَانَ يُشْتَرَى بِهِ سَابِقًا. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِمُقَارَنَةِ أَسْعَارِهَا بَيْنَ فَتْرَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ.
ج - وَقَدْ يَعْتَرِيهَا الْكَسَادُ: قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هُوَ أَنْ تُتْرَكَ الْمُعَامَلَةُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ. وَضِدُّ الْكَسَادِ الرَّوَاجُ وَالنَّفَاقُ.د - الاِنْقِطَاعُ: وَالاِنْقِطَاعُ الَّذِي لَهُ أَثَرُهُ هُوَ أَنْ لاَ تُوجَدَ فِي السُّوقِ لَدَى التُّجَّارِ، وَإِنْ كَانَتْ تُوجَدُ لَدَى الصَّيَارِفَةِ، وَفِي الْبُيُوتِ (71) .
هـ - إِبْطَال التَّعَامُل بِالنُّقُودِ بِأَمْرِ الإِْمَامِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُحَرِّمَ الإِْمَامُ التَّعَامُل بِهَا، وَيَضْرِبَ نَقْدًا جَدِيدًا يُلْزِمُ النَّاسَ بِالتَّعَامُل بِهِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا. قَال ابْنُ الْهَائِمِ: وَتَحْرِيمُ السُّلْطَانِ مُعْتَبَرٌ (أَيْ مُلْزِمٍ لِلنَّاسِ) فِي مِثْل هَذَا (72) ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ (73) } .
و وَقَدْ يَعْتَرِيهَا التَّغْيِيرُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ بِتَنْقِيصِ أَسْعَارِهَا، وَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي رِسَالَتِهِ: تَعَدَّدَ فِي زَمَانِنَا وُرُودُ الأَْمْرِ السُّلْطَانِيِّ بِتَغْيِيرِ سِعْرِ بَعْضِ النُّقُودِ الرَّائِجَةِ بِالنَّقْصِ (74) .
تَحَوُّل النُّقُودِ إِلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ بُطْلاَنِ التَّعَامُل بِهَا:
47 - إِذَا بَطَل النَّقْدُ، سَوَاءٌ بِإِبْطَال الإِْمَامِ لَهُ، أَوْ بِتَرْكِ النَّاسِ التَّعَامُل بِهِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ عَرْضًا لاَ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ النُّقُودِ الْخَاصَّةِ بِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ النُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ.
أَمَّا النُّقُودُ الذَّهَبِيَّةُ وَالْفِضِّيَّةُ فَإِنَّ أَحْكَامَهُمَا مِنْ حَيْثُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِمَا، ثَابِتَةٌ سَوَاءٌ كَانَا نُقُودًا أَوْ نُقْرَةً.
وَهَذَا لأَِنَّ الْفُلُوسَ تَلْحَقُ بِالنَّقْدَيْنِ - عِنْدَ مَنْ أَلْحَقَهَا بِهِمَا - بِعِلَّةِ الثَّمَنِيَّةِ، فَإِذَا خَرَجَتْ عَنِ التَّعَامُل بَطَلَتْ ثَمَنِيَّتُهَا، فَبَطَل إِلْحَاقُهَا بِالنَّقْدَيْنِ، لِزَوَال الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ، وَرَجَعَتْ إِلَى أَصْلِهَا وَهُوَ كَوْنُهَا سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ (75) .
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي النُّقُودِ الاِصْطِلاَحِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا. قَالُوا: لأَِنَّ الْفُلُوسَ صَارَتْ ثَمَنًا فِي حَقِّهِمَا بِاصْطِلاَحِهِمَا، فَتَبْطُل بِاصْطِلاَحِهِمَا. وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ مَا دَامَتِ الْفُلُوسُ رَائِجَةً؛ لأَِنَّ ثَمَنِيَّتَهَا بِاصْطِلاَحِ الْعُمُومِ فَلاَ تَبْطُل بِمُجَرَّدِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى إِبْطَالِهَا (76) .
مُحَافَظَةُ الإِْمَامِ عَلَى اسْتِقْرَارِ أَسْعَارِ النُّقُودِ:
48 - مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ رِعَايَتُهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى اسْتِقْرَارِ أَسْعَارِ النُّقُودِ مِنَ الاِنْخِفَاضِ؛ لِئَلاَّ يَحْصُل بِذَلِكَ غَلاَءُ الأَْقْوَاتِ وَالسِّلَعِ وَيَنْتَشِرَ الْفَقْرُ، وَلِتَحْصُل الطُّمَأْنِينَةُ لِلنَّاسِ بِالتَّمَتُّعِ بِثَبَاتِ قِيَمِ مَا حَصَّلُوهُ مِنَ النُّقُودِ بِجُهْدِهِمْ وَسَعْيِهِمْ وَاكْتِسَابِهِمْ؛ لِئَلاَّ تَذْهَبَ هَدْرًا وَيَقَعَ الْخَلَل وَالْفَسَادُ.
وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْخَلَل تَحْرِيمَ الإِْمَامِ لأَِنْوَاعٍ مِنَ النُّقُودِ فَعَلَيْهِ إِبْدَالُهَا لَهُمْ بِمَا يُسَاوِيهَا فِي الْقِيمَةِ، وَأَنْ يُتِيحَ لَهُمُ الْفُرْصَةَ الْكَافِيَةَ مِنَ الْوَقْتِ لإِِجْرَاءِ الاِسْتِبْدَال. وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَزِيدَ كَمِّيَّةَ الْمَضْرُوبِ الْجَدِيدِ مِنْهَا مِنْ أَجْل الرَّغْبَةِ فِي أَنْ يُحَصِّل لِبَيْتِ الْمَال دَخْلاً مِنْ ذَلِكَ. قَال الْبُهُوتِيِّ: قَال ابْنُ تَيْمِيَةَ: يَنْبَغِي أَنْ يَضْرِبَ الإِْمَامُ لِلرَّعَايَا فُلُوسًا تَكُونُ بِقَدْرِ الْعَدْل فِي مُعَامَلاَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ، وَلاَ يَتَّجِرُ ذُو السُّلْطَانِ فِي الْفُلُوسِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ نُحَاسًا فَيَضْرِبَهُ فَيَتَّجِرَ فِيهِ، وَلاَ بِأَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمُ الْفُلُوسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَيَضْرِبَ لَهُمْ غَيْرَهَا، بَل يَضْرِبَ النُّحَاسَ بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيُعْطِيَ أُجْرَةَ الصُّنَّاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِنَّ التِّجَارَةَ فِيهَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَأَكْلٌ لأَِمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل، فَإِنَّهُ إِذَا حَرَّمَ الْمُعَامَلَةَ صَارَتْ عَرْضًا، وَإِذَا ضَرَبَ لَهُمْ فُلُوسًا أُخْرَى أَفْسَدَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الأَْمْوَال بِنَقْصِ أَسْعَارِهَا (77) . قَال: وَفِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلاَّ مِنْ بَأْسٍ " (78) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الأَْثْمَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَتَمَتَّعُ بِثَبَاتِ الْقِيمَةِ، لاَ يَرْتَفِعُ وَلاَ يَنْخَفِضُ، قَال: وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ حُرِّمَ رِبَا الْفَضْل وَالنَّسَاءِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إِذْ لَوْ أُبِيحَ ذَلِكَ فِيهِمَا لَكَانَا سِلَعًا تُقْصَدُ لأَِعْيَانِهَا، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ أَمْرِ النَّاسِ (79) .
وَرَأَى الْمَقْرِيزِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي النُّقُودِ أَنَّ عِلاَجَ اضْطِرَابَاتِ الأَْسْعَارِ وَمَوْجَاتِ الْغَلاَءِ النَّاشِئَةِ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى قَاعِدَةِ اسْتِعْمَال النُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ، وَأَنَّ فَسَادَ الأُْمُورِ الَّذِي حَصَل فِي زَمَنِهِ نَاشِئٌ عَنْ سُوءِ التَّدْبِيرِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْخُرُوجُ عَنْ قَاعِدَةِ التَّعَامُل بِالذَّهَبِ إِلَى قَاعِدَةِ التَّعَامُل بِالْفُلُوسِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلَى تَفَاقُمِ مُشْكِلَةِ الأَْسْعَارِ، قَال فِي ذَلِكَ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَال فِي فَسَادِ الأُْمُورِ إِنَّمَا هُوَ سُوءُ التَّدْبِيرِ لاَ غَلاَءُ الأَْسْعَارِ. ثُمَّ قَال: فَلَوْ وَفَّقَ اللَّهُ مَنْ أَسْنَدَ إِلَيْهِ أَمْرَ عِبَادِهِ حَتَّى رُدَّتِ الْمُعَامَلاَتُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِالذَّهَبِ خَاصَّةً، وَرَدَّ قِيَمَ السِّلَعِ وَعَوَّضَ الأَْعْمَال كُلَّهَا إِلَى الدِّينَارِ، وَرَدَّ قِيَمَ الأَْعْمَال وَأَثْمَانَ الْمَبِيعَاتِ إِلَى الدِّرْهَمِ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ غِيَاثُ الأُْمَّةِ وَصَلاَحُ الأُْمُورِ.
وَقَال أَيْضًا: مَنْ نَظَرَ إِلَى أَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ بِاعْتِبَارِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لاَ يَجِدُهَا قَدْ غَلَتْ إِلاَّ شَيْئًا يَسِيرًا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا دَهَى النَّاسَ مِنْ كَثْرَةِ الْفُلُوسِ فَأَمْرٌ لاَ أَشْنَعَ مِنْهُ، وَلاَ أَفْظَعَ مِنْ هَوْلِهِ، فَسَدَتْ بِهِ الأُْمُورُ، وَاخْتَلَّتْ بِهِ الأَْحْوَال (80) .
أَثَرُ تَغَيُّرِ قِيمَةِ النَّقْدِ عَلَى الدُّيُونِ:
49 - إِنَّ الدُّيُونَ الْمُقَدَّرَةَ بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ، إِذَا غَلاَ ذَلِكَ النَّقْدُ، وَأُلْزِمَ الْمَدِينُ بِسَدَادِهَا بِالْمِثْل، يَزْدَادُ الْعِبْءُ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ نَتِيجَةً لِذَلِكَ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، وَإِنْ رَخُصَ النَّقْدُ الْمُعَيَّنُ يَكُونُ فِي سَدَادِ الدَّيْنِ بِالْمِثْل ضَرَرٌ عَلَى الدَّائِنِ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الضَّرَرُ فِي كِلاَ الْحَالَتَيْنِ كَبِيرًا بِحَسَبِ نِسْبَةِ التَّغَيُّرِ.
وَقَدْ يَعِزُّ النَّقْدُ الْمُعَيَّنُ عِنْدَ الْوَفَاءِ أَوْ يَنْقَطِعُ فَيَتَعَذَّرُ أَدَاءُ الْمِثْل.
وَقَدْ عَالَجَ الْفُقَهَاءُ أَثَرَ التَّغَيُّرَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الدُّيُونِ بِالنِّسْبَةِ لِلنُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ وَالْفُلُوسِ: أ - فَأَمَّا النُّقُودُ الْخَلْقِيَّةُ، وَهِيَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ الْخَالِصَةُ أَوِ الْمَغْلُوبَةُ الْغِشِّ فَيُلْزَمُ الْمَدِينُ بِأَدَاءِ الْمِثْل وَلَوْ كَانَ عَزِيزًا، لَكِنْ لَوِ انْقَطَعَ أَوِ انْعَدَمَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ النَّقْدِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيمَةِ يَوْمَ ثَبَتَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ وَقْتَ الْمُطَالَبَةِ.
ب - وَأَمَّا النُّقُودُ الاِصْطِلاَحِيَّةُ وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الْغَالِبَةُ الْغِشِّ، وَالْفُلُوسُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ فِي حَال كَسَادِهَا أَوِ انْقِطَاعِهَا أَوْ رُخْصِهَا أَوْ غَلاَئِهَا عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ (81) .
. تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (دَيْن ف 64 - 69) .
__________
(1) المعجم الوسيط.
(2) الزرقاني على شرح مختصر خليل 1 / 33، 37، نهاية المحتاج 3 / 83.
(3) الفروع لابن مفلح 4 / 583.
(4) نهاية المحتاج 3 / 98، 104، 433.
(5) المبسوط 12 / 137.
(6) فتح العزيز للرافعي في ذيل المجموع 12 / 5، وروضة الطالبين 5 / 117.
(7) فتح العزيز 8 / 140، وروضة الطالبين 3 / 363.
(8) المعجم الوسيط، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 179 طبعة دار الكتب العلمية.
(9) لسان العرب، وابن عابدين 2 / 30.
(10) لسان العرب، والقاموس المحيط، وابن عابدين 3 / 340، 4 / 218.
(11) سورة الكهف / 19
(12) حديث: " بارك الله لك في صفقة يمينك ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 632 ط السلفية) والترمذي (3 / 550 ط الحلبي) واللفظ للترمذي
(13) إحياء علوم الدين للغزالي 12 / 2219 ط دار الشعب.
(14) بداية المجتهد 2 / 99.
(15) إعلام الموقعين عن رب العالمين 2 / 155، 156.
(16) مقدمة ابن خلدون ص 391.
(17) ابن عابدين 2 / 29.
(18) لسان العرب، والمصباح المنير.
(19) البدائع 5 / 236.
(20) المدونة 3 / 396.
(21) إغاثة الأمةِ بكشف الغمة للمقريزي ص 68.
(22) ترى لجنة الموسوعة أن النقود الورقية تزكى إذا بلغت قيمتها نصاب ذهب أو فضة سواء كانت للتجارة أو لم تكن ما دامت تستعمل أثمانا رائجة لأنها أصبحت غالب أموال الناس وراجت في التبادل حتى حلت في هذا العصر محل النقود الذهبية والفضية
(23) الاختيار لتعليل المختار 3 / 102، وجواهر الإكليل 1 / 308، والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 302، ومغني المحتاج 3 / 220، وكشاف القناع 5 / 128.
(24) الفروع 2 / 457، وكشاف القناع 2 / 232، ونهاية المحتاج وحاشية الرشيدي 3 / 87، ومقدمة ابن خلدون ص 261.
(25) حديث: " نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ". أخرجه أبو داود (3 / 730 ط حمص) وابن ماجه (2 / 761 ط عيسى الحلبي) وأعله المنذري في مختصر السنن (5 / 91 - نشر دار المعرفة) بأن أحد رواته لا يحتج بحديثه
(26) كشاف القناع 2 / 232.
(27) إحياء علوم الدين 4 / 768 ط دار الشعب.
(28) إعلام الموقعين 2 / 163.
(29) الفواكه الدواني 2 / 111.
(30) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3 / 34.
(31) الكسروية نسبة إلى كسرى، والمقصود الدراهم الفارسية.
(32) إغاثة الأمة بكشف الغمة ص 51 - 55. .
(33) الزرقاني على خليل 1 / 94، وجواهر الإكليل 1 / 21، والمغني لابن قدامة 1 / 148 ط ثالثة، وتحفة المحتاج 1 / 150.
(34) وَلاَ يَخْفَى أَنَّ طَبْعَ نُقُودٍ وَرَقِيَّةٍ مُطَابِقَةٍ فِي الْهَيْئَةِ لِلنُّقُودِ الْوَرَقِيَّةِ الَّتِي تُصْدِرُهَا الدَّوْلَةُ هُوَ مِنْ بَابِ التَّزْوِيرِ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ عُقُوبَةً تَعْزِيرِيَّةً لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الدَّوْلَةِ وَتَغْرِيرِه
(35) نهاية المحتاج 3 / 93.
(36) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 182، وفتح العلي المالك 1 / 219.
(37) فتح القدير 6 / 168، والفتاوى الهندية 2 / 306، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 349 - 351، والمحلي شرح المنهاج 2 / 334، وشرح منتهى الإرادات 2 / 322، والمغني 5 / 13 - 15.
(38) المغني 5 / 14، ونهاية المحتاج 5 / 7.
(39) المغني 4 / 15، والفتاوى الهندية 2 / 306، وابن عابدين 3 / 340، وشرح منتهى الإرادات 2 / 322.
(40) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 370 نشر مصطفى الحلبي.
(41) نهاية المحتاج 3 / 410، 411، وتنبيه الرقود ص 34، والفتاوى الهندية 4 / 412، ونزهة النفوس 39.
(42) الاختيار 2 / 5.
(43) المغني 5 / 156.
(44) القليوبي على شرح المنهاج 3 / 9، والمغني 5 / 155.
(45) القليوبي 2 / 341، 335، والمغني 5 / 123، 35.
(46) الفتاوى الهندية 3 / 13، وحاشية ابن عابدين 4 / 128، 166، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 375 نشر دار الفكر، والمغني 4 / 43 - 50، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 155، 445، والفروق 3 / 255، والمنتقى 4 / 268.
(47) حديث النهي عن بيع العينة. أخرجه أبو داود (3 / 740 - 741 ط حمص) من حديث ابن عمر.
(48) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 375 في أحكام النقد، وحاشية ابن عابدين 4 / 115، 116 و 3 / 200، والمغني 4 / 257، والروضة 3 / 416، 417، والدسوقي 3 89.
(49) حديث: " لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ". أخرجه أبو داود (3 / 561 ط حمص) ونقل ابن حجر في التلخيص (3 / 25 - 26 ط شركة الطباعة الفنية) عن البيهقي أنه أعله بالوقف
(50) شرح منتهى الإرادات 2 / 205، والمغني 4 / 47 - 50، وابن عابدين 4 / 115، 244، والقليوبي 2 / 214.
(51) شرح منتهى الإرادات 2 / 204، والكافي لابن عبد البر 2 / 643، وابن عابدين 4 / 239.
(52) جواهر الإكليل 2 / 76، وشرح المنهاج 4 / 336، والدسوقي على الشرح الكبير 3 / 227.
(53) حديث: " من أسلف فلا يسلف إلا في كيل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 429 ط السلفية) ومسلم (3 / 1228 ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس - ﵄ - واللفظ لمسلم
(54) حاشية ابن عابدين 4 / 203، والفتاوى الهندية 3 / 181، 182، وتكملة فتح القدير 7 / 62، وجواهر الإكليل 2 / 68، وشرح المحلي مع حاشية القليوبي 2 / 255، وشرح منتهى الإرادات 2 / 215، والمغني 4 / 299.
(55) شرح منتهى الإرادات 2 / 215، وحاشية عميرة على شرح المنهاج 2 / 255.
(56) البدائع 5 / 208، وابن عابدين 4 / 203، والفتاوى الهندية 3 / 183.
(57) شرح منتهى الإرادات 2 / 215، والكافي لابن عبد البر 2 / 644، والأم 3 / 98.
(58) إحياء علوم الدين 12 / 2221.
(59) إحياء علوم الدين 5 / 795 ط الشعب.
(60) شرح منتهى الإرادات 3 / 411، وكشاف القناع 6 / 214، ونيل المآرب 2 / 412.
(61) حديث: " خيركم أحسنكم قضاء ". أخرجه مسلم (3 / 1225 ط عيسى الحلبي)
(62) المغني 4 / 317، 318، ورد المحتار 4 / 172، 174، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج 2 / 260.
(63) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 96، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 108، والمغني 4 / 322.
(64) الاختيار لتعليل المختار 2 / 67، وحاشية ابن عابدين مع الدر المختار 5 / 319، 320، وجواهر الإكليل 2 / 79، والدسوقي مع الشرح الكبير 3 / 237، ونهاية المحتاج 4 / 237، والإنصاف 5 / 141، والمغني 4 / 377.
(65) الفتاوى الهندية 4 / 363، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 435، ونهاية المحتاج 5 / 121، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي 3 / 69، 18، وشرح منتهى الإرادات 2 / 392، والمغني 5 / 308.
(66) غمز عيون البصائر 3 / 123 ط دار الكتب العلمية، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي 3 / 69، 18، ونهاية المحتاج 5 / 270، وشرح منتهى الإرادات 2 / 358، وكشاف القناع 3 / 561.
(67) مغني المحتاج 2 / 377، ونهاية المحتاج 5 / 358، وروضة الطالبين 5 / 315، وأسنى المطالب 2 / 458.
(68) جواهر الإكليل 2 / 205، وحاشية الدسوقي 4 / 76، 77، والمغني لابن قدامة 5 / 84، والفروع لابن مفلح 4 / 583.
(69) الاختيار لتعليل المختار 3 / 42، ومجمع الأنهر 2 / 747، وحاشية ابن عابدين 3 / 374.
(70) رد المحتار على الدر المختار 4 / 174، 295، وجواهر الإكليل 2 / 76، ونهاية المحتاج 4 / 225، والمغني 4 / 320.
(71) حاشية ابن عابدين 4 / 24، ورسالته المسماة " تنبيه الرقود إلى أحكام النقود " ص 17، 18، نشر محمد سلامة جبر.
(72) نزهة النفوس في أحكام التعامل بالفلوس لابن الهائم ص 63.
(73) سورة النساء / 59
(74) رسالة تنبيه الرقود ص 38.
(75) تكملة فتح القدير 5 / 288 ط دار الفكر.
(76) تكملة فتح القدير 7 / 20.
(77) كشاف القناع 2 / 232، وانظر مواهب الجليل للحطاب المالكي 4 / 342.
(78) حديث: " نهى عن كسر سكة المسلمين. . . ". سبق تخريجه ف 17
(79) إعلام الموقعين 2 / 156.
(80) إغاثة الأمة بكشف الغمة ص 79 وما بعدها.
(81) رسالة تنبيه الرقود على أحكام النقود لابن عابدين، ورسالة قطع المجادلة عند تغير المعاملة للسيوطي ضمن كتابه الحاوي في الفتاوى 1 / 151 وما بعدها، والفتاوى الهندية 3 / 225، وتكملة فتح القدير 7 / 155، 156، والمدونة الكبرى 3 / 444، 445، وحاشية الرهوني 5 / 120، ونهاية المحتاج على شرح المنهاج 3 / 399، والمجموع للنووي 9 / 282، والإنصاف للمرداوي 5 / 127، 128، وكشاف القناع 3 / 314، وشرح المفردات 2 / 390.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 172/ 41