المقيت
كلمة (المُقيت) في اللغة اسم فاعل من الفعل (أقاتَ) ومضارعه...
نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّة شخصٍ إِلَى ذِمَّة شخص آخر . ومن أمثلته تحويل المدينِ عمر دائنَه سعداً إلى رجل ثالث هو قاسم؛ ليأخذ منه الدين الذي هو على عمر . ومن شواهده، قوله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : "مطل الغني ظلم، ومن أحيل على مليء فليحتل " أحمد : 9973 وصصحه الأرنؤوط .
نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّة شخصٍ إِلَى ذِمَّة شخص آخر.
التَّعْرِيفُ:
1 - الْحَوَالَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ حَال الشَّيْءُ حَوْلاً وَحُؤُولاً: تَحَوَّل. وَتَحَوَّل مِنْ مَكَانِهِ انْتَقَل عَنْهُ وَحَوَّلْتُهُ تَحْوِيلاً نَقَلْتُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ.
وَالْحَوَالَةُ بِالْفَتْحِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ هَذَا، فَإِذَا أَحَلْتَ شَخْصًا بِدَيْنِكَ فَقَدْ نَقَلْتَهُ إِلَى ذِمَّةٍ غَيْرِ ذِمَّتِكَ. (1)
2 - وَالْحَوَالَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ. فَمَتَى تَمَّ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول تَحْمِيلاً وَتَحَمُّلاً لأَِدَاءِ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحْتَمِل إِلَى الدَّائِنِ، بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلاَثَةِ الأَْطْرَافِ الْمَعْنِيَّةِ، الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَالْمُلْتَزِمِ بِالأَْدَاءِ، مَعَ الاِسْتِيفَاءِ لِسَائِرِ الشَّرَائِطِ الَّتِي سَتَأْتِي، فَقَدْ تَمَّ هَذَا النَّقْل مِنَ الْوِجْهَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
مِثَال ذَلِكَ أَنْ يَقُول لِلدَّائِنِ قَائِلٌ: لَكَ عَلَى فُلاَنٍ دَيْنٌ مِقْدَارُهُ كَذَا فَاقْبَل حَوَالَتَهُ عَلَيَّ، فَيَقُول الدَّائِنُ: قَبِلْتُ أَوْ يَبْتَدِئُ الدَّائِنُ فَيَقُول لِصَاحِبِهِ: لِي عَلَى فُلاَنٍ كَذَا، فَاقْبَل دَيْنَهُ عَلَيْكَ حَوَالَةً، فَيُجِيبُ: قَدْ فَعَلْتُ (2) 3 - بَعْدَ هَذَا التَّعْرِيفِ يَتَبَيَّنُ مَا يَلِي:
أ - أَنَّ الْمُحِيل هُوَ الْمَدِينُ، وَقَدْ يَكُونُ دَائِنًا أَيْضًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ (كَمَا سَنَرَى) ، وَهُوَ طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ إِذَا بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَجَازَهُ.
ب - وَأَمَّا الْمُحَال، فَهُوَ الدَّائِنُ، وَهُوَ أَبَدًا طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، إِمَّا بِمُبَاشَرَتِهِ، وَإِمَّا بِإِجَازَتِهِ.
وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: حَوِيلٌ، وَمُحْتَالٌ (بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِل) . وَلاَ يُقَال: مُحَالٌ لَهُ، أَوْ مُحْتَالٌ لَهُ، لأَِنَّ هَذِهِ الصِّلَةَ لَغْوٌ - كَمَا قَال فِي الْمُغْرِبِ - وَإِنْ أَثْبَتَهَا الْبَعْضُ، وَتَكَلَّفَ ابْنُ عَابِدِينَ تَصْحِيحَهَا. (3)
ج - وَأَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ (وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: حَوِيلٌ، بِزِنَةِ " كَفِيلٍ "، وَمُحْتَالٌ عَلَيْهِ) فَهُوَ الَّذِي الْتَزَمَ لأَِحَدِ الآْخَرَيْنِ بِدِيَتِهِ عَلَى ثَانِيهِمَا، وَهُوَ أَيْضًا أَبَدًا طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُحَال.
د - وَأَمَّا الْمُحَال بِهِ، (وَيُقَال: الْمُحْتَال بِهِ) فَهُوَ الدَّيْنُ نَفْسُهُ الَّذِي لِلْمُحْتَال عَلَى الْمُحِيل، وَهُوَ هُنَا مَحَل عَقْدِ الْحَوَالَةِ. أَلْفَاظٌ ذَاتُ صِلَةٍ:
أ - الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ:
4 - الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ لُغَةً: الاِلْتِزَامُ بِالشَّيْءِ. (4) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ
. (5) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ أَوِ الضَّمَانِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ لِلدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى، أَمَّا الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ فَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ فِي الاِلْتِزَامِ بِالْحَقِّ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، لأَِنَّ بِالْحَوَالَةِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل، وَفِي الْكَفَالَةِ لاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَكْفُول.
ب - الإِْبْرَاءُ:
5 - الإِْبْرَاءُ لُغَةً: التَّنْزِيهُ وَالتَّخْلِيصُ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الشَّيْءِ. وَاصْطِلاَحًا: إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ. (6)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالإِْبْرَاءِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، وَالإِْبْرَاءُ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
6 - الْحَوَالَةُ بِالدَّيْنِ مَشْرُوعَةٌ يَدُل لِذَلِكَ مَا يَأْتِي:
أ - السُّنَّةُ:
7 - رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (7) ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَْوْسَطِ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (8) وَفِي آخَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل (9) وَقَدْ يُرْوَى بِفَاءِ التَّفْرِيعِ: وَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتْبَعْهُ (10) ، فَيُفِيدُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ عِلَّتُهُ، أَيْ أَنَّ مَطْل أَهْل الْمُلاَءَةِ وَالْيَسَارِ ظُلْمٌ مُحَرَّمٌ فِي الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَخْشَيَنَّهُ مُسْلِمٌ فَيَأْبَى مِنْ خَشْيَتِهِ قَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى مَلِيءٍ بَل إِنَّهُ لَمَأْمُورٌ بِقَبُولِهَا (11) . ب - الإِْجْمَاعُ:
8 - انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَوَالَةِ (12) .
ج - الْقِيَاسُ:
9 - الْحَوَالَةُ مَقِيسَةٌ عَلَى الْكَفَالَةِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَالْكَفِيل قَدِ الْتَزَمَ مَا هُوَ أَهْلٌ لاِلْتِزَامِهِ وَقَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَكِلاَهُمَا طَرِيقٌ لِتَيْسِيرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَلاَ تَمْتَنِعُ هَذِهِ كَمَا لَمْ تَمْتَنِعْ تِلْكَ. وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إِلَى الْحَوَالَةِ، وَالدِّينُ يُسْرٌ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِقِيَاسِ الْمَجْمُوعِ عَلَى آحَادِهِ: ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْ نَوْعَيِ الْحَوَالَةِ (الْمُطْلَقَةِ أَوِ الْمُقَيَّدَةِ) يَتَضَمَّنُ تَبَرُّعَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالاِلْتِزَامِ وَالإِْيفَاءِ، وَأَمْرَهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُحَال، وَتَوْكِيل الْمُحَال بِالْقَبْضِ مِنْهُ. وَمَا مِنْهَا خَصْلَةٌ إِلاَّ وَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى الاِنْفِرَادِ، فَلْتَكُنْ كَذَلِكَ عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ، بِجَامِعِ عَدَمِ الْفَرْقِ (13) .
10 - وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول الْمُحَال لِلْحَوَالَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، هَل هُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ، أَمْ نَدْبٍ أَمْ إِبَاحَةٍ؟ قَال بِالأَْوَّل أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.
لأَِنَّهُ الأَْصْل فِي صِيغَةِ الأَْمْرِ، وَقَال بِالثَّانِي: أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِتَقْيِيدِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَلِيءُ لَيْسَ فِي مَالِهِ شُبْهَةُ حَرَامٍ. وَإِنَّمَا صَرَفُوا الْكَلاَمَ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلْحَاقًا لِلْحَوَالَةِ بِسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنْ شَوْبِ مُعَاوَضَةٍ.
وَاسْتَظْهَرَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ أَنَّهُ أَمْرُ إِبَاحَةٍ، لأَِنَّ أَهْل الْمُلاَءَةِ قَدْ يَكُونُ فِيهِمُ اللَّدَدُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمَطْل بِالْحُقُوقِ، وَهُوَ ضَرَرٌ لاَ يَأْمُرُ الشَّارِعُ بِتَحَمُّلِهِ، بَل بِالتَّبَاعُدِ عَنْهُ وَاجْتِنَابِهِ. فَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ اسْتُحِبَّ اتِّبَاعُهُ، تَفَادِيًا لِلْمِسَاسِ بِمَشَاعِرِهِ، وَتَنْفِيسًا عَنِ الْمَدِينِ نَفْسِهِ، وَمَنْ جُهِل حَالُهُ فَعَلَى الإِْبَاحَةِ، إِذْ لاَ تَرْجِيحَ بِلاَ مُرَجِّحٍ (14) .
وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَجْعَل الْمُلاَءَةَ شَيْئًا، وَكُلًّا مِنِ الإِْقْرَارِ بِالدَّيْنِ وَعَدَمِ الْمُمَاطَلَةِ شَيْئًا آخَرَ.
وَذَلِكَ إِذْ يَقُول: (يُسَنُّ قَبُولُهَا عَلَى مَلِيءٍ، مُقِرٍّ، بَاذِلٍ، لاَ شُبْهَةَ فِي مَالِهِ) . (15)
حَقِيقَةُ عَقْدِ الْحَوَالَةِ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
11 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (16) وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَنُسِبَ النَّصُّ عَلَيْهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مَلَكَ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ، فَكَأَنَّمَا الْمُحَال قَدْ بَاعَ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِمَا لِهَذَا فِي ذِمَّةِ مَدِينِهِ.
وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: (الْحَوَالَةُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ: لأَِنَّ الْمُحْتَال يَبِيعُ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِمَا لِلْمُحِيل فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّ الْمُحِيل يَبِيعُ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ) .
وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَوَّل كَلاَمِهِ، إِذْ يَقُول بِإِطْلاَقٍ: (وَالْحَوَالَةُ مُعَامَلَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) .
فَالْحَوَالَةُ، عَلَى هَذَا، بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، أَوْ كَمَا يَقُول فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ: (هِيَ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ) ، وَالْقِيَاسُ امْتِنَاعُهُ، وَلَكِنَّهُ جَوَّزَ لِلْحَاجَةِ، رُخْصَةً مِنَ الشَّارِعِ وَتَيْسِيرًا.
فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الْمَدِينُ مُمَاطِلاً، يُؤْذِي دَائِنِيهِ بِتَسْوِيفِهِ وَكَذُوبِ وُعُودِهِ، أَوْ بِمُشَاغَبَاتِهِ وَضِيقِ ذَاتِ يَدِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ هُوَ أَلْيَنُ عَرِيكَةً، وَأَحْسَنُ مُعَامَلَةً، وَأَوْفَرُ رِزْقًا، فَيَرْغَبُ دَائِنُو الأَْوَّل فِي التَّحَوُّل إِلَى هَذَا تَوْفِيرًا لِلْجَهْدِ وَالْوَقْتِ، وَاتِّقَاءً لأَِخْطَارِ الْخُصُومَاتِ، وَتَحْصِيلاً لِجُزْءٍ مِنَ الْمَال عَاطِلٍ، يُمْكِنُ أَنْ تُنَمَّى بِهِ ثَرْوَةٌ، أَوْ تُسَدُّ بِهِ خَلَّةٌ. فَرَخَّصَ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ أَجْل هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ، إِذْ لَوْ لَمْ تُشْرَعْ لَفَاتَتْ كُل هَذِهِ الأَْغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ، وَلَحَاقَتْ بِالدَّائِنِينَ أَضْرَارٌ جَمَّةٌ، وَلاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ فِي الإِْسْلاَمِ. وَالْعَكْسُصَحِيحٌ أَيْضًا: فَرُبَّمَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُمَاطِلاً، وَكَانَ الْمُحَال أَقْدَرَ مِنَ الْمُحِيل عَلَى اسْتِخْلاَصِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَلَوْلاَ الْحَوَالَةُ لَطَال عَنَاءُ الدَّائِنِ الضَّعِيفِ، أَوْ لَضَاعَ مَالُهُ. وَلَيْسَ فِي كُل وَقْتٍ يُتَاحُ الْوَكِيل الصَّالِحُ، وَإِنْ أُتِيحَ فَقَلَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ أَجْرٍ. عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تُغْنِي فِي الْحَالَةِ الأُْولَى، لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ: فَقَدْ يُوَكِّل الْمَدِينُ الْمُمَاطِل دَائِنَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَيُسَلِّطُهُ عَلَى تَمَلُّكِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ، تَحْتَ ضَغْطِ ظُرُوفٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُ أَنْ يَعْزِلَهُ قَبْل قَبْضِهِ، فَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ (17) .
12 - وَلاَ يَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الرَّأْيِ رَأْيُ الذَّاهِبِينَ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ تَقْدِيرًا.
وَقَدْ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّيْنِ هُوَ الْمَاصَدَقَ (18) الْخَارِجِيُّ لَهُ، إِذِ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةُ الْقَائِمَةُ بِالذِّمَّةِ، كَمِائَةِ ثَوْبٍ أَوْ دِينَارٍ، لاَ تَعْنِي لِذَاتِهَا - وَكَذَا لاَ يَبْعُدُ عَنْهُمُ الرَّأْيُ الْقَائِل بِأَنَّهَا بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ - وَهَذَا قَدْ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً عَلَى مَا قَرَّرَهُ الزَّاهِدِيُّ، إِذِ الْمَقْصُودُ عِنْدَهُمْ بِالْمَبِيعِ عَيْنُهُ، لِتَعَلُّقِ الْحَاجَةِ بِمَنْفَعَتِهَا الذَّاتِيَّةِ، أَمَّا الْمَقْصُودُ بِالثَّمَنِ فَمَالِيَّتُهُ. وَلِذَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ مِثْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَلَوْ تَلِفَ أَوِ اسْتُحِقَّ لاَ يَبْطُل الْعَقْدُ، وَيُسَلَّمُ الْمِثْل، نَعَمْ فِي الْحَوَالَةِ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ لاَ يُتَصَوَّرُ مَعْنَى الْبَيْعِ عَلَى حَالٍ، وَهِيَ بِالْحَمَالَةِ (الْكَفَالَةِ) أَشْبَهُ (19) .
13 - عَلَى أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذَهُ ابْنَ الْقَيِّمِ لاَ يُسَلِّمَانِ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَارِدَةٌ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَفِي ذَلِكَ يُقَرِّرُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ أَنَّ امْتِنَاعَ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَامٌّ، وَلاَ إِجْمَاعٌ. وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ هُوَ الشَّيْءُ الْمُؤَخَّرُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ، وَكِلاَهُمَا مُؤَخَّرٌ، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ بِالاِتِّفَاقِ، وَهُوَ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئٍ.
وَأَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعَ وَاجِبٍ بِوَاجِبٍ كَالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَهُوَ الْمَمْنُوعُ، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ سَاقِطٍ بِسَاقِطٍ (كَمَا فِي صُوَرِ الْمُقَاصَّةِ) (20) ، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ سَاقِطٍ بِوَاجِبٍ (كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَيْنًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، بِدَيْنٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) ، فَقَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ الْمَبِيعُ وَوَجَبَ عِوَضُهُ، أَوْ يَكُونُ بَيْعَ وَاجِبٍ بِسَاقِطٍ (كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْ مَدْيُونِهِ قَمْحًا عَلَى سَبِيل السَّلَمِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَسَقَطَ عَنْهُ غَيْرُهُ) . وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمُ الإِْجْمَاعَ عَلَى امْتِنَاعِ هَذَا شَرْعًا، وَلاَ إِجْمَاعَ فِيهِ.
وَنَقَل تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْهُ اخْتِيَارَ جَوَازِهِ، ثُمَّ قَال: وَهُوَ الصَّوَابُ، إِذْ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ، وَلَيْسَ بَيْعَ كَالِئٍ بِكَالِئٍ فَيَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ بِلَفْظِهِ، وَلاَ فِي مَعْنَاهُ فَيَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِ الْمَعْنَى. فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَدْ شُغِلَتْ فِيهِ الذِّمَّتَانِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَجَّل أَحَدُهُمَا مَا يَأْخُذُهُ فَيَنْتَفِعُ بِتَعْجِيلِهِ، وَيَنْتَفِعُ صَاحِبُ الْمُؤَخَّرِ بِرِبْحِهِ، بَل كِلاَهُمَا شُغِلَتْ ذِمَّتُهُ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ. وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنَ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ فَلِكُلٍّ مِنْهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَطْلُوبَةٌ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي مَسْأَلَةِ التَّقَاصِّ: فَإِنَّ ذِمَّتَهُمَا تَبْرَأُ مِنْ أَسْرِهَا، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مَطْلُوبٌ لَهُمَا وَلِلشَّارِعِ.
وَأَمَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الآْخِرَتَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا يُعَجِّل بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَالآْخَرُ يَنْتَفِعُ بِرِبْحِهِ، يَعْنِي فَثَمَّ نَفْعٌ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعٍ، فَتَجُوزُ، كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ سَوَاءٌ اتَّحَدَتِ الذِّمَّةُ أَمِ اخْتَلَفَتْ (21) .
14 - وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَجْمَلَهَا السُّيُوطِيُّ فِي سِتَّةٍ (22) :
1 - بَيْعٌ.
2 - اسْتِيفَاءٌ.
3 - بَيْعٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى اسْتِيفَاءٍ.
4 - اسْتِيفَاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيْعٍ.
5 - إِسْقَاطٌ بِعِوَضٍ.
6 - ضَمَانٌ بِإِبْرَاءٍ.
15 - وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَتِ الْحَوَالَةُ بَيْعًا، لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْل الْقَبْضِ، وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ يَقُولُونَ: (الْحَوَالَةُ مَا وُضِعَتْ لِلتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِلنَّقْل) ، أَوْ لِقَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: (إِذَا أَحَال بِالدَّيْنِ انْتَقَل الْحَقُّ إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَحْوِيل حَقٍّ، أَوْ بَيْعَ حَقٍّ، وَأَيُّهُمَا كَانَ وَجَبَ أَنْ تَبْرَأَ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحِيل) . (23) وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَرِيحُ كَلاَمِهِمْ فِي تَعْلِيل شَرِيطَةَ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً: هَذَا ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ نَفْسُهُ - عَلَى خِلاَفِ مَا تَقَدَّمَ لَهُ - يَعُودُ فَيَقُول: (لأَِنَّهُ إِنِ اخْتَلَفَا فِي أَحَدِهِمَا كَانَ بَيْعًا وَلَمْ يَكُنْ حَوَالَةً) فَخَرَجَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ، وَإِذَا خَرَجَ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيل كَلاَمِهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: (إِنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ أَصْلِهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، فَهُوَ لاَزِمٌ لَهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا اسْتُوْفِيَتْ شَرَائِطُ الصِّحَّةِ كَانَ ذَلِكَ هُوَ مَحَل الرُّخْصَةِ) وَإِذَنْ يَظَل الْمَالِكِيَّةُ - قَوْلاً وَاحِدًا - مَعَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ.
وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ الْخِلاَفَ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (24) .
16 - وَإِلَيْكَ مَا قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:
الْوَجْهُ الثَّانِي: (يَعْنِي مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ) أَنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ جِنْسِ إِيفَاءِ الْحَقِّ، لاَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إِذَا اسْتَوْفَى مِنَ الْمَدِينِ مَالَهُ كَانَ هَذَا اسْتِيفَاءً، فَإِذَا أَحَالَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَانَ قَدِ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الدَّيْنَ عَنِ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَلِهَذَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَوَالَةَ فِي مَعْرِضِ الْوَفَاءِ، فَقَال فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (25) : فَأَمَرَ الْمَدِينَ بِالْوَفَاءِ، وَنَهَاهُ عَنِ الْمَطْل، وَبَيَّنَ أَنَّهُ ظَالِمٌ إِذَا مَطَل، وَأَمَرَ الْغَرِيمَ بِقَبُول الْوَفَاءِ إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} . (26) أَمَرَ الْمُسْتَحِقَّ أَنْ يُطَالِبَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَرَ الْمَدِينَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ. وَوَفَاءُ الْمَدِينِ لَيْسَ هُوَ الْبَيْعَ الْخَاصَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَوْبُ مُعَاوَضَةٍ (27) .
تَقْسِيمُ الْحَوَالَةِ وَبَيَانُ أَنْوَاعِهَا:
17 - تَتَنَوَّعُ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى نَوْعَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ:
1 - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ.
2 - وَحَوَالَةٌ مُطْلَقَةٌ.
ثُمَّ تَتَنَوَّعُ الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ، بِدَوْرِهَا، إِلَى نَوْعَيْنِ فَرْعِيَّيْنِ: 1 - حَوَالَةٌ حَالَّةٌ.
2 - وَحَوَالَةٌ مُؤَجَّلَةٌ. وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ تَتَنَوَّعَ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ إِلَى أَنْوَاعٍ فَرْعِيَّةٍ:
1 - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنٍ خَاصٍّ.
2 - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ هِيَ أَمَانَةٌ، كَالْوَدِيعَةِ.
3 - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، كَالْمَغْصُوبَةِ. هَذَا، وَتُوجَدُ حَالَةٌ خَاصَّةٌ لِلْحَوَالَةِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، هِيَ السَّفْتَجَةُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا.
وَالسَّفْتَجَةُ وَرَقَةٌ تُكْتَبُ لِلْمُقْرِضِ فِي بَلَدٍ لِيَسْتَوْفِيَ نَظِيرَ قَرْضِهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ اتِّقَاءً لِخَطَرِ الطَّرِيقِ الْمُحْتَمَل، لَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَال سَافَرَ بِمَالِهِ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ، فَيَلْتَمِسُ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَال هُنَا وَلَهُ مَالٌ أَوْ دَيْنٌ فِي الْبَلَدِ الآْخَرِ، فَيُقْرِضُهُ الْمَال هُنَا عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ هُنَاكَ مِنْ وَكِيل الْمُقْتَرِضِ، أَوْ مِنْ مَدِينِهِ فِي ذَاكَ الْبَلَدِ.
وَنَظَرًا لأَِنَّ بَعْضَ صُوَرِ السَّفْتَجَةِ قَرْضٌ مَحْضٌ مَشْرُوطُ الْوَفَاءِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَبَعْضُهَا يَتَوَافَرُ فِيهَا مَعْنَى الْحَوَالَةِ، فَقَدْ أُفْرِدَ لَهَا بَحْثٌ فِي آخِرِ مَوْضُوعِ الْحَوَالَةِ.
أَوَّلاً - النَّوْعَانِ الأَْصْلِيَّانِ لِلْحَوَالَةِ:
18 - قَدْ يُقَيَّدُ قَضَاءُ دَيْنِ الْحَوَالَةِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ مَال الْمُحِيل الَّذِي عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَدْ لاَ يُقَيَّدُ بِذَلِكَ. فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى، تَكُونُالْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً، وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، تَكُونُ حَوَالَةً مُطْلَقَةً.
وَفِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ قَدْ لاَ يَكُونُ لِلْمُحِيل عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ عَيْنٌ - بِغَصْبٍ أَوْ إِيدَاعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا - أَوْ لاَ يَكُونُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ بِسَبَبٍ مَا - كَمُعَاوَضَةٍ أَوْ إِتْلاَفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا - فَيَقْبَل الْحَوَالَةَ مُتَبَرِّعٌ لَمْ تَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ لِلْمُحِيل أَيَّةُ حُقُوقٍ. وَقَدْ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الْحَوَالَةُ أُرْسِلَتْ إِرْسَالاً، وَلَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (28) . وَإِذَنْ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ كُلٍّ مِنَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ كَمَا يَلِي:
19 - الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ: هِيَ الَّتِي تُقَيَّدُ بِدَيْنٍ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ بِعَيْنٍ لَهُ عِنْدَهُ، أَمَانَةً كَانَتْ أَمْ مَضْمُونَةً.
مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَقُول الْمَدِينُ لآِخَرَ: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لِي فِي ذِمَّتِكَ، فَيَقْبَل (الْمُحَال عَلَيْهِ) ، أَوْ يَقُول لَهُ: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ، عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِ مِنَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَوْدَعْتُكَهَا. أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ الَّتِي اغْتَصَبْتَهَا مِنِّي، فَيَقْبَل (الْمُحَال عَلَيْهِ) ، وَيُجِيزُ الْمُحَال فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا.
20 - وَالْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُحِيل لَدَى الْمُحَال عَلَيْهِ شَيْءٌ تُمْكِنُ التَّأْدِيَةُ مِنْهُ.
مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَرَى رَجُل خَيْرٍ دَائِنًا وَمَدِينَهُ يَتَشَاجَرَانِ فَيَقُول لِلدَّائِنِ: دَيْنُكَ عَلَيَّ، وَلاَ شَأْنَ لَكَ بِهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَيَقْبَل الدَّائِنُ. أَوْ يَقُول الْمَدِينُ لِغَاصِبِهِ - سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بَاقِيَةً أَمْ تَالِفَةً - أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ (وَلَمْ يَقُل: عَلَى أَنْ تَقْتَضِيَهُ مِمَّا أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْكَ) فَيَقْبَل الْغَاصِبُ، وَيُجِيزُ الْمُحَال.
وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ ذَاتِ الأَْهَمِّيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا بَاعَ الْمَدِينُ الرَّاهِنُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ دُونَ إِذْنٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ لاَ يَسْلُبُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْمَرْهُونِ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَ هَذَا الْبَيْعَ فَيَكُونُ عِنْدَئِذٍ قَدْ تَنَازَل عَنْ حَقِّهِ فِي حَبْسِهِ بِمُقْتَضَى الرَّهْنِ، أَمَّا إِذَا تَمَسَّكَ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ وَلَمْ يُجِزِ الْبَيْعَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفُكَّ الرَّهْنَ، أَوْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ لَهُ الْبَيْعَ، بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنِ التَّسْلِيمِ (29) .
فَإِذَا آثَرَ الاِنْتِظَارَ فَقَدْ يَطُول أَمَدُهُ وَحِينَئِذٍ رُبَّمَا بَدَا لَهُ أَنَّ خَيْرَ وَسِيلَةٍ لِحَل الْمُشْكِلَةِ أَنْ يَنْقُل الدَّيْنَ عَلَى نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، ثُمَّ يَفُكَّ الرَّهْنَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنِ الرَّاهِنِ وَيَتَسَلَّمُ الْمَبِيعَ الْمَرْهُونَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا دَفَعَ عَنْ ذِمَّتِهِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ.
ثَانِيًا - الأَْنْوَاعُ الْفَرْعِيَّةُ لِلْحَوَالَةِ:
أَنْوَاعُ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ:
21 - تَبَيَّنَ مِمَّا سَلَفَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، أَنَّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - بِالتَّفْصِيل - أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ:
1 - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنٍ خَاصٍّ.
2 - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ هِيَ أَمَانَةٌ: كَالْعَارِيَّةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ - إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى رَدِّهَا، أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهِ - أَوِ الْمَأْجُورُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ.
3 - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ. وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ - كَمَا هُنَا - إِنَّمَا تَنْصَرِفُ إِلَى الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا، أَيِ الَّتِي إِذَا هَلَكَتْ وَجَبَ مِثْلُهَا، إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قِيَمِيَّةً - كَالْمَغْصُوبِ، وَبَدَل الْخُلْعِ، وَالْمَهْرِ، وَبَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ (وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ بِنَفْسِهَا هَذِهِ مُلْحَقَةٌ بِالدُّيُونِ فَتُكْفَل) .
أَمَّا الْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا، فَإِنَّهَا لاَ يَجْرِي ضَمَانُهَا عَلَى قَوَاعِدِ الضَّمَانِ الْعَامَّةِ، بَل يَكُونُ لَهَا ضَمَانٌ خَاصٌّ: وَذَلِكَ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ - وَلَوْ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي، إِذْ لاَ يَصِيرُ بِذَلِكَ غَاصِبًا - وَكَالرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِمِثْلٍ وَلاَ قِيمَةٍ، لَكِنَّ هَلاَكَ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ يُسْقِطُ الثَّمَنَ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَبِهَلاَكِ الرَّهْنِ يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الدَّيْنِ عَنِ الرَّاهِنِ. وَمَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَىالدَّيْنِ يَهْلِكُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى حُكْمِ الأَْمَانَةِ، وَلِذَا سُمِّيَ مَضْمُونًا بِغَيْرِهِ (30) .
أَنْوَاعُ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ:
22 - الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ نَوْعَانِ:
أ - حَوَالَةٌ حَالَّةٌ:
23 - وَهِيَ حَوَالَةُ الطَّالِبِ بِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى الْمُحِيل: إِذْ يَكُونُ الدَّيْنُ حَالًّا كَذَلِكَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ. لأَِنَّ الدَّيْنَ يَتَحَوَّل فِي الْحَوَالَةِ، بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَدَى الْمُحِيل، كَمَا أَنَّ الْكَفِيل يَتَحَمَّل مَا عَلَى الأَْصِيل، بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ (31) .
ب - حَوَالَةٌ مُؤَجَّلَةٌ:
24 - وَهِيَ حَوَالَةٌ اشْتُرِطَ فِيهَا أَجَلٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ كَانَتْ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى الْمُحِيل، أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِالأَْجَل كَشَرْطٍ.
إِذْ يَكُونُ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، إِلَى ذَلِكَ الأَْجَل السَّابِقِ، أَوْ الَّذِي اسْتُحْدِثَ بِالشَّرْطِ، لأَِنَّ الْفَرْضَ فِي حَالَةِ الشَّرْطِ، أَوِ الْعِلْمِ بِالتَّأْجِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَذَلِكَ قُبِلَتْ. وَفِي حَالَةِ سَبْقِ الأَْجَل فِي جَانِبِ الْمُحِيل إِنَّمَا يَتَحَوَّل الدَّيْنُ بِالْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، اعْتِبَارًا بِالْكَفَالَةِ (32) .
عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ تَفْتَرِقَانِ فِي بَعْضِ جَوَانِبِ الأَْجَل: فَفِي الْكَفَالَةِ، إِذَا أَجَّل الطَّالِبُ الدَّيْنَ، وَلَمْ يُضِفِ الأَْجَل إِلَى الْكَفِيل، يَصِيرُ الأَْجَل مَشْرُوطًا لِلأَْصِيل - حَتَّى لَوْ مَاتَ الْكَفِيل، يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى الأَْصِيل مُؤَجَّلاً. وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْحَوَالَةِ، وَلَمْ يُضِفِ الأَْجَل إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَبِالأَْوْلَى إِذَا أَضَافَهُ - لاَ يَصِيرُ الأَْجَل مَشْرُوطًا فِي حَقِّ الأَْصِيل - فَلَوْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عَادَ الدَّيْنُ عَلَى الأَْصِيل حَالًّا.
ثُمَّ تُغْتَفَرُ فِي الأَْجَل الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ. فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ إِلَى الْحَصَادِ، لاَ يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ قَبْلَهُ. وَسَوَاءٌ هُنَا فِي لُزُومِ التَّأْجِيل دَيْنُ الْقَرْضِ وَغَيْرُهُ (وَإِنْ كَانَ الأَْصْل فِي دَيْنِ الْقَرْضِ عَدَمَ لُزُومِ التَّأْجِيل فِيهِ، إِذِ الْمُقْرِضُ مُتَبَرِّعٌ، فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ) فَقَدْ جَاءَ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مَا خُلاَصَتُهُ: (رَجُلٌ مَدِينٌ بِأَلْفٍ قَرْضًا، وَدَائِنٌ بِمِثْلِهَا، لَهُ أَنْ يُحِيل دَائِنَهُ عَلَى مَدِينِهِ إِلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ كَسَنَةٍ. ثُمَّ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ يَأْخُذَ مَدِينَهُ بِدَيْنِهِ، أَوْ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْهُ، أَوْ يَهَبَهُ لَهُ) . (33) وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّلَهُ بِهِ شَارِحُهُ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ: (إِنَّ حَقَّ الطَّالِبِ تَعَلُّقٌ بِالْمَال الْمُحَال بِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَى الْمُحِيل عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِلاَّ بَطَل حَقُّ الطَّالِبِ: لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مَا الْتَزَمَ الْحَوَالَةَ مُطْلَقَةً، وَإِنَّمَا مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ الْمَال، فَإِذَا سَقَطَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ بِشَيْءٍ. أَلاَ تَرَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِوَدِيعَةٍ، فَهَلَكَتْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ، بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ) . وَلِذَا نُقِل عَنْهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: إِنَّ الْحِيلَةَ فِي تَأْجِيل الْقَرْضِ أَنْ يُحَال بِهِ الدَّائِنُ عَلَى ثَالِثٍ، فَيُؤَجَّل ذَلِكَ الثَّالِثُ مُدَّةً مَعْلُومَةً. إِذْ هَذَا صَحِيحٌ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ أَلاَّ يُطَالِبَ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ مِنْ مُطَالَبَتِهِ، وَلاَ الْمُحَال عَلَيْهِ قَبْل حُلُول أَجَلِهِ بِسَبَبٍ مَا، وَلَوْ بِمَوْتِهِ أَوْ إِسْقَاطِهِ (34) .
ثَالِثًا: أَقْسَامُ الْحَوَالَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ:
25 - لاَ يُوجَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هَذَا التَّنْوِيعُ لِلْحَوَالَةِ إِلَى مُطْلَقَةٍ وَمُقَيَّدَةٍ. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ (عَلَى الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) حَوَالَةٌ عَلَى غَيْرِ مَدِينٍ - بِشَرْطِ رِضَاهُ - تَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا عِنْدَهُمْ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا سُقُوطُ دَيْنِ الْمُحِيل وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (بِصُورَةٍ نِهَائِيَّةٍ غَيْرِ مَوْقُوتَةٍ) ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا حَوَالَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوهَا هُمْ بِهَذَا الاِسْمِ.
عَلَى أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ - وَهُوَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - قَدِ اشْتَرَطَ أَنْ تَقَعَ الْحَوَالَةُ بِلَفْظِهَا وَإِلاَّ فَهِيَ حَمَالَةٌ، أَيْ ضَمَانٌ (35) (كَفَالَةٌ) .
وَالَّذِي رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيل الضَّمَانِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَوَالَةِ فِي شَيْءٍ، وَلَوِ اسْتُعْمِل لَفْظُهَا (36) .
وَيُفَرِّعُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا الَّذِي رَجَّحُوهُ قَائِلِينَ: (لَوْ أَعْدَمَ - أَيْ أَفْلَسَ - الْمُحَال عَلَيْهِ لَرَجَعَ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل - إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُحَال أَنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَيَشْتَرِطُ الْمُحِيل بَرَاءَتَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ) .
وَلَيْسَ الإِْعْدَامُ، أَيِ الْفَقْرُ، شَرِيطَةً حَتْمِيَّةً عِنْدَهُمْ لِيَثْبُتَ حَقُّ الرُّجُوعِ، بَل مِثْلُهُ الْمَوْتُ وَكُل سَبَبٍ يَتَعَذَّرُ بِهِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، كَامْتِنَاعِ ذِي سَطْوَةٍ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَشْهَبَ، وَعَلَيْهَا تَعْوِيلُهُمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّهُ يَرَى عَدَمَ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا (37) .
الْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ:
26 - وَالْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ - أَيًّا كَانَ نَوْعُ الْعَيْنِ - لاَ تُعْرَفُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. إِذْ هُمْ جَمِيعًا شَارِطُونَ فِي الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا.
كَمَا أَطْبَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ فِي جَانِبِ الْمَال الْمُحَال بِهِ.
عَلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْفُسِهِمْ يَرُدُّهُمْ إِلَى وِفَاقِ الآْخَرِينَ. فَقَدْ قَال السَّرَخْسِيُّ: (حَقِيقَةُ الْحَوَالَةِ هِيَ الْمُطْلَقَةُ، فَأَمَّا الْمُقَيَّدَةُ مِنْ وَجْهٍ فَتَوْكِيلٌ بِالأَْدَاءِ وَالْقَبْضِ) . (38)
حُلُول الْحَوَالَةِ وَتَأْجِيلُهَا
27 - فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُلُول الْحَوَالَةِ وَتَأْجِيلِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
أَرْكَانُ الْحَوَالَةِ وَشُرُوطُهَا:
28 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ مِنَ الآْتِي:
1 - الصِّيغَةُ. 2 - الْمُحِيل.
3 - الْمُحَال.
4 - الْمُحَال عَلَيْهِ.
5 - الْمُحَال بِهِ (دَيْنُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل) . كَمَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ مِنْ وُجُودِ دَيْنٍ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَفِيَّةُ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ وُجُودَ هَذَا الدَّيْنِ.
وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ مَا سَبَقَ أَرْكَانًا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اعْتِبَارِهَا كُلِّهَا أَرْكَانًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَحْدَهَا رُكْنًا، أَمَّا الْمُحِيل وَالْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَهُمْ أَطْرَافُ الْحَوَالَةِ. وَالْمُحَال بِهِ هُوَ مَحَلُّهَا (39) .
الْمُرَادُ بِالصِّيغَةِ:
29 - الصِّيغَةُ تَتَأَلَّفُ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: كُل مَا يَدُل عَلَى النَّقْل وَالتَّحْوِيل كَأَحَلْتُكَ، وَأَتْبَعْتُكَ، وَبِالْقَبُول: كُل مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا بِهَذَا النَّقْل وَالتَّحْوِيل، نَحْوُ رَضِيتُ، وَقَبِلْتُ، وَفَعَلْتُ. وَمِنَ الْقَبُول: أَحِلْنِي، أَوْ لِتُحِلْنِي (بِلاَمِ الأَْمْرِ) ، عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ خِلاَفٍ فِقْهِيٍّ عَامٍّ، لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا، وَيُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ مُرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الإِْيجَابِ.
وَالإِْيجَابُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ قَوْل الطَّرَفِ الْبَادِئِ بِالْعَقْدِ، وَالْقَبُول هُوَ الْقَوْل الْمُتَمِّمُ لَهُ مِنَ الطَّرَفِ الآْخَرِ بِأَيَّةِ أَلْفَاظٍ تَدُل عَلَى مَعْنَى الْحَوَالَةِ. وَيَقُومُ مَقَامَ الأَْلْفَاظِ كُل مَا يَدُل دَلاَلَتَهَا، كَالْكِتَابَةِ، وَإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ، وَلَوْ كَانَ الأَْخْرَسُ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا اعْتَمَدُوهُ. فَالإِْيجَابُ أَنْ يَقُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُل عَلَى الرِّضَا (40) .
وَيَكْفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَجْرِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ اثْنَيْنِ فَحَسْبُ أَيًّا كَانَا مِنَ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ لِتَنْعَقِدَ الْحَوَالَةُ، لَكِنَّهَا عِنْدَئِذٍ قَدْ تَنْعَقِدُ نَاجِزَةً أَوْ مَوْقُوفَةً عَلَى رِضَا الثَّالِثِ بِحَسَبِ كَوْنِ الثَّالِثِ أَيَّ الثَّلاَثَةِ هُوَ: أ - فَإِنْ جَرَى الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ وَكَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحِيل، انْعَقَدَتِ الْحَوَالَةُ نَاجِزَةً دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِجَازَتِهِ، بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَخِلاَفًا لِرِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الَّتِي اشْتَرَطَتْ رِضَاهُ، وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
ب - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
ج - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال، انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً أَيْضًا عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَخْذًا بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي اعْتَمَدَتْهُ الْمَجَلَّةُ (م 683) تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، وَإِنْ شَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ قَبُولَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَاعْتَبَرَهُ شُيُوخُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ (41) .
تَغَيُّرُ الْحَوَالَةِ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ:
30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَقَيُّدَ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ، شَأْنُهَا فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، إِذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي لاَ بِالأَْلْفَاظِ. وَلِذَا قَالُوا: إِنَّ الْكَفَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَبْرَأَ الأَْصِيل، حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَبْرَأَ كَفَالَةٌ فَيَتْبَعُ الْمَعْنَى جَرَيَانَ أَحْكَامِ الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ.
فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الأَْطْرَافُ الْمَعْنِيَّةُ وَلاَ بَيِّنَةَ: أَهِيَ كَفَالَةٌ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل - أَيْ حَوَالَةٌ مَعْنًى - أَمْ بِدُونِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ؟ فَالْمُصَدَّقُ هُوَ الدَّائِنُ الطَّالِبُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ حَقِّهِ فِي مُطَالَبَةِ الأَْصِيل، فَلاَ يَنْتَقِل إِلاَّ بِإِقْرَارِهِ.
فَتَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِكُل مَا يُفِيدُ مَعْنَاهَا، كَنَقَلْتُ حَقَّكَ إِلَى فُلاَنٍ، أَوْ جَعَلْتُ مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلاَنٍ لَكَ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ مَلَّكْتُكَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ أَتْبَعْتُكَ دَيْنَاكَ عَلَى فُلاَنٍ، أَوْ اقْبِضْ دَيْنِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ، أَوْ خُذْ - أَوِ اطْلُبْ - دَيْنَكَ مِنْهُ (42) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ لَفْظُ الْحَوَالَةِ، وَاعْتَمَدَهُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَاشْتَرَطَ لَفْظُهُ الْحَوَالَةَ دُونَ بَدِيلٍ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ (43) .
31 - وَلاَ تَنْعَقِدُ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ، وَقِيل: تَنْعَقِدُ مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى، كَالْبَيْعِ بِلَفْظِ السَّلَمِ (44) .
وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَوَسَّعُونَ مَا لاَ يَتَوَسَّعُ غَيْرُهُمْ، وَهْم بِصَدَدِ صِيغَةِ الْحَوَالَةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهَا تَحْصُل (وَلَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ) وَيُطْلِقُونَ ذَلِكَ إِطْلاَقًا يَتَنَاوَل الْقَادِرَ - عَلَى النُّطْقِ - وَالْعَاجِزَ، ثُمَّ يُعَقِّبُونَ بِمُقَابِلٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ - وَإِنْ اعْتَمَدَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ - قَائِلِينَ: وَقِيل: لاَ تَكْفِي الإِْشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ إِلاَّ مِنَ الأَْخْرَسِ (45) .
الصِّيغَةُ:
32 - الصِّيغَةُ تَدُل عَلَى التَّرَاضِي وَيَتَنَاوَل بَحْثُ التَّرَاضِي الْعَنَاصِرَ الثَّلاَثَةَ التَّالِيَةَ:
1 - رِضَا الْمُحِيل
2 - رِضَا الْمُحَال
3 - رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَيُلاَحَظُ أَنَّ رِضَا الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِي اعْتِبَارِهِمَا مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ.
أَوَّلاً: رِضَا الْمُحِيل:
33 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحِيل، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي جِهَاتِ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلاَ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةٌ قَهْرًا، كَجِهَةِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ (46) .
34 - وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ تَقَعَ الْحَوَالَةُ عَنْ رِضًا مِنَ الْمُحِيل لأَِنَّهَا إِبْرَاءٌ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، فَيُفْسِدُهَا الإِْكْرَاهُ كَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ (47) .
وَفِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ رِوَايَتَيِ الْقُدُورِيِّ وَالزِّيَادَاتِ: وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الْمُوجِبَةِ: أَنَّ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ قَدْ يَأْنَفُونَ مِنْ أَنْ يَحْمِل عَنْهُمْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ دُيُونِهِمْ، فَلاَ بُدَّ مِنْ رِضَاهُمْ، ثُمَّ يَطَّرِدُ الْبَابُ كُلُّهُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ النَّافِيَةِ: أَنَّ الْتِزَامَ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْمُحِيل لاَ يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، بَل فِيهِ نَفْعُهُ عَاجِلاً وَآجِلاً: أَمَّا عَاجِلاً فَلأَِنَّهُ سَيَكْفِي الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنِهِ فِي الْحَال، وَأَمَّا آجِلاً فَلأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ قَدْ قَبِل حَوَالَةَ دَيْنِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعْنًى لاِشْتِرَاطِ رِضَاهُ. لَكِنْ كَثِيرًا مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ لاَ يَرَوْنَ أَنَّ هُنَاكَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلاَفًا: فَإِنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يُوجِبْ رِضَا الْمُحِيل لِنَفَاذِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ، بَل لِيَسْقُطَ بِالْوَفَاءِ دَيْنُ الْمُحِيل فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ - إِنْ كَانَ - وَلِيَرْجِعَ هَذَا إِلَى الْمُحِيل بِمَا أَدَّى عَنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَدِينًا لَهُ. فَإِنَّهُ لاَ رُجُوعَ عَلَى الْمُحِيل وَلاَ سُقُوطَ لِدَيْنِهِ مَا لَمْ يَرْضَ (48)
ثَانِيًا: رِضَا الْمُحَال:
35 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ رِضَا الْمُحَال لِلْمَعْنَى نَفْسِهِ الآْنِفِ فِي رِضَا الْمُحِيل، وَلأَِنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ، فَلاَ يَنْتَقِل مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ إِلاَّ بِرِضَاهُ، إِذِ الذِّمَمُ تَتَفَاوَتُ يَسَارًا وَإِعْسَارًا، وَبَذْلاً وَمَطْلاً، وَتَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ قِيمَةُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى إِلْزَامِهِ بِتَحَمُّل ضَرَرٍ لَمْ يَلْتَزِمْهُ (49) .
وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرِّضَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، حَتَّى إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ بَلَغَهُ خَبَرُ الْحَوَالَةِ فَأَجَازَهَا، لَمْ تَنْفُذِ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلاً إِذْ أَنَّ رِضَا الْمُحَال عِنْدَهُمَا رُكْنٌ فِي انْعِقَادِهَا. أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الرِّضَا، أَيْنَمَا كَانَ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَيَكُونُ شَرِيطَةَ نَفَاذٍ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلاَ يُوجِبُونَ رِضَا الْمُحَال، إِلاَّ عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ. بَل يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى الْقَبُول، إِذَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَلِيئًا غَيْرَ جَاحِدٍ وَلاَ مُمَاطِلٍ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يُسْتَغْنَى بَتَاتًا عَنْ قَبُول الْمُحَال، فَإِنْ قَبِل فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَل فَلاَ بَأْسَ، وَالْحَوَالَةُ نَافِذَةٌ بِرَغْمِهِ (50) .
قَال صَاحِبُ الإِْنْصَافِ: فِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: لاَ يَبْرَأُ الْمُحِيل إِلاَّ بِرِضَا الْمُحَال. فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ. وَقِيل: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لِلْمُحَال مُطَالَبَةُ الْمُحِيل قَبْل إِجْبَارِ الْحَاكِمِ.
وَمَبْنَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ هَل هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ أَوْ تَقْبِيضٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ، لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا قَبُولٌ. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَقْبِيضٌ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ بِالْقَوْل، وَهُوَ قَبُولُهَا. فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُحَال. اهـ.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ: قَال ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ. وَيُفَسِّرُهُ لَفْظُ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل (51) . فَقَدْ أَمَرَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الدَّائِنَ بِقَبُول الْحَوَالَةِ أَوِ الاِلْتِزَامِ بِمُقْتَضَاهَا، وَالأَْمْرُ بِأَصْل وَضْعِهِ لِلْوُجُوبِ، وَلَيْسَ هُنَا مَا يَصْرِفُهُ عَنْ هَذَا الأَْصْل.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول: فَإِنَّ الدَّائِنَ الَّذِي يُهَيِّئُ لَهُ مَدِينُهُ مِثْل دَيْنِهِ عَدًّا وَنَقْدًا مِنْ يَدٍ أُخْرَى فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيُصِرُّ عَلَى أَنْ يَنْقُدَهُ إِيَّاهُ مَدِينُهُ بِالذَّاتِ، لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَعَنِّتًا مُعَانِدًا (52) .
ثَالِثًا: رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ:
36 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ لِقَوْل الرَّسُول ﷺ مَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (53) وَلَمْ يَقُل عَلَى مَلِيءٍ رَاضٍ ". (54)
وَلأَِنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيل فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ وَكَّل غَيْرَهُ بِالاِسْتِيفَاءِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَدِينًا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَتَسَاوَى الدَّيْنَانِ أَمْ لاَ، لأَِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي تَقَاضِي دُيُونِهِمْ رِفْقًا وَعُنْفًا، وَيُسْرًا وَعُسْرًا، فَلاَ يُلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ.
وَقِيَاسًا عَلَى الْمُحَال فَإِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْحَوَالَةِ لاَ تَمَامَ لَهَا بِدُونِهِ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ فِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ (55) .
اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ وَكَالَةٌ:
37 - قَدْ يَخْتَلِفُ الْمُحِيل وَالْمُحَال فِي حَقِيقَةِ الْعَقْدِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا: هَل كَانَ حَوَالَةً أَوْ وَكَالَةً عَنِ الْمُحِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ.
38 - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ احْتِمَالاَنِ:
أ - إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَل بَيْنَهُمَا نَفْسِهِ: هَل كَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ أَوِ الْوَكَالَةِ؟
ب - وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَل بَيْنَهُمَا كَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ وَلَكِنَّ الْمُحِيل يَقُول: إِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ وَكَالَةً بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى الثَّالِثِ، أَمَّا الْمُحَال فَيَدَّعِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ مَعْنَاهَا الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ الْحَقِيقِيُّ وَلَيْسَ الْوَكَالَةَ.
فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: يَكُونُ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْقَوْل لِلْمُحِيل فِي عَدَمِ الْحَوَالَةِ لأَِنَّهَا عَقْدٌ مُلْزِمٌ، فَلاَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، إِذِ الأَْصْل عَدَمُهُ وَعَلَى مُدَّعِيهِ إِثْبَاتُهُ.
وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: يُقْبَل فِي الْقَضَاءِ زَعْمُ الْمُحِيل بِيَمِينِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْوَكَالَةَ، لأَِنَّ لَفْظَ الْحَوَالَةِ صَالِحٌ لِمَعْنَى الْوَكَالَةِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَمُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَاهَا فِي الْعُرْفِ الْفِقْهِيِّ، كَمَا وَقَعَ فِي كَلاَمِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْحَوَالَةِ وَبَقَاءُ حَقِّ الْمُحِيل دَيْنًا، فَإِذَا أَنْكَرَ الْمُحِيل وَلاَ بَيِّنَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلاَّ الْيَمِينُ، لِنَصِّ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (56) وَلاَ يَكُونُ اسْتِعْمَال لَفْظِ الْحَوَالَةِ بِمَثَابَةِ إِقْرَارٍ مِنَ الْمُحِيل بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِلْمُحَال مَا دَامَ لَفْظُهَا صَالِحًا لِمَعْنَى الْوَكَالَةِ.
وَبِهَذَا الأَْصْل يُتَمَسَّكُ لِقَوْل مُحَمَّدٍ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ - أَنَّ لِلْمُحِيل أَنْ يَقْبِضَ الْمَال فِي غَيْبَةِ الْمُحَال، وَأَنْ يُنْهَى عَنْ دَفْعِهِ إِلَيْهِ بِدَعْوَى أَنَّهُ حِينَ أَحَالَهُ إِنَّمَا أَرَادَ تَوْكِيلَهُ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي رَوَاهُ بِشْرٌ - وَاعْتَمَدُوهُ وَيُعْزَى إِلَى أَبِي يُوسُفَ - خِلاَفَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصْدِيقَهُ فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ هُوَ مِنْ قَبِيل الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. نَعَمْ إِذَا كَانَ فِي صِيغَةِ التَّعَاقُل نَفْسِهَا - وَرَاءَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ - مَا يُكَذِّبُ هَذَا الاِدِّعَاءَ، فَلاَ سَبِيل إِلَى قَبُولِهِ، وَلِذَا يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْحَوَالَةُ بِصِيغَةِ: اضْمَنْ عَنِّي كَذَا مِنَ الْمَال لِفُلاَنٍ، كَانَتْ دَعْوَى الْوَكَالَةِ كَذِبًا مَرْفُوضًا، لأَِنَّ الصِّيغَةَ لاَ تَحْتَمِلُهَا. (57) 39 - وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَبُول قَوْل الْمُحِيل بِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا وَكَالَةً، وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ كَلِمَةَ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوَكَالَةِ، فَلاَ يَكُونُ إِقْرَارًا بِدَيْنِ الْمُحَال، لاَ يَسْتَقِيمُ إِلاَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ (مَعْنَى الْحَوَالَةِ، وَمَعْنَى الْوَكَالَةِ) عَلَى سَوَاءٍ، لِتَكُونَ مِنْ قَبِيل اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْوَكَالَةِ مِنْ قَبِيل الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ - إِلاَّ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ - لأَِنَّ الْحَقِيقَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ عِنْدَ الإِْمَامِ، وَلِذَا تَكَلَّفَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فَحَمَل الْمَسْأَلَةَ عَلَى: مَا إِذَا ادَّعَى الْمُحَال أَنَّ مَا عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ لَيْسَ إِلاَّ ثَمَنَ مَالٍ لَهُ هُوَ، وَأَنَّ الْمُحِيل كَانَ وَكِيلاً عَنْهُ فِي بَيْعِهِ.
فَالدَّيْنُ دَيْنُهُ هُوَ، وَقَدْ وَصَل إِلَيْهِ حَقُّهُ. وَإِذَنْ يَكُونُ الْقَوْل لِلْمُحِيل، لأَِنَّ أَصْل الْمُنَازَعَةِ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ ذَلِكَ الْمَال، وَالْيَدُ كَانَتْ لِلْمُحِيل فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَهُ. وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ بِقَوْلِهِ: (ظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِنَحْوِ هَذِهِ الصُّورَةِ) ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَل جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقٌ فِي سَائِرِ الأُْمَّهَاتِ، وَالْحَقُّ أَنْ لاَ حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَجْوِيزِ كَوْنِ اللَّفْظِ: (أَحَلْتُكَ بِأَلْفٍ) يُرَادُ بِهِ أَلْفٌ لِلْمُحِيل، لأَِنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ عَلَى الإِْنْسَانِ لاَ يُمْكِنُ بِمِثْل هَذِهِ الدَّلاَلَةِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِهَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَوْ دَلاَلَتِهِ، مِثْل: لَهُ عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي، لأَِنَّ فَرَاغَ الذِّمَّةِ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلاَ يَلْزَمُفِيهِ ضَرَرُ شَغْل ذِمَّتِهِ إِلاَّ بِمِثْلِهِ مِنَ اللَّفْظِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: اتَّزِنْهَا، فِي جَوَابِ: " لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ " لِلتَّيَقُّنِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي اتَّزِنْهَا عَلَى الأَْلْفِ الْمُدَّعَاةِ بِخِلاَفِ مُجَرَّدِ (قَوْلِهِ: أَحَلْتُكَ) . (58)
40 - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ:
أ - أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُحَال قَدْ قَبَضَ بِالْفِعْل دَيْنَ الْحَوَالَةِ، الَّتِي أَنْكَرَ الْمُحِيل حَقِيقَتَهَا، بِدَعْوَى أَنَّهَا وَكَالَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّ مَا قَبَضَهُ إِلَى الْمُحِيل، إِذْ قَدْ سَقَطَ - بِسُقُوطِ دَعْوَاهُ - حَقُّهُ فِيهِ.
ب - إِذَا كَانَ الْمُحِيل صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ - وَلَيْسَ كَاذِبًا يُرِيدُ الْحِيلَةَ - فَإِنَّ الْحَوَالَةَ لاَ يَكُونُ قَدْ طَرَأَ عَلَيْهَا أَيُّ تَغْيِيرٍ، إِلاَّ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْحَال، وَهِيَ إِذَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ مِنَ الأَْصْل حَوَالَةً حَقِيقِيَّةً، بَل وَكَالَةً (59) .
41 - رَأْيُ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ: الَّذِي قَرَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، هُوَ قَوْل الْمُزَنِيِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ اعْتَمَدُوهُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ الدَّيْنِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَكِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ مِنْهُمْ يُنَازِعُ فِيهِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ مُدَّعِيَ الْحَوَالَةِ هُوَ الَّذِي يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ اسْتِعْمَال صِيغَةِ الْحَوَالَةِ بِلَفْظِهَا يُؤَيِّدُهُ، فَالظَّاهِرُ مَعَهُ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَلَى مِلْكِ دَارٍ، وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَسَيَأْتِي الْفَصْل فِي الْمَوْضُوعِ وَفْقَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ (ر: ف 42) .
وَوَاضِحٌ أَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ يَبْقَى كَمَا هُوَ، إِذَا كَانَ النِّزَاعُ مُنْصَبًّا عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي اسْتُعْمِل: أَكَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ أَمْ لَفْظَ الْوَكَالَةِ.
وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ بَيِّنَةَ لأَِحَدِهِمَا، وَإِلاَّ عُمِل بِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الأَْخِيرَةِ لإِِمْكَانِهَا، وَهَذَا مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّ مُنْكَرَ الْحَوَالَةِ هُوَ فِي مُعْتَمَدِهِمُ الصِّدْقُ عَلَى كُل حَالٍ - لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ - وَلَوْ كَانَ مُنْكِرُهَا وَزَاعِمُ الْوَكَالَةِ هُوَ الْمُحَال نَفْسُهُ لأَِمْرٍ مَا، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ إِفْلاَسُ الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَهَمِّ مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا أَنَّ مَحَل الْخِلاَفِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُحِيل مُقِرًّا بِدَيْنِ الْمُحَال، وَإِلاَّ فَلاَ يُتَّجَهُ سِوَى تَصْدِيقِ الْمُحِيل، وَلِلْمُحَال تَحْلِيفُهُ عَلَى نَفْيِ دَيْنِهِ، لأَِنَّهُ، أَيِ الْمُحِيل، مُتَمَسِّكٌ عِنْدَئِذٍ بِنَفْسِ الأَْصْل الأَْوَّل الَّذِي لاَ تَتَحَقَّقُ حَوَالَةٌ إِلاَّ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَدِينًا لِلْمُحَال.
وَكَمَا وَافَقَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الْمُعْتَمَدِ لَدَيْهِمُ - الْحَنَفِيَّةَ فِي الأَْصْل، وَافَقُوهُمْ فِي الاِسْتِثْنَاءِ أَيْضًا - إِذْ هُوَ مِمَّا لاَ يَقْبَل النِّزَاعَ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي صِيغَةِ التَّعَاقُدِ مَا يُكَذِّبُ الْمُحِيل - كَمَا لَوْ قَال: أَحَلْتُكَ بِالْمِائَةِ الَّتِي لَكَ فِي ذِمَّتِي عَلَى فُلاَنٍ مَدِينِي - فَالْقَوْل قَوْل الْمُحَال عِنْدَئِذٍ، لأَِنَّ هَذَا لاَ يَحْتَمِل غَيْرَ الْحَوَالَةِ وَكُل مَا قَرَّرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، أَصْلاً وَاسْتِثْنَاءً وَوِفَاقًا وَخِلاَفًا وَتَرْجِيحًا، ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ.
42 - وَالْقَوْلاَنِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيَّةُ يُوجَدَانِأَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى رَأْيَ الْمُزَنِيِّ، وَابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَرَى رَأْيَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُوجَدُ لِكُلٍّ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ نُصُوصٌ جُزْئِيَّةٌ قَامَ أَصْحَابُهُمَا بِتَخْرِيجِ نَظَائِرِهَا عَلَيْهَا، وَقَدْ جَرَى خَلِيلٌ عَلَى الثَّانِي، وَلَكِنَّهُمْ نَقَدُوهُ وَآثَرُوا الأَْوَّل (60) .
وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْخِلاَفِ: فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حَالاَتٌ وَاحْتِمَالاَتٌ تَخْتَلِفُ فِي الأَْحْكَامِ تَبَعًا لِمَا إِذَا كَانَ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ وَمُدَّعِي الْوَكَالَةِ هُوَ الْمُحِيل أَوِ الْمُحَال. وَتَفْصِيل ذَلِكَ كَمَا يَلِي:
43 - الْحَالَةُ الأُْولَى - حِينَ يَكُونُ الْمُحِيل هُوَ مُنْكَرَ الْحَوَالَةِ:
أ - فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُثْبِتِهَا (وَهُوَ الْمُحَال) تَثْبُتُ الْحَوَالَةُ بِيَمِينِهِ وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا، وَفِي طَلِيعَةِ هَذِهِ الآْثَارِ بَرَاءَةُ الْمُحِيل، وَمُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ.
ب - وَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُنْكِرِهَا (وَهُوَ الْمُحِيل) تَنْتَفِي الْحَوَالَةُ وَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ تَبْرُزُ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِمَالاَتٌ ثَلاَثَةٌ: لأَِنَّ الْمُحَال إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْمَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَال بَاقِيًا عِنْدَهُ أَوْ هَالِكًا.
44 - الاِحْتِمَال الأَْوَّل: أَنَّ الْمُحَال لَمْ يَقْبِضِ الْمَال:
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَنْعَزِل الْوَكِيل مِنَ الْوَكَالَةِ بِإِنْكَارِهِ إِيَّاهَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي الْقَبْضِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَهَل يَرْجِعُ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيل؟ الصَّوَابُ: نَعَمْ، لأَِنَّ الْمُحِيل يُنْكِرُ الْحَوَالَةَ، وَقِيل: لاَ يَرْجِعُ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْل نَفْسِهِ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْحَوَالَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا بَرَاءَةُ الْمُحِيل، وَثُبُوتُ حَقِّهِ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُحِيل مِنْهُ - لأَِنَّهُ فِي نَظَرِهِ وَزَعْمِهِ لَيْسَ إِلاَّ قَبْضَ ظَالِمٍ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ.
45 - الاِحْتِمَال الثَّانِي: أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَمَا زَال عِنْدَهُ.
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَلَى الْمُحَال رَدُّ مَا قَبَضَهُ إِلَى الْمُحِيل، وَلِلْمُحِيل اسْتِرْدَادُهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ مُحَالاً فَقَدِ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الْمُحِيل مَا قَبَضَهُ عَلَى أَسَاسِ الْحَوَالَةِ فَعَلَى الْمُحِيل أَنْ يَفِيَهُ دَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً فَحَقُّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل.
هَكَذَا قَالُوا، مَعَ تَسْلِيمِهِمْ بِأَنَّهُ دَائِنٌ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالْمُقَاصَّةِ، لأَِنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عَيْنٌ وَالَّذِي لَهُ دَيْنٌ، وَالْمُقَاصَّةُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ دَيْنَيْنِمُتَسَاوِيَيْنِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً: فَلَيْسَ لَهَا هُنَا مَوْضِعٌ.
نَعَمْ إِنْ خَشِيَ ضَيَاعَ حَقِّهِ كَانَ لَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَخْذُ مَا مَعَهُ عَلَى سَبِيل الظَّفَرِ بِالْحَقِّ.
وَهُنَاكَ مَنْ يَقُول: لَيْسَ لِلْمُحَال حَقُّ الرُّجُوعِ بِدَيْنِهِ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ، لأَِنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْحَوَالَةِ مُقِرٌّ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيل مِنْ هَذَا الدَّيْنِ.
46 - الاِحْتِمَال الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَلَكِنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ:
فَلاَ حَقَّ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال، وَلاَ لِلْمُحَال عَلَى الْمُحِيل، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّلَفُ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ أَمْ بِدُونِ تَفْرِيطٍ.
فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ، فَلأَِنَّهُ إِمَّا مَالُهُ قَدْ تَلِفَ بِيَدِهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْوَاقِعِ صَادِقًا فِي زَعْمِهِ الْحَوَالَةَ، وَإِمَّا مَالٌ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، فَيَثْبُتُ عَلَيْهِ مِثْل مَا لَهُ عِنْدَ الْمُحِيل وَيَتَقَاصَّانِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلأَِنَّ الْمُحِيل مُقِرٌّ بِأَنَّ الْمَال إِنَّمَا تَلِفَ فِي يَدِ أَمِينِهِ، أَيْ وَكِيلِهِ بِمُقْتَضَى دَعْوَاهُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ تَعَدِّيَ. وَإِنْ كَانَ الْبَغَوِيُّ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعِيَّةِ، يُنَازِعُ فِي هَذَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْوَكِيل لِنَفْسِهِ يُوجِبُ ضَمَانَهُ وَيَقُول: إِنَّهُ يَضْمَنُ لِثُبُوتِ وَكَالَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ، أَيِ الْمُحَال، مُقِرٌّ بِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ (61) . 47 - (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : حِينَ يَكُونُ الْمُحَال هُوَ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ:
أ - فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُثْبِتِهَا (وَهُوَ الْمُحِيل) : تَثْبُتُ الْحَوَالَةُ بِيَمِينِهِ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا، فَيَبْرَأُ الْمُحِيل، وَيُطَالِبُ الْمُحَال عَلَيْهِ، ثُمَّ مَا قُبِضَ مِنْهُ يَكُونُ لِلْمُحَال، لأَِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَانِبِ الْمُحِيل، فَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْحَوَالَةِ الَّتِي أَقَرَّ هُوَ بِهَا، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَانِبِ الْمُحَال، فَإِنَّهُ ظَافِرٌ بِجِنْسِ حَقِّهِ الَّذِي يَأْبَى الْمُحِيل تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ.
ب - أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ نَافِيهَا (وَهُوَ الْمُحَال) فَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِهِ وَيُعْتَبَرُ وَكِيلاً بِالْقَبْضِ، عَنِ الْمُحِيل، كَمَا أَنَّ الْمُحِيل فِي تَمَسُّكِهِ بِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ حَوَالَةً يَكُونُ مُعْتَرِفًا بِدَيْنِ الْمُحَال فِي ذِمَّتِهِ.
ثُمَّ الاِحْتِمَالاَتُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاَثَةٌ: لأَِنَّ الْمُحَال إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْمَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَال بَاقِيًا عِنْدَهُ أَوْ هَالِكًا.
48 - (الاِحْتِمَال الأَْوَّل) أَنَّ الْمُحَال لَمْ يَقْبِضِ الْمَال:
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَأْخُذُ الْمُحَال حَقَّهُ مِنَ الْمُحِيل، ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُحِيل مُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ، لأَِنَّ الْوَاقِعَ إِنْ كَانَ وَكَالَةً - كَمَا ثَبَتَ ظَاهِرًا - فَدَيْنُهُ مَا زَال فِي ذِمَّةِ مَدِينِهِ لَمْ يَقْبِضْهُالْوَكِيل بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ حَوَالَةً، فَإِنَّ الْمُحَال لَمْ يَعْمَل بِمُقْتَضَاهَا لأَِنَّهَا اعْتُبِرَتْ فِي الظَّاهِرِ وَكَالَةً، وَبَدَلاً مِنْ أَنْ يَأْخُذَ الْمُحَال حَقَّهُ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَخَذَهُ مِنَ الْمُحِيل ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَيَكُونُ لَهُ - رَغْمَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ هُوَ لِلْمُحِيل - أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ وَفَاءً بِمَا أَخَذَهُ الْمُحَال مِنْهُ، كَالظَّافِرِ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِيِّ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهِ، وُقُوفًا عِنْدَ مُؤَاخَذَتِهِ بِإِقْرَارِهِ هَذَا.
49 - (الاِحْتِمَال الثَّانِي) أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَمَا زَال عِنْدَهُ:
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي تَمَلُّكِ مَا قَبَضَ. لأَِنَّهُ مَعَ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ يُعْتَبَرُ ظَافِرًا بِجِنْسِ حَقِّهِ الَّذِي يَأْبَى الْمُحِيل تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ تَمَسُّكًا بِالْحَوَالَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إِقْرَارَ الْمُحِيل لَهُ بِدَيْنِهِ.
50 - (الاِحْتِمَال الثَّالِثُ) الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَلَكِنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ:
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ - تَفْرِيعًا عَلَى الْوَكَالَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ - إِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ مِثْل مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، فَيَتَقَاصَّانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَقَدْ هَلَكَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ الْمُحِيل، وَيَرْجِعُ هُوَ بِدَيْنِهِعَلَيْهِ، وَعَلَى كُل حَالٍ يَبْرَأُ الْمُحَال عَلَيْهِ، بِالدَّفْعِ إِلَى الْمُحَال، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ مُحَالاً، فَذَاكَ حَقُّهُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً، فَقَدْ دَفَعَ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ.
51 - تَنْبِيهٌ:
عَدَمُ تَضْمِينِ الْمُحَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْخِيرَةِ عِنْدَمَا يَتْلَفُ الْمَال بِيَدِهِ دُونَ تَفْرِيطٍ - وَلَهَا نَظَائِرُ - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَفَتِ الْحَوَالَةُ فِي هَذَا التَّنَازُعِ الْمَشْرُوعِ ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ، وَقَدْ عَبَّرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُهَذَّبِ بِذَلِكَ فِعْلاً: فَهُوَ يَقُول فِي هَذَا الشِّقِّ مِنَ الْقَضِيَّةِ (وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْل الْمُزَنِيِّ، وَحَلَفَ الْمُحَال ثَبَتَ أَنَّهُ وَكِيلٌ) ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْبَغَوِيُّ فِي خِلاَفِيَّتِهِ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ (ر: ف 42) .
وَلَكِنَّ الْجُوَيْنِيَّ يَحْكِي وَجْهًا آخَرَ بِتَضْمِينِ الْمُحَال، وَيُعَلِّلُهُ بِأَنَّ الأَْصْل فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ هُوَ الضَّمَانُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ تَصْدِيقِهِ فِي نَفْيِ الْحَوَالَةِ، لِيَبْقَى حَقُّهُ، تَصْدِيقُهُ فِي إِثْبَاتِ الْوَكَالَةِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الضَّمَانُ. كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قِدَمِ الْعَيْبِ وَحُدُوثِهِ، وَصَدَّقْنَا الْبَائِعَ بِيَمِينِهِ فِي مَنْعِ الرَّدِّ بِذَا الْعَيْبِ، ثُمَّ وَقَعَ الْفَسْخُ، بِتَحَالُفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُمَكَّنُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِأَرْشِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، ذَهَابًا إِلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِمُقْتَضَى يَمِينِهِ (62) .
وَلَعَل مِثْل هَذَا الْمَلْحَظِ هُوَ الَّذِي حَدَا بِالْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى الْعُدُول عَنْ عِبَارَتَيْ الشِّيرَازِيِّ وَالْبَغَوِيِّ إِلَى مِثْل قَوْلِهِمْ: (وَبِالْحَلِفِ تَنْدَفِعُ الْحَوَالَةُ) ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بَل وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الإِْشَارَةِ - إِنْ صَحَّ - أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ وَمَضَوْا فِي التَّفْرِيعِ عَلَى أَسَاسِ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ.
مَجْلِسُ الْعَقْدِ:
51 م - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ مِنَ الْمُحِيل، وَالْقَبُول مِنَ الْمُحَال.
وَلاَ يَكُونُ قَبُولاً بِمَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، بِلاَ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ إِلاَّ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَهُوَ مَجْلِسُ عِلْمِ الْمُحَال بِالإِْيجَابِ غَيْرِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَيُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى الْقَبُول عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ. أَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُ، لاَ فِي الْعَقْدِ وَلاَ خَارِجَهُ، لأَِنَّهُ مَدِينٌ لِلْمُحِيل، فَلاَ شَأْنَ لَهُ بِمَنْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالتَّأْدِيَةِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى مَنْ يَخْتَارُهُ. لَكِنَّ الإِْيجَابَ مِنَ الْمُحِيل كَافٍ وَحْدَهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَهُمْ يَكْتَفُونَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ بِإِيجَابِ الْمُحِيل فَقَطْ.
وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ حُضُورَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ، أَوْ حُضُورَهُ وَعِلْمَهُ (63) . وَاشْتَرَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حُضُورَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ أَوْ حُضُورَهُ وَعِلْمَهُ، وَوَافَقَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ كَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ وَأَبِي الْحَسَنِ، حَتَّى لَقَدِ اسْتَنْبَطَ ابْنُ سَوْدَةَ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ مِنَ اجْتِمَاعِ كُل هَؤُلاَءِ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ تُفْسَخُ الْحَوَالَةُ عَلَى الْغَائِبِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَالَّذِي جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ سَلْمُونَ - وَاشْتُهِرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ وَهُوَ فِي الأَْصْل قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُنْسَبُ إِلَى مَالِكٍ نَفْسِهِ (64) ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُوَثَّقِينَ وَالأَْنْدَلُسِيِّينَ (65) . وَهُوَ قَوْل مَنْ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ مِنَ الْفُقَهَاءِ (66) .
52 - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَرِيطَةَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول أَنْ يَكُونَا بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ هُوَ مَجْلِسُ الْعَقْدِ، وَقَدْ يُسَمَّى: مَحَل الإِْيجَابِ، وَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الاِبْتِدَاءِ وَالتَّعْقِيبِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ لِكُل حَوَالَةٍ، وَبِذَلِكَ تَنْعَقِدُ الْحَوَالَةُ إِلاَّ أَنَّهَا تَكُونُ نَاجِزَةً أَوْ مَوْقُوفَةً، نَحْوَ مَا أَسْلَفْنَاهُ (ر: ف 29) .
وَقَدْ لَخَّصَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - بِقَوْلِهِ: (الشَّرْطُ قَبُول الْمُحْتَال فِي الْمَجْلِسِ، وَرِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ وَلَوْ غَائِبًا) . (67)
الشُّرُوطُ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا الأَْطْرَافُ:
53 - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا سَبَقَ (ر: ف 24) فِي صِيغَةِ الْحَوَالَةِ عَدَمَ وُجُودِ شَرْطٍ غَيْرِ جَائِزٍ، مِنْ مُبْطِلٍ، كَالتَّعْلِيقِ وَالتَّأْقِيتِ، أَوْ مُفْسِدٍ كَالتَّأْجِيل إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً فَاحِشَةً.
فَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: (إِنَّ تَعْلِيقَ التَّمْلِيكَاتِ وَالتَّقْيِيدَاتِ لاَ يَجُوزُ، فَالتَّمْلِيكُ، كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِجَارَةٍ، وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فَكَعَزْل الْوَكِيل وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ) . (68) وَهَذَا النَّصُّ يَنْطَبِقُ عَلَى الْحَوَالَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَالتَّقْيِيدِ أَيْضًا، إِذْ كُلٌّ مِنَ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ بِهَا الْتِزَامَاتٍ جَدِيدَةً.
54 - أَمَّا التَّأْقِيتِ، وَالتَّأْجِيل إِلَى الأَْجَل الْمَجْهُول جَهَالَةً فَاحِشَةً: فَلأَِنَّ التَّأْقِيتَ يُنَافِي طَبِيعَةَ الْحَوَالَةِ - أَعْنِي نَقْل الدَّيْنِ - فَلَوْ قِيل الْحَوَالَةُ قَابِلٌ لِمُدَّةِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، مَثَلاً، فَلاَ حَوَالَةَ أَصْلاً، وَلأَِنَّ التَّأْجِيل بِالأَْجَل الْمَجْهُول جَهَالَةً فَاحِشَةً يُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ الْمُشْكِل، مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَقُول الْمُلْتَزِمُ: قَبِلْتُ حَوَالَةَ الدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَى فُلاَنٍ، عَلَى أَنْ أُؤَدِيَهُ إِلَيْكَ عِنْدَ هُطُول الْمَطَرِ، أَوْ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ، وَهَذَا شَرْطٌ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ فَيَلْغُو، وَتَكُونُ الْحَوَالَةُ حَالَّةً بِخِلاَفِ التَّأْجِيل بِالأَْجَل الْمَعْلُومِ كَغَايَةِ شَهْرِ كَذَا، أَوِ الْمَجْهُول جَهَالَةً مُحْتَمَلَةً كَمَوْسِمِ حَصَادِ الْقَمْحِ هَذَا الْعَامَ، فَإِنَّهُ تَأْجِيلٌ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ، وَلاَ غَرَرَ فِيهِ أَصْلاً، أَوْ لاَ غَرَرَ يُذْكَرُ.
وَصَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَوَالَةِ بِأَنَّ تَأْجِيل عَقْدِهَا لاَ يَصِحُّ، وَلَكِنَّ تَأْجِيل الدَّيْنِ فِيهَا يَصِحُّ، فَلَوْ قَال لآِخَرَ: ضَمِنْتُ بِمَا لَكَ عَلَى فُلاَنٍ عَلَى أَنْ أُحِيلَكَ بِهِ عَلَى فُلاَنٍ إِلَى شَهْرٍ، انْصَرَفَ التَّأْجِيل إِلَى الدَّيْنِ لأَِنَّ تَأْجِيل عَقْدِهَا لاَ يَصِحُّ (69) .
55 - وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيل عَلَيْهِ دَائِنُهُ، وَهَذَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونِسِيُّ الْمَالِكِيُّ مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ فِي الْحَوَالَةِ مُقَارِنًا لِثُبُوتِهَا وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْعَاقِدُ فِي الْحَوَالَةِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَقَالُوا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ فِي عَقْدِهَا لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْمُغَابَنَةِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ يَدْخُلُهَا خِيَارٌ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَرَوْنَ كَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُحْتَال أَنْ يُؤَخِّرَ حَقَّهُ أَوْ يُؤَخِّرَ بَعْضَهُ إِلَى أَجَلٍ وَلَوْ مَعْلُومًا لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الْحَال لاَ يَتَأَجَّل بِالتَّأْجِيل (70) .
أَطْرَافُ الْحَوَالَةِ:
أَوَّلاً - الْمُحِيل وَشَرَائِطُهُ:
56 - يُشْتَرَطُ فِي الْمُحِيل عِدَّةُ شَرَائِطَ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَشَرِيطَةٌ وَاحِدَةٌ لِنَفَاذِهِ (ر: ف 94) .
فَشَرَائِطُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ فِي الْمُحِيل نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: شَرَائِطُ تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِيَّةِ الْمُحِيل:
57 - أ - الْعَقْل: يُشْتَرَطُ فِي الْمُحِيل أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، فَلاَ تَنْعَقِدُ حَوَالَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ اللَّذَيْنِ لاَ تَمْيِيزَ لَدَيْهِمَا. إِذِ الْعَقْل مِنْ شَرَائِطِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفَاتِ كُلِّهَا ب - نَفَاذُ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَصِحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ بِشَرِيطَتَيْنِ: إِذْنُ الْقَاضِي، وَعَدَمُ ظُهُورِ دَائِنٍ آخَرَ. وَعَلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَكِنَّهُمْ ضَعَّفُوهُ، لأَِنَّ الْحَجْرَ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ بِعَامَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ ثَمَّ دَائِنٌ آخَرُ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ.
وَالرَّأْيَانِ يَرِدَانِ فِي حَوَالَةِ السَّفِيهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَوْل بِالْجَوَازِ هُنَا فِي حَالَةِ الْحَجْرِ لِلسَّفَهِ أَقْوَى، حَتَّى لَقَدْ قَطَعَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ لِتَصَرُّفِ السَّفِيهِ كَالإِْذْنِ السَّابِقِ. وَمِنْ هَؤُلاَءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى اثْنَيْنِ فَأَحَالاَ بِهِ، وَأَحَدُهُمَا نَافِذُ التَّصَرُّفِ وَالآْخَرُ بِخِلاَفِهِ - أَوْ كَانَا هُمَا الْمُحَال عَلَيْهِمَا مَعًا، وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ نَافِذِ التَّصَرُّفِ - فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلاَفُ الْمَعْرُوفُ فِي نَتِيجَةِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (71) .
النَّوْعُ الثَّانِي: مَدْيُونِيَّةُ الْمُحِيل لِلْمُحَال:
58 - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْحَوَالَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل مَدِينًا لِلْمُحَال وَلَوْ بِدَيْنِ حَوَالَةٍ سَابِقَةٍ، أَوْ دَيْنِ كَفَالَةٍ، أَوْ بِدَيْنٍ مُرَكَّبٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ. وَعَلَّلُوهُ بِأَنْ لَيْسَ مِنَ الْمُتَصَوَّرِ حَوَالَةُ دَيْنٍ لاَ وُجُودَ لَهُ. وَيَثْبُتُ الدَّيْنُ بِطُرُقِ الإِْثْبَاتِ الْمُقَرَّرَةِ فِقْهًا، وَيَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِإِقْرَارِ الْمُحَال بِثُبُوتِهِ. وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل مَدِينًا لِلْمُحَال. وَإِلاَّ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى مَدِينٍ وَكَالَةً بِالْقَبْضِ، أَوْ هِبَةَ دَيْنٍ، أَوْ بَيْعَ دَيْنٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْهِبَةُ وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلاَنِ عِنْدَهُمْ (72) .
ثَانِيًا: الْمُحَال وَشَرَائِطُهُ:
59 - يَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) فِي الْمُحَال لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، لأَِنَّ قَبُولَهُ الْحَوَالَةَ شَرِيطَةٌ أَوْ رُكْنٌ فِيهَا، وَغَيْرُ الْعَاقِل لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقَبُول، فَلاَ يَصِحُّ احْتِيَال مَجْنُونٍ وَلاَ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَابِلَةُ لِهَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال - إِلاَّ عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ لَهُمْ - بَل الْمُحَال عِنْدَهُمْ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُول إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ (73) .
ثَالِثًا: الْمُحَال عَلَيْهِ وَشَرَائِطُهُ:
60 - أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الأَْصَحِّ - عَنْ عَقْدِ الْحَوَالَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مُنْكِرِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ - وَإِذَنْ فَلَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْحَنَفِيَّةُ سِوَى مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ، لأَِنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ إِلاَّ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ كَالدَّارِ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ، أَوِ الْكِيسِ تَكُونُ فِيهِ النُّقُودُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا بِأَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ الْكَامِلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَتَوَافَرَ فِيهِ الصِّفَتَانِ التَّالِيَتَانِ:
الأُْولَى: الأَْهْلِيَّةُ:
61 - أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُحَال، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَجْنُونٍ أَوْ صَبِيٍّ لاَ تَمْيِيزَ لَهُ. كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَلاَ يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ قَبُولُهَا بِحَالٍ، قِيَاسًا عَلَى الْكَفَالَةِ، وَمَا دَامَ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَفِي بِالدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ، لأَِنَّ قَبُول هَذِهِ الْحَوَالَةِ حِينَئِذٍ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، إِنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيل، وَتَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً إِنْ لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِهِ، إِذْ لاَ يَمْلِكُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْخِيرَةِ، سَوَاءٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَكَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ أَمْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، بَل وَسَوَاءٌ قَبُولُهُ بِنَفْسِهِ وَقَبُول وَلِيِّهِ لَهُ، لأَِنَّهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ، فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ. وَالتَّقْيِيدُ - بِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَكْفِي - لَيْسَ فِي كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلَكِنَّ ابْنَ عَابِدِينَ اسْتَظْهَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِعَلَى الْبَحْرِ فَإِذَا اخْتَل هَذَا الْقَيْدُ - بِأَنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَكْفِي سَدَادَ دَيْنِهِ - فَيَنْبَغِي أَلاَّ يُشْتَرَطَ بُلُوغُهُ لأَِصْل انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ، بَل لِنَفَاذِهَا، فَتَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ إِنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ.
وَعِنْدَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ شَرِيطَةُ الْبُلُوغِ هَذِهِ شَرِيطَةَ نَفَاذٍ مَطْلُوبَةً فِي الْمُحَال عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، لأَِنَّ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ انْتِهَاءً، حَيْثُ يُقْضَى فِيهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ بِطَرِيقِ التَّقَاصِّ، فَتَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ إِجَازَتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً فَإِنَّ بُلُوغَ الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ شَرِيطَةُ انْعِقَادٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا، لأَِنَّهَا كَمَا قَال صَاحِبُ الْبَحْرِ هُنَا: إِنْ كَانَتْ بِأَمْرِ الْمُحِيل كَانَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةً انْتِهَاءً، وَإِنْ كَانَتْ بِدُونِ أَمْرِهِ كَانَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَهِيَ مِنَ الْمَضَارِّ الَّتِي لاَ يَمْلِكُهَا عَلَى الصَّغِيرِ وَلِيُّهُ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، فَلاَ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ إِجَازَتِهِ.
وَكَوْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيل أَوْ عِنْدَهُ مَالٌ لَهُ لاَ يَمْنَعُ إِطْلاَقَ الْحَوَالَةِ دُونَ ارْتِبَاطِهَا بِالدَّيْنِ أَوِ الْمَال الَّذِي لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: إِنَّهَا عِنْدَئِذٍ تُعْقَدُ مُقَيَّدَةً حُكْمًا بِهَذَا الْمَال أَوِ الدَّيْنِ وَلَوْ صَدَرَتْ بِصِيغَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَتَكُونُ مَوْقُوفَةًعَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ، فَلْيُتَأَمَّل (74) .
الثَّانِيَةُ: قُدْرَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ بِهِ:
62 - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَنْفِيذِ الْحَوَالَةِ، فَلَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ مُقَيَّدَةً بِشَرْطِ الإِْعْطَاءِ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيل، فَهِيَ حَوَالَةٌ فَاسِدَةٌ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِ دَارٍ لَيْسَتْ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ ثَمَّ إِذْنٌ سَابِقٌ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ بِبَيْعِهَا صَحَّتِ الْحَوَالَةُ، لاِنْتِفَاءِ الْمَانِعِ، لَكِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ الأَْدَاءِ فِي الْحَوَالَةِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ، فَإِذَا بَاعَ الدَّارَ مُخْتَارًا يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ، كَمَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ إِلَى الْحَصَادِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ قَبْلَهُ.
وَكَذَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ ثَمَنِ دَارِهِ هُوَ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ حَتَّى يَبِيعَ مُخْتَارًا، لَكِنْ إِنْ شَرَطَ قِيَامَهُ بِهَذَا الْبَيْعِ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، قِيَاسًا عَلَى الرَّهْنِ، إِذَا شَرَطَ فِيهِ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَفَاءِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ شَرْطًا مُلْزَمًا، لاَ يَمْلِكُ الرَّاهِنُ الرُّجُوعَ فِيهِ. هَكَذَا جَمَعَ صَاحِبُ الظَّهِيرِيَّةِ بَيْنَ قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) إِطْلاَقُ الإِْجْبَارِ، (وَالثَّانِي) إِطْلاَقُ عَدَمِهِ، فَحُمِل الأَْوَّل عَلَى حَالَةِ الاِشْتِرَاطِ، وَالثَّانِي عَلَى عَدَمِهِ (75) . مَلاَءَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ:
63 - لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ، وَلاَ الشَّافِعِيَّةُ، مَلاَءَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ حَقَّ الْمُحْتَال يَتَحَوَّل عَلَى الْمُحَال، بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ أَفْلَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ جَحَدَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوَالَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَلَسُ سَابِقًا عَلَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ، أَوْ طَارِئًا عَلَيْهَا إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيل وَحْدَهُ بِإِفْلاَسِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُحَال لاَ يَتَحَوَّل عَلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل بِذَلِكَ.
وَيَرَى الرَّهُونِيُّ اشْتِرَاطَ مَلاَءَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ إِذَا لَمْ يَرْضَ الْمُحَال بِالْحَوَالَةِ.
وَيَرَى الْخَرَشِيُّ بُطْلاَنَ الْحَوَالَةِ فِي حَالَةِ جَهْل الْمُحَال عَدَمَ مَلاَءَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَعِلْمِ الْمُحِيل ذَلِكَ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَشْتَرِطُونَ مَلاَءَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ إِذَا لَمْ يَرْضَ الْمُحَال بِالْحَوَالَةِ، عَلَى مُعْتَمَدِ الْحَنَابِلَةِ، أَوْ إِذَا جَهِل حَال الْمُحَال عَلَيْهِ، عَلَى رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ، وَيَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى مَلِيءٍ بَعْدَمَا أَفْلَسَ (76) كَانَ رِضَاهُ مَعِيبًا فَلاَ يُعْتَبَرُ، بَل يَحِقُّ لَهُ فَسْخُ الْحَوَالَةِ.
وَقَدِ اعْتَبَرَ أَحْمَدُ فِي الْمَلِيءِ الَّذِي يَجِبُ قَبُول الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ مَلاَءَتَهُ بِمَالِهِ، وَبِقَوْلِهِ، وَبِبَدَنِهِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ، غَيْرَ جَاحِدٍ، وَلاَ مُمَاطِلٍ، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ، وَكَمَا فَهِمَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي.
وَلَكِنْ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلاَءَةَ بِالْقَوْل تَعْنِي عَدَمَ الْجَحْدِ وَعَدَمَ الْمُمَاطَلَةِ، وَيُفَسِّرُونَ الْمَلاَءَةَ بِالْبَدَنِ بِإِمْكَانِ إِحْضَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ. وَلِذَا لاَ يَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُحَال قَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى أَبِيهِ، دُونَ رِضَاهُ، وَلاَ عَلَى مَنْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِحْضَارُهُمَا إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَبِالتَّالِي لاَ يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى هَذَا الْقَبُول.
وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ أَنْ تَكُونَ نَاجِزَةً، فَذُو الْمَال الَّذِي لاَ تَصِل إِلَيْهِ يَدُهُ الآْنَ لأَِمْرٍ مَا، هُوَ مَلِيءٌ مَا دَامَ عَلَى مَا سَبَقَ وَصْفُهُ (77) .
64 - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُحَال وَلِيُّ قَاصِرٍ كَوَصِيِّ يَتِيمٍ، أَوْ كَانَ صَغِيرًا مُمَيِّزًا، أَجَازَ وَلِيُّهُ الإِْحَالَةَ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَمْلأََ مِنَ الْمَدِينِ الأَْوَّل صِيَانَةً لِحَقِّ الصَّغِيرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (78) وَالصَّغِيرُ بِمَثَابَةِ الْيَتِيمِ. لَكِنَّ ابْنَ عَابِدِينَ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْبَحْرِ نَقَل نُصُوصًا مَذْهَبِيَّةً تُنَافِيهِ: وَذَلِكَ إِذْ يَقُول - نَقْلاً عَنْ كِتَابِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ - (ذَكَرَ فَخْرُ الدِّينِ فِي بُيُوعِ فَتَاوَاهُ: الأَْبُ وَالْوَصِيُّ إِذْ قَبِلاَ الْحَوَالَةَ عَلَى شَخْصٍ دُونَ الْمُحِيل فِي الْمَلاَءَةِ) - إِنْ وَجَبَ - أَيِ الدَّيْنُ - بِعَقْدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِعَقْدِهِمَا (كَالإِْرْثِ) لاَ يَصِحُّ فِي قَوْلِهِمْ.
وَذَكَرَ صَدْرُ الإِْسْلاَمِ أَبُو الْيُسْرِ فِي بَابِ الْخُلْعِ مِنَ الْمَبْسُوطِ - فِي حِيلَةِ هِبَةِ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ - أَنَّ الأَْبَ يَحْتَال عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا، فَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الزَّوْجِ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَوْ كَانَ الأَْبُ مِثْل الزَّوْجِ فِي الْمَلاَءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ أَيْضًا، وَقَدِ اكْتَفَى ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ بِحِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْمَلاَءَةِ (79) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِصِحَّةِ احْتِيَال وَلِيِّ الْقَاصِرِ بِشَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ تَقْتَضِيَ ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْقَاصِرِ نَفْسِهِ، أَخْذًا مِنْ نَصِّ التَّنْزِيل الْحَكِيمِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} (80) دُونَ تَقْيِيدٍ بِأَيِّ قَيْدٍ آخَرَ. وَلِذَا أَبْطَلُوا احْتِيَالَهُ عَلَى مُفْلِسٍ، عَلِمَ إِفْلاَسَهُ أَمْ جَهِل، وَاحْتِيَالُهُ بِدَيْنٍ مُوَثَّقٍ عَلَيْهِ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ، لِمَا فِي انْفِكَاكِ الْوَثِيقَةِ مِنَ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ.
وَقَدْ سُئِل السُّيُوطِيُّ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَمَاتَ الدَّائِنُ وَلَهُ وَرَثَةٌ، فَأَخَذَ الأَْوْصِيَاءُ مِنَ الْمَدِينِ بَعْضَ الدَّيْنِ، وَأَحَالَهُمْ عَلَى آخَرَ بِالْبَاقِي، فَقَبِلُوا الْحَوَالَةَ وَضَمِنَ لَهُمْ آخَرُ فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَهَل لَهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل أَمْ لاَ؟
فَأَجَابَ - يُطَالِبُونَ الضَّامِنَ وَتَرِكَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ - فَإِنْ تَبَيَّنَ إِفْلاَسُهُمَا تَبَيَّنَ فَسَادُ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ لِلأَْيْتَامِ، فَيَرْجِعُونَ عَلَى الْمُحِيل ". (81)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بِمَال الْيَتِيمِ فَقِيرًا، أَوْ مُمَاطِلاً، أَوْ مَخُوفَ الاِمْتِنَاعِ بِسَطْوَةٍ، أَوْ هَرَبَ أَوْ سَيِّئَ الْقَضَاءِ عَلَى أَيَّةِ صُورَةٍ، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَتَكُونُ الْحَوَالَةُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ.
إِمْكَانُ إِحْضَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ:
65 - تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ الْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ فَسَّرَ الزَّرْكَشِيُّ (فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ) الْقُدْرَةَ بِالْبَدَنِ - فِي صَدَدِ بَحْثِ الْمَلِيءِ الَّذِي يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى إِتْبَاعِهِ - بِإِمْكَانِ حُضُورِهِ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ:
أ - فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يُحِيل وَلَدٌ عَلَى أَبِيهِ إِلاَّ بِرِضَا الأَْبِ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ طَلَبَ أَبِيهِ. قَال ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الأَْصْحَابِ. وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ عَلَى أُمِّهِ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا.
ب - كَمَا لاَ يُلْزَمُ بِقَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى أَبِيهِ (أَيْ أَبِ الْمُحَال) .
ج - وَلاَ يَلْزَمُ الْمُحَال بِقَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى مَنْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ.
د - وَلاَ يُلْزَمُ الْمُحَال كَذَلِكَ بِقَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى ذِي شَوْكَةٍ (82) .
مَدْيُونِيَّةُ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلْمُحِيل عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ:
66 - لاَ يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ، لإِِجَازَتِهِمِ الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ، وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الأَْصْل مَا نَقَلُوهُ فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنِ الْمُحِيطِ وَنَصُّهُ: لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا بَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ إِنَّ الْبَائِعَ أَحَال مُسْلِمًا عَلَى الْمُشْتَرِي حَوَالَةً مُقَيَّدَةً - بِأَنْ قَال: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لِي عَلَيْكَ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَال الْمُحَال عَلَيْهِ (وَهُوَ الْمُشْتَرِي) : الأَْلْفُ كَانَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَقَال الْمُحِيل (وَهُوَ الْبَائِعُ) : كَانَ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ، فَالْقَوْل قَوْل الْبَائِعِ الْمُحِيل، فَإِنْ أَقَامَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى الْمُحِيل بِذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً بَل كَانَتْ مُطْلَقَةً - بِأَنْ قَال الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ - لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ، وَإِنْ أَثْبَتَ الْمُشْتَرَى عَلَى الْمُحِيل أَنَّ الأَْلْفَ الَّتِي عَلَيْهِ كَانَتْ ثَمَنَ خَمْرٍ.
أَمَّا غَيْرُ الْقَائِلِينَ بِالْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ فَيَشْتَرِطُونَ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَدِينًا لِلْمُحِيل بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ (83) .
67 - وَالَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ مَدْيَنٌ تَظَل ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِ حَتَّى يُؤَدَّى عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ لاَ يَسْقُطُ دَيْنُهُ مِنْ ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِدَائِنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُحِيل بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ، لاَ عَلَى تَرِكَتِهِ، لأَِنَّهَا مِنْ نَاحِيَةٍ لَيْسَتْ شَخْصًا، وَلاَ تَحَقُّقَ لِلْحَوَالَةِ إِلاَّ عَلَى شَخْصٍ يُسَمَّى مُحَالاً عَلَيْهِ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى هِيَ إِمَّا عَيْنٌ، وَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِمَّا دَيْنٌ لَهُ وَهَذَا يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ، وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ مِمَّا وَرِثَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
أَمَّا الأَْصْل الْمُقَرَّرُ مِنْ أَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ تَخْرَبُ بِمَوْتِهِ - أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّ الْمَيِّتَ لاَ ذِمَّةَ لَهُ - فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبَل، لاَ الْمَاضِي. هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَدَيْنُ الْمُحِيل أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَيْنَ حَوَالَةٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا (ر: ف 58) .
وَمِثْلُهُ فِي هَذَا التَّعْمِيمِ الدَّيْنُ الَّذِي يُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ. وَمِنَ الْمَسَائِل الْوَارِدَةِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الأَْصْل: مَا إِذَا أَقْرَضَ شَخْصٌ اثْنَيْنِ مِائَةَ دِينَارٍ - عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسُونَ - وَتَضَامَنَا، ثُمَّ أَحَال عَلَى أَحَدِهِمَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا، هَل تَنْصَرِفُ الْحَوَالَةُ إِلَى الْخَمْسِينَ الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي عَلَيْهِ - حَتَّى يَنْفَكَّ رَهْنُهَا إِنْ كَانَ فِيهَا رَهْنٌ - أَمْ تُوَزَّعُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْخَمْسِينَ الأُْخْرَى الَّتِي ضَمِنَهَا عَنْ رَفِيقِهِ، أَمْ يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَةِ الْمُحِيل؟ رَجَّحُوا الرُّجُوعَ إِلَى إِرَادَةِ الْمُحِيل، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ، كَانَ بِالْخِيَارِ يَصْرِفُهَا إِلَى مَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ بِإِرَادَةٍ جَدِيدَةٍ مُحْدَثَةٍ، هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ (84) .
مَحَل الْحَوَالَةِ وَشَرَائِطُهُ (الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ) :
يَتَفَرَّعُ الْكَلاَمُ فِي نَوْعِيَّةِ الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: 1 - حَوَالَةُ الدَّيْنِ.
2 - حَوَالَةُ الْعَيْنِ.
3 - حَوَالَةُ الْمَنْفَعَةِ.
4 - حَوَالَةُ الْحَقِّ.
أَوَّلاً: حَوَالَةُ الدَّيْنِ:
68 - لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمُحَال بِهِ دَيْنًا. وَكَذَلِكَ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ - عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ وُجُودَهُ - فَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا.
ثَانِيًا: حَوَالَةُ الْعَيْنِ:
69 - الْحَوَالَةُ بِعَيْنٍ - مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً - لاَ تَصِحُّ، إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا النَّقْل الْحُكْمِيُّ. أَمَّا الْحَوَالَةُ عَلَى الْعَيْنِ - أَيْ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ - أَيًّا كَانَ نَوْعُ الْعَيْنِ، فَلاَ تُعْرَفُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ. إِذْ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعًا شَارِطُونَ فِي الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا. فَالْعَيْنُ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَمَانَةً أَمْ مَضْمُونَةً، كَوَدِيعَةٍ، وَمَالٍ مُضَارَبَةً أَوْ شَرِكَةً، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ فِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيٍّ بَعْدَ رَفْعِ الْحَجْرِ عَنْ قَاصِرِهِ، وَعَارِيَّةٍ، وَمَغْصُوبٍ، وَمَأْخُوذٍ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (85) . ثَالِثًا: حَوَالَةُ الْمَنْفَعَةِ:
70 - لاَ تَصِحُّ كَذَلِكَ، إِذِ الْمَنْفَعَةُ كَالْعَيْنِ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا النَّقْل الْحُكْمِيُّ.
أَمَّا الْحَوَالَةُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ نَجِدْ فِي نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ مَا يُشْعِرُ بِجَوَازِ كَوْنِهَا مَالاً مُحَالاً عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَنَافِعِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا إِنْسَانٌ بِسَبَبٍ مَا، إِنَّمَا تُسْتَوْفَى شَخْصِيًّا مِنْ قِبَل صَاحِبِهَا، وَهِيَ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ.
رَابِعًا: حَوَالَةُ الْحَقِّ:
لاَ تَصِحُّ كَذَلِكَ حَوَالَةُ الْحَقِّ. وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِدَيْنٍ (86) .
شَرَائِطُ الْمَال الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ:
أَوَّلاً: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ لاَزِمًا:
71 - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الْمُحَال بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا لاَزِمًا. قِيَاسًا عَلَى الْكَفَالَةِ: بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ عَقْدُ الْتِزَامٍ بِمَا عَلَى مَدِينٍ. فَالأَْصْل أَنَّ كُل دَيْنٍ تَصِحُّ بِهِ الْكَفَالَةُ تَصِحُّ بِهِ الْحَوَالَةُ وَمَا لاَ فَلاَ.
وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَلاَّ تَصِحَّ حَوَالَةُ الزَّوْجَةِ بِنَفَقَتِهَا الْمَفْرُوضَةِ - بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالتَّرَاضِي - غَيْرِ الْمُسْتَدَانَةِ، لأَِنَّهَا دَيْنٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بِالطَّلاَقِ وَبِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ. لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِهَا اسْتِحْسَانًا. وَمِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُل دَيْنٍ تَصِحُّ كَفَالَتُهُ تَصِحُّ حَوَالَتُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولاً. وَإِذَنْ فَتَصِحُّ حَوَالَةُ دَيْنِ النَّفَقَةِ هَذَا، بَل تَصِحُّ بِالنَّفَقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ - رَغْمَ أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ شَهْرٍ - إِذَا تَمَّتِ الْحَوَالَةُ قَبْل سُقُوطِهَا، وَإِلاَّ فَلاَ تَصِحُّ، لأَِنَّهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا فِي الْكَفَالَةِ بِهَا، وَأَوَّلُوا بِهِ قَوْل مَنْ نَفَى صِحَّةَ الْكَفَالَةِ بِهَا، مُعَلِّلاً بِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَيْنًا أَصْلاً.
أَمَّا مَهْرُ الزَّوْجَةِ فَدَيْنٌ قَوِيٌّ صَحِيحٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ اسْتِمْرَارُ وُجُوبِهِ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا يُبْطِل حُكْمَ الْعَقْدِ نَفْسِهِ، كَالطَّلاَقِ الْمُنَصِّفِ لِلْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالْمَهْرِ بِلاَ نِزَاعٍ (87) .
وَأَمَّا دَيْنُ الزَّكَاةِ فَلَيْسَ دَيْنًا حَقِيقَةً بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ مِنْ كُل وَجْهٍ - وَلِذَا لاَ يُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى - فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ اللُّزُومَ بِإِطْلاَقِ الْفُقَهَاءِ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ، وَبَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضَ الْحَنَابِلَةِ.
وَمِمَّا فَرَّعَهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ اللُّزُومِ أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَصِحُّ بِالدَّيْنِ الَّذِي يَسْتَدِينُهُ صَبِيٌّ أَوْ سَفِيهٌ وَيَصْرِفُهُ فِيمَا لَهُ عَنْهُ غِنًى، لأَِنَّ الْوَلِيَّ لاَ يُقِرُّهُ.
وَالَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ، أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لاَزِمًا، أَوْ آيِلاً إِلَى اللُّزُومِ بِنَفْسِهِ: فَاللاَّزِمُ هُوَ الَّذِي لاَ خِيَارَ فِيهِ، وَالآْيِل إِلَى اللُّزُومِ كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْبَيْعِ لُزُومُ الثَّمَنِ، وَأَنَّ الْخِيَارَ عَارِضٌ فِي طَرِيقِ اللُّزُومِ، وَبِزَوَال الْعَارِضِ يَعُودُ الأَْصْل تِلْقَائِيًّا. ثُمَّ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَبْطُل خِيَارُ الطَّرَفَيْنِ، لأَِنَّ تَرَاضِيَهُمَا بِالْحَوَالَةِ إِجَازَةٌ لِلْعَقْدِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّ بَقَاءَ الْخِيَارِ فِي الثَّمَنِ يُنَافِي اللُّزُومَ الَّذِي فِي طَبِيعَةِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ (88) .
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْجُعْل الْمَشْرُوطَ لِلْعَامِل فِي الْجَعَالَةِ، لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل، لأَِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ بَعْدُ، وَقَدْ لاَ يَلْزَمُ قَطُّ، ثُمَّ هُوَ إِذَا لَزِمَ فَلَيْسَ لُزُومُهُ بِنَفْسِهِ، بَل بِوَاسِطَةِ الْعَمَل.
أَمَّا الْكَثْرَةُ الْغَالِبَةُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فَقَدْ جَرَوْا عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ أَصْلاً. وَلِذَا فَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِمَال الْكِتَابَةِ، وَبِجُعْل الْعَامِل فِي الْجَعَالَةِ حَتَّى قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُضِيفُ إِيضَاحًا لِوِجْهَةِ نَظَرِهِمْ أَنَّ الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ. وَكَذَلِكَ يُجِيزُونَ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، بَل هَذَا أَوْلَى لأَِنَّهُ آيِلٌ إِلَى اللُّزُومِ (89) .
ثَانِيًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ:
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
72 - اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ صِحَّةَ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمَال الْمُحَال بِهِ، وَرَأَوْا أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ شَرِيطَةِ اللُّزُومِ أَوِ الأَْيْلُولَةِ إِلَيْهِ. فَمَا لاَ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ - كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَكُل مَبِيعٍ قَبْل قَبْضِهِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ - لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ بِرَغْمِ لُزُومِهِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ، وَجَمَاهِيرُ الْحَنَابِلَةِ، يُصَرِّحُونَ بِهَذِهِ الْمُوَافَقَةِ، كُلٌّ عَلَى طَرِيقَتِهِ.
وَمِمَّا يُسْتَدَل بِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ ﷺ قَال: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ (90) لَكِنْ قَالُوا إِنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَطِيَّةَ بْنَ سَعْدٍ الْعَوْفِيَّ، قَال الْمُنْذِرِيُّ: لاَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَيُغْنِي عَنْهُ النَّهْيُ الثَّابِتُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ (91) .
وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ بِهِ أَيْضًا، إِذْ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُل دَيْنٍ صَحَّ ضَمَانُهُ صَحَّتْ حَوَالَتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولاً. وَصَرَّحَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ تَنْزِيلاً لَهُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ لِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ مِنْهُ.
لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَمُوَافِقِيهِمْ يُفَرِّقُونَ فِي دَيْنِ السَّلَمِ مِنْ حَيْثُ تَصْحِيحُهُمْ ضَمَانَهُ دُونَ الْحَوَالَةِ بِهِ بِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَأَنَّ الْحَوَالَةَ اعْتِيَاضٌ، لأَِنَّهَا بَيْعٌ بِخِلاَفِ الضَّمَانِ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ كُل مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْقِيمَةِ عَنِ الزَّكَاةِ، لاَ يُسَلِّمُ بِهَذَا التَّعْلِيل (عَدَمُ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ) لِمَنْعِ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الزَّكَاةِ، فَالَّذِي لاَ يَرَى عِلَّةً مَانِعَةً أُخْرَى يُصَرِّحُ بِجَوَازِ الْحَوَالَةِ بِهِ.
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْفُسِهِمْ مَنْ يُصَرِّحُ أَيْضًا بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الزَّكَاةِ، عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ لاَ بَيْعٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّمَنَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ عِنْدَ كَثِيرِينَ، كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ مُتَسَامَحٌ فِيهَا اسْتِثْنَاءً لأَِنَّهَا إِرْفَاقٌ كَمَا تَقَدَّمَ (92) .
73 - وَلاِعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ - خِلاَفًا لأَِشْهَبَ - عَلَى امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ (الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ) طَعَامَيْنِ مِنْ بَيْعِ (سَلَمٍ) . بَل هُمْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فِي صِيَاغَةِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، لأَِنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ إِنَّمَا هُوَ طَعَامُ الْمُعَاوَضَةِ لاَ غَيْرَ (93) .
(وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ تَمْتَنِعَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ عَلَى دَيْنٍ، وَأَحَدُهُمَا طَعَامٌ مِنْ بَيْعٍ وَالآْخَرُ مِنْ قَرْضٍ) . وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ (94) . وَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي الْبُيُوعِ، وَلَكِنَّهُ جَرَى هُنَا فِي الْحَوَالَةِ عَلَى عَدَمِ امْتِنَاعِ هَذِهِ الصُّورَةِ، مَتَى كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ حَالًّا - كَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ عَدَا ابْنَ الْقَاسِمِ - رُكُونًا إِلَى قَوْل ابْنِ يُونُسَ: إِنَّ هَذَا هُوَ الأَْصْوَبُ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الدَّيْنِ الآْخَرِ الَّذِي لَيْسَ بِطَعَامٍ مُعَاوَضَةً. أَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَمْ يُصَحِّحْهَا إِلاَّ بِشَرِيطَةِ حُلُول الدَّيْنَيْنِ كِلَيْهِمَا فَهُوَ تَنْزِيلٌ لِلْحُلُول مَنْزِلَةَ الْقَبْضِ (95) .
ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
74 - الَّذِينَ اشْتَرَطُوا صِحَّةَ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ هُمُ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا مِثْلَهَا فِي الْمُحَال بِهِ، فَعَلَى مَا هُنَاكَ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِرَأْسِ مَال السَّلَمِ، وَعَلَى مَا هُنَا لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَكُل مَبِيعٍ قَبْل قَبْضِهِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي كُلٍّ مِنْ دَيْنِ السَّلَمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَرَأْسِ مَالِهِ وَجْهٌ بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ وَبِهِ (96) .
وَوَاضِحٌ بِنَاءُ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ ذَلِكَ قَبْلاً (ر: ف 11) .
ثَالِثًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
75 - الدَّيْنُ الْمُسْتَقِرُّ هُوَ الَّذِي لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ انْفِسَاخٌ بِتَلَفِ مُقَابِلِهِ، أَوْ فَوَاتِهِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ كَتَعَذُّرِ الْمَال الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ. فَالْمَهْرُ قَبْل الدُّخُول وَقَبْل الْمَوْتِ، وَالأُْجْرَةُ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالثَّمَنُ قَبْل قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَمَا شَاكَل ذَلِكَ، كُلُّهَا دُيُونٌ لاَزِمَةٌ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهَا، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ لأَِنَّهَا عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ بِفَوَاتِ مُقَابِلِهَا، كَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ، وَمَوْتِ الأَْجِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَتَلَفِ الْمَبِيعِ فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا، وَبِالأَْوْلَى إِذَا اخْتَلَّتْ شَرِيطَةٌ أُخْرَى، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لاِنْتِفَاءِ لُزُومِهِ.
وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يَجْزِمُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جُمْهُورَهُمْ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ الأَْشْهَرُ عِنْدَهُمْ (97) .
ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
76 - لَمْ يُصَرِّحْ بِاشْتِرَاطِ اسْتِقْرَارِهِ سِوَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا نَقْلاً عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ، وَفِي التَّفْرِيعِ عَلَى ذَلِكَ يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: (دَيْنُ السَّلَمِ لَيْسَ بِمُسْتَقَرٍّ، لِكَوْنِهِ بِعَرْضِ الْفَسْخِ، لاِنْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ) ثُمَّ يَقُول: (وَإِنْ أَحَالَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَإِنْ أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِهِ صَحَّ، لأَِنَّ لَهُ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهَا، وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ أَحَالَتْ بِهِ بَعْدَ الدُّخُول صَحَّ لأَِنَّهُ مُسْتَقِرٌّ، وَإِنْ أَحَال الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَصِحَّ فِي قِيَاسِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِهِ صَحَّ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ، وَلَهُ الْوَفَاءُ قَبْل الاِسْتِقْرَارِ) .
وَيُلْحَظُ هُنَا أَنَّ ابْنَ قُدَامَةَ فِي كَلاَمِهِ هَذَا يَجْرِي عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الدَّيْنِ غَيْرِ اللاَّزِمِ كَمَال الْكِتَابَةِ، وَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَبَيْنَ الدَّيْنِ اللاَّزِمِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ كَدَيْنِ السَّلَمِ، وَالْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول، كَمَا أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الاِسْتِقْرَارِ إِلاَّ فِي الدَّيْنِ الْمُحَال عَلَيْهِ دُونَ الْمُحَال بِهِ، فَصَحَّحَ إِحَالَةَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بِمَهْرِهَا قَبْل الدُّخُول، وَمَنَعَ الإِْحَالَةَ مِنْهَا عَلَيْهِ، لأَِنَّ لَهُ الإِْحَالَةَ بِهِ حَيْثُ يَصِحُّ مِنْهُ التَّسْلِيمُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي الْحَنَابِلَةِ مَنْ يُنَازِعُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، فَالْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي " الْمُحَرَّرِ " لَمْ يَسْتَثْنِ مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا وَعَلَيْهَا سِوَى دَيْنَ السَّلَمِ - فَمَنَعَ الْحَوَالَةَ بِهِ وَعَلَيْهِ - وَهَذَا الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مُنَازَعٌ فِي مَنْعِهِ عِنْدَهُمْ: فَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الإِْنْصَافِ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ السَّلَمِ وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا (98) .
رَابِعًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ نَاشِئًا عَنْ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ:
77 - وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ شَرِيطَةُ لُزُومٍ. فَالَّذِي يُخَالِعُ زَوْجَتَهُ عَلَى مَالٍ، ثُمَّ يُحِيل عَلَى هَذَا الْمَال، فَتَمُوتُ الزَّوْجَةُ وَلَوْ مُوسِرَةً قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُحَال، أَوْ تُفْلِسُ - كَمَا اسْتَظْهَرُوهُ - يَكُونُ لِلْمُحَال الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ. هَذِهِ حَوَالَةٌ صَحِيحَةٌ وَلاَزِمَةٌ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَتَحَوَّل عَنْ هَذَا اللُّزُومِ كَمَا رَأَيْنَا. هَكَذَا قَرَّرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (99) .
خَامِسًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مَعْلُومًا:
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
78 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْمَعْلُومِيَّةَ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْجَهَالَةِ مِنَ الْغَرَرِ الْمُفْسِدِ لِكُل مُعَاوَضَةٍ، وَالْحَوَالَةُ لاَ تَخْلُو مِنْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، كَمَا سَلَفَ، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِمَجْهُولٍ، كَالْحَوَالَةِ بِمَا سَيَثْبُتُ عَلَى فُلاَنٍ (100) .
وَلاَ نِزَاعَ فِي هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، سَوَاءٌ أَقُلْنَا: إِنَّ الْحَوَالَةَ اعْتِيَاضٌ، أَمْ قُلْنَا إِنَّهَا اسْتِيفَاءٌ، لأَِنَّ الْمَجْهُول يَمْتَنِعُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، كَمَا يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاؤُهُ وَإِيفَاؤُهُ لِمَا يُثِيرُهُ مِنْ نِزَاعٍ مُشْكِلٍ يَحْتَجُّ فِيهِ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ بِالْجَهَالَةِ احْتِجَاجًا مُتَعَادِلاً حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَلَى شَخْصٍ مَا دُيُونٌ كَثِيرَةٌ لاَ يَعْلَمُ مِقْدَارَهَا، فَقَال لِدَائِنِهِ: أَحَلْتُكَ عَلَى فُلاَنٍ بِكُل مَا لَكَ عَلَيَّ، لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ.
79 - وَكَثِيرُونَ يُحَدِّدُونَ بِوُضُوحٍ كَيْفَ يَكُونُ الْمَال مَعْلُومًا هُنَا. وَمِنْ هَؤُلاَءِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِذْ يَقُولُونَ: (كُل مَا لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ) : فَهُمْ إِذَنْ يَشْرِطُونَ مَعْلُومِيَّةَ قَدْرِهِ كَمِائَةِ ثَوْبٍ، وَمَعْلُومِيَّةَ جِنْسِهِ، كَقُطْنٍ أَوْ صُوفٍ، وَمَعْلُومِيَّةَ صِفَاتِهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِهَا الأَْغْرَاضُ اخْتِلاَفًا بَيِّنًا، أَيْ صِفَاتُهُ الضَّابِطَةُ، أَوْ كَمَا قَالُوا: (صِفَاتُهُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي السَّلَمِ) كَالطُّول وَالْعَرْضِ، وَالرِّقَّةِ، وَالصَّفَاقَةِ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ، وَاللَّوْنِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ (101) .
وَذَلِكَ يَعْنِي عَدَمَ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِإِبِل الدِّيَةِ، لأَِنَّهَا لاَ تُعْلَمُ إِلاَّ بِالسِّنِّ وَالْعَدَدِ وَهَذَا لاَ يَكْفِي لِضَبْطِهَا الْمُعْتَبَرِ فِي السَّلَمِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فِيهَا الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ مَنْ يَقُول بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهَا وَعَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ، وَعَلَيْهِ، خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل أَرْشُ مُوضِحَةٍ (102) ، فَيُحِيل بِهَذِهِ عَلَى تِلْكَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، اكْتِفَاءً بِالْعِلْمِ بِسِنِّهَا وَعَدَدِهَا، فَلَيْسَ الضَّبْطُ بِالصِّفَاتِ الْمَطْلُوبَةِ فِي السَّلَمِ إِذَنْ بِحَتْمٍ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْعِلْمِ بِالْمُحَال بِهِ، وَلِحَسْمِ مَا عَسَاهُ يَنْشَأُ مِنْ نِزَاعٍ يُعْتَبَرُ أَقَل مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، كَمَا قَرَّرَهُ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (وَإِنْ كَانَ قِيَاسُ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الضَّمَانِ أَنْ يُرَاعَى فِيمَا وَرَاءَ السِّنِّ وَالْعَدَدِ حَال غَالِبِ إِبِل الْبَلَدِ) . (103)
ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
80 - يُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِاشْتِرَاطِ مَعْلُومِيَّةِ الدَّيْنَيْنِ (الْمُحَال بِهِ، وَالْمُحَال عَلَيْهِ) لَدَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْمُحِيل وَالْمُحَال. (104)
وَلَمْ نَجِدْ فِي كَلاَمِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَصْرِيحًا بِاشْتِرَاطِ مَعْلُومِيَّةِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَال الْمُحَال بِهِ، وَلَكِنْ يُسْتَنْتَجُ مِنْ قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الاِشْتِرَاطُ (105) . سَادِسًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ ثَابِتًا قَبْل الْحَوَالَةِ:
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
81 - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ ثُبُوتِ الْمَال الْمُحَال بِهِ فِي الذِّمَّةِ قَبْل الْحَوَالَةِ. وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يُسْلِفَ (يُقْرِضَ) شَخْصٌ آخَرَ نُقُودًا أَوْ طَعَامًا مَثَلاً، عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُسْلِفُ مِمَّنْ هُوَ مَدِينٌ لِلْمُسْتَلِفِ بِمِثْل ذَلِكَ، إِذْ مِنَ الْوَاضِحِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُحَال بِهِ لَمْ يَثْبُتْ إِلاَّ مَعَ الْحَوَالَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُصَرِّحُونَ، بِأَنْ لاَ بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ دَارَهُ بِدَيْنٍ لَكَ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَتُحِيلَهُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُحِيل إِذَا أَحَال شَخْصًا غَيْرَ مَدِينٍ لَهُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُحِيل فَهِيَ وَكَالَةٌ جَرَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ (106) .
ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
82 - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، ثُبُوتَ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ قَبْل الْحَوَالَةِ، وَفَرَّعَ الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ أَنَّ الْمَدِينَ لَوْ أَحَال عَلَى غَيْرِ مَدِينِهِ ثُمَّ أَعْطَى الْمُحَال عَلَيْهِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ، فَأَفْلَسَ هَذَا أَوْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ يَكُونُ لِلْمُحَال الْحَقُّ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ هَذَا بِدَوْرِهِ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَا كَانَ أَعْطَاهُ، لَكِنْ هَذَا هُوَ حُكْمُ الْحَمَالَةِ عِنْدَهُمْ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ هِيَ مِنَ الْحَمَالَةِ وَإِعْطَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَقْضِي بِهِ لاَ تَتَحَوَّل بِهِ هَذِهِ الْحَمَالَةُ إِلَى حَوَالَةٍ.
وَلَكِنْ الشَّافِعِيَّةُ يَنُصُّونَ عَلَى خِلاَفِ هَذَا.
فَقَدْ قَال الْخَطِيبُ: (فَإِنْ قِيل: إِنَّ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ - أَيْ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي - زَمَنَ الْخِيَارِ مُشْكِلٌ، إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا يَعْنِي الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ) ، لأَِنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَنْتَقِل عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، أُجِيبَ بِأَنَّ الْبَائِعَ إِذَا أَحَال فَقَدْ أَجَازَ، فَوَقَعَتِ الْحَوَالَةُ مُقَارِنَةً لِلْمِلْكِ وَذَلِكَ كَافٍ ". (107)
سَابِعًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ حَالًّا:
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
83 - لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ لَمْ يَحِل أَجَلُهُ بَعْدُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ قَدْ حَل، إِذْ لَوْ لَمْ يَحِل هُوَ أَيْضًا فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يَلْزَمَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَيَنْضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُورٌ آخَرُ هُوَ رِبَا النَّسَاءِ، إِنْ جَمَعَتِ الدَّيْنَيْنِ عِلَّةٌ رِبَوِيَّةٌ وَاحِدَةٌ.
هَكَذَا قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ بِإِطْلاَقِهَا هَذَا، عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ (108) . وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَسْتَمِرَّ حُلُول الْمَال الْمُحَال بِهِ إِنْ كَانَ حَالًّا، فِي الْحَوَالَةِ بِمَال الْقَاصِرِ وَمَا شَاكَلَهَا مِنْ كُل مَنْ تَجِبُ فِيهِ رِعَايَةُ الأَْصْلَحِ لِصَاحِبِهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بِهِ إِلَى أَجَلٍ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَلاَ يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالإِْبْرَاءِ الْمُؤَبَّدِ الَّذِي لاَ يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ فِي مَال الْقَاصِرِ، وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو يُوسُفَ هُنَا، وَلَمْ يُفَصِّل تَفْصِيل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بَيْنَ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ بِعَقْدِ الأَْبِ أَوِ الْوَصِيِّ، فَيَجُوزُ تَأْجِيلُهُ، وَالدَّيْنُ الْوَاجِبُ بِغَيْرِ عَقْدِهِمَا - كَالإِْرْثِ وَالإِْتْلاَفِ - فَلاَ يَجُوزُ.
(نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْمُحِيطِ) ثُمَّ قَال: وَكَذَا قَبُول الْحَوَالَةِ مِنَ الْمُتَوَلِّي أَيْ (نَاظِرِ الْوَقْفِ) فَهِيَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل (109) .
وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ لَيْسَتْ إِلاَّ تَطْبِيقًا جُزْئِيًّا لِلأَْصْل الْعَامِّ، الَّذِي لاَ يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ، فِي تَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ مِنْ أَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالْمَصْلَحَةِ (ر: ف 96) .
ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
84 - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ حُلُول الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الدَّيْنُ الْمُحَال بِهِ حَالًّا.
ثَامِنًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مِثْلِيًّا:
85 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ أَوِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْمَال مِثْلِيًّا، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ الْقِيَمِيِّ أَوِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مَا لَهُ صِفَاتٌ ضَابِطَةٌ فَفِي ضَبْطِهِ بِهَا بَلاَغٌ، كَمَا لاَ يُجَادِل فِي ذَلِكَ أَحَدٌ فِي بَابِ السَّلَمِ، فَيُقَاسُ الْقِيَمِيُّ الْمُنْضَبِطُ عَلَى الْمِثْلِيِّ مَا دَامَ كِلاَهُمَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ لَهُ صِفَاتٌ تَضْبِطُهُ تُضَافُ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّوْعِ وَالْقَدْرِ: كَالثِّيَابِ، وَالدَّوَابِّ - عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْخِلاَفِ الْمَعْرُوفِ - وَالصُّوفِ، وَالْقُطْنِ، وَالشَّعْرِ، وَالأَْخْشَابِ، وَالأَْحْجَارِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالْبَلُّورِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْفَخَّارِ (110) ، وَالْوَرِقِ، وَالْكُتُبِ وَالآْلاَتِ مَا دَامَتْ ذَاتَ صِفَاتٍ ضَابِطَةٍ كَإِنْتَاجِ مَصْنَعٍ بِعَيْنِهِ. بَل لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يَعْتَبِرَ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ الأَْخِيرَةَ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيل الْمِثْلِيِّ الَّذِي لاَ تَفَاوُتَ فِيهِ يُذْكَرُ.
وَذَهَبَ قِلَّةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مِثْلِيًّا، بَل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَشْتَرِطُ خُصُوصَ الثَّمَنِيَّةِ وَلاَ يَكْتَفِي بِمُطْلَقِ الْمِثْلِيَّةِ، فَلاَ حَوَالَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْل إِلاَّ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُمَا فِي التَّعَامُل النَّقْدِيِّ.
وَالْمُرَادُ عِنْدَ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا بِالْمِثْلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ مَا يُكَال أَوْ يُوزَنُ وَيَضْبِطُهُ الْوَصْفُ، كَالنُّقُودِ وَالْحُبُوبِ وَالأَْدْهَانِ، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالْقِيَمِيِّ، وَهُوَ مَا خَرَجَ عَنْ هَذَا النَّمَطِ كَالثِّيَابِ الْمُتَفَاوِتَةِ، وَالْحَيَوَانِ، فَقَدْ يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ فِي الذِّمَّةِ، كَمَا لَوْ بِيعَ بِوَصْفٍ، أَوِ الْتَزَمَ صَدَاقًا، أَوْ بَدَل خُلْعٍ، وَلَكِنْ لاَ يُحَال بِهِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ دُونَ تَفَاوُتٍ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْمِثْلِيَّاتِ (111) .
تَاسِعًا: كَوْنُ الْمَالَيْنِ الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مُتَسَاوِيَيْنِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً:
86 - لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ التَّسَاوِيَ بَيْنَ الْمَالَيْنِ الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ جِنْسًا أَوْ قَدْرًا أَوْ صِفَةً، وَإِنَّمَا الْكَلاَمُ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِهِمْ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
87 - الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ مَا يَشْمَل الْجُودَةَ وَالرَّدَاءَةَ، وَالْحُلُول وَالتَّأْجِيل، وَقَدْرَ الأَْجَل، لاَ صِفَةَ التَّوَثُّقِ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ، بَل هَذِهِ تَسْقُطُ عَنْ كِلاَ الدَّيْنَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا بِمَثَابَةِ الْقَبْضِ، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِنُقُودٍ فِضِّيَّةٍ عَلَى ذَهَبِيَّةٍ، أَوْ ذَهَبِيَّةٍ عَلَى فِضِّيَّةٍ، وَلاَ بِقَمْحٍ عَلَى شَعِيرٍ، وَلاَ بِضَأْنٍ عَلَى مَعْزٍ، وَلاَ عَكْسِهِ، وَلاَ بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ، مَثَلاً عَلَى عَشَرَةٍ، وَلاَ بِعَشَرَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ (نَعَمْ إِذَا كَانَ لَهُ عَشَرَةٌ عَلَى آخَرَ، فَأَحَال عَلَى خَمْسَةٍ مِنْهَا بِخَمْسَةٍ صَحَّتِ الْحَوَالَةُ لِتَحَقُّقِ الشَّرِيطَةِ) ، وَلاَ بِالْمَغْشُوشِ عَلَى الْخَالِصِ وَلاَ بِالْخَالِصِ عَلَى الْمَغْشُوشِ، وَلاَ بِحَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ، وَلاَ بِمُؤَجَّلٍ عَلَى حَالٍّ، وَلاَ بِمُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرٍ عَلَى مُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرَيْنِ وَلاَ عَكْسِهِ.
وَلَكِنَّهَا تَصِحُّ بِمِائَةِ دِينَارٍ ذَهَبِيَّةٍ مِنْ نُقُودِ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ مِائَةِ إِرْدَبٍّ مِنَ الْقَمْحِ الْهِنْدِيِّ، أَوْ مِائَةِ شَاةٍ مِنَ الضَّأْنِ التُّرْكِيِّ مَضْبُوطَةِ الْوَصْفِ سِنًّا وَلَوْنًا - وَمَا إِلَيْهَا - عَلَى مِائَةٍ مِثْلِهَا، وَالدَّيْنَانِ حَالاَّنِ، أَوْ مُؤَجَّلاَنِ إِلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ كَسَنَةٍ مَثَلاً.وَالْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ - سَوَاءٌ جَرَيْنَا عَلَى أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ - عَقْدُ إِرْفَاقٍ يُقْصَدُ بِهِ الإِْيفَاءُ وَالاِسْتِيفَاءُ، لاَ الاِسْتِرْبَاحُ وَالاِسْتِكْثَارُ، فَلَوْ أَذِنَ بِالتَّفَاوُتِ فِيهَا لَتَبَارَى الْمُتَعَامِلُونَ بِهَا، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يَغْبِنَ الآْخَرَ، وَيُصِيبَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتْرُكُ لَهُ، وَهَذَا خِلاَفُ مَوْضُوعِهَا. ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال، كَيْفَ يُعْقَل إِجْبَارُهُ مَعَ اخْتِلاَفِ الدَّيْنَيْنِ؟
وَمُبَالَغَةً فِي اتِّقَاءِ التَّفَاوُتِ مَنَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ بِأَلْفٍ عَلَى شَخْصَيْنِ، كُلٌّ مِنْهُمَا مَدِينٌ لِلْمُحِيل بِأَلْفٍ عَلَى التَّضَامُنِ، عَلَى أَنْ يُطَالِبَ الْمُحَال أَيَّهُمَا شَاءَ، وَعُلِّل الْمَنْعُ بِأَنَّ الْمُحَال يَسْتَفِيدُ زِيَادَةً فِي الْمُطَالَبَةِ، إِذْ كَانَ قَبْل الْحَوَالَةِ يُطَالِبُ وَاحِدًا، فَصَارَ بَعْدَهَا يُطَالِبُ اثْنَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا يُخَالِفُهُ، وَيُصَحِّحُ هَذِهِ الْحَوَالَةَ، لأَِنَّ الْمُحَال، مَهْمَا اسْتَفَادَ مِنْ زِيَادَةِ مُطَالَبَةٍ، فَلَنْ يَأْخُذَ إِلاَّ قَدْرَ حَقِّهِ، وَمَا يَزَال الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مُتَأَرْجِحِينَ بَيْنَ هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ: فَبَيْنَا يُصَحِّحُ الْبُلْقِينِيُّ وَالسُّبْكِيُّ الأَْوَّل، يَأْخُذُ الرَّمْلِيُّ الْكَبِيرُ بِالثَّانِي.
هَكَذَا قَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ، وَفْقَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُنَازِعُ فِي شَرِيطَةِ التَّسَاوِي فِي الصِّفَةِ إِذَا كَانَ التَّفَاوُتُلِمَصْلَحَةِ الْمُحَال، لأَِنَّ الْمُحِيل إِذَنْ مُتَبَرِّعٌ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سَبِيل إِحْسَانِ الْقَضَاءِ (112) .
88 - وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يُقَرِّرُهَا أَيْضًا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، (ر: ف 83) ، بِاسْتِثْنَاءِ مَا تَفَرَّدَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَحَل الْمَنْعِ عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، أَوِ الْقِلَّةِ، وَالْكَثْرَةِ إِذَا لَمْ يَقْبِضَ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ قَبْل تُفَرِّقْهُمَا.
وَهَؤُلاَءِ جَمِيعًا يُحَاذُونَ الشَّافِعِيَّةَ فِي تَقْرِيرَاتِهِمُ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ، حَتَّى إِنَّ الْخِلاَفَ فِيمَا إِذَا كَانَ التَّفَاوُتُ لِمَصْلَحَةِ الْمُحَال يَنُصُّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى بَقَائِهِ كَمَا هُوَ، وَإِنْ كَانَ الْمَالِكِيَّةُ يَعْكِسُونَ الْمَوْقِفَ: فَيَمْنَعُونَ التَّحَوُّل عَلَى الأَْعْلَى صِفَةً أَوِ الأَْكْثَرِ قَدْرًا، قَوْلاً وَاحِدًا، وَيَتَرَدَّدُونَ وَيَخْتَلِفُونَ فِي التَّحَوُّل عَلَى الأَْدْنَى أَوِ الأَْقَل.
وَيَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنْ لاَ خِلاَفَ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ مَعَ التَّفَاوُتِ فِي الْقَدْرِ، إِذَا وَقَعَتْ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالْحَوَالَةِ بِالْبَاقِي، كَمَا لَوْ قَال الدَّائِنُ بِأَلْفٍ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ ثَلاَثِمِائَةٍ، وَأَحِلْنِي عَلَى مَدِينِكَ فُلاَنٍ بِالْبَاقِي، فَيَقُول: أَحَلْتُكَ وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا (113) .
الاِسْتِعَاضَةُ فِي الْحَوَالَةِ:
89 - الْمُرَادُ بِالاِسْتِعَاضَةِ أَنْ يَتَرَاضَى الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِدَفْعِ عِوَضٍ عَنِ الْمُحَال بِهِ.
وَالاِسْتِعَاضَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَلاَ نَصَّ فِيهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلاَ عَنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ. وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْجَوَازَ بِأَنْ لاَ يَكُونَ الْعِوَضَانِ رِبَوِيَّيْنِ، فَإِنْ كَانَا كَذَلِكَ وَجَبَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ (114) .
ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
90 - سَلَفَ الْكَلاَمُ فِي هَذِهِ الشَّرِيطَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ الْكَلاَمُ هُنَا فَلاَ حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ، بَيْدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ هُنَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ تُفَسَّرُ فِي كَلاَمِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْوَاقِعِ، وَفِي اعْتِبَارِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (الْمُحِيل وَالْمُحَال) - أَيْ فِي رَأْيِهِمَا وَمَبْلَغِ عِلْمِهِمَا - وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَسَاوَى الدَّيْنَانِ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ، وَلَكِنَّهُمَا جَهِلاَ هَذَا التَّسَاوِيَ أَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ الْحَوَالَةُ بَاطِلَةً إِذَا اعْتُقِدَ التَّسَاوِي، وَلاَ تَسَاوِيَ، فِي الْحَقِيقَةِ (115) . عَاشِرًا: قَبْضُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ (إِنْ كَانَ رَأْسُ مَال سَلَمٍ أَوْ رِبَوِيًّا يُوَافِقُ الْمُحَال بِهِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا) .
91 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ قَبْضِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِنْ كَانَ رَأْسَ مَال سَلَمٍ أَوْ رِبَوِيًّا يُوَافِقُ الْمُحَال بِهِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا، وَنَصُّ عِبَارَةِ السَّرَخْسِيِّ فِي مَبْسُوطِهِ: (وَلأَِنَّهُ - أَيْ دَيْنَ الْحَوَالَةِ - يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، حَتَّى لَوْ كَانَ بَدَل صَرْفٍ أَوْ سَلَمٍ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِبْدَال بِهِ مَعَ الْمُحَال عَلَيْهِ) كَمَا لاَ يَجُوزُ مَعَ الْمُحِيل، وَيَبْطُل عَقْدُ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ بِافْتِرَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْل الْقَبْضِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيَّةُ الْقَبْضَ هُنَا فِي حَوَالَةِ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ، لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى ضَرُورَتِهِ فِي حَالَةِ الصَّرْفِ خَاصَّةً وَعِبَارَتُهُمْ فِي عَقْدِ حَوَالَتِهِ: (لاَ بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ قَبْل افْتِرَاقِ كَلاَمِهِمْ، وَقَبْل طُول مَجْلِسِهِمْ، وَإِلاَّ فَسَدَ) .
وَلَمْ يَتَرَدَّدِ الشَّافِعِيَّةُ فِي رَفْضِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ وَلَوْ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، لأَِنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِي الْحَوَالَةِ - بَعْدَ الْقَوْل بِهَا - لَيْسَ عَلَى سُنَنِ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ. وَنَصُّ عِبَارَةِ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا يَلِي: (هِيَ - أَيِ الْحَوَالَةُ - بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرِالتَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ رِبَوِيَّيْنِ) (116)
أَمَّا فِي رَأْسِ مَال السَّلَمِ، فَيَقُول الْبُجَيْرِمِيُّ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ: (لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِمَا لاَ يُعْتَاضُ عَنْهُ، (2) وَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ، كَدَيْنِ السَّلَمِ) ، أَيْ مُسْلَمًا فِيهِ وَرَأْسُ مَال (أَيَّهُمَا كَانَ) .
مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْحَوَالَةِ:
92 - لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ يَكُونَ كِلاَهُمَا مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ ضَمَانٍ مَثَلاً، فَلاَ مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ دَيْنَيِ الْحَوَالَةِ مِنْ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، وَالآْخَرُ دَيْنَ إِتْلاَفٍ مَثَلاً. أَوْ أَحَدُهُمَا صَدَاقًا، وَالآْخَرُ بَدَل خُلْعٍ، أَوْ بَدَل قَرْضٍ، أَوْ أُجْرَةٍ. (117)
كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال بِهِ ثَابِتًا عَلَى الْمُحِيل ثُبُوتًا أَصْلِيًّا. فَالدَّيْنُ الَّذِي يَكُونُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ الأَْصِيل، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ حَوَالَةٍ أَوْ كَفَالَةٍ، تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ، بِأَنْ يُحِيل الْمُحَال عَلَيْهِ أَوِ الْكَفِيل عَلَى مَدِينٍ لَهُ هُوَ. بَل يَجُوزُ أَيْضًا لِلْمُحَال أَنْ يُحِيل دَائِنَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلِلْمَكْفُول لَهُ أَنْ يُحِيل دَائِنَهُ عَلَى الْكَفِيل. (118)
وَهَذَا فِي الأَْصْل مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، مَعَ زِيَادَةِ تَعَدُّدِ الْمُحَالِينَ مَعَ بَقَاءِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَاحِدًا. وَنَصُّ عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ هَكَذَا: (إِذَا أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال عَمْرٌو زَيْدًا عَلَى بَكْرٍ، ثُمَّ أَحَال بَكْرٌ عَلَى آخَرَ، جَازَ. وَقَدْ تَعَدَّدَ الْمُحَال عَلَيْهِمْ وَزَيْدٌ الْمُحَال وَاحِدٌ. وَلَوْ أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال زَيْدٌ بَكْرًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال بَكْرٌ آخَرَ عَلَى عَمْرٍو جَازَ، وَالتَّعَدُّدُ هَاهُنَا فِي الْمُحْتَالِينَ، وَعَمْرٌو الْمُحَال عَلَيْهِ وَاحِدٌ. وَلَوْ أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ ثَبَتَ لِعَمْرٍو عَلَيْكَ مِثْل ذَلِكَ الدَّيْنِ فَأَحَال زَيْدًا عَلَيْكَ جَازَ) . (119)
الْجَزَاءُ عَلَى تَخَلُّفِ إِحْدَى شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ (بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ) :
93 - إِذَا عَدِمَتْ شَرَائِطُ انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا فَالنَّتِيجَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِقْهًا هِيَ بُطْلاَنُهَا، أَيْ عَدَمُ انْعِقَادِهَا، جَزَاءً لِمُخَالَفَةِ تِلْكَ الشَّرَائِطِ. وَهَذَا مَبْدَأٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الشَّرِيعَةِ وَلاَ مَجَال لِلْخِلاَفِ فِيهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَبْقَ أَيَّةُ ثَمَرَةٍ لِشَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ (وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي الأَْحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلتَّعَاقُدِ مِمَّا يُسَمَّى الْيَوْمَ: نَظَرِيَّةَ الْعَقْدِ) .
وَلَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ بَعْضِ الشَّرَائِطِ لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ، فَمَنْ يَشْتَرِطُ لاِنْعِقَادِ شَرِيطَةٍ مَا، يَحْكُمُ بِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ عِنْدَ فَقْدِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، وَيُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُهَا.
وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي النَّتِيجَةِ تَخَلُّفُ جَمِيعِ الْمُقَوِّمَاتِ وَشَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ وَتَخَلُّفُ بَعْضِهَا فَقَطْ، فَإِنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْعَنَاصِرِ الأَْسَاسِيَّةِ، كَتَخَلُّفِ الْكُل مِنْ حَيْثُ النَّتِيجَةُ وَهِيَ الْبُطْلاَنُ.
وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ حَيْثُمَا يَتَقَرَّرُ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ فَإِنَّ هَذَا الْبُطْلاَنَ يَسْتَتْبِعُ آثَارًا، إِذْ يَجِبُ فِيهِ عِنْدَئِذٍ نَقْضُ مَا قَدْ تَمَّ تَنْفِيذُهُ مِنَ الْعَقْدِ قَبْل تَقْرِيرِ بُطْلاَنِهِ، ثُمَّ رَدُّ مَا يَسْتَلْزِمُ هَذَا النَّقْضُ رَدَّهُ مِمَّا قُبِضَ دُونَ حَقٍّ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الأَْحْكَامِ الْعَامَّةِ فِي التَّعَاقُدِ.
وَسَيَأْتِي فِي آثَارِ الْحَوَالَةِ وَالأَْحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا أَنَّ الْحَوَالَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي نَفَذَتْ بِدَفْعِ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال دَيْنَ الْحَوَالَةِ يَتَرَتَّبُ فِيهَا لِلْمُحَال عَلَيْهِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل.
غَيْرَ أَنَّهُمْ فِي الْحَوَالَةِ الْبَاطِلَةِ أَوِ الْفَاسِدَةِ قَدْ أَعْطَوُا الْمُحَال عَلَيْهِ الْخِيَارَ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيلأَوْ عَلَى الْمُحَال الْقَابِضِ، لأَِنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ نَظَرًا لِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ.
شَرَائِطُ النَّفَاذِ:
أَوَّلاً: بُلُوغُ الْمُحِيل وَالْمُحَال، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِحَسَبِ الأَْحْوَال:
94 - أ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بَالِغًا، لأَِنَّ فِي الْحَوَالَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَمُعَاوَضَاتُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لاَ تَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ وَلِيِّهِ. فَحَوَالَتُهُ مُنْعَقِدَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الإِْجَازَةِ. (120)
وَالْبُلُوغُ شَرْطُ صِحَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
فَإِذَا كَانَ الْمُحِيل مُمَيِّزًا غَيْرَ بَالِغٍ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَصَرُّفَاتِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ إِذَا بَاشَرَهَا بِنَفْسِهِ: أَتَكُونُ بَاطِلَةً، أَمْ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ، إِنْ رَآهَا وَفْقَ مَصْلَحَتِهِ؟ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَهْلِيَّةٌ) وَ (صِغَرٌ) .
ب - وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَال بَالِغًا، لِمَا قُلْنَاهُ فِي الْمُحِيل، وَلِذَا يَنْعَقِدُ احْتِيَال الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ وَلِيِّهِ، وَهَذِهِ الإِْجَازَةُ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَمْلأََ مِنَ الْمُحِيل.
وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يُوَافِقُ عَلَيْهَا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَيُخَالِفُ فِيهَا الْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال، إِلاَّ عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ لِلْحَنَابِلَةِ. (121)
ج - أَمَّا شَرِيطَةُ بُلُوغِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَسَبَقَ بَحْثُهَا كَشَرِيطَةِ انْعِقَادٍ أَثْنَاءَ بَحْثِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَشَرَائِطِهِ (ر: ف 62) .
ثَانِيًا: وِلاَيَةُ الْمُحَال عَلَى الْمَال الْمُحَال بِهِ:
95 - يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ تَكُونَ لِلْمُحَال عَلَى الْمَال الْمُحَال بِهِ وِلاَيَةٌ. فَالْفُضُولِيُّ لاَ يَكُونُ مُحَالاً إِلاَّ بِإِجَازَةِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ، أَمَّا الْوَكِيل فَإِنْ كَانَ وَكِيلاً بِالْقَبْضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَال أَصْلاً، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وَكَالَتِهِ الاِسْتِيفَاءُ لاَ الإِْبْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً فِي الْعَقْدِ فَفِي قَبُولِهِ حَوَالَةُ الثَّمَنِ خِلاَفٌ مَشْهُورٌ: جَوَّزَهَا مِنْهُ الطَّرَفَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، عَلَى الأَْمْلأَِ وَالأَْفْلَسِ مُطْلَقًا - وَيَضْمَنُ لِلْمُوَكِّل لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَتُعْتَبَرُ بِالْمُطْلَقِ - وَمَنَعَهَا أَبُو يُوسُفَ. وَقَدْ أَجْرَى الْخِلاَفَ فِي الْبَدَائِعِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ مُجَوِّزًا، وَالصَّاحِبَيْنِ مَانِعَيْنِ.
وَاسْتَدَل لَهُمَا: بِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ هِيَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْمُوَكِّل مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، فَلاَ يَنْفُذُ عَلَيْهِ كَتَصَرُّفِ الأَْجْنَبِيِّ.
وَاسْتَدَل لأَِبِي حَنِيفَةَ: بِأَنَّ الْوَكِيل بِقَبُولِهِ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَصَرَّفَ بِالإِْبْرَاءِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَهُوَ قَبْضُ الثَّمَنِ) بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ لأَِنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ حُقُوقِ الْعَبْدِ الَّتِي تَعُودُ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ، فَإِبْرَاؤُهُ الْمُشْتَرِيَ عَنِ الثَّمَنِ أَوْ قَبُولُهُ الْحَوَالَةَ بِهِ إِسْقَاطٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ كَالإِْبْرَاءِ تَمْنَعُ مُطَالَبَةَ الْمُحِيل، وَيَسْقُطُ بِذَلِكَ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا لِسُقُوطِ حَقِّ الْقَبْضِ، وَلَكِنْ لاَ يَسْقُطُ حَقُّ الْمُوَكِّل فِي الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ عِوَضُ مِلْكِهِ. وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ مَعَ سُقُوطِ حَقِّ الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ لَبَقِيَ دَيْنًا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْقَبْضِ، وَهَذَا لاَ نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ. فَلِذَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا لِسُقُوطِ حَقِّ الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ، وَلَكِنْ يَضْمَنُهُ الْوَكِيل لِلْبَائِعِ الْمُوَكِّل، لأَِنَّ الْوَكِيل بِتَصَرُّفِهِ هَذَا قَدْ تَجَاوَزَ إِلَى حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ نَفْسُهُ حَيْثُ أَتْلَفَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالإِْبْرَاءِ أَوْ قَبُول الْحَوَالَةِ بِهِ.
وَقَدْ لَخَصَّهُ فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ بِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لِلْعَاقِدِ، وَالْحَوَالَةُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ. وَاحْتِيَال الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ، بِثَمَنِ الْمَبِيعِ بِالصُّورَةِ الْمَشْرُوحَةِ لَمْ نَجِدْ حُكْمَهُ مَنْصُوصًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا النَّائِبُ الشَّرْعِيُّ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلِيًّا كَانَ كَالأَْبِ أَوْ وَصِيًّا، فَلاَ يَمْلِكُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَقَّالاِحْتِيَال بِمَال هَذَا الصَّغِيرِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ بِإِطْلاَقِهِ، عَلَى خِلاَفِ عَامَّةِ الْكُتُبِ. وَنَصُّ عِبَارَتِهِ: لَوِ احْتَال بِمَال ابْنِهِ الصَّغِيرِ، أَوِ الْيَتِيمِ الَّذِي تَحْتَ وِصَايَتِهِ، لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءُ الأَْصِيل، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهُ فِي مَال الْقَاصِرِينَ. (122)
96 - وَأَمَّا احْتِيَال وَلِيِّ الْقَاصِرِ، كَأَبِيهِ أَوْ وَصِيِّهِ بِدَيْنِهِ، فَلَمْ نَرَ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى إِطْلاَقَ عَدَمِ جَوَازِهِ، كَمَا فَعَل السَّرَخْسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
بَل فِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ - كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إِطْلاَقِ حَدِيثِ الْحَوَالَةِ - التَّصْرِيحُ بِصِحَّتِهَا بِشَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ تَقْتَضِيَهَا مَصْلَحَةُ الْقَاصِرِ نَفْسِهِ - أَخْذًا مِنْ نَصِّ التَّنْزِيل الْحَكِيمِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} (123) - دُونَ تَقَيُّدٍ بِأَيِّ قَيْدٍ آخَرَ. وَلِذَا أَبْطَلُوا احْتِيَالَهُ عَلَى مُفْلِسٍ سَوَاءٌ أَعُلِمَ إِفْلاَسُهُ أَمْ جُهِل، وَكَذَا احْتِيَالُهُ بِدَيْنٍ مُوَثَّقٍ عَلَيْهِ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ، لِمَا فِي انْفِكَاكِ الْوَثِيقَةِ مِنَ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ بِالْقَاصِرِ.
وَقَدْ سُئِل السُّيُوطِيُّ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَمَاتَ الدَّائِنُ وَلَهُ وَرَثَةٌ فَأَخَذَ الأَْوْصِيَاءُ مِنَ الْمَدِينِ بَعْضَ الدَّيْنِ، وَأَحَالَهُمْ عَلَى آخَرَ بِالْبَاقِي فَقَبِلُوا الْحَوَالَةَ وَضَمِنَهَا لَهُمْ آخَرُ، فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَهَل لَهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل أَمْ لاَ فَأَجَابَ: يُطَالِبُونَ الضَّامِنَ وَتَرِكَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ إِفْلاَسُهُمَا فَقَدْ بَانَ فَسَادُ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ لِلأَْيْتَامِ، فَيَرْجِعُونَ عَلَى الْمُحِيل. (124)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بِمَال الْيَتِيمِ فَقِيرًا أَوْ مُمَاطِلاً، أَوْ مَخُوفَ الاِمْتِنَاعِ بِسَطْوَةٍ أَوْ هَرَبٍ، أَوْ سَيِّئَ الْقَضَاءِ عَلَى أَيَّةِ صُورَةٍ، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهَا أَصْلَحُ لِلْقَاصِرِ.
97 - وَكَوْنُ احْتِيَال الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى دَيْنِ الْحَوَالَةِ، هُوَ اتِّجَاهٌ فِقْهِيٌّ يُوجَدُ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرِينَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ. وَلَكِنِ الَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ حَوَالَةَ الْفُضُولِيِّ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا، فَلاَ تَعُودُ بِالإِْجَازَةِ صَحِيحَةً. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ، أُخِذَتْ مِنْ حَدِيثٍ ثَابِتٍ فِي بِيَاعَاتِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ (الَّذِي اعْتَبَرَهُ حَسَنًا) وَنَصُّهُ: لاَ بَيْعَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ. وَطَرَدُوا هَذَا فِيمَا عَدَا الْبَيْعَ فَأَصْبَحَ (125) قَاعِدَةً. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ ﷺ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. . (126)
ثَالِثًا: قَبُول الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ:
98 - (127) قَبُول الْمُحَال - إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ الْمُنْشِئَيْنِ لِلْعَقْدِ - لَيْسَ شَرِيطَةَ انْعِقَادٍ إِلاَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَكْتَفِي بِرِضَا الْمُحَال، وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ إِذْنَ شَرِيطَةِ نَفَاذٍ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخَذَتْ بِهِ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ فِي الْمَادَّةِ 683
(128) وَرِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ - وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ - شَرِيطَةَ نَفَاذٍ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ الثَّلاَثَةِ.
هَذَا، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ بِالتَّفْصِيل عَلَى فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْخِلاَفِ الاِجْتِهَادِيِّ فِيهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.
أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ:
99 - إِذَا تَمَّتِ الْحَوَالَةُ بِأَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا آثَارُهَا الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتْ، وَاعْتَرَتْهَا عَلَى الْجُمْلَةِ أَحْكَامٌ عِدَّةٌ وَهِيَ:
أ - لُزُومُ الْحَوَالَةِ:
100 - الْحَوَالَةُ عَقْدٌ لاَزِمٌ دُونَ خِلاَفٍ، وَلَكِنْ قَبُولُهَا لِلْخِيَارَاتِ مَحَل اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُقِرُّونَ أَنَّهَا لاَ تَقْبَل الْخِيَارَاتِ إِلاَّ أَنَّ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبَيْنِ مَنْ أَجَازَ فِيهَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ - وَفِي ذَلِكَ يَقُول صَاحِبُ " الْمُهَذَّبِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: (لاَ يَجُوزُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِيهِ - أَيْ عَقْدِ الْحَوَالَةِ) - لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْمُغَابَنَةِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ. وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَثْبُتُ، لأَِنَّهُ بَيْعٌ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالصُّلْحِ.
الثَّانِي: (وَهُوَ الأَْصَحُّ) لاَ يَثْبُتُ، لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الإِْبْرَاءِ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَهُوَ جَازِمٌ - كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِ - بِعَدَمِ قَبُول الْحَوَالَةِ خِيَارَ الشَّرْطِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (129)
وَالْمَالِكِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ، فَإِذَا اخْتَلَّتِ الشَّرِيطَةُ لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ لاَزِمَةً، وَعَنْهُمْ فِي بَعْضِ تَفْسِيرَاتِ الْمَذْهَبِ، أَنَّ يَسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْعَقْدِ. 101 - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ فَسْخُهَا أَوْ إِبْطَالُهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُشْرَطْ لَهُ الْخِيَارُ. (130) وَمُدَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَيَّةُ مُدَّةٍ تُعْلَمُ نِهَايَتُهَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ.
وَقَدْ صَرَّحُوا بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِمَنْ يَجِبُ رِضَاهُ فِي الْحَوَالَةِ، وَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَحَسْبُ، كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِ بَعْضِهِمْ. (131)
ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُحَال أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَبَدَا لِهَذَا أَوْ ذَاكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَنْ يَعْدِل عَنِ الْعَقْدِ فَذَلِكَ لَهُ، لأَِنَّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا قَدْ يَجْهَل صَاحِبُهُ بَعْضَ جَهَالَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ تَقَصِّي أَحْوَالِهِ يَبْدُو لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ فِي مَصْلَحَتِهِ فَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ قَبْل فَوَاتِ الأَْوَانِ.
وَقَدْ لاَ يَجْهَل، وَلَكِنْ تَتَغَيَّرُ حَتَّى فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ الْقَصِيرَةِ، ظُرُوفُ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى أَسْوَأَ، أَوِ الْمُحِيل إِلَى أَفْضَل، أَوْ يَقَعُ التَّغَيُّرَانِ كِلاَهُمَا، فَيُؤْثِرُ الْمُحَال أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ.
أَمَّا الْمُحِيل فَشَرْطُ الْخِيَارِ لَهُ أَصَالَةً بَيِّنٌ جِدًّا، عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، فَقَدْ يَأْنَفُ بَعْدَ شَيْءٍ مِنَ الرَّوِيَّةِ - أَنْ يَتَحَمَّل عَنْهُ فُلاَنٌ دَيْنَهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَا صِلَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمُحَال عَلَيْهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا، وَأَنَّ مَكَانَ الْمُحَال سَيَثْقُل عَلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ بِهِ رَأْفَةٌ، وَيُعِيدُ الدَّيْنَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَّةً أُخْرَى، ثِقَةً بِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى مُعَالَجَةِ صَاحِبِهِ. (132)
وَانْفِسَاخُ الْحَوَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِمْرٍ عَارِضٍ كَالتَّوَى وَمَوْتِ الْمُحِيل فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ مُطْلَقًا - عَلَى الْخِلاَفِ عِنْدَهُمْ - لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ (ر: ف 138، 141) .
102 - وَقَدْ أَفَادَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ نَقْلاً عَنِ الْخُلاَصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: لاَزِمَةٍ وَجَائِزَةٍ وَفَاسِدَةٍ.
فَاللاَّزِمَةُ: أَنْ يُحِيل الْمَدِينُ دَائِنَهُ عَلَى آخَرَ وَيَقْبَل الْحَوَالَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُقَيَّدَةً أَمْ مُطْلَقَةً.
وَالْجَائِزَةُ: أَنْ يُقَيِّدَهَا بِأَنْ يُعْطِيَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ (133) مِنْ ثَمَنِ دَارِ نَفْسِهِ، فَلاَ يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ عِنْدَ الْحَصَادِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ الْمَال قَبْل الأَْجَل. (134) وَالْفَاسِدَةُ: أَنْ يُقَيِّدَ فِيهَا الْمُحَال عَلَيْهِ بِالأَْدَاءِ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيل، لأَِنَّهَا حَوَالَةٌ بِمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، وَهُوَ بَيْعُ دَارِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِهَذَا الشَّرْطِ لاَ تَكُونُ تَوْكِيلاً بِبَيْعِ دَارِ الْمُحِيل. (135) (أَيْ لِكَيْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ) .
ب - الشُّرُوطُ اللاَّحِقَةُ:
103 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّرُوطِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ - أَيًّا كَانَ هَذَا الْعَقْدُ - هَل تَلْحَقُهُ أَمْ لاَ؟
فَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلَحَاقِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ تُشْرَطْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وُقُوعِهَا قَبْل لُزُومِ الْعَقْدِ. (136)
وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ بِاللَّحَاقِ، وَيُعْزَى إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ بِعَدَمِهِ وَيُعْزَى إِلَى الصَّاحِبَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْل بِاللِّحَاقِ:
1 - لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الشَّرْطُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَنْ يَقَعَ خَارِجَهُ، خِلاَفًا لِمَنْ شَرَطَ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ. (137)
2 - إِذَا كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا يُفْسِدُ الْعَقْدَ لَحَاقُهُ إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَعْدِ (وَلِنُسَمِّهِ شَرْطًا وَعْدِيًّا) لاَ يُفْسِدُهُ، بَل لاَ بَأْسَ حِينَئِذٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي صُلْبِ
الْعَقْدِ.
ثُمَّ هَل يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ مُلْزِمًا أَوْ غَيْرَ مُلْزِمٍ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ فِي الْمَذْهَبِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ فِي ذَاتِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَالْقَائِل بِعَدَمِ اللُّزُومِ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْوَعْدَ لاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَضَاءً.
وَالْقَائِل بِاللُّزُومِ مَلْحَظُهُ أَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَلْزَمُ، فَتُجْعَل هُنَا لاَزِمَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى لُزُومِهَا. (138)
هَذَا تَقْرِيرُ الْقَاعِدَةِ فِي ذَاتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صَعِيدِ الْعَقْدِ بِوَجْهٍ عَامٍّ أَيًّا كَانَ نَوْعُهُ.
فَإِذَا أُرِيدَ تَطْبِيقُهَا هُنَا عَلَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ - بِوَجْهٍ خَاصٍّ يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّرُوطِ، وَنَوْعَيْنِ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي تُصَاغُ بِهَا.
النَّوْعُ الأَْوَّل مِنَ الشُّرُوطِ الْمُلْحَقَةِ: شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ:
104 - (138) كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُ الأَْطْرَافِ شَرْطًا مُلْحَقًا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ عَقْدًا غَيْرَ لاَزِمٍ: بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أَطْرَافِهَا، أَوْ لِطَرَفٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ، دُونَ تَقَيُّدٍ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. (140)
(141) أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُحِيل أَنَّ الْحَوَالَةَ مَاضِيَةً قَطْعِيَّةً قَطَعَتْ كُل عَلاَقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ تَتَأَثَّرُ بِمَوْتِ مُحِيلٍ، وَلاَ بِمَوْتِ مُحَالٍ عَلَيْهِ أَوْ إِفْلاَسِهِ، وَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ لِلْمُحَال سَوَاءٌ وُفِّيَتِ الْحَوَالَةُ أَمْ لاَ.
(142) أَوْ يُشْتَرَطُ مَا يُشْبِهُ الْمُقَامَرَةَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَنْ لاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَوْ تَلِفَ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ أَوِ اسْتُحِقَّ. وَوَاضِحٌ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الشُّرُوطِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ فَهِيَ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ فِي نَفْسِهَا. ثُمَّ إِنْ قُلْنَا بِلَحَاقِهَا بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ إِذَا شُرِطَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهَا تُفْسِدُهُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ نَقُل يَلْحَقَاهَا اقْتَصَرَ فَسَادُهَا عَلَيْهَا بِذَوَاتِهَا، وَلَمْ يَتَعَدَّ إِلَى الْعَقْدِ نَفْسِهِ. عَلَى أَنَّهُ حِينَ يُصَاغُ الشَّرْطُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَأَمْثَالِهَا بِصِيغَةِ الْوَعْدِ (كَأَنْ يَقُول الْمُحَال بَعْدَ الْعَقْدِ: إِنِّي مُلْتَزِمٌ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ أَبَدًا وَلَنْ أَرْجِعَ عَلَيْكَ بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، أَوْ يَقُول الْمُحِيل: إِنَّنَا مُلْتَزِمَانِ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ، وَلَكِنَّنِي سَأُذْعِنُ لإِِرَادَتِكَ إِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَفْسَخَهَا أَنْتَ فَالَّذِي يَبْدُو أَنَّ هَذَا لاَ يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. أَمَّا جَعْلُهُ أَمْرًا جَائِزًا بِطَرِيقِ الْعِدَةِ، فَهَذَا وَمَا إِلَيْهِ مِمَّا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلاَفُ فِي لُزُومِ الْوَعْدِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الشُّرُوطِ الْمُلْحَقَةِ: شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ:
105 - (1) وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ الْمُحَال أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ رَهْنًا أَوْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا.
(2) أَوِ اشْتِرَاطُ الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَى الأَْصِيل مُؤَجَّلاً عَلَيْهِ هُوَ.
(3) أَوْ أَنْ يُشْتَرَطَ لأَِحَدِ الأَْطْرَافِ الْخِيَارُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ مُدَّةً مَا مَعْلُومَةً عَلَى مَا سَلَفَ (ر: ف 101)
فَإِنَّ هَذِهِ مَصَالِحُ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَظْرٌ شَرْعِيٌّ - إِذَا كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ فِي الْمِثَالَيْنِ الأَْخِيرَيْنِ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيل الصَّرْفِ - فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الشُّرُوطِ لَوْ أَنَّ الْعَاقِدَ شَرَطَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ لَصَحَّتْ وَتَمَّ الْعَقْدُ عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِهِ الصَّحِيحَةِ تِلْكَ، إِذْ هِيَ بَيْنَ شَرْطٍ مُلاَئِمٍ لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ، أَوْ مَأْذُونٍ فِيهِ بِتَرْخِيصِ الشَّارِعِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ نَفْسِهِ - فَلَوْ نَسِيَ اشْتِرَاطَ شَيْءٍ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ فَاتَّفَقَا عَلَى إِلْحَاقِهِ جَازَ إِلْحَاقًا، كَمَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ اشْتِرَاطُ يَسَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنْمُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، بِدَلِيل الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوِيَ الدَّيْنُ. حَتَّى إِنَّهُ لَوْ فَاتَهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَأْسٍ فِي أَنْ يَتَدَارَكَ، وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وَهْم قَدْ صَرَّحُوا بِمِثْل ذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ الْمُتَعَلِّقِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَنَصُّ عِبَارَتِهِمْ: (لَوْ قَال أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْبَيْعِ، وَلَوْ بِأَيَّامٍ: جَعَلْتُكَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ صَحَّ إِجْمَاعًا) ، (143) وَمَجَال التَّيْسِيرِ فِي الْحَوَالَةِ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ.
وَلاَ خَفَاءَ فِي هَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْل اللَّحَاقِ بِالْعَقْدِ فِي الشُّرُوطِ الْمُتَرَاخِيَةِ عَنْهُ، أَمَّا عَلَى الْقَوْل الْمُقَابِل، فَلاَ يَسْتَقِيمُ.
105 م - أَمَّا الشَّرْطُ الْفَاسِدُ أَوِ الصَّحِيحُ فِي نَفْسِهِ، مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَفِيهَا التَّفْصِيل التَّالِي:
(144) إِنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، إِذَا تَوِيَ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَيْسَ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ فَاسِدًا، بَل هُوَ اشْتِرَاطُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَأَحَدُ لَوَازِمِهِ غَيْرِ الْمُنْفَكَّةِ عِنْدَ كَثِيرِينَ، بِحَيْثُ لَوْ شُرِطَ خِلاَفُهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَخَرَجَ الْعَقْدُ عَنْ أَنْ يَكُونَ حَوَالَةً حَقِيقِيَّةً أَوْ لَبَطُل، وَالْبُطْلاَنُ حِينَئِذٍ هُوَ مُخْتَارُ الشَّافِعِيَّةِ. (ر: ف 31 و 156) وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ صِحَّةَ الشَّرْطِ، وَلَعَلَّهُ أَحَدُ الأَْوْجُهِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْخَطِيبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (145)
(146) إِذَا شُرِطَ فِي الْحَوَالَةِ تَقْدِيمُ رَهْنٍ بِالدَّيْنِ أَوْ كَفِيلٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ (ر: ف 54 - 55)
(147) اشْتِرَاطُ يَسَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يُنَازِعُ أَحَدٌ أَنَّ هَذَا مِنْ مَصَالِحِ الْعَقْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُنَاكَ مَنْ يَرَى مَانِعًا مِنْ لُزُومِهِ لَوْ شُرِطَ، كَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ إِعْسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ نَقْصٌ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ (عَلَى أَسَاسِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الدَّيْنِ) فَلَوْ لَزِمَ شَرْطُ انْتِفَاءِ الإِْعْسَارِ بِحَيْثُ إِذَا اخْتَل كَانَ الْخِيَارُ الْمُحَال - فِي فَسْخِ الْحَوَالَةِ وَالإِْبْقَاءِ عَلَيْهَا - لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الإِْعْسَارِ عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، عَلَى قَاعِدَةِ خِيَارِ الْعَيْبِ، وَلَيْسَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ.
وَهُنَاكَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ شَرْطٌ لاَزِمٌ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ، وَعَلَى هَذَا الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَمُوَافِقُوهُ، أَمَّا الإِْعْسَارُ فَعَيْبٌ، وَاشْتِرَاطُ انْتِفَائِهِ غَيْرُ مُجْدٍ عَلَى مَا تَبَيَّنَ.
وَلِذَا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: (قَدْ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ مَا لاَ يَثْبُتُ بِإِطْلاَقِ الْعَقْدِ بِدَلِيل اشْتِرَاطٍ فِي الْمَبِيعِ) . وَمِنْ ثَمَّ لَجَأَ السُّيُوطِيُّ، أَوْ مَنْ نَقَل عَنْهُمْ فِي الأَْشْبَاهِ، إِلَى بِنَاءِ الْقَوْل بِعَدَمِ لُزُومِ شَرْطِ الْيَسَارِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَالْقَوْل بِلُزُومِهِ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ. (148)
(149) وَأَمَّا شَرْطُ الْمُحَال عَلَيْهِ تَأْجِيل الدَّيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا كَانَ حَالًّا عَلَى الْمُحِيل، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَمْنَعُونَ تَأْجِيل الْحَال، وَيَقُولُونَ: (الْحَال لاَ يَتَأَجَّل) أَيْ لاَ يُعْتَبَرُ تَأْجِيلُهُ مُلْزِمًا.
وَلَكِنِ الْمَالِكِيَّةُ يَتَوَسَّعُونَ فِي قَابِلِيَّةِ الدَّيْنِ لِلتَّأْجِيل مَا لاَ يَتَوَسَّعُ غَيْرُهُمْ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيُجِيزُونَ تَأْجِيل دَيْنِ الْقَرْضِ، وَيُنَفِّذُونَ شَرْطَهُ. (150)
(ر: ف 24) .
أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ:
106 - لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ أَثَرَانِ رَئِيسِيَّانِ هُمَا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُحِيل مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي أَحَال بِهِ، وَاشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانٌ لِهَذَيْنِ الأَْثَرَيْنِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى:
1 - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال.
2 - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ.
3 - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال عَلَيْهِ.
1 - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال:
وَيَظْهَرُ ذَلِكَ الأَْثَرُ فِيمَا يَلِي: بَرَاءَةُ الْمُحِيل مِنْ دَيْنِ الْمُحَال ثُمَّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ:
107 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى صَحَّتِ الْحَوَالَةُ فَقَدْ فَرَغَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ لِدَائِنِهِ الَّذِي قَبِل الاِحْتِيَال بِهِ، وَبِالتَّالِي لاَ يَكُونُ لِهَذَا الدَّائِنِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ.
لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ قَيَّدُوا بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الْمُحِيل وَسُقُوطَ حَقِّ الْمُطَالِبِ بِعَدَمِ التَّوْيِ - عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي تَفْسِيرِ الْتَوَى - إِلاَّ فِي حَالاَتٍ اسْتَثْنَوْهَا وَنَصُّوا عَلَيْهَا. (151)
كَوْنُ الْحَوَالَةِ تَنْقُل الدَّيْنَ وَالْمُطَالَبَةَ:
108 - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْحَوَالَةِ تَنْقُل الدَّيْنَ وَالْمُطَالَبَةَ مَعًا النَّتَائِجُ التَّالِيَةُ:
(152) مَتَى بَرِئَ الْمُحِيل وَكَانَ لَهُ كَفِيلٌ، بَرِئَ كَفِيلُهُ تَبَعًا، إِذْ لاَ مَعْنَى لِمُطَالَبَتِهِ بِدَيْنٍ لاَ وُجُودَ لَهُ.
(153) لَوْ أَحَال الْكَفِيل الْمَكْفُول لَهُ عَلَى غَيْرِ الْمَدِينِ الْمَكْفُول (الأَْصْل) بَرِئَ الْكَفِيل الْمُحِيل وَالْمَدِينُ الأَْصِيل مَعًا، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بِإِطْلاَقِهَا تَنْصَرِفُ إِلَى الدَّيْنِ، وَهُوَ عَلَى الأَْصْل، فَيَبْرَأُ الأَْصِيل أَوَّلاً، ثُمَّ الْكَفِيل الْمُحِيل تَبَعًا، هَذَا مَا لَمْ يَنُصَّ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الْكَفِيل الْمُحِيل وَحْدَهُ فَحَسْبُ، وَإِلاَّ بَرِئَ هُوَ وَحْدَهُ، قِيَاسًا عَلَى صُلْحِ الْكَفِيل مَعَ الطَّالِبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ إِذَا تَوِيَ الْمَال عَادَ الدَّائِنُ الْمُحَال عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَفْقًا لِلْحُكْمِ الْعَامِّ فِي الْحَوَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَبَرَاءَةُ الْمَكْفُول وَالْكَفِيل مَعًا أَصَالَةً وَتَبَعًا إِذَا أَحَال أَحَدُهُمَا الدَّائِنَ لاَ يُنَازِعُ فِيهَا الشَّافِعِيَّةُ وَلاَ الْحَنَابِلَةُ. (154)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ عَلَى بَرَاءَتِهِمَا بِإِحَالَةِ الأَْصِيل، لأَِنَّ الْكَفِيل تَبَعٌ لَهُ، لَكِنَّهُمْ يُنَازِعُونَ فِي الْعَكْسِ: إِذْ لاَ يَبْرَأُ الأَْصِيل عِنْدَهُمْ بِحَالَةِ الْكَفِيل، وَإِنَّمَا يَبْرَأُ الْكَفِيل وَحْدَهُ لأَِنَّ الأَْصْل لاَ يَتْبَعُ الْفَرْعَ. (155)
وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ:
ج - (إِنَّ الْكَفَالَةَ مَتَى انْعَقَدَتْ بِأَمْرِ الْمَكْفُول عَنْهُ فَإِنَّهَا تُوجِبُ دَيْنَيْنِ: دَيْنًا لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيل، وَدَيْنًا لِلْكَفِيل عَلَى الْمَكْفُول عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا الأَْخِيرَ مُؤَجَّلٌ إِلَى وَقْتِ الأَْدَاءِ) وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَتَسَنَّى لِلْكَفِيل أَنْ يُحِيل الْمَكْفُول لَهُ عَلَى الأَْصِيل حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنِهِ هَذَا عَلَيْهِ، فَإِذَا قَبِل الأَْصِيل وَالْمَكْفُول لَهُ بَرِئَ الْكَفِيل، لَكِنْ بَرَاءَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِعَدَمِ التَّوَى - عَلَى قَاعِدَةِ بَرَاءَةِ الْمُحِيل - وَهِيَ مِنْ وَقَائِعِ الْفَتْوَى، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَحَال الْمُحَال عَلَيْهِ الطَّالِبَ عَلَى الْمُحِيل، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ بَرَاءَةً مُؤَبَّدَةً لاَ رُجُوعَ بَعْدَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَوِيَ الْمَال الَّذِي عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُحِيل الأَْوَّل فَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. (156) (ر: ف 171)
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَفِيل الضَّامِنَ، وَلَوْ بِالأَْمْرِ، لاَ يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، فَلاَ مَجَال لِلْقَوْل بِأَنَّهُ تَصِحُّ حَوَالَةُ الْكَفِيل أَوْ غَيْرُ حَوَالَتِهِ، وَلِذَا يَقُول الْخَطِيبُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: (لَوْ أَبْرَأَ الضَّامِنُ الأَْصِيل، أَوْ صَالَحَهُ، عَمَّا سَيَغْرَمُ فِي مَالِهِ، أَوْ رَهَنَهُ الأَْصِيل شَيْئًا بِمَا ضَمِنَهُ، أَوْ قَامَ بِهِ كَفِيلاً لَمْ يَصِحَّ، لاَ يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ) . (157)
د - إِنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ، أَوِ الإِْبْرَاءَ مِنْهُ، أَوْ أَخْذَ رَهْنٍ بِهِ، كَانَ قَبْل الْحَوَالَةِ حَقًّا لِلدَّائِنِ تُجَاهَ الْمَدِينِ دُونَ غَيْرِهِ، أَمَّا بَعْدَ الْحَوَالَةِ فَبِالْعَكْسِ، إِذْ يُصْبِحُ حَقًّا لِلدَّائِنِ تُجَاهَ الْمُحَال عَلَيْهِ دُونَ الْمُحِيل. (158)
هـ - لَوْ مَاتَ الْمُحِيل حَوَالَةً مُطْلَقَةً، لاَ يَأْخُذُ الْمُحَال الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بَاقِيَةٌ وَمُقْتَضَاهَا بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ كَفِيلاً مِنْ وَرَثَتِهِ أَوِ الْغُرَمَاءِ، لِئَلاَّ يَتْوَى حَقُّهُ.
الْمُحِيل ضَامِنٌ لِدَيْنِ الْحَوَالَةِ:
109 - هَذَا الْحُكْمُ انْفَرَدَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، كَمَا كَانَ أَوَّلاً. وَلَوْلاَ هَذَا الضَّمَانُ لَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ضَمَانٌ بِاعْتِبَارِ الْمَال لاَ بِاعْتِبَارِ الْحَال، وَلَوْ شَرَطَ ضَمَانَهُ فِي الْحَال لَصَارَتْ كَفَالَةً. (159)
2 - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ:
110 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَشْغَل ذِمَّةَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِحَقٍّ أَنْشَأَتْهُ الْحَوَالَةُ لِلْمُحَال، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ هَذَا الاِشْتِغَال: هَل هُوَ انْتِفَاءُ الدَّيْنِ، أَوِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، أَوْ مُجَرَّدُ اشْتِغَال ذِمَّةٍ جَدِيدَةٍ دُونَ انْتِقَالٍ (كَمَا فِي الْكَفَالَةِ) .
فَالْمُهِمُّ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَمَا أَحْدَثَتْ بَرَاءَةً فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي نَوْعِ هَذِهِ الْبَرَاءَةِ وَدَرَجَتِهَا، قَدْ أَحْدَثَتْ شُغْلاً فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الشُّغْل مَا يَلِي:
أ - ثُبُوتُ وِلاَيَةٍ لِلْمُحَال فِي مُطَالَبَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ:
111 - وَهِيَ مُطَالَبَةٌ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ (عَلَى الْمُصَحَّحِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْقُل الدَّيْنَ أَيْضًا، لاَ الْمُطَالَبَةَ وَحْدَهَا) أَوْ هِيَ مُطَالَبَةٌ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ وَلاَ تَنْقُل الدَّيْنَ، سَوَاءٌ أَنَقَلَتِ الْمُطَالَبَةَ أَمْ لاَ. وَعَلَى كُل حَالٍ فَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ لَيْسَتْ أَثَرًا مُبَاشِرًا لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بَل بِوَاسِطَةِ الأَْثَرِ السَّابِقِ: أَعْنِي اشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِحَقِّ الْمُحَال. (وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ حِينَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ مُطَالَبَةِ الْمُحِيل أَيْضًا، بِسَبَبِ اشْتِرَاطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ، تَكُونُ الْحَوَالَةُ قَدْ تَجَاوَزَتْ نِطَاقَهَا وَصَارَتْ كَفَالَةً) .
ثُمَّ قَدْ تَسْقُطُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ قَبْل الإِْيفَاءِ - إِمَّا بِاخْتِيَارِ الْمُحَال، وَإِمَّا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
فَمِنَ الْحَالَةِ الأُْولَى - أَنْ يُبَرِّئَ الْمُحَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ، أَوْ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ، وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الأَْخِيرَةُ إِقْرَارًا بِالْوَفَاءِ.
وَمِنَ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ - أَنْ يُقَدِّمَ الْمُحِيل وَفَاءَ دَيْنِهِ، إِذْ الْمُحَال يُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلَى قَبُول هَذَا الْوَفَاءِ.
وَأَمَّا إِجْبَارُ الْمُحَال عَلَى قَبُول إِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنَ الْمُحِيل، فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا عَدَا الْمَالِكِيَّةِ، يُوَافِقُ عَلَيْهِ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ أَوْ مَا يُشْبِهُ صَرِيحَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ بِسُؤَالٍ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ نَائِبٌ عَنْهُ فِي إِقْبَاضِ الطَّالِبِ، أَمَّا الْمُبَادَرَةُ التِّلْقَائِيَّةُ، فَإِنَّ الْمُحِيل يَكُونُ بِهَا مُتَبَرِّعًا، حَتَّى إِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَى أَحَدٍ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ -فَهِيَ مِنْهُ مِنَّةٌ، وَلاَ يُوجِبُ أَحَدٌ قَبُول الْمِنَنِ إِذَا اسْتَثْنَيْنَا الْمَالِكِيَّةَ عِنْدَ اللُّجُوءِ إِلَى الْقَضَاءِ: فَهُمْ عِنْدَئِذٍ فَقَطْ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى هَذَا الإِْجْبَارِ. (160)
ب - ثُبُوتُ حَقٍّ لِلْمُحَال فِي مُلاَزَمَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ:
112 - لاَ خِلاَفَ فِي هَذَا الْحَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعْرِضُ الْخِلاَفُ فِي بَعْضِ النَّتَائِجِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. فَمِنَ الْمُقَرَّرِ - مَثَلاً - أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالدَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ ضَامِنٍ، وَأُحِيل عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَإِنَّ لِلْمُحَال - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - أَنْ يُطَالِبَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إِنْ شَاءَ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ بِبَعْضٍ مِنْهُ. (161)
وَإِذَنْ يَتَوَجَّهُ السُّؤَال التَّالِي: إِذَا أَحَال الدَّائِنُ بِدَيْنِهِ عَلَى اثْنَيْنِ كَفَلاَهُ لَهُ مَعًا، كَمَا لَوْ قَال أَحَدُهُمَا: ضَمِنْتُ لَكَ أَنَا، وَهَذَا، مَا لَكَ عَلَى فُلاَنٍ، وَقَال الآْخَرُ: نَعَمْ.
فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُطَالِبُ كُلًّا مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ - وَلِنَفْرِضَ أَنَّهُ أَلْفٌ - قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ رَهَنَا بِهِ بَيْتَهُمَا الْمُشْتَرَكَ، فَإِنَّ حِصَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا تَكُونُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الأَْلْفِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُطَالِبُ كُلًّا مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ لاَ غَيْرُ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوِ اشْتَرَيَا بَيْتًا بِأَلْفٍ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً. (162)
ج - عَدَمُ جَوَازِ امْتِنَاعِ الْمُحَال عَلَيْهِ عَنِ الدَّفْعِ:
113 - يَلُومُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالأَْدَاءِ إِلَى الْمُحَال بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الاِمْتِنَاعُ سَوَاءٌ أَوَقَعَ الْتِزَامُ الدَّفْعِ فِي الْحَوَالَةِ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَمْ بِمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّل الْمُحَال عَلَيْهِ بِعِلَّةٍ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْمُحِيل، لِيَبْرَأَ هُوَ بِذَلِكَ عَنِ الدَّفْعِ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ:
(الْحَالَةُ الأُْولَى) : حَالَةُ ادِّعَائِهِ أَمْرًا مُسْتَنْكَرًا، أَوْ وُقُوفِهِ مَوْقِفَ الْمُتَنَاقِضِ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ لاَ وُجُودَ لَهُ أَصْلاً عَلَى التَّحْقِيقِ، لأَِنَّهُ ثَمَنُ خَمْرٍ بَاعَهَا مُسْلِمٌ، أَوْ لأَِنَّهُ صَدَاقُ امْرَأَةٍ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ لِكَذَا وَكَذَا، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ لاَ تُقْبَل، لأَِنَّهُ أَوَّلاً يَدَّعِي أَمْرًا نُكْرًا لَيْسَ بِالظَّاهِرِ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلأَِنَّهُ ثَانِيًا مُتَنَاقِضٌ مَعَ نَفْسِهِ: إِذْ قَبُولُهُ الْحَوَالَةَ يُكَذِّبُ دَعْوَاهُ. (وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : حَالَةُ عَدَمِ النَّكَارَةِ وَالتَّنَاقُضِ كِلَيْهِمَا.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَتُقْبَل بَيِّنَتُهُ، لأَِنَّهُ يَدَّعِي مُشَبَّهًا، وَيُبَرْهِنُ عَلَيْهِ، مِثَال ذَلِكَ، أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ صَدَاقُ امْرَأَةٍ كَانَتْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ زَوْجَهَا الْمُحِيل، أَوْ أَنَّ الزَّوْجَ قَدْ نَقَدَهَا إِيَّاهُ بَعْدُ، أَوْ بَاعَهَا بِهِ شَيْئًا وَأَقْبَضَهَا.
وَهَكَذَا إِذَا كَانَ الْمُحِيل نَفْسُهُ حَاضِرًا، وَادَّعَى مُبَرِّئًا، لِيَبْرَأَ هُوَ أَوَّلاً، ثُمَّ يَبْرَأَ الْمُحَال عَلَيْهِ تَبَعًا، أَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى النَّحْوَيْنِ الآْنِفَيْنِ: إِمَّا مَرْفُوضُ الدَّعْوَى، أَوْ مَقْبُول الْبَيِّنَةِ. (163)
د - الضَّمَانَاتُ وَالدُّفُوعُ:
114 - الْحَقُّ الَّذِي اشْتَغَلَتْ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحَال عَلَيْهِ هُوَ الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُقُوقٍ، لَكِنِ الْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا:
1 - هَل يَنْتَقِل الدَّيْنُ بِضَمَانَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، أَمْ لاَ؟
115 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى بَقَاءِ الضَّمَانَاتِ الَّتِي هِيَ لِمَصْلَحَةِ الْمَدِينِ - كَالأَْجَل، وَأَسْبَابِ سُقُوطِ الدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ أَصَالَةً أَوْ إِيفَاءً - وَإِلَى سُقُوطِ الضَّمَانَاتِ الَّتِي هِيَ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِ كَالرَّهْنِ، وَالْكَفَالَةِ، بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ الْمُوَثَّقِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا كَالْقَبْضِ، وَيُسْتَدَلُّونَ عَلَى أَنَّهَا كَالْقَبْضِ، بِسُقُوطِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمَبِيعِ إِذَا أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَسُقُوطِ حَبْسِ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا إِذَا أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ.
بَل نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ بَقَاءَ الرَّهْنِ بَطَلَتْ، إِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَوَثِيقَةٌ بِغَيْرِ دَيْنٍ. (164)
116 - وَفِي كَلاَمِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِضَمَانَاتِهِ، لأَِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ انْتِقَالِهِ صِيَغَ عُمُومٍ تَشْمَل تِلْكَ الضَّمَانَاتِ: فَهُمْ مَثَلاً حِينَ يُعَلِّلُونَ لِمَاذَا تَكُونُ الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى الْمُحَال حَالَّةً، كَذَلِكَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَبِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ مُؤَجَّلَةً؟ يَقُولُونَ: لأَِنَّ الْحَوَالَةَ لِتَحْوِيل الدَّيْنِ مِنَ الأَْصِيل، وَإِنَّمَا يَتَحَوَّل بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الأَْصِيل.
وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ غَيْرُ مَقْصُودٍ إِلاَّ فِيمَا يُشْبِهُ الأَْجَل مِنْ وُجُوهِ الدَّفْعِ وَالتَّبَرِّي الَّتِي كَانَتْ لِلْمَدِينِ. وَلِذَا حِينَ يُعَالِجُونَ مَسَائِل التَّأْمِينَاتِ وَالضَّمَانَاتِ، نَجِدُهُمْ قَاطِعِينَ بِنَفْيِ انْتِقَالِهَا، بَل بِانْقِضَائِهَا بِمُجَرَّدِ إِبْرَامِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ. (165) وَالاِتِّجَاهُ الْغَالِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الضَّمَانَاتِ.
(النَّوْعُ الأَْوَّل) - ضَمَانَاتٌ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِ:
117 - كَالْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ، وَحَقِّ الْبَائِعِ فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ، وَحَقِّ الْمَرْأَةِ فِي حَبْسِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مُعَجَّل مَهْرِهَا وَثِيقَةً بِهِ. وَهَذِهِ لاَ تَنْتَقِل مَعَ الدَّيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ تَسْتَمِرُّ ضَمَانًا بِهِ مَحَلُّهُ الْجَدِيدُ، بَل تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّ انْتِقَال الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ الْمُحِيل هُوَ بَرَاءَةٌ لِذِمَّتِهِ، فَلاَ مَسَاغَ لِلتَّوَثُّقِ عَلَيْهَا بَعْدَ بَرَاءَتِهَا، وَإِذَنْ فَالدَّيْنُ بِانْتِقَالِهِ يَتَجَرَّدُ مِنْ ضَمَانَاتِهِ تِلْكَ، وَيَكُونُ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِهَا.
وَلِلدَّائِنِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِوَثِيقَةٍ جَدِيدَةٍ يُنْشِئَانِهَا مَعًا - فَإِنْ وَافَقَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَبَى فَلاَ سَبِيل عَلَيْهِ، وَلِذَا جَاءَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ: (جَازَ لِلْمُحَال أَنْ يَسْتَرْهِنَ مِنْهُ، أَيِ الْمُحَال عَلَيْهِ) . (166)
(النَّوْعُ الثَّانِي) - ضَمَانَاتٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَدِينِ:
118 - وَهِيَ الأَْسْبَابُ وَالْحُجَجُ الَّتِي تَكُونُ لِلْمَدِينِ التَّعَلُّقُ بِهَا، لِدَفْعِ دَعَاوَى دَائِنِيهِ، وَلِذَا تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ الْحَاضِرِ بِالدُّفُوعِ، كَالأَْجَل يُتَعَلَّقُ بِهِ لِدَفْعِ الْمُطَالَبَةِ قَبْل حُلُول الدَّيْنِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، أَوْ عَدَمِ تَقَوُّمِهِ، لِدَفْعِ الْمُطَالَبَةِ بِثَمَنِهِ، وَسَبَقَ الْوَفَاءُ أَوِ التَّقَاصُّ، لِدَفْعِ دَعْوَى بَقَاءِ الذِّمَّةِ مَشْغُولَةً، وَهَذِهِ حَيْثُ لاَ مَانِعَ تَنْسَحِبُ عَلَى الدَّيْنِ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ. وَلاَ يَنْتَقِل مُجَرَّدًا عَنْهَا، إِذْ يَكُونُ لِلْمُحَال عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِهَا، كَمَا كَانَ هَذَا التَّمَسُّكُ لِلْمُحِيل، وَمَا يَزَال، فَيُمْكِنُ الْقَوْل: إِنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الضَّمَانَاتِ، لأَِنَّهَا تُسْنَدُ إِلَى مَدْيُونِيَّةِ الْمُحِيل الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ بَقِيَتْ أَيْضًا فِي مَحَلِّهِ الأَْوَّل، فَهِيَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ.
إِلاَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَتَوَلَّى الدَّفْعَ بِغَيْرِ الأَْجَل مِمَّا ذُكِرَ إِلاَّ نِيَابَةً عَنِ الأَْصِيل، فَمَا لَمْ تَثْبُتْ تِلْكَ النِّيَابَةُ، بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، لاَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ. (167) لَكِنْ فِي حَالَةِ غَيْبَةِ الأَْصِيل لَهُ التَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الدُّفُوعِ دُونَ نِيَابَةٍ، وَلِذَا جَاءَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ: (غَابَ الْمُحِيل، وَزَعَمَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَنَّ مَال الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل كَانَ ثَمَنَ خَمْرٍ) لاَ تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي الْكَفَالَةِ. وَلَوْ أَحَال امْرَأَتَهُ بِصَدَاقِهَا عَلَى رَجُلٍ، وَقَبِل الْحَوَالَةَ، ثُمَّ غَابَ الزَّوْجُ، فَأَقَامَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ فَاسِدًا، وَبَيَّنَ لِذَلِكَ وَجْهًا، لاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ، وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا عَنْ صَدَاقِهَا، أَوْ أَنَّ الزَّوْجَ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ، أَوْ بَاعَ بِصَدَاقِهَا مِنْهَا شَيْئًا وَقَبَضَتْهُ، قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ لاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مُدَّعِيَ فَسَادِ النِّكَاحِ مُتَنَاقِضٌ، أَوْ لأَِنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا مُسْتَنْكَرًا فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، بِخِلاَفِ دَعْوَى الإِْبْرَاءِ أَوِ الْبَيْعِ - أَيْ بَيْعِ الزَّوْجِ لاِمْرَأَتِهِ شَيْئًا بِصَدَاقِهَا - لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، وَكَذَا فِي الْكَفَالَةِ. فَعَلَى هَذَا لَوِ ادَّعَى الْمُحِيل أَنَّهُ أَوْفَاهُ الدَّيْنَ بَعْدَهَا تُسْمَعُ وَتُقْبَل بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ (168)
وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّوْعِيَّةِ مِنَ الضَّمَانِ فِي الْحُكْمِ هُوَ الاِتِّجَاهُ الْغَالِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَخَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ قَائِلٌ كَأَبِي يُوسُفَ بِانْتِقَال الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ - لأَِنَّهُ يَرَى أَنَّ النَّوْعَ الأَْوَّل مِنَ الضَّمَانَاتِ يَنْتَقِل أَيْضًا مَعَ الدَّيْنِ، وَيَكُونُ وَثِيقَةً بِهِ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ، لاَ تَنْفَكُّ إِلاَّ بِسُقُوطِهِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهُ.
3 - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال عَلَيْهِ:
أ - حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي مُلاَزَمَةِ الْمُحِيل:
119 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُلاَزَمَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلْمُحِيل خَاصَّةً بِالْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ. أَمَّا مُلاَزَمَةُ الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ فَهِيَ حُكْمٌ عَامٌّ يَثْبُتُ فِي كُل حَوَالَةٍ. وَهَذَانِ الْحَقَّانِ فِي اللاَّزِمَةِ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ - تَبَعٌ لِلآْخَرِ - وَهُوَ حَقُّ الْمُحَال - مَا دَامَ الْوَفَاءُ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ. (169) فَإِنَّ الْمُحَال إِذَا لاَزَمَ الْمُحَال عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يُلاَزِمَ الْمُحِيل، لِيُخَلِّصَهُ وَإِذَا حَبَسَهُ الْمُحَال، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمُحِيل، لِهَذَا الْغَرَضِ نَفْسِهِ، لَكِنْ بِشَرِيطَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ:
1 - أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِإِذْنِ الْمُحِيل، أَعْنِي الْمَدِينَ الأَْصْلِيَّ.
2 - وَأَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، لأَِنَّهُ عِنْدَ تَوَافُرِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، يَكُونُ الْمُحِيل هُوَ الَّذِي جَرَّ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ هَذِهِ التَّبَعَةَ، فَعُهْدَةُ تَخْلِيصِهِ عَلَيْهِ جَزَاءً وِفَاقًا.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُلاَزِمْهُ الْمُحَال أَوْ يَحْبِسْهُ، فَبِأَيِّ حَقٍّ يُلاَزِمُ هُوَ الْمُحِيل أَوْ يَحْبِسُهُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ بِإِذْنِ الْمُحِيل يَكُونُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا بِالْتِزَامِهَا، فَلاَ يَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَى الْمُحِيل حَقٌّ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً لَمْ تَكُنْ مُلاَزَمَتُهُ لِلْمُحِيل، أَوْ حَبْسُهُ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، فَيَمْتَنِعَانِ إِذْ لَوِ اسْتَعْمَل هُوَ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ لَعَامَلَهُ الْمُحِيل بِالْمِثْل، فَلاَ تَكُونُ ثَمَّ جَدْوَى. (170) 120 - وَوَاضِحٌ أَنَّ الشَّرَائِطَ الَّتِي شَرَطَهَا الْحَنَفِيَّةُ لِمُلاَزَمَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ الْمُحِيل، يَسْتَغْنِي غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْهَا عَنْ شَرِيطَةِ رِضَا الْمُحِيل، إِذِ الْحَوَالَةُ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بِرِضَاهُ (ر: ف 33) كَمَا يَسْتَغْنُونَ - بِاسْتِثْنَاءِ مُثْبِتِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْهُمْ - عَنْ شَرِيطَةِ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ مُقَيَّدَةً (ر: ف 25) .
ب - حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ:
أَوَّلاً - حَالَةُ الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ:
121 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ رُجُوعِ الْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ أَدَائِهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِي حَوَالَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ نُفَاةِ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ، لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ هُوَ مَدِينٌ لِلْمُحِيل، فَمَا يُؤَدِّيهِ بِحُكْمِ الْحَوَالَةِ إِنَّمَا يُوَفِّي بِهِ ذِمَّتَهُ الْمُحَال عَلَيْهَا، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ (ر: ف 25 و 66)
122 - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ مَتَى أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوَافَرَتْ شَرَائِطُ الرُّجُوعِ التَّالِيَةُ:
(1) - أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِرِضَا الْمُحِيل:
لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إِذَا أَدَّى لاَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، بَل يَكُونُ فِي حَقِيقَةِ الأَْمْرِ قَدِ اشْتَرَى مِنَ الْمُحَال الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِمَا أَدَّاهُ هُوَ إِلَيْهِ، وَحَيْثُ مَلَكَ الدَّيْنَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَىالْمَدِينِ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ أَوْ وَهَبَ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَدِينِ، كَمَا لَوْ قَال قَائِلٌ لِلطَّالِبِ: لَكَ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفٌ فَاحْتَل بِهَا عَلَيَّ فَقَبِل الطَّالِبُ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ حِينَئِذٍ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَكِنْ لاَ تَثْبُتُ لِلْمُحَال عَلَيْهِ وِلاَيَةُ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَدِينِ إِذَا أَدَّى، لأَِنَّهُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالأَْدَاءِ، لاَ مَالِكًا لِلدَّيْنِ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ حَذَرًا مِنْ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. وَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْحَوَالَةِ يَكُونُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ. (171)
(172) أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ إِلَى الْمُحَال:
لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يَمْلِكَ الدَّيْنَ، وَهُوَ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِحُكْمِ مِلْكِهِ.
(173) أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيل بِمِثْل دَيْنِهِ:
لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ مَدِينًا لاَلْتَقَى الدَّيْنَانِ وَوَقَعَ التَّقَاصُّ، وَمِنْ ثَمَّ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، لأَِنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيل، لَرَجَعَ الْمُحِيل عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَبَثًا. (172)
123 - وَيَرْجِعُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمُحَال بِهِ، إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ مَا إِذَا صَالَحَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْمُحَال عَنْ حَقِّهِ بِأَقَل مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى. فَمَثَلاً لَوْ كَانَ حَقُّهُ مِائَةَ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَنْهَا بِثَمَانِينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إِلاَّ بِالثَّمَانِينَ الَّتِي أَدَّاهَا.
وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَيْنٍ لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، كَوَدِيعَةٍ إِذَا لَمْ يُعْطِ الْمُحَال تِلْكَ الْعَيْنَ نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا قَضَى الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ هُوَ، يُعَدُّ مُتَبَرِّعًا لاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُحِيل قِيَاسًا، لَكِنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَمَنَحُوهُ حَقَّ الرُّجُوعِ بِمَا أَدَّى، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ غُرَمَاءُ فَإِنَّهُ يُحَاصُّهُمْ. (175)
ثَانِيًا: حَالَةُ الأَْدَاءِ الْحُكْمِيِّ:
124 - يَقُومُ مَقَامَ الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ الأَْدَاءُ الْحُكْمِيُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (176)
وَفِي حَالَةِ الأَْدَاءِ الْحُكْمِيِّ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، أَيْ إِذَا أَحَال الْمُحَال عَلَيْهِ الطَّالِبَ عَلَى غَيْرِ الْمُحِيل، لاَ يَمْلِكُ الْمُحَال عَلَيْهِ الأَْوَّل حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، إِلاَّ بَعْدَ قَبْضِ الطَّالِبِ فِعْلاً مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ الثَّانِي، وَعَلَّلَهُ السَّرَخْسِيُّ بِقَوْلِهِ: (لأَِنَّهُ بِعُرْضَةِ الْعَوْدِ عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا) . (177) ج - حَقُّ الْمُحِيل فِي مُطَالَبَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ:
125 - يُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدِينًا لِلْمُحِيل أَوْ عِنْدَهُ لَهُ عَيْنٌ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ:
(178) فَإِنْ كَانَ: طُولِبَ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بِدَيْنَيْنِ، أَوْ دَيْنٍ وَعَيْنٍ.
1 - دَيْنُ الْحَوَالَةِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِمُقْتَضَاهَا وَنَشَأَ مَعَهُ لِلْمُحَال حَقُّ مُطَالَبَةٍ لَمْ تَكُنْ.
2 - وَدَيْنُ الْمُحِيل الْقَائِمُ بِذِمَّتِهِ مِنْ قَبْل، أَوْ مَالُهُ الَّذِي عِنْدَهُ، مُقْتَرِنًا بِحَقِّ مُطَالَبَةٍ قَدِيمَةٍ، فَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ الْقَدِيمَ لاَ يَنْقَطِعُ بِسَبَبِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِالدَّيْنِ السَّابِقِ وَلاَ بِالْعَيْنِ فَبَقِيَا كَمَا كَانَا بِحُقُوقِهِمَا كَامِلَةً، وَمِنْهَا حَقُّ الْمُحِيل فِي مُطَالَبَتِهِ وَالْقَبْضِ مِنْهُ.
وَيَظَل الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الْمُحَال، فَإِذَا أَدَّى سَقَطَ مَا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ لَكِنَّهَا مُقَاصَّةُ دَيْنٍ لِلْمُحَال عَلَيْهِ بِعَيْنٍ لِلْمُحِيل فَتَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرَاضِي.
(179) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيل عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ دَيْنُ الْحَوَالَةِ لاَ غَيْرَهُ، ثُمَّ إِذَا أَدَّاهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل إِنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِرِضَاهُ، وَإِلاَّ فَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ. (180) وَالطَّالِبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ الْمُحَال وَحْدَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الْحَوَالَةِ الْمُؤَجَّلَةِ لاَ تُسْتَحَقُّ مُطَالَبَتُهُ أَثْنَاءَ الأَْجَل، فَهِيَ إِذَنْ لاَ تَحِل عَلَيْهِ إِلاَّ بِمَوْتِهِ هُوَ، لاَ بِمَوْتِ الْمُحِيل - وَإِنْ كَانَ تَأْجِيلُهُ تَابِعًا لِتَأْجِيل الْمُحِيل - لأَِنَّ حُلُول الأَْجَل فِي حَقِّ الأَْصِيل، إِنَّمَا هُوَ لاِسْتِغْنَائِهِ عَنِ الأَْجَل بِمَوْتِهِ، فَإِذَا مَاتَ هُوَ فَإِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مَا زَال عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَفِي حَاجَةٍ إِلَى الأَْجَل، فَلاَ وَجْهَ لِحُلُولِهِ عَلَيْهِ بِحُلُولِهِ عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّ الأَْصِيل بَرِئَ عَنِ الدَّيْنِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْتَحَقَ بِالأَْجَانِبِ.
وَبَقَاءُ الْمُحِيل عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي حُلُول الأَْجَل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ هُوَ، لأَِنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ الأَْجَل بِمَوْتِهِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرِكَتِهِ وَفَاءٌ بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ، اسْتَحَقَّ الطَّالِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِلَى أَجَلِهِ الأَْصْلِيِّ، لأَِنَّ هَذَا الأَْجَل لَمْ يَكُنْ سَقَطَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا سَقَطَ فِي ضِمْنِ الْحَوَالَةِ حُكْمًا، وَقَدِ انْتُقِضَتِ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَيُنْتَقَضُ مَا تَضَمَّنَتْهُ، أَعْنِي سُقُوطَ الأَْجَل. نَظِيرُهُ: مَا لَوْ أَنَّ الْمَدِينَ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ بَاعَ بِهِ سِلْعَةً مِنْ دَائِنِهِ ثُمَّ اسْتُحِقَّتِ السِّلْعَةُ، فَإِنَّ الأَْجَل يَعُودُ، لأَِنَّ سُقُوطَهُ إِنَّمَا كَانَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ، وَقَدِ انْتُقِضَ الْبَيْعُ.
نَعَمْ إِنْ كَانَ الأَْجَل بَاقِيًا لَكِنْ الْمُحَال عَلَيْهِ نَزَل عَنْهُ فَذَاكَ، إِذْ الأَْجَل حَقُّهُ فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ. (نَظِيرُهُ مَا لَوْ أَسْقَطَ الأَْصِيل الأَْجَل قَبْل الْحَوَالَةِ) ثُمَّ إِنْ أَدَّى قَبْل الْمَوْعِدِ الأَْصْلِيِّ لِحُلُول الأَْجَلفَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل حَتَّى يَحِل ذَاكَ الْمَوْعِدُ، إِذْ إِسْقَاطُ الأَْجَل صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، لاَ فِي حَقِّ الْمُحِيل. (181)
126 - وَيُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ كَذَلِكَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَنَّ الْمُحِيل لاَ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمَال الَّذِي قُيِّدَ وَفَاؤُهَا بِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحَال، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِنَقْل حَقِّهِ إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ مِمَّا لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اسْتِيفَائِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ الْمُحِيل لَبَطَل هَذَا الْحَقُّ، فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَى أَخْذِهِ، وَإِلاَّ فَاتَ الرِّضَا، وَبَطُلَتِ الْحَوَالَةُ.
وَبِعِبَارَةٍ أَوْجَزَ: لَمَّا قُيِّدَتِ الْحَوَالَةُ بِشَيْءٍ تَعَلَّقَ حَقُّ الاِسْتِيفَاءِ بِهِ كَالرَّهْنِ، فَلاَ يُزَاحِمُ فِيهِ الْمُسْتَحِقَّ، وَلاَ يَدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ دَفَعَهُ إِلَى الْمُحِيل وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِلْمُحَال، لأَِنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ، كَمَا لَوِ اسْتَهْلَكَ الرَّهْنَ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِصَاحِبِ حَقِّ الاِسْتِيفَاءِ مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ. (182)
127 - وَهَذَانِ الأَْثَرَانِ لَيْسَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ مُجَرَّدَ سُقُوطِ مُطَالَبَةِ الْمُحِيل وَمَنْعِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ صَارَ كَالْمَرْهُونِ، بَل عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ يَبْرَأُ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيل، وَمِنْ ثَمَّ يَمْتَنِعُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُحَال، وَلِذَا إِذَا تَوِيَ فَإِنَّمَا يَتْوَى عَلَى الْمُحَال نَفْسِهِ. (183)
انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ:
128 - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ قَدْ يَكُونُ بِأَدَاءِ مَالِهَا إِلَى الْمُحَال، وَقَدْ يَكُونُ بِمَا يُسَاوِي هَذَا الأَْدَاءَ، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِ هَذَا وَذَاكَ، وَيُمْكِنُ تَرْتِيبُ ذَلِكَ. فِي فَرْعَيْنَ50 أَوَّلاً - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ بِالتَّنْفِيذِ:
129 - إِذَا أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ - بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا، وَبِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ دَيْنًا - إِلَى الْمُحَال أَوْ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ فَهَذِهِ هِيَ غَايَتُهَا الْمَنْشُودَةُ.
وَمَتَى انْتَهَتْ إِلَى غَايَتِهَا فَلاَ بَقَاءَ لَهَا. بَل لَوْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْغَايَةُ لاَ عَنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُبَاشَرَةً، بَل عَنْ طَرِيقِ مُتَبَرِّعٍ بِالْوَفَاءِ - وَهُوَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَبَرِّعًا عَنِ الْمُحَال عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِخِلاَفِهِ - فَإِنَّ هَذَا الْوَفَاءَ وَالَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ، مِنْ حَيْثُ إِنْهَاءُ الْحَوَالَةِ. (184)
وَقَدْ لاَ يُؤَدِّي الْمُحَال عَلَيْهِ الْعَيْنَ نَفْسَهَا الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ، وَلاَ مِثْل دَيْنِهَا - مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً - وَمَعَ ذَلِكَ تَنْتَهِي الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مَا يُسَاوِي هَذَا الأَْدَاءَ، كَمَا فِي الْحَالَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ: (185) أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُحَال عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ عَنْ تَرَاضٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَال: كَمَا لَوْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً بِوَدِيعَةٍ - كَكِتَابٍ أَوْ أَكْثَرَ - فَيُؤْثِرُ الْمُحَال عَلَيْهِ الاِحْتِفَاظَ لِنَفْسِهِ بِالْوَدِيعَةِ لِرَغْبَتِهِ فِيهَا وَيُعِيضُ الْمُحَال مِنْهَا قِيمَتَهَا نَقْدًا، أَوْ كَانَ الْمُحَال بِهِ دَيْنًا عَلَى الْمُحِيل، مِقْدَارُهُ أَلْفُ دِينَارٍ مَثَلاً، فَيَرْغَبُ الْمُحَال عَلَيْهِ وَهُوَ تَاجِرٌ أَنْ يُبَايِعَ بِهَا الْمُحَال فَيَعْرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيضَهُ مِنْ دَنَانِيرِهِ، بَضَائِعَ كَثِيَابٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(186) أَنْ يَمُوتَ الْمُحَال، وَيَرِثَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ: لأَِنَّ الإِْرْثَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَلْكِ فَيَمْلِكُ الْمُحَال عَلَيْهِ الدَّيْنَ فِي هَذِهِ الْحَال. (187)
وَهَذَا يُعَادِل تَمَامًا مَا لَوْ كَانَ قَدْ وَفَّاهُ دَيْنَهُ قَبْل وَفَاتِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ الْمَال بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ.
وَفِي مَعْنَى الإِْرْثِ أَنْ يَهَبَ الْمُحَال الْمُحَال عَلَيْهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَيَقْبَل أَوْ لاَ يَرُدُّ.
ثَانِيًا: انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ دُونَ تَنْفِيذٍ:
130 - تَنْتَهِي الْحَوَالَةُ دُونَ تَنْفِيذٍ فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: الاِنْتِهَاءُ الرِّضَائِيُّ.
الثَّانِيَةُ: الاِنْتِهَاءُ غَيْرُ الرِّضَائِيِّ. الأُْولَى الاِنْتِهَاءُ الرِّضَائِيُّ: وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ: (الأَْوَّل) الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ التَّقَايُل (التَّرَاضِي عَلَى الْفَسْخِ) .
(الثَّانِي) الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ الإِْبْرَاءِ.
أ - الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ التَّقَايُل (التَّرَاضِي عَلَى الْفَسْخِ) .
131 - الْفَسْخُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ إِنْهَاءُ الْعَقْدِ قَبْل أَنْ يَبْلُغَ غَايَتَهُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ نُجَيْمٍ: (الْفَسْخُ حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ) .
فَإِذَا أَرَادَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَطْرَافِ الْحَوَالَةِ - دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ - أَنْ يَرْجِعَ فِي الْحَوَالَةِ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: (إِنَّ الْمُحِيل وَالْمُحَال يَمْلِكَانِ النَّقْضَ) أَيْ نَقْضَ الْحَوَالَةِ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ بَيْنَهُمَا، لاَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الإِْرَادَةِ الْمُنْفَرِدَةِ. (188)
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُحِيل لاَ يَمْلِكُ إِبْطَال الْحَوَالَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا.
أَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِذَا تَرَاضَى مَعَ بَقِيَّةِ أَطْرَافِ الْعَقْدِ عَلَى نَقْضِهِ فَذَاكَ. وَإِذَا تَرَاضَى الطَّرَفَانِ الآْخَرَانِ وَاعْتَرَضَ هُوَ، فَلاَ قِيمَةَ لاِعْتِرَاضِهِ هَذَا، لأَِنَّ الْعَقْدَ حَقُّهُمَا، وَلِصَاحِبِ الْعَقْدِ إِسْقَاطُهُ. أَمَّا أَنْ يَسْتَبِدَّ هُوَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فَهَذَا مَا لاَ سَبِيل إِلَيْهِ. (189) 132 - وَمُفَادُ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَقْبَل التَّفَاسُخَ وَالتَّقَايُل بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ فِيهِ وَالْمُحِيل وَالْمُحَال فَقَطْ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَقَل الْخَطِيبُ عَنِ الرَّافِعِيِّ (عَدَمَ صِحَّةِ التَّقَايُل فِي الْحَوَالَةِ، كَمَا أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ، وَأَنَّهَا لَوْ فُسِخَتْ لاَ تَنْفَسِخُ) .
وَالَّذِي ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْبُلْقِينِيَّ حَكَى فِي صِحَّةِ إِقَالَتِهَا خِلاَفًا، نَقْلاً عَنِ الْخُوَارَزْمِيِّ، وَكُل مَا فَعَلَهُ أَنَّهُ رَجَّحَ الصِّحَّةَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا بَيْعٌ، كَمَا أَنَّهُ يُوجَدُ بِإِزَاءِ نَصِّ الْمُتَوَلِّي الْعَامِّ نَصٌّ عَامٌّ يُقَابِلُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: (فَسْخُ الْحَوَالَةِ انْقِطَاعٌ مِنْ حِينِهِ) وَإِذَنْ فَالْخِلاَفُ ثَابِتٌ فِي الْمَذْهَبِ. (190)
133 - وَيَسْتَوِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ التَّرَاضِي عَلَى الْفَسْخِ إِلَى غَيْرِ بَدِيلٍ، أَوْ إِلَى بَدِيلٍ. وَمِنَ النَّوْعِ الثَّانِي تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّ (الْحَوَالَةَ إِذَا تَعَدَّدَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ كَانَتِ الثَّانِيَةُ نَقْضًا لِلأُْولَى) فَهَذِهِ كَأَنَّهَا اسْتِعَاضَةٌ عَنْ حَوَالَةٍ بِحَوَالَةٍ.
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلاَنِ الْمُحَال عَلَيْهِمَا بِمَثَابَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لأَِنَّهُمَا أَصِيلٌ وَكَفِيلُهُ، وَإِنَّمَا التَّعَدُّدُ الْحَقِيقِيُّ فِي جَانِبِ الْمُحَال، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ لاَ تَكُونُ نَقْضًا لِلأُْولَى، بَل إِمَّا أَنْ تَصِحَّ الْحَوَالَتَانِ، وَإِمَّا أَنْ تَصِحَّ الأُْولَى، وَتَلْغُوَ الثَّانِيَةُ. وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى الْكَفِيل لاَ تَقْتَضِي بَرَاءَةَ الأَْصِيل مِنْ حَقِّ الْمُحِيل، فَيَتَسَنَّى لِلْمُحِيل أَنْ يُحِيل عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَحَال عَلَى الْكَفِيل، بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، إِذْ إِنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى الأَْصِيل تَقْتَضِي بَرَاءَتَهُ وَبَرَاءَةَ الْكَفِيل كِلَيْهِمَا مِنْ حَقِّ الْمُحِيل بَرَاءَةَ مُرَاعَاةٍ - وَسَمَّاهَا بَعْضُهُمْ: تَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ - فَلاَ يَسَعُهُ بَعْدَ أَنْ أَحَال عَلَى الأَْوَّل أَنْ يُحِيل عَلَى الثَّانِي، وَقَدْ أَصْبَحَ بَرِيئًا. (191)
ب - الاِنْتِهَاءُ بِطَرِيقِ الإِْبْرَاءِ:
134 - إِبْرَاءُ الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْحَوَالَةِ يَقَعُ تَحْتَ احْتِمَالَيْنِ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ، أَوْ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ.
135 - (192) فَإِذَا كَانَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الإِْقْرَارِ بِالْقَبْضِ. وَعِنْدَئِذٍ تَنْتَهِي الْحَوَالَةُ بِمَا دَل عَلَيْهِ هَذَا الإِْبْرَاءُ مِنْ وُقُوعِ الْوَفَاءِ فِعْلاً. وَتُصْبِحُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ قَبِيل النِّهَايَةِ بِطَرِيقِ الأَْدَاءِ، وَيَتَرَتَّبُ فِيهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى أَدَاءِ الْحَوَالَةِ مِنْ حَقِّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمُحِيل إِنْ لَمْ يَكُنْ مَدِينًا لَهُ بِمِثْلِهِ. فَإِنْ كَانَ مَدِينًا لَهُ وَقَعَ التَّقَاصُّ بَيْنَهُمَا.
136 - (193) وَأَمَّا إِذَا كَانَ إِبْرَاءُ الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ قَبْل الْوَفَاءِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنَ الْحَوَالَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ (194) وَغَيْرُهُ. وَعِنْدَئِذٍ يَسْقُطُ حَقُّ الْمُحَال فِي دَيْنِ الْحَوَالَةِ سُقُوطًا نِهَائِيًّا، وَلَوْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى كَفِيل الْمَدِينِ وَمُقَيَّدَةً بِدَيْنِ الْكَفَالَةِ.
ذَلِكَ لأَِنَّ حَقَّ الْمُحَال قَدْ تَحَوَّل عَنِ الْمُحِيل بِمُقْتَضَى الْحَوَالَةِ نَفْسِهَا حَيْثُ يَبْرَأُ بِهَا الْمُحِيل وَيَحِل مَحَلَّهُ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْتِزَامِ الأَْدَاءِ.
فَإِذَا أُبْرِئَ الْمُحَال عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُحَال حَقٌّ تُجَاهَ أَحَدٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا أَصْلِيًّا لِلْمُحِيل أَمْ كَفِيلاً أَمْ غَيْرَ مَدِينٍ أَصْلاً، بِأَنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
137 - (195) وَقَدْ يَقَعُ هَذَا الإِْبْرَاءُ - إِبْرَاءُ الإِْسْقَاطِ - مِنَ الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَدَّى هَذَا إِلَيْهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ، وَيَكُونُ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِبْرَاءً صَحِيحًا، بِنَاءً عَلَى نَظَرِيَّتِهِمْ فِي أَنَّ إِيفَاءَ الدُّيُونِ لاَ يُسْقِطُهَا مِنَ الذِّمَمِ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُقَاصَّةِ وَامْتِنَاعِ الْمُطَالَبَةِ: فَإِنَّ الدَّيْنَ قَبْل الْوَفَاءِ يَكُونُ قَائِمًا بِذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَبِالأَْدَاءِ يَقُومُ دَيْنُ نَظِيرِهِ فِي ذِمَّةِ الدَّائِنِ الْمُسْتَوْفِي، أَيْ يُصْبِحَ الْمَدِينُ دَائِنًا أَيْضًا لِدَائِنِهِ فَيَصِيرُ كُلٌّ مِنْهُمَا دَائِنًا وَمَدِينًا لِلآْخَرِ، فَتَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا، وَهَذِهِ هِيَ الْمُقَاصَّةُ. (196) فَالإِْبْرَاءُ بَعْدَ الأَْدَاءِ الأَْصْل فِيهِ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ، لَكِنْ إِذَا صَرَّحَ الْمُبَرِّئُ أَوْ دَلَّتِ الْقَرَائِنُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الإِْسْقَاطُ فَإِنَّهُ يُصَادِفُ دَيْنًا قَائِمًا فَيُسْقِطُهُ، وَلَكِنْ هَذَا لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْحَوَالَةِ الَّتِي تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ الأَْدَاءِ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى أَنْ يُصْبِحَ لِلَّذِي أُبْرِئَ - أَيِ الْمُحَال عَلَيْهِ - حَقُّ مُطَالَبَةِ الْمُحَال الَّذِي أَبْرَأهُ بِمَا كَانَ قَدْ أَدَّاهُ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ أَصْبَحَ الْمَقْبُوضُ بِلاَ مُقَابِلٍ، فَتُنْتَقَضُ الْمُقَاصَّةُ السَّابِقَةُ التَّقْدِيرِ.
هَذَا، وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ وَالاِجْتِهَادِ يَقُول بِمَا يَقُول بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذَا الشَّأْنِ، أَيْ بِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ بَعْدَ الْوَفَاءِ، بِنَاءً عَلَى نَظَرِيَّتِهِمُ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ.
الثَّانِيَةُ - الاِنْتِهَاءُ غَيْرُ الرِّضَائِيِّ:
وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِ حَالاَتٍ:
1 - الاِنْتِهَاءُ بِمَوْتِ الْمُحِيل:
138 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَدَمَ انْفِسَاخِ الْحَوَالَةِ بِمَوْتِ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْمَال قَدْ تَحَوَّل مِنْ مِلْكِ الْمُحِيل إِلَى مِلْكِ الْمُحَال (ر: ف 127) وَمَا تَأْثِيرُ مَوْتِ الْمُحِيل فِي الْحَوَالَةِ بَعْدَ صِحَّتِهَا وَلُزُومِهَا إِلاَّ كَتَأْثِيرِ مَوْتِ بَائِعِ السِّلْعَةِ بَعْدَ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلُزُومِهِ، بَل بَعْدَ إِقْبَاضِهِ إِيَّاهَا فَضْلاً عَنِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَهُمْ بِمَثَابَةِ الإِْقْبَاضِ وَالتَّسْلِيمِ. نَعَمْ تَتَأَثَّرُ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِالْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ يَحِل بِهِ دَيْنُهَا الْمُؤَجَّل، وَفِي ذَلِكَ يَقُول صَاحِبُ نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: (لَوْ أَحَال بِمُؤَجَّلٍ عَلَى مِثْلِهِ حَلَّتِ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلاَ تَحِل بِمَوْتِ الْمُحِيل، لِبَرَاءَتِهِ بِالْحَوَالَةِ) .
وَيُؤْخَذُ مِثْلُهُ مِنْ نَصِّ الْمَالِكِيَّةِ فِي الضَّمَانِ، وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْحَنَابِلَةِ: (فَإِنْ مَاتَ الْمُحِيل أَوِ الْمُحَال فَالأَْجَل بَاقٍ بِحَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ انْبَنَى عَلَى (قَاعِدَةِ) حُلُول الدَّيْنِ بِالْمَوْتِ - أَيْ بِمَوْتِ الْمَدِينِ) -
وَفِيهِ رِوَايَتَانِ (وَلاَ يُعْلَمُ فِي حُلُول الدَّيْنِ بِمَوْتِ الْمَدِينِ خِلاَفٌ لأَِحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ سِوَى أَحْمَدَ فِي إِحْدَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ) . (197)
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَا قَبَضَهُ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ - قَبْل مَوْتِ الْمُحِيل أَوْ بَعْدَهُ، فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ - كُل ذَلِكَ هُوَ لَهُ خَاصَّةً لاَ يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُحِيل، كَمَا لاَ يَشْرَكُونَهُ فِي سِلْعَةٍ كَانَ اشْتَرَاهَا فِي حَال الصِّحَّةِ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُحِيل حَوَالَةً مُطْلَقَةً لاَ تَنْفَسِخُ هَذِهِ الْحَوَالَةُ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ مَالٌ (بِالْمَعْنَى الشَّامِل لِلدَّيْنِ تَوَسُّعًا، فَإِنَّهُ مَالٌ حُكْمِيٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) فَلاَ شَأْنَ لِلْمُحَال بِهَذَا الْمَال وَلاَ تَعَلُّقَ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَال تَرِكَةٌ لِلْمُحِيل، فَيَئُول إِلَى وَرَثَتِهِ، بَعْدَ أَنْ تُقْضَى مِنْهُ الْحُقُوقُ الْمُقَدَّمَةُ، كَالدُّيُونِ الأُْخْرَى غَيْرِ دَيْنِ الْمُحَال، لأَِنَّهُ لاَ يَعُودُ عَلَى الْمُحِيل مَا دَامَتِ الْحَوَالَةُ قَائِمَةً، وَمَوْتُ الْمُحِيل لاَ يُبْطِل الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ. (198)
139 - وَأَمَّا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، فَقَدْ يَمُوتُ الْمُحِيل قَبْل اسْتِيفَاءِ دَيْنِهَا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَنْفَسِخُ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ قَدِ اسْتُحِقَّ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَدَخَل فِي تَرِكَةِ الْمُحِيل، وَعَلَى هَذِهِ التَّرِكَةِ يَعُودُ الْمُحَال بِدَيْنِهِ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، هَكَذَا عَلَّل صَاحِبُ - الْبَدَائِعِ - ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ، بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ اخْتَصَّ بِغُرْمِ الرَّهْنِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، لأَِنَّهُ إِذَا هَلَكَ سَقَطَ دَيْنُهُ خَاصَّةً، وَلَمَّا اخْتَصَّ بِغُرْمِهِ اخْتَصَّ بِغُنْمِهِ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ. وَأَمَّا الْمُحَال فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِغُرْمِ ذَلِكَ الْمَال، لأَِنَّهُ لَوْ تَوِيَ لاَ يَسْقُطُ دَيْنُهُ عَنِ الْمُحِيل.
فَلَمَّا لَمْ يَخْتَصَّ بِغُرْمِهِ لَمْ يَخْتَصَّ بِغُنْمِهِ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ. (199)
140 - وَمِنْ نَتَائِجِ الْقَوْل بِالاِنْفِسَاخِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
(200) إِنَّ الْمُحَال إِذَا رَجَعَ إِلَى تَرِكَةِ الْمُحِيل وَعَرَفَ نَصِيبَهُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ نَصِيبَهُ هَذَا مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَدَلاً مِنَ التَّرِكَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ.
(201) لَوْ نَقَصَتْ حِصَّةُ الْمُحَال فِي الْمُقَاسَمَةِ عَنِ الْوَفَاءِ بِدَيْنِهِ، لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِمَا بَقِيَ لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ صَارَ تَاوِيًا فَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
(202) إِنْ كَانَ الْمُحَال قَدْ قَبَضَ شَيْئًا مِنْ دَيْنِ الْحَوَالَةِ قَبْل مَوْتِ الْمُحِيل - وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ مَرَضِهِ - فَلَهُ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ فِي الْبَاقِي. لَكِنْ فِي حَالَةِ الْقَبْضِ، وَالْمُحِيل مَرِيضٌ مَرَضَ الْمَوْتِ، يُوجَدُ فِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ قَبْضِ الدَّيْنِ وَقَبْضِ الْعَيْنِ.
1 - فَفِي قَبْضِ الدَّيْنِ يُسَلَّمُ لِلْمُحَال مَا أَخَذَهُ، وَلاَ سَبِيل لِلْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَكُونُ الْمُحَال عَلَيْهِ - بِأَدَائِهِ الدَّيْنَ - غَرِيمًا لِلْمُحِيل يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَلاَ يَمْلِكُ الاِسْتِئْثَارَ بِمَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ لِيَقَعَ التَّقَاصُّ، بَل يُشَارِكُهُ فِيهِ الْغُرَمَاءُ، وَلاَ يُسَلَّمُ لَهُ مِنْهُ إِلاَّ حِصَّتُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ.
2 - أَمَّا فِي قَبْضِ الْعَيْنِ - كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ - فَبِالْعَكْسِ: أَيْ لاَ سَبِيل حِينَئِذٍ لِغُرَمَاءِ الْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَكِنْ لاَ تُسَلَّمُ الْعَيْنُ الْمَأْخُوذَةُ لِلْمُحَال، بَل يُحَاصُّهُ فِيهَا الْغُرَمَاءُ. (203) 2 - الاِنْتِهَاءُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ:
141 - نَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَاتَ مَدِينًا أَمْ غَيْرَ مَدِينٍ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ مُفْلِسًا، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ حِينَئِذٍ تَنْتَهِي فِي الدَّيْنِ كُلِّهِ - إِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِشَيْءٍ مِنْهُ - أَوْ تَنْتَهِيَ فِي بَاقِيهِ، إِنْ تَرَكَ وَفَاءً بِبَعْضِهِ، وَيَرْجِعُ الْبَاقِي إِنْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَسَيَجِيءُ فِي التَّوَى (ر: ف 164) : ذَلِكَ أَنَّ التَّرِكَةَ خَلَفٌ عَنْ صَاحِبِهَا فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ. (204)
3 - الاِنْتِهَاءُ بِفَوَاتِ الْمَحَل:
(205) ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَصَالَةً:
142 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى ثَالِثٍ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، تَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحِيل - وَهُوَ الْمُشْتَرِي - غَيْرَ مَدِينٍ لِلْمُحَال - الْبَائِعِ - وَمَدْيُونِيَّةُ الْمُحِيل لِلْمُحَال شَرِيطَةٌ لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ لاَ تَقُومُ بِدُونِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (ف (59)) .
(206) ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَصَالَةً:
143 - فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ: لَوْ كَانَ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عَيْنٌ هِيَ أَمَانَةٌ أَوْ مَضْمُونَةٌ، فَاسْتُحِقَّتْ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَجِبْ أَصْلاً فِي حَقِيقَةِ الأَْمْرِ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَمَنُ مَبِيعٍ فَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْقَى كَمَا هِيَ صَحِيحَةً نَافِذَةً، لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا بُطْلاَنٌ أَوِ انْفِسَاخٌ، لأَِنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ - كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ - وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ، فَلاَ يَتَأَثَّرُ بِمِثْل هَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَقَدْ سَبَقَ بَحْثُ ذَلِكَ (ر: ف) . 144 - أَمَّا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ: فَيُقَرِّرُ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْمَال الَّذِي تُقَيَّدُ الْحَوَالَةُ بِإِيفَاءِ دَيْنِهَا بِهِ أَوْ مِنْهُ، إِذَا كَانَ عَيْنًا - أَمَانَةً كَانَتْ أَوْ مَضْمُونَةً كَالْمَغْصُوبَةِ - ثُمَّ تَبَيَّنَ اسْتِحْقَاقُهَا لِغَيْرِ الْمُحِيل، أَوْ كَانَ دَيْنًا ثُمَّ تَبَيَّنَ انْعِدَامُهُ مِنَ الأَْصْل لاَ بِسَبَبٍ عَارِضٍ، أَيْ إِنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تُشْغَل بِهِ أَصْلاً، لاَ أَنَّهَا شُغِلَتْ ثُمَّ فَرَغَتْ بِسَبَبٍ طَارِئٍ: فَهُنَا يَتَبَيَّنُ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ، بِمَعْنَى عَدَمِ انْعِقَادِهَا بَتَاتًا.
مِثَال ذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ: رَجُلٌ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ أَلْفُ دِينَارٍ. بِطَرِيقِ الْوَدِيعَةِ أَوِ الْغَصْبِ، فَأَحَال عَلَيْهِ بِهَا دَائِنًا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ لَيْسَتْ مِلْكًا لِلْمُحِيل، وَلاَ لَهُ عَلَيْهَا وِلاَيَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، أَوْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْطُل لأَِنَّهَا عَلِقَتْ بِمَعْدُومٍ حُكْمًا.
وَمِثَالُهُ فِي الدُّيُونِ: رَجُلٌ بَاعَ آخَرَ مَنْزِلاً أَوْ خَلًّا، فَأَحَال عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ دَائِنًا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخَل خَمْرٌ، فَتَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهَا قُيِّدَتْ بِدَيْنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ قَطُّ.
وَفِي جَمِيعِ الأَْحْوَال مَتَى بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، فَإِنَّ الدَّيْنَ يَعُودُ عَلَى الْمَدِينِ الأَْصْلِيِّ، وَهُوَ الْمُحِيل. (207)
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِمْ: مَا لَوْ بَاعَ مَنْزِلاً، وَأَحَال عَلَى ثَمَنِهِ، أَوْ أُحِيل هُوَ بِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَنْزِل مَوْقُوفٌ، إِمَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ - الْمُحِيل وَالْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ - وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَا لَوْ أَحَال عَلَى أُجْرَةِ شَهْرٍ لِدَارٍ لَهُ، فَمَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ خِلاَلَهُ، إِذْ قَالُوا: تَبْطُل الْحَوَالَةُ فِي مُقَابِل مَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، لِبُطْلاَنِ الإِْجَارَةِ فِيهَا.
قَال الْبَاجِيُّ فِي تَعْلِيل الْقَوْل: بِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ، وَالدَّيْنُ كَمَا كَانَ، وَلَوْ دَفَعَ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ، فَهُوَ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لَيْسَ طَرَفًا فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ الْمُحِيل - مُبَاشَرَةً، أَوْ بِوَاسِطَةٍ كَالْمُحَال - لأَِنَّهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ بِعَقْدٍ آخَرَ، فَإِذَا سَقَطَ اسْتِحْقَاقُهُ بِهَلاَكِ الْمَبِيعِ مَثَلاً قَبْل التَّسْلِيمِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنَ الثَّمَنِ فَلاَ يُكَلَّفُ أَدَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهُ حُقَّ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ مِثْل مَا عَلَى الْمُحِيل فَإِذَا انْتَفَى الشَّرْطُ انْتَفَى الْمَشْرُوطُ. قَال ابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ، وَهُوَ قَوْل أَصْحَابِ مَالِكٍ كُلِّهِمْ.
يَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ مَعْرُوفٌ، وَأَنَّهَا لاَ تَبْطُل بِتَبَيُّنِ أَنْ لاَ دَيْنَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ بَعْدَ أَدَائِهِ عَلَى الْمُحِيل. وَعَلَّل الْبَاجِيُّ تَعْلِيل كِلاَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ. (208)
أَمَّا تَعْلِيل قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ الْبُطْلاَنِ فَهُوَ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَلاَ يَنْتَقِصُ فِي حَقِّ الْمُحَال بِاسْتِحْقَاقِ سِلْعَةٍ لَمْ يُعَاوِضْ هُوَ عَلَيْهَا بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ سَوَاءٌ قَبَضَهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ بَعْدُ.
ج - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال بِهِ عُرُوضًا:
145 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَحَال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى ثَالِثٍ، حَوَالَةً مُقَيَّدَةً (أَوْ مُطْلَقَةً) ، ثُمَّ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْل تَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، تَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحِيل وَهُوَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَدِينٍ (209) د - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا:
146 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِذَا كَانَ ثَابِتًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الاِرْتِفَاعُ لَهُ ثَلاَثُ حَالاَتٍ.
(الْحَالَةُ الأُْولَى) - ارْتِفَاعُ الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ:
147 - إِذَا كَانَ لِلْمُحِيل مَالٌ عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الْحَوَالَةَ صَدَرَتْ مُطْلَقَةً لَمْ يُقَيَّدْ فِيهَا الْوَفَاءُ بِذَلِكَ الْمَال، فَإِنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ لاَ تَبْطُل بِفَوَاتِ الْمَال الَّذِي لِلْمُحِيل عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِخُلُوِّ يَدِهِ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ بِهَلاَكٍ، أَمْ كَانَ بِاسْتِرْدَادِ الْمُحِيل مَالَهُ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ إِنَّ حَقَّ الطَّالِبِ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، لاَ بِشَيْءٍ، عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ. فَلِلْمُحِيل أَنْ يُطَالِبَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَا لَهُ عِنْدَهُ، كَمَا أَنَّ لِلْمُحَال أَنْ يُطَالِبَهُ بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ. فَإِذَا أَدَّى هَذَا الدَّيْنَ الأَْخِيرَ، سَقَطَ عَنْهُ الدَّيْنُ الأَْوَّل بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ بَيْنَ دَيْنِ الْحَوَالَةِ الَّذِي أَدَّاهُ وَدَيْنِ الْمُحِيل.
وَقَدْ سُئِل ابْنُ نُجَيْمٍ عَنْ مَدِينٍ بَاعَ دَائِنَهُ شَيْئًا بِمِثْل دَيْنِهِ، ثُمَّ أَحَال عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِنَظِيرِهِ، هَل تَصِحُّ الْحَوَالَةُ؟ فَأَجَابَ: (إِنْ وَقَعَتْ بِنَظِيرِ الثَّمَنِ صَحَّتْ، لأَِنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِالثَّمَنِ - وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا دَيْنٌ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَإِنْ وَقَعَتْ بِالثَّمَنِ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ مُسْتَحَقٌّلِلْمُحَال عَلَيْهِ، لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الدَّيْنَ إِذَا اسْتُحِقَّ لِلْغَيْرِ فَإِنَّهَا تَبْطُل) . (210)
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِعَيْنٍ:
148 - لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ إِذَا كَانَ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ عَيْنًا مَضْمُونَةً، ثُمَّ لَحِقَهَا الْهَلاَكُ بِسَبَبٍ طَارِئٍ، كَمَا لَوْ ضَاعَتْ أَوْ سُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ فِي حَرِيقٍ مَثَلاً، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْقَى كَمَا هِيَ، وَمُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُتَوَجِّهَةٌ، كَمَا كَانَتْ قَبْل التَّلَفِ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ قُيِّدَتْ حِينَ عُقِدَتْ بِشَيْءٍ مَوْجُودٍ فِعْلاً، فَلاَ يَضِيرُ ارْتِفَاعُهُ الطَّارِئُ، لأَِنَّ الْعَيْنَ الْمَضْمُونَةَ كَالْمَغْصُوبِ مَثَلاً إِذَا هَلَكَتْ وَجَبَ عَلَى ضَامِنِهَا مِثْلُهَا، إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قِيَمِيَّةً، فَيَكُونُ فَوَاتُهَا إِلَى خَلَفٍ. وَالْفَوَاتُ إِلَى خَلَفٍ كَالْبَقَاءِ حُكْمًا، لأَِنَّ الْخَلَفَ قَائِمٌ مَقَامَ الأَْصْل، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمُحَال.
وَهَذَا مُنْطَبِقٌ تَمَامًا عَلَى الأَْمَانَاتِ الَّتِي تَفُوتُ بِتَعَدِّي مَنْ هِيَ عِنْدَهُ، إِذْ هِيَ إِذْ ذَاكَ تَدْخُل فِي عِدَادِ الأَْعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِخِلاَفِ الْفَوَاتِ بِطَرِيقِ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ لِلْغَيْرِ، وَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، فَإِنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ فِيهِ مِنْ ضَمَانَاتِ الْفَائِتِ بِعَوْدِهِ إِلَى مَالِكِهِ، فَيَفُوتُ إِلَى غَيْرِ خَلَفٍ، وَلِذَا تَبْطُل الْحَوَالَةُ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (ر: ف 143)
أَمَّا فَوَاتُ الأَْمَانَاتِ بِغَيْرِ تَعَدِّي مَنْ هِيَ عِنْدَهُ، كَالْوَدِيعَةِ إِذَا احْتَرَقَتْ أَوْ سُرِقَتْ، فَإِنَّهُ يُنْهِي الْحَوَالَةَ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحَال عَلَيْهِ وَيَعُودُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُحِيل. (211)
وَإِذَا اسْتَرَدَّ الْمُحِيل مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْعَيْنَ الَّتِي قَيَّدَتِ الْحَوَالَةَ بِالأَْدَاءِ مِنْهَا، لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ وَلاَ تَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ، لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مُتَعَدٍّ بِدَفْعِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحَال إِلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ أَخْذِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا كَيْدًا يَكِيدُهُ لِلْمُحَال، فَيَضْمَنُ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلْمُحَال، وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْمُحِيل بِمَا أَخَذَهُ. (212)
(الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِدَيْنٍ:
149 - إِذَا اسْتَوْفَى الْمُحِيل مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ دَيْنَهُ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ، لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ بِذَلِكَ وَلاَ تَتَأَثَّرُ بِهِ فِي شَيْءٍ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ فِي حَالَةِ اسْتِرْدَادِ الْمُحِيل الْعَيْنَ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ. (213)
150 - لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ إِذَا كَانَ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ دَيْنًا فَاتَ بِأَمْرٍ عَارِضٍ بَعْدَ الْحَوَالَةِ كَذَلِكَ.
مِثَالُهُ: رَجُلٌ بَاعَ بِضَاعَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَأَحَال عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهَا، ثُمَّ احْتَرَقَتْ الْبِضَاعَةُ مَثَلاً أَوْ غَرِقَتْ قَبْل تَسْلِيمِهَا إِلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارٍ مَا - وَلَوْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ - أَوْ تَقَايَلاَ الْبَيْعَ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يَسْقُطُ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَلَكِنْ لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الدَّيْنَ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ كَانَ قَائِمًا عِنْدَ عَقْدِهَا، فَلَيْسَ يَضُرُّ سُقُوطُهُ بَعْدُ. ثُمَّ إِذَا أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل، لأَِنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ. (214)
فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي فِي الْمِثَال الآْنِفِ هُوَ الْمُحِيل لِلْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفِقْرَةِ (145) حُكْمُهُمْ بِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ.
151 - وَالشَّافِعِيَّةُ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ تَمَامَ الْمُوَافَقَةِ، فِيمَا اعْتَمَدُوهُ، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، فِيمَا عَلَيْهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَإِنْ كَانُوا كَسَائِرِ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُبْطِلُونَ الْحَوَالَةَ بَعْدَ قَبْضِ دَيْنِهَا، وَيَقُولُونَ: يَتْبَعُ صَاحِبُ الْمَال مَالَهُ حَيْثُ كَانَ. (215) وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (ر: ف 150) وَقَدْ عَلَّل الشَّافِعِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الدَّيْنَ سَقَطَ فِي الْحَالَيْنِ بَعْدَ ثُبُوتٍ، فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، نَظِيرُ مَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ثَمَنُ خَمْرٍ مَوْقُوفٍ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ فِيهِمَا، إِلاَّ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ فِي حَالَةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَهَذَا الْغَيْرُ هُوَ الْمُحَال.
وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ مِنْ هَذَا التَّعْلِيل أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْحَوَالَةِ بِهِ - أَيْ بِالثَّمَنِ مِنْ قِبَل الْمُشْتَرِي - لَوْ أَنَّ الْمُحَال - وَهُوَ الْبَائِعُ - كَانَ قَدْ أَحَل مَكَانَهُ دَائِنًا لَهُ، بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، قَبْل سُقُوطِ الدَّيْنِ، لَمْ تَبْطُل الْحَوَالَةُ أَيْضًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ. (216)
152 - ثُمَّ الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - فِي حَالَتَيِ الْبُطْلاَنِ وَعَدَمِهِ - بَيْنَ أَنْ يَكُونَ طُرُوءُ الطَّارِئِ الْمُسْقِطِ لِلدَّيْنِ قَدْ وَقَعَ بَعْدَ قَبْضِ دَيْنِ الْحَوَالَةِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى بُطْلاَنِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ، أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُ الْمَال (الْمُحِيل) عَلَى الْمُحَال الَّذِي قَبَضَهُ - إِمَّا بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بِبَدَلِهِ إِنْ كَانَ تَالِفًا - وَلَوْ رَدَّهُ الْمُحَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي هَذَا الرَّدِّ، فَقَدْ قَبَضَ بِإِذْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْقَبْضُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَعَ عَنِ الآْذِنِ، وَيَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيمَا قَبَضَهُ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى بَقَاءِ صِحَّتِهَا قَبْل الْقَبْضِ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِلاَّ بَعْدَ الدَّفْعِ.
وَيُفَرِّقُ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا قَبْل الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ: فَبَعْدَ الْقَبْضِ لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ عِنْدَهُمْ جَزْمًا، بَل يَتْبَعُ صَاحِبُ الْمَال مَالَهُ حَيْثُ كَانَ. أَمَّا قَبْل الْقَبْضِ فَعِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ: بِالْبُطْلاَنِ وَبِعَدَمِهِ. (217)
أَمَّا أَشْهَبُ - وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَ مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ طَرِيقَتَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ - فَيُطْلِقُ الْقَوْل هُنَا بِعَدَمِ الْبُطْلاَنِ، لأَِنَّ الْفَسْخَ عَارِضٌ - إِلاَّ أَنَّهُ يُبْطِل الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ أَوْ عَلَيْهِ، إِذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ. (218)
153 - وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، جَارِيَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَى قَوْل الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مُخَالِفُونَ: يُسَوُّونَ بَيْنَ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ فِي الْبُطْلاَنِ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ، وَلاَ يَأْبَهُونَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ، لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْحَوَالَةِ. (219) وَآخَرُونَ: يُسَوُّونَ بَيْنَهُمَا فِي الصِّحَّةِ - مِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - فَهُمْ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى تَعَلُّقِ حَقِّ أَجْنَبِيٍّ، بَل إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ قَائِمًا عِنْدَ عَقْدِ الْحَوَالَةِ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ وَصَحَّتِ الْحَوَالَةُ وَبَرِئَتْ بِهَا ذِمَّةُ الْمُحِيل، فَلاَ يَضُرُّ سُقُوطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، لأَِنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي الاِبْتِدَاءِ.
وَالْقِيَاسُ الَّذِي كَانَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ نَفْسُهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ: هُوَ أَنَّ الْحَوَالَةَ بِالدَّيْنِ وَعَلَيْهِ، إِذَا طَرَأَ فَاسِخٌ لِسَبَبِ وُجُوبِهِ، تُقَاسُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي أَحَدِ عِوَضَيِ الْبَيْعِ، إِذَا طَرَأَ مَا يَفْسَخُهُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى زَيْدٌ بِثَوْبِهِ شَيْئًا مَا مِنْ عَمْرٍو، وَبَاعَ زَيْدٌ هَذَا الشَّيْءَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ الثَّوْبَ بِعَيْبٍ، فَإِنَّ الصَّفْقَةَ الثَّانِيَةَ مَاضِيَةٌ. وَالْجَامِعُ فِي هَذَا الْقِيَاسِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَفْقَةٌ سَبَقَتْهَا أُخْرَى، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِي الثَّانِيَةِ طُرُوءُ انْفِسَاخِ الأُْولَى. (220)
4 - الاِنْتِهَاءُ بِالتَّوَى:
154 - التَّوَى فِي اللُّغَةِ: وِزَانُ الْهَوَى - وَقَدْ يُمَدُّ - التَّلَفُ وَالْهَلاَكُ. هَكَذَا عُمِّمَ فِي - الْمِصْبَاحِ - وَقَصَرَهُ صَاحِبُ - الصِّحَاحِ - عَلَى هَلاَكِ الْمَال. وَيُشْتَقُّ مِنْهُ فَيُقَال: تَوِيَ الْمَال - مِنْ بَابِ فَرِحَ - يَتْوَى، فَهُوَ تَوٍ وَتَاوٍ. (221) أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُنَا: فَالتَّوَى هُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ، (222) أَيْ عَجْزُ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ. (223)
155 - الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوِيَ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَمْ يَقُل بِهِ سِوَى الْحَنَفِيَّةِ.
وَالَّذِينَ وَافَقُوا عَلَى الرُّجُوعِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ فِي حَالاَتِ الْغُرُورِ خَاصَّةً، لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فَاسِخًا لِلْحَوَالَةِ - إِنْ صَحَّحُوا انْعِقَادَهَا - بَل سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْخِيَارِ فِي الإِْبْقَاءِ عَلَى عُقْدَةِ الْحَوَالَةِ أَوْ فَسْخِهَا.
لَكِنِ الْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، يَتَحَوَّل الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ نَتِيجَةً لاِعْتِبَارِهَا كَالْقَبْضِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل نِهَائِيًّا، فَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ فَلَسِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَلَسُ قَائِمًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ، وَلاَ بِجَحْدِهِ لِلدَّيْنِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ، إِلاَّ أَنْ غَرَّهُ الْمُحِيل، بِأَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا فَقْرَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ جَحْدَهُ، فَكَتَمَهُ عَنِ الْمُحَال، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ، بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، لَمْ يَتَحَوَّل الدَّيْنُ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمُحِيل. (224)
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ.
156 - نِعْمَ إِذَا شَرَطَ الْمُحَال الرُّجُوعَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ مِنْ قِبَل الْمُحَال عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مَعِينٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُنَا يَخْتَلِفُ نُفَاةُ الرُّجُوعِ بِالتَّوَى: فَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، يَقُولُونَ إِنَّ لَهُ شَرْطَهُ. وَيُعَلِّلُهُ الْبَاجِيُّ قَائِلاً: (وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ شَرَطَ فِيهَا سَلاَمَةَ ذِمَّتِهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ) .
أَمَّا جَمَاهِيرُ الشَّافِعِيَّةِ فَيَرَوْنَ أَنَّ شَرْطَ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْعَجْزِ شَرْطٌ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَبْطُل، ثُمَّ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَبْطُل الْعَقْدُ نَفْسُهُ أَيْضًا. (225)
157 - يَعْتَبِرُ الْحَنَفِيَّةُ التَّوَى نِهَايَةً لِلْحَوَالَةِ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَيَأْتِي. يُخَالِفُهُمْ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الأُْخْرَى وَغَيْرُهُمْ:
فَالشَّافِعِيَّةُ وَاللَّيْثُ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّ التَّوَى لاَ يُعْتَبَرُ نِهَايَةً لِلْحَوَالَةِ، وَبِالتَّالِي لاَ رُجُوعَ بِهِ لِلْمُحَال عَلَى الْمُحِيل. وَكَذَلِكَ يَقُول أَحْمَدُ إِلاَّ أَنَّهُ اسْتَثْنَى فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَا إِذَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُحَال بِإِفْلاَسِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل - إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ عِلْمُ الْمُحَال بِذَلِكَ وَرِضَاهُ بِهِ - (226) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ تَتَّفِقُ مَعَ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ أَيْضًا بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى مَقْبُولٌ وَيُعْمَل بِهِ، وَلَكِنْ بِشَرِيطَةِ عِلْمِ الْمُحِيل بِهَذَا الإِْفْلاَسِ. (227)
وَأَلْحَقُوا بِهِ عِلْمَهُ بِجَحْدِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (ف 155) .
158 - وَبِهَذَا يَتَحَرَّرُ: أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي الرُّجُوعِ بِالتَّوَى ثَلاَثَةٌ:
1 - إِطْلاَقُ الْقَوْل بِهِ: عَلَى خِلاَفٍ فِي تَحْدِيدِ أَسْبَابِهِ أَوْ إِطْلاَقِهَا.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (مَا عَدَا زُفَرَ) ، وَرَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ. (228)
2 - إِطْلاَقُ رَفْضِهِ: وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الشَّافِعِيَّةِ.
3 - وُجُوبُ اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ إِذَا شُرِطَ، وَإِلاَّ فَلاَ رُجُوعَ إِلاَّ فِي حَالاَتِ الْغُرُورِ - وَعَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ.
أَدِلَّةُ الْحَنَفِيَّةِ:
يَسْتَدِل الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ بِالرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى بِمَا يَلِي:
(229) إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ:
159 - فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - فِي الْمُحَال عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ مُفْلِسًا أَنَّهُ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَقَال: (لَيْسَ عَلَى مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَوًى) (230)
وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلاَفُهُ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَجَاءَ عَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ. (231)
(232) - الْمَعْقُول:
160 - قَالُوا: لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ أَنْ يَنُوبَ الثَّانِي عَنِ الأَْوَّل فِي الإِْيفَاءِ، لاَ مُجَرَّدَ نَقْل الْوُجُوبِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، إِذِ الذِّمَمُ لاَ تَتَفَاوَتُ فِي أَصْل الْوُجُوبِ، هَذَا هُوَ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، وَمَا تَعَارَفُوهُ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ. وَعَلَى هَذَا، فَبَرَاءَةُ الْمُحِيل لَمْ تَثْبُتْ مُطْلَقَةً، بَل مَشْرُوطَةً بِعِوَضٍ. فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ هَذَا الْعِوَضُ عَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل فَشَغَلَهَا كَمَا كَانَ. نَظِيرُهُ أَنْ يَهْلِكَ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ، أَوْ يَخْرُجَ مُسْتَحَقًّا، أَوْ يَتَبَيَّنَ بِهِ عَيْبٌ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، إِذِ الْعُرْفُ قَاضٍ بِأَنَّهُ مَا بَذَل الثَّمَنَ إِلاَّ لِيَحْصُل عَلَى مَبِيعٍ سَلِيمٍ، فَإِذَا فَاتَ هَذَا الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ فِي قُوَّةِ الْمَشْرُوطِ، عَادَ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَذَلَهُ. هَذَا قِيَاسٌ لاَ شَكَّ فِي جَلاَئِهِ. (233)
أَدِلَّةُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ:
وَيَسْتَدِل الشَّافِعِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى مُطْلَقًا بِالأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ:
أ - السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ:
161 - فَقَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَْوْسَطِ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (234) هَذَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ تَوًى وَغَيْرِهِ، وَلاَ يُوجَدُ مُخَصِّصٌ لِهَذَا الْعُمُومِ. (235)
ب - آثَارُ الصَّحَابَةِ:
162 - مِنْ ذَلِكَ: (أَنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَانَ لَهُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ دَيْنٌ فَأَحَالَهُ بِهِ، فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَال: اخْتَرْتَ عَلَيْنَا، أَبْعَدَكَ اللَّهُ) وَرَوَى ابْنُ حَزْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ لأَِبِيهِ الْمُسَيِّبِ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَلِرَجُلٍ آخَرَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ: فَقَال ذَلِكَ الرَّجُل لِلْمُسَيِّبِ: أَنَا أُحِيلُكَ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَحِلْنِي أَنْتَ عَلَى فُلاَنٍ، فَفَعَلاَ. فَانْتَصَفَ الْمُسَيِّبُ مِنْ عَلِيٍّ، وَتَلِفَ مَال الَّذِي أَحَالَهُ الْمُسَيِّبُ عَلَيْهِ. فَأَخْبَرَ الْمُسَيِّبُ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَال لَهُ عَلِيٌّ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ. (236)
أَدِلَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ:
162 م - الْمَالِكِيَّةُ فِي اسْتِدْلاَلِهِمْ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ فِي التَّوَى إِلاَّ فِي حَالَتَيِ الشَّرْطِ أَوِ الْغُرُورِ يَقُولُونَ:
إِنَّ أَدِلَّةَ الشَّافِعِيَّةِ فِي رَفْضِ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا مُخَصَّصَةٌ بِهَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ التَّالِيَيْنِ وَلَيْسَتْ عَلَى إِطْلاَقِهَا:
(236) الْمُحَال عَلَى مُفْلِسٍ يَجْهَل إِفْلاَسَهُ كَمُشْتَرِي السِّلْعَةِ يَجْهَل عَيْبَهَا، إِذِ الإِْفْلاَسُ عَيْبٌ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ بِالْعَيْبِ. وَهَكَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ (238) الْمُحِيل الَّذِي يَكْتُمُ إِفْلاَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ كَالْبَائِعِ يُدَلِّسُ عَيْبَ الْمَبِيعِ، فَيَجِبُ أَنْ تَقَعَ الْمَسْئُولِيَّةُ عَلَى الْمُدَلِّسِ، وَلاَ تَقْتَصِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ. هَكَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَإِنَّمَا خَصُّوا بِالذِّكْرِ فِي قِيَاسِهِمْ حَالَةَ التَّدْلِيسِ مِنْ حَالاَتِ الرَّدِّ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ، مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ سَوَاءٌ أَدَلَّسَ الْبَائِعُ أَمْ لَمْ يُدَلِّسْ، لأَِنَّ لِلذِّمَمِ خَفَاءً وَسَرِيَّةً لاَ تُعْلَمُ، فَصَارَتْ أَشْبَهَ بِالْمَبِيعِ الَّذِي يُجْهَل بَاطِنُهُ، وَهَذَا لاَ رَدَّ بِعَيْبِهِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ عَنْ تَدْلِيسٍ. (239)
أَسْبَابُ التَّوَى:
163 - لِلتَّوَى - فِي الْحَوَالَةِ بِنَوْعَيْهَا الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ - سَبَبَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَثَلاَثَةُ أَسْبَابٍ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ. وَتَنْفَرِدُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الأَْسْبَابِ أَرْبَعَةً فِي الْجُمْلَةِ. (238)
(أَوَّلاً) مَوْتُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا قَبْل الأَْدَاءِ.
(ثَانِيًا) جَحْدُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَلاَ بَيِّنَةَ.
(ثَالِثًا) تَفْلِيسُ الْقَاضِي لِلْمُحَال عَلَيْهِ.
(رَابِعًا) تَلَفُ الأَْمَانَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ، أَوْ ضَيَاعُهَا.
أَوَّلاً - مَوْتُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا قَبْل الأَْدَاءِ:
164 - وَذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَتْرُكَ مَا يَقْضِي مِنْهُ دَيْنَ الْمُحَال، وَلاَ كَفِيلاً بِهِ.
أَمَّا إِذَا تَرَكَ مَا يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُ الْمُحَال - مَهْمَا كَانَ مَا تَرَكَهُ، وَلَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ - فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ إِفْلاَسُهُ، وَلاَ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل، مَهْمَا تَكُنِ الأَْسْبَابُ وَالْمَعَاذِيرُ. حَتَّى إِنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مَلِيئًا وَلَهُ دَيْنٌ سَيُفْضِي انْتِظَارُ قِسْمَتِهِ إِلَى تَأْخِيرِ أَدَاءِ الْحَوَالَةِ لِمَا بَعْدَ الأَْجَل لاَ يَكُونُ لِلطَّالِبِ أَنْ يَتَعَلَّل بِذَلِكَ لِيَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل، لِبَقَاءِ الْحَوَالَةِ، إِذِ التَّرِكَةُ خَلَفٌ عَنْ صَاحِبِهَا فِي الْمَقْصُودِ هُنَا، وَهُوَ قَضَاءُ الدَّيْنِ.
فَإِنْ كَانَ مَا تَرَكَهُ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَفِي إِلاَّ بِبَعْضِ دَيْنِ الْمُحَال، فَلاَ إِفْلاَسَ وَلاَ تَوَى إِلاَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِ. وَلِذَا يَقُولُونَ: (إِذَا مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدْيُونًا، قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَبَيْنَ الْمُحَال بِالْحِصَصِ، وَمَا بَقِيَ لَهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيل) . (241)
165 - كَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ كَفِيلاً بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ، لاَ يُعَدُّ مُفْلِسًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - لأَِنَّ الْكَفِيل قَائِمٌ مَقَامَ الأَْصِيل، وَخَلَفٌ عَنْهُ - إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ الْكَفِيل أَيْضًا مُفْلِسًا، أَوْ يُبَرِّئَهُ الْمُحَال - لأَِنَّ هَذَا الإِْبْرَاءَ كَالْفَسْخِ لِلْكَفَالَةِ مَعْنًى - وَهَذَا وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ صَاحِبُ الْخُلاَصَةِ، حِينَ قَال: (إِنَّ الْمُحَال لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيل بَعْدَ مَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيل) . (242)
هَذَا، وَفِي حَالَةِ الْكَفَالَةِ بِبَعْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ التَّوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِ لاَ غَيْرُ.
166 - وَلِهَذَا وَذَاكَ يَقُول فِي " الْبَزَّازِيَّةِ ": أَخَذَ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمَال كَفِيلاً، ثُمَّ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، لاَ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، سَوَاءٌ كَفَل بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْكَفَالَةُ حَالَّةً أَمْ مُؤَجَّلَةً، أَمْ كَفَل حَالًّا ثُمَّ أَجَّلَهُ الْمَكْفُول لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ - أَيْ بِالْمَال - كَفِيلٌ، وَلَكِنْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ وَرَهَنَ بِهِ رَهْنًا، ثُمَّ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، عَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَلَوْ كَانَ الْمُحَال مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ فَبَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ حَتَّى مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، وَالثَّمَنُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ. (243)
ثَانِيًا - جَحْدُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ، وَلاَ بَيِّنَةَ: (244)
167 - إِذَا جَحَدَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ، وَلاَ بَيِّنَةَ عَلَيْهَا، فَقَدْ تَحَقَّقَ التَّوَى بِهَذَا السَّبَبِ. فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْبَل هَذَا الْجَحْدَ مَعَ وُجُودِ بَيِّنَةٍ عَلَى الْحَوَالَةِ، سَوَاءٌ أَقَامَهَا الْمُحَال أَمِ الْمُحِيل. فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوَالَةِ يَحْلِفُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْيَمِينَ: أَنْ لاَ حَوَالَةَ عَلَيْهِ، وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْقَائِلَةِ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ".
فَإِذَا قَبِل مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ جَحْدَهُ هَذَا وَقَضَى بِمَنْعِ الْمُحَال عَنْهُ فَقَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ، أَيْ أَنَّهُ تَوَى. (245)
ثُمَّ إِذَا أَرَادَ الْمُحَال الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل بِحُجَّةِ التَّوَى بِسَبَبِ هَذَا الْجَحْدِ لاَ يَثْبُتُ الْجَحْدُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمُحَال لأَِجْل الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْجَحْدِ بِالْبَيِّنَةِ.
عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لاَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِمُقْتَضَاهَا إِلاَّ بِحُضُورِ الْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى غَائِبٍ، لَكِنِ الْمُحَال يَكْفِي مَئُونَةَ هَذَا الْقَضَاءِ إِذَا صَدَّقَهُ الْمُحِيل فِي دَعْوَى الْجَحْدِ، فَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ. (246) ثَالِثًا - تَفْلِيسُ الْقَاضِي الْمُحَال عَلَيْهِ: (247)
168 - وَمَعْنَاهُ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِإِفْلاَسِهِ بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ حَالُهُ.
وَلَيْسَ حَتْمًا أَنْ يَكُونَ ظُهُورُ الْحَال الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ الْقَاضِي حُكْمَهُ بِالإِْفْلاَسِ عَنْ شَهَادَةِ شُهُودٍ - وَإِنْ كَانَ هَذَا احْتِيَاطًا حَسَنًا - فَإِنَّهَا شَهَادَةُ نَفْيٍ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، بَل يَكْفِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ. وَفِي مَوْضُوعِنَا هَذَا لاَ يَكُونُ التَّفْلِيسُ إِلاَّ بَعْدَ الْحَبْسِ. (248)
169 - وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الأَْصْل الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ إِمْكَانُ تَحَقُّقِ التَّوَى بِالتَّفْلِيسِ، مَا إِذَا مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ دَيْنًا عَلَى مُفْلِسٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لاَ تَوَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ: بَل يَحْصُل التَّوَى بِتَفْلِيسِ الْقَاضِي لِهَذَا الْمَدِينِ. (249)
رَابِعًا - تَلَفُ الأَْمَانَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ أَوْ ضَيَاعُهَا: (250)
170 - إِذَا أَصَابَ الْوَدِيعَةَ مَثَلاً تَلَفٌ أَوْ ضَيَاعٌ وَلَوْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْوَدِيعِ - كَمَا لَوِ ادَّعَى ضَيَاعَ الدَّنَانِيرِ الْمُودَعَةِ عِنْدَهُ - تَكُونُ النَّتِيجَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ انْفِسَاخَ الْحَوَالَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا، وَبَرَاءَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِذَنْ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل كَمَا كَانَ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ، ذَلِكَ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لَمْ يَلْتَزِمِ التَّسْلِيمَ مُطْلَقًا، بَل مُقَيَّدًا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُعَيَّنُ، فَلَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ بِشَيْءٍ مَا.
بِخِلاَفِ الْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ - كَالْمَغْصُوبِ - فَإِنَّ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِهَا لاَ تَنْفَسِخُ بِفَوَاتِهَا، لأَِنَّهَا تَفُوتُ - إِنْ فَاتَتْ - إِلَى خَلَفٍ، مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ، فَتَتَعَلَّقُ الْحَوَالَةُ بِهَذَا الْخَلَفِ، فَإِنْ فَاتَتْ لاَ إِلَى خَلَفٍ بِأَنْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً - بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ مِنْ أَصْلِهَا، (251) كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ (ر: ف 144) .
آثَارُ التَّوَى:
171 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ التَّوَى فِي دَيْنِ الْحَوَالَةِ وَثَبَتَ بِأَحَدِ أَسْبَابِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرَانِ:
(أَوَّلاً) - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ، فَتَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا أَحْكَامُهَا.
(ثَانِيًا) - رُجُوعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ: لأَِنَّ بَرَاءَةَ الْمُحِيل مِنْ هَذَا الدَّيْنِ كَانَتْ مَشْرُوطَةً بِسَلاَمَةِ عَاقِبَةِ الْحَوَالَةِ، أَيْ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمَحَل الثَّانِي، فَلَمَّا انْتَفَتِ الشَّرِيطَةُ انْتَفَى الْمَشْرُوطُ، وَعَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل كَمَا كَانَ. وَإِذَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ لِلْمُحَال جَمِيعُ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ تُجَاهَ مَدِينِهِمْ، كَالْمُطَالَبَةِ وَالْمُقَاضَاةِ.
نَعَمْ لاَ رُجُوعَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ إِذَا هُوَ أَحَال الطَّالِبَ عَلَى الْمُحَال نَفْسِهِ، فَتَوِيَ الْمَال عِنْدَهُ - وَإِنْ كَانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ (أَيْ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ) حِينَئِذٍ أَنَّهُ مَحَلٌّ تَوِيَ مَال حَوَالَتِهِ -
وَفِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ إِذَا اشْتُرِطَتْ بَرَاءَةُ الأَْصِيل صَرَاحَةً - رَغْمَ أَنَّ مُقْتَضَاهَا هَذِهِ الْبَرَاءَةَ دُونَ شَرْطٍ - هَل يَرْجِعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل فِي حَالَةِ التَّوَى؟ إِنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهَا حَوَالَةً أَنْ تَثْبُتَ أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل بِسَبَبِ التَّوَى، وَمُقْتَضَى شَرْطِ الْبَرَاءَةِ صَرَاحَةً عَدَمُ هَذَا الرُّجُوعِ، لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الرُّجُوعِ بِالتَّوَى فَي هَذِهِ الْحَالَةَ. (252)
وَهْم يَخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّةِ عَوْدِ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل حِينَئِذٍ:
(252) فَمِنْ قَائِلٍ إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ طَرِيقَ الْفَسْخِ: أَيْ أَنَّ الْمُحَال هُوَ الَّذِي يَفْسَخُ الْحَوَالَةَ مَتَى تَحَقَّقَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّوَى، وَمِنْ ثَمَّ يُعَادُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُحِيل، كَالْمُشْتَرِي إِذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، لِفَوَاتِ وَصْفِ السَّلاَمَةِ الْمَشْرُوطِ عُرْفًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
(2) وَمِنْ قَائِلٍ: بَل عَنْ طَرِيقِ الاِنْفِسَاخِ التِّلْقَائِيِّ: دُونَ حَاجَةٍ إِلَى تَدَخُّل الْمُحَال، نَظِيرُ الْبَيْعِ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ دُونَ تَدَخُّلٍ مِنْ أَحَدٍ، لِفَوَاتِ وَصْفِ السَّلاَمَةِ، وَيَعُودُ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ، فَكَذَلِكَ هُنَا - بِنَفْسِ الْعِلَّةِ - تَنْفَسِخُ الْحَوَالَةُ تِلْقَائِيًّا عِنْدَ التَّوَى، وَيَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل.
(3) وَمِنْ قَائِلٍ: إِنْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْجُحُودَ فَالطَّرِيقُ هُوَ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَوْتَ عَنْ إِفْلاَسٍ فَالطَّرِيقُ هُوَ الاِنْفِسَاخُ. (1)
وَلاَ يَخْفَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الاِخْتِلاَفِ مِنْ آثَارٍ عَمَلِيَّةٍ.
__________
(1) المصباح المنير مدة: " حول ".
(2) الزيلعي على الكنز 4 / 171 وقد أخذت المجلة بهذا التعريف في المادة / 673، والبدائع 6 / 17 وفتح القدير 5 / 443 والبحر على الكنز 6 / 240 وحاشية التحفة على ابن سودة 2 / 33 ومغني المحتاج 2 / 193 ونهاية المحتاج 4 / 408 والباجوري على ابن قاسم 1 / 391 وشرح منتهى الإرادات 1 / 416.
(3) ابن عابدين 4 / 289.
(4) المصباح المنير مادة: " ضمن ".
(5) المغني 4 / 590.
(6) الموسوعة الفقهية 1 / 42 (ف / 1) .
(7) نيل الأوطار 5 / 237 قال جمهور المحدثين: إن تاء (فليتبع) مشددة، والاستعمال القرآني يؤيده: " فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " سورة البقرة / 178 ولكنهم ينقلون عن الخطابي أن الصواب في الحديث التخفيف من حيث الرواية. وحديث: " مطل الغني ظلم. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 464 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1197 - ط الحلبي) .
(8) حديث: " ومن أحيل على مليء فليتبع ". أخرجه الطبراني في الأوسط كما في نصب الراية (4 / 60 - ط المجلس الهندي العلمي) .
(9) حديث: " ومن أحيل على مليء فليحتل ". أخرجه ابن أبي شيبة (7 / 79 - ط الدار السلفية - بمبي) وإسناده صحيح.
(10) حديث: " وإذا أحلت على ملئ فاتبعه ". أخرجه الترمذي (3 / 592 - ط الحلبي) وابن ماجه (2 / 803 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر وأعلّه البوصيري بالانقطاع بين يونس بن عبيد ونافع.
(11) فتح القدير على الهداية 5 / 444 والبجيرمي على المنهج 3 / 20. والمطل في الحديث فسره الأزهري بإطالة المدافعة ويقرب منه ما قاله ابن سيده من أنه التسويف في الوعد. والملئ أو الملي في الفقه هو الغني المقتدر على السداد كما في المصباح أو هو الثقة الغني كما في اللسان.
(12) مطالب أولي النهى 3 / 324.
(13) الزيلعي على الكنز 4 / 174، ومطالب أولي النهى 4 / 174.
(14) فتح القدير على الهداية 5 / 444 والبجيرمي على المنهج 3 / 20 والمغني لابن قدامة 5 / 60.
(15) حاشية الباجوري على ابن قاسم 1 / 391 ونهاية المحتاج على المنهاج بحواشيها 5 / 408، والبجيرمي على المنهج 3 / 119.
(16) المغني لابن قدامة 5 / 54 والأشباه والنظائر بحاشية الحموي 2 / 213.
(17) حاشية ابن عابدين على البحر 6 / 274 ومثله في الأشباه والنظائر لابن نجيم 2 / 213، وبداية المجتهد 2 / 299، والمهذب 1 / 337.
(18) الماصدق في اصطلاح علماء المعقول هو كلمة مركبة من حرف النفي والفعل الماضي من الصدق، ومعناها ما يتحقق به مدلول اللفظ في الوجود. ويجعلون إعرابها بحركة على الحرف الأخير (القاف) كما لو كانت كلمة واحدة. فالماصدق الخارجي بالنسبة إلى الدين هو ما يتحقق به مدل
(19) جامع الفصولين 1 / 164. ونص عبارتهم: " قضية العقد في جانب المبيع ثبوت الملك في العين، وقضيته في جانب الثمن وجوب الثمن في الذمة " لكنهم استثنوا ما إذا كان الثمن بطبيعته سلعة محضة (جامع الفصولين 1 / 164 - 167) وهي حالة المقايضة، وفيها يكون كل من العوضي والحموي على الأشباه 2 / 158 والحواشي على النهاية شرح المنهاج 4 / 408.
(20) يتضح من سياق كلامه أن مراده بالدين الواجب هو الثابت الذي ينشئه العقد نفسه لا الواجب قبلا، وكذا مراده بالساقط الدين الذي يسقطه من الذمة العقد نفسه وبهذا التفسير يصبح كلامه واضح الصور.
(21) النهاية وحواشيها على منهاج الطالبين 4 / 408، أعلام الموقعين 1 / 388 - 389.
(22) الأشباه والنظائر للسيوطي 336.
(23) ابن عابدين على الدر المختار 4 / 294، والمهذب 1 / 338، والمغني لابن قدامة 5 / 54، والإنصاف 5 / 222.
(24) بداية المجتهد 2 / 300 (والمراد أنه إذا اعتبر من قبيل البيع أصبح خاضعا لحكم بيع الدين بالدين الذي ورد فيه النهي عن بيع الكالئ بالكالئ) . والخرشي على خليل بحاشية العدوي 4 / 234، والدسوقي على الشرح الكبير 3 / 325.
(25) حديث: " مطل الغني ظلم، وإذا. . . ". سبق تخريجه ف / 7.
(26) سورة البقرة / 178.
(27) أعلام الموقعين 1 / 389 - 390، والأشباه والنظائر مع الحموي 2 / 209 - 210.
(28) البحر على الكنز 6 / 274 والبدائع 6 / 16.
(29) مجمع الأنهر 2 / 578.
(30) الأشباه والنظائر بحاشية الحموي 2 / 211 وفتح القدير على الهداية 5 / 450 وابن عابدين في رد المحتار 4 / 268 و 293.
(31) فإذا كان الدين مؤجلا على المحيل فأحال به على دين حال هل تكون حوالة حالة صحيحة؟ لم نر للحنفية نصا، ولكن قياس ما قالوه من صحة اشتراط تأجيل المحال يقتضي صحتها بل هي أولى، لأنها تبرع من جانب المحيل بالتخلي عن الأجل، وهكذا نص كثيرون غير الحنفية (ر: ف / 9
(32) فتح القدير على الهداية 5 / 451 والمبسوط للسرخسي 20 / 71 والبحر 6 / 267 وابن عابدين على الدر المختار 4 / 170.
(33) البحر على الكنز 6 / 270 وابن عابدين مع رد المحتار 4 / 275، 295، والحموي على الأشباه 2 / 46.
(34) المبسوط للسرخسي 20 / 70 - 71، وجامع الفصولين 2 / 154 والحموي على الأشباه 2 / 47 - 48.
(35) المنتقى على الموطأ 5 / 68.
(36) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 194 والمغني لابن قدامة 5 / 57.
(37) الخرشي على خليل 4 / 233، والمنتقى على الموطأ 5 / 69.
(38) المبسوط للسرخسي 20 / 54، ونهاية المحتاج على المنهاج 4 / 414 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 194 والخرشي على خليل 4 / 233 وغاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى 2 / 115.
(39) البدائع 6 / 15، 16، والبحر على الكنز 6 / 268، فتح القدير 5 / 445، والخرشي على خليل 4 / 233، 235، وبلغة السالك إلى أقرب المسالك 2 / 153، ومغني المحتاج 2 / 15، 193، والبجيرمي على المنهج 3 / 23، والنهاية على المنهاج 4 / 409، 413، والمغني 5 / 55، 58، 60، والفروع 2 / 46، والقواعد لابن رجب ص32، قاعدة 23، ومطالب أولي النهى 3 / 324، وكشف المخدرات ص 254، وغاية المنتهى 2 / 114، والإنصاف 5 / 115.
(40) البدائع 6 / 15، فتح القدير على الهداية 5 / 443 والبحر على الكنز 6 / 267، 268. وقد يطلق القبول - بشيء من التجوز - ويراد به التعبير في مجلس العقد عن الرضا، سواء تمثل في المبادأة أم في التعقيب المتمم (ابن عابدين على الدر 4 / 290) . والأشباه والنظائر بحاشية الحموي 2 / 299، ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 5.
(41) البدائع 6 / 16، 269، والبحر على الكنز 6 / 268، 269 خلافا لما قرره صاحب البدائع من اشتراط مجلس العقد. وقد وافقه على ذلك صاحب البحر أولا، ثم عاد في موضع آخر فنقل هو ومحشوه خلافه (أي عدم اشتراط مجلس العقد) عن البزازية والخانية والخلاصة والدرر والغرر.
(42) مجمع الأنهر 2 / 125 وجامع الفصولين 1 / 169 والبحر الرائق 6 / 239 ونصت على ذلك المجلة م (648) و (649) ومرشد الحيران م (891) والفتاوى الهندية 3 / 304 ومغني المحتاج 2 / 194 وكشف المخدرات 254 والإنصاف 5 / 115 وغاية المنتهى 2 / 114.
(43) الخرشي على خليل 4 / 233.
(44) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 194 وكشاف القناع 3 / 383.
(45) الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 327 وبلغة السالك على أقرب المسالك 2 / 153.
(46) الخرشي على خليل 4 / 232 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 192 - 193 والمغني لابن قدامة 5 / 58.
(47) البدائع 6 / 16.
(48) فتح القدير 5 / 44، وابن عابدين على الدر 4 / 289 اشترط مرشد الحيران رضا الأطراف الثلاثة كشرائط صحة انعقاد في المادة (882) ، ولكنه بعد أن اشترط رضا المحيل لصحة الحوالة في هذه المادة عاد في المادة (887) إلى عدم اشتراط رضا المحيل لصحة الحوالة، وإنما للرجوع عليه. أما المجلة فقد صححت في المادة (681) الحوالة المنعقدة بين المحال والمحال عليه وحدهما.
(49) فتح القدير على الهداية 5 / 444.
(50) فتح القدير على الهداية 5 / 444 وأبو السعود على ملا مسكين 3 / 20 وبرأي أبي يوسف أخذت المجلة في المادة (683) فاعتبرت رضا المحال شريطة نفاذ إذا عقدت الحوالة بإرادة الطرفين الآخرين. والخرشي على خليل 4 / 232 - 233 والمهذب 1 / 337 - 338 والفروع 2 / 626 والإنصاف 5 / 228 وقواعد ابن رجب ص 32.
(51) الحديثان تقدم تخريجهما ف / 7.
(52) الإنصاف 5 / 228 والمهذب 1 / 338.
(53) حديث: " من أحيل على مليء. . . " سبق تخريجه ف / 7.
(54) الرهوني على خليل 5 / 395 وبداية المجتهد 2 / 299 ومغني المحتاج 2 / 149 والمغني لابن قدامة 5 / 60.
(55) فتح القدير على الهداية 5 / 444، والبحر على الكنز 6 / 217.
(56) حديث: " البينة على المدعي واليمين. . . " أخرجه البيهقي (10 / 252 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس. وإسناده صحيح.
(57) الزيلعي على الكنز 4 / 173، والفتاوى الهندية 3 / 304 وأبو السعود على ملا مسكين 3 / 22.
(58) فتح القدير 5 / 450.
(59) ابن عابدين على الدر 4 / 293.
(60) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 197 ونهاية المحتاج 4 / 417 والمغني لابن قدامة 5 / 63 - 64 والفروع 2 / 629 ومطالب أولي النهى 3 / 331 والخرشي على خليل 4 / 237 وكلامهم إنما هو في حالة الاتفاق لوقوع العقد بلفظ الحوالة، ولكن حالة الاختلاف في اللفظ أولى بما رجحوه.
(61) نهاية المحتاج على المنهاج بحواشيه 4 / 417 ومغني المحتاج 2 / 197 والمهذب 1 / 339 والمغني لابن قدامة 5 / 64 و 65 والفروع 2 / 629.
(62) المهذب 1 / 339 ونهاية المحتاج 4 / 417 ومغني المحتاج 2 / 197 - 198 والمغني لابن قدامة 5 / 65 و 66.
(63) الخرشي على خليل 4 / 232 والمنتقى على الموطأ 5 / 69 ومغني المحتاج 2 / 5 وشرح ابن سودة للتحفة 2 / 33 ومطالب أولي النهى 3 / 327. نص مرشد الحيران في المادة 882 على عدم اشتراط حضور المحال عليه مع اشتراط رضاه. كما قررت المجلة في المادة 682 صحة الحوالة المنعقدة بين المحيل والمحال دون حضور المحال عليه إذا أخبر بها وقبلها.
(64) هذا صحيح استنباطا من نصوصه. فقد قال فيمن أحيل عليه بأكثر من الدين الذي عليه: " تكون حوالة في مقداره، حمالة في الباقي " فإنه صريح في أنه لا يشترط إقراره، وإذا كان لا يشترط إقراره ولا الكشف عن ذمته فلا معنى لاشتراط حضوره.
(65) الخرشي على خليل 4 / 235 وحواشي التحفة للعراقي 2 / 33 - 34.
(66) ابن عابدين 4 / 290 ومغني المحتاج 2 / 197 - 198 ومطالب أولي النهى 3 / 327.
(67) ابن عابدين على الدر المختار 4 / 290. وعلى وزانه يقال - على طريقة أبي يوسف التي آثرناها: - " الشريطة قبول أحدهما في المجلس، ورضا الآخر ولو غائبا " وواضح أنه عندما يقال: قبول في مجلس العقد يكون المفروض سبق الإيجاب فيه نفسه.
(68) جامع الفضولين 2 / 2 والبحر 6 / 241، وستأتي قريبا أمثلة هذه الأنواع من الشروط.
(69) ابن عابدين 4 / 266، 295 والبحر 6 / 241.
(70) مغني المحتاج 2 / 195 وكشاف القناع 3 / 383 - 385 وبداية المجتهد 2 / 160.
(71) مجمع الأنهر 2 / 422، 423، 426، والخرشي على خليل 4 / 204 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 148، 172.
(72) ابن عابدين على الدر المختار 4 / 481 ومغني المحتاج 2 / 198 والمغني لابن قدامة 5 / 56، 61 و 69 والخرشي على خليل 4 / 233 ونهاية المحتاج على المنهاج 4 / 410، ونيل المآرب 1 / 382.
(73) الخرشي على خليل 4 / 232، 233 والمهذب 1 / 337، 338، وقد أخذ بهذه الشريطة مرشد الحيران في المادة 880 والمجلة في المادة 684، والفروع 2 / 626 والإنصاف 5 / 228 وقواعد ابن رجب 32.
(74) حواشي ابن عابدين على البحر 6 / 268، والمهذب 1 / 338 والإنصاف 5 / 228.
(75) البحر على الكنز 6 / 269 وابن عابدين على الدر المختار 4 / 295. وإلى هذا ذهبت المجلة في المادة 696 ومرشد الحيران في المادة 895.
(76) المغني لابن قدامة 5 / 60 وواضح أنهم يعنون أن المحال يحسب أنه مازال مليئا. والخرشي على خليل 4 / 235 - 236، والرهوني 5 / 407 والبجيرمي على المنهج 3 / 23.
(77) المغني لابن قدامة 5 / 60 ومطالب أولي النهى 3 / 328.
(78) سورة الأنعام / 153 والإسراء / 35.
(79) حواشي البحر لابن عابدين مع البحر 6 / 268، 275، والبدائع 6 / 16. والمنطق يقتضي عدم اشتراط الأملئية، لأن أرباب الولايات الشرعية إنما يتصرفون على وجه الغبطة والنظر لمن تحت ولايتهم. فإن ثبت أن القول الآخر هو الصحيح في المذهب فلا كلام. وقد أخذت المجلة بهذه الشريطة في المادة 685 وكذا مرشد الحيران في المادتين 881 و 889.
(80) سورة البقرة / 220.
(81) نهاية المحتاج على المنهاج 4 / 409 - 410 والبجيرمي على المنهج 3 / 20 و 23 والحاوي للفتاوى 1 / 167.
(82) مطالب أولي النهى 3 / 327 و 329.
(83) الفتاوى الهندية 3 / 304 وقد أخذت المجلة بجواز الحوالة المطلقة في المادة 686 وكذلك مرشد الحيران في المادة 878
(84) الخرشي على خليل 4 / 232 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 149، 198 ونهاية المحتاج على المنهاج 4 / 414 ومطالب أولي النهى 3 / 326 لكن أبا حنيفة (﵁) ، وحده دون صاحبيه يرى عدم صحة كفالة دين الميت بعد موته إذا لم يترك مالا، لأن دينه عندئذ كالساقط من الذمة لعدم إمكان المطالبة به (ر: كشف الأسرار على أصول البزدوي 4 / 315) .
(85) البحر6 / 276 ونهاية المحتاج على المنهاج 4 / 414 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 194 والخرشي على خليل 4 / 233 وغاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى 2 / 115 والفروع 2 / 623.
(86) البحر الرائق 6 / 296، وابن عابدين 4 / 290.
(87) مجمع الأنهر 2 / 123 وابن عابدين على الدر المختار 4 / 251، 263 والمجلة م 688.
(88) أبو السعود على ملا مسكين 3 / 7، وقد يمكن اعتباره دينا ضعيفا للسبب عينه. والخرشي على خليل 4 / 233 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 194 والإنصاف 5 / 225.
(89) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 194، 202، والبجيرمي على المنهج 3 / 21، والباجوري على ابن قاسم 1 / 392 والأشباه والنظائر للسيوطي ص 151 ومطالب أولي النهى 3 / 325 - 326.
(90) حديث: " من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " أخرجه أبو داود (3 / 744 - 745 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (2 / 766 - ط الحلبي) وأعله المنذري بضعف أحد رواته. مختصر السنن (5 / 113 - نشر دار المعرفة) .
(91) حديث: " نهى عن بيع مالم يقبض ". ورد فيه حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 349 - ط السلفية) .
(92) حاشية ابن عابدين على الدر المختار 4 / 263، والمبسوط 20 / 47، والإنصاف 5 / 223، والنهاية على المنهاج وحواشيها 4 / 410 - 411 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 194. ولعل هذا من قبيل التفريع على الأصل الآخر: أعني أن الحوالة استيفاء لا بيع (الأشباه والنظائر للسيوطي 151) .
(93) فقد أجاز أشهب الحوالة إذا اتفق الطعامان في سبب الاستحقاق من سلم أو غيره، وتساوت رؤوس الأموال أو الأثمان وتكون عندئذ من قبيل التولية (بداية المجتهد 2 / 300 والتحفة لابن عاصم وحواشيها للعراقي 2 / 34) .
(94) وهو جدير بأن يمثل المذهب المالكي حقا.
(95) الخرشي على خليل 4 / 235 والتحفة لابن عاصم وحواشيها للعراقي 2 / 34.
(96) الرشيدي على النهاية على المنهاج 4 / 78 والفروع 2 / 624 والإنصاف 5 / 223.
(97) الفروع 2 / 625. ولا يظهر لهذه الشريطة وجه وجيه في المحال به، مادام المدين يملك حق إيفاء دينه قبل استقراره، كما سنرى في كلام ابن قدامة المقدسي الذي سننقله قريبا في المال المحال عليه، وفي كلام المجد ابن تيمية.
(98) الفروع وتصحيحه 2 / 625 والإنصاف 5 / 223 والمغني 5 / 55 - 56.
(99) ولم نجد لغيره في أي مذهب آخر، والمالكية أنفسهم مترددون في قبوله (ر: الخرشي على خليل وحواشيها 4 / 233) ولو قبل فليس منافيا للزوم العقد، بل عقد الحوالة لازم مالم يوجد ما يقضي التخيير فيه كعقد البيع فإنه لازم بعد مدة الخيار، وقد يلحقه بعد ذلك خيار العي
(100) البحر الرائق 6 / 270.
(101) وقد يجمعه كل تحديد المصنع الذي لا ينتج إلا ما هذه صفته.
(102) الموضحة: درجة من شج الرأس في الجنايات وهي التي تكشف العظم. (المصباح المنير مادة وضح) .
(103) المهذب 1 / 337 وحاشية الباجوري على ابن قاسم 1 / 395 والمغني لابن قدامة 5 / 57 والفروع 2 / 623.
(104) نهاية المحتاج 4 / 412 والبجيرمي على المنهج 3 / 22.
(105) من هذه الدلائل أن تعليل الحنفية لشريط المعلومية في المال المحال به " بأن المجهول يمتنع الاعتياض عنه لما فيه من الغرر " قد يفيد اشتراط المعلومية في المال المحال عليه كذلك.
(106) الرهوني على خليل 5 / 397، 402 - 403، والمنتقى للباجي على الموطأ 5 / 67 وكشاف القناع 3 / 384.
(107) المنتقى 5 / 70 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 194.
(108) الخرشي على خليل 4 / 234.
(109) البحر 6 / 275 فإذا كانت رعاية المصلحة تقتضي التأجيل - كما في زمان النهب والسلب - ماذا يكون حكمه؟ لم أر لهم نصا والمنطق جوازه.
(110) المهذب 1 / 207، 337 والمغني لابن قدامة 5 / 57. أقول: إن المذهب الحنفي لا يقتصر في تحديد المال المثلي على المكيل والموزون بل يضيف إليه المعدود المتقارب كالبيض والجوز، والمذروع المتماثل الأجزاء كالمنسوجات القطنية والصوفية اليوم فالمثلي عندهم كل ما تضبطه هذه المقاييس الأربعة (الكيل والوزن والعد والذر
(111) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 194، وبداية المجتهد 2 / 299، ونهاية المحتاج على المنهاج 4 / 411 والفروع 2 / 623.
(112) نهاية المحتاج 4 / 412 وفتاوى السيوطي 1 / 167 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 195، 4 / 413 والبجيرمي على المنهج 3 / 22.
(113) الخرشي على خليل 4 / 235 والإنصاف 5 / 227.
(114) الفروع 2 / 626 ومطالب أولي النهى 3 / 325 والمبسوط 20 / 47.
(115) نهاية المحتاج على المنهاج 4 / 412 والبجيرمي على المنهج 3 / 22 وعلى هذا التفسير تغني هذه الشريطة عن شريطة العلم بكلا الدينين، لأن العلم بالتساوي يستلزم العلم بالمتساويين.
(116) المبسوط 20 / 47 والخرشي على خليل وحواشيه 4 / 235 أما رأس مال السلم فأصولهم تقتضي امتناع الحوالة به وعليه ولكن لم نجد لهم فيه نصا. نهاية المحتاج على المنهاج وحواشيها 4 / 408.
(117) مغني المحتاج على المناهج 2 / 194 وكشف المخدرات 225.
(118) نهاية المحتاج على المنهاج 4 / 417 والمهذب 1 / 342 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 220 والمغني لابن قدامة 5 / 69.
(119) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع 10 / 355.
(120) قررت هذه الشريطة المجلة (م / 685) ومرشد الحيران (م / 881) .
(121) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 172 والخرشي على خليل 4 / 232 و 233 والمهذب 1 / 337 - 338 والفروع 2 / 626. وأخذت بها المجلة في المادة 685 ومرشد الحيران في المادة 881.
(122) البدائع 6 / 28 موضحا. ومجمع الأنهر 2 / 277، والمبسوط 20 / 71 وجامع الفصولين 2 / 18 وحواشي ابن عابدين على البحر شرح الكنز 6 / 268، 275.
(123) سورة البقرة / 220.
(124) مغني المحتاج 2 / 15 ونهاية المحتاج على المنهاج 4 / 409 - 410 والبجيرمي على المنهج 3 / 20 و 23 والحاوي للفتاوى 1 / 167.
(125) شرح النيل 4 / 627 وبداية المجتهد 2 / 172 والفروع 2 / 466 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 15 ونيل الأوطار 5 / 155. وحديث " لا بيع إلا فيما تملك ". أخرجه أبو داود (2 / 640 تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن.
(126) حديث: " لا تبع ما ليس عندك ". أخرجه الترمذي (4 / 430 - تحفة الأحوذي - ط السلفية) وحسنه الترمذي.
(127)
(128)
(129) المهذب 1 / 238 والمغني لابن قدامة 5 / 54.
(130) ويقول ابن نجيم في الأشباه 2 / 192: " الحوالة لازمة إلا في مسألتين " ولم يبينهما.
(131) البحر 6 / 272 وابن عابدين على الدر المختار 4 / 48.
(132) ابن عابدين 4 / 58 والبحر 6 / 272.
(133) يلحظ أن الحوالة هنا مستعملة بمعنى المال المحال به.
(134) ظاهره أنه ينتظر حتى بيع الدار حينما يشاء، وعندئذ يطالب بالتأدية من الثمن، والمسألة في البزازية بهامش الفتاوى الهندية 6 / 27، وقد تقدم الخلاف في الإجبار على البيع في هذه المسألة والتوفيق بين الرأيين في شرائط المحال عليه، فليرجع إليه (ف / 62) .
(135) البحر 6 / 269، وجامع الفصولين 1 / 171 وابن عابدين 4 / 120.
(136) البجيرمي على المنهج 2 / 209، ومطالب أولي النهى 3 / 66.
(137) البحر 6 / 269، وجامع الفصولين 1 / 171، وابن عابدين على الدر 4 / 120.
(138) المراجع السابقة.
(139) المراجع السابقة.
(140) أما نصهم على أن للمحال أن يشترط لنفسه حق الرجوع على المحيل متى شاء، ويكون له شرطه (الفتاوى الهندية 3 / 305) فمحمله - فيما أرى - أن الحوالة حينئذ كفالة، نظير ما لو تمت الحوالة على أن المحيل ضامن (الفتاوى الخانية بهامش الهندية 3 / 78 وإن قرره المتأخرون على خلاف ذلك (مرشد الحيران م 897) .
(141)
(142)
(143) ابن عابدين على الدر 4 / 47، 121، والبحر 6 / 267.
(144)
(145) المنتقى على الموطأ 5 / 67، ومغني المحتاج 2 / 96.
(146)
(147)
(148) الشبراملسي مع نهاية المحتاج على المنهاج 4 / 413، الأشباه للسيوطي 151، 152، المهذب 1 / 338، والمغني لابن قدامة 5 / 59 - 60.
(149)
(150) فتح العلي المالك 1 / 212.
(151) البحر 6 / 271، وأبو السعود على ملا مسكين 3 / 21، وابن عابدين 4 / 250، وفتح القدير 5 / 445، والبدائع 6 / 17 - 18.
(152)
(153)
(154) البحر وحواشيه 6 / 269، و 271، والمهذب 1 / 342، ونهاية المحتاج 4 / 444، والمغني لابن قدامة 5 / 83، والفروع 2 / 623، ومطالب أولي النهى 3 / 296 و 298.
(155) الخرشي على خليل 4 / 243 وهو كلام حسن الجرس، ولكن أي طائل تحته؟ ماداموا هم أنفسهم معترفين بأن الحوالة كالقبض، كما وقع في كلامهم غير مرة، ومن ذلك قول الخرشي نفسه: (بمجرد الحوالة يتحول حق المحتال على المحال عليه، وتبرأ ذمة المحيل لأن الحوالة كالقبض)
(156) البحر مع حواشيه 6 / 268 و 269.
(157) شرح المنهاج 2 / 209، مغني المحتاج 2 / 195، والفروع 2 / 623، ومطالب أولي النهى 3 / 296 و 298.
(158) البحر 6 / 267.
(159) الخانية بهامش الفتاوى الهندية 3 / 78.
(160) البحر 6 / 249، والزيلعي وحواشيه 4 / 157، الخرشي على خليل 4 / 241، ونهاية المحتاج 4 / 378، ومطالب أولي النهى 3 / 225، 230.
(161) البجيرمي على المنهج 3 / 23، ومطالب أولي النهى 3 / 297 و 322.
(162) الخرشي على خليل 4 / 247، ومطالب أولي النهى 3 / 322، وفتاوى السبكي 1 / 372، 375، ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 208، ونهاية المحتاج على المنهاج 4 / 444.
(163) البحر 6 / 243، 244 - 271، والمبسوط للسرخسي 20 / 56، 58، وابن عابدين على الدر 4 / 271.
(164) نهاية المحتاج 4 / 413، ومغني المحتاج 2 / 195، والخرشي على خليل 4 / 243، وكشاف القناع 3 / 381، الفروع 2 / 623.
(165) فتح القدير 5 / 451، وحواشي البحر 6 / 270، البحر الرائق 6 / 271.
(166) فتح القدير 5 / 446، ومجمع الأنهر 2 / 141، والبحر 6 / 267.
(167) نصت المجلة في المادة 697 على أن الحوالة إذا كانت مبهمة من حيث التعجيل والتأجيل تتبع في ذلك الدين الأصلي.
(168) البحر 6 / 271.
(169) فتح القدير 5 / 451، البحر 6 / 273.
(170) البدائع 6 / 19، والبحر 6 / 269.
(171) البدائع 6 / 19، والبحر 6 / 263.
(172) فتح القدير على الهداية 5 / 408، البدائع 6 / 19.
(173)
(174) فتح القدير على الهداية 5 / 408، البدائع 6 / 19.
(175) البحر 6 / 173، 274.
(176) الذي يستفاد من كلام البدائع (6 / 19) وغيره أن الأداء الحكمي (الذي هو في معنى الأداء الفعلي) يتحقق فيما إذا ملك المحال عليه الدين المحال بسبب من أسباب الملكية، كالإرث أو الهبة أو الصدقة.
(177) المبسوط 20 / 71، وهو قد فرض كلامه في الإحالة بمؤجل إلى أجل مثله أو أكثر أو أقل ولكن الأجل لا تأثير له في هذا الحكم، فأمكن تعميمه ومراده بالأصيل: المحيل الثاني الذي هو المحال عليه الأول.
(178)
(179)
(180) ابن عابدين على الدر 4 / 294، وحواشي البحر 6 / 274، والأشباه والنظائر بحاشية الحموي 1 / 49.
(181) فتح القدير 5 / 451 - 452، المبسوط للسرخسي 20 / 71.
(182) فتح القدير مع العناية 5 / 451، والزيلعي على الكنز 4 / 174، وابن عابدين على الدر 4 / 294.
(183) نهاية المحتاج 4 / 413 - 414.
(184) البدائع 6 / 19.
(185)
(186)
(187) نفس المراجع.
(188) الأشباه والنظائر 2 / 194، والبحر 6 / 272 نقلا عن البزازية.
(189) مجمع الأنهر 2 / 95، والبحر 6 / 270، 273.
(190) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 196، والحاوي للفتاوى للسيوطي 1 / 167 والأشباه للسيوطي 237.
(191) البحر 6 / 272.
(192)
(193)
(194) البدائع 6 / 19.
(195)
(196) وهذا معنى المبدأ الفقهي المقرر عند الحنفية: إن الديون إنما تقضى بأمثالها، أما الأعيان فتستوفى بذواتها كما قرره في رد المحتار في أواخر التصرف في المبيع والثمن وفي أوائل باب الوكالة بالخصومة والقبض) .
(197) الخرشي على خليل 4 / 243، والشرح الكبير 5 / 59، والنهاية على شرح المنهاج 4 / 412.
(198) البدائع 6 / 17، وحواشي البحر 6 / 274.
(199) البدائع 6 / 17.
(200)
(201)
(202)
(203) ابن عابدين على الدر 4 / 292، 294 نقلا عن البحر، الزيلعي على الكنز 4 / 174، المبسوط للسرخسي 20 / 71، الفتاوى الهندية 3 / 300، والبحر الرائق 6 / 276.
(204) ابن عابدين على الدر المختار 4 / 294، المبسوط 20 / 72، مجمع الضمانات لابن غانم 282.
(205)
(206)
(207) البحر الرائق 6 / 275، وابن عابدين على الدر 4 / 293.
(208) فتاوى التقي السبكي 1 / 349، ونهاية المحتاج 4 / 418، الإنصاف 5 / 229، والمنتقى على الموطأ 5 / 67 - 68، مطالب أولي النهى 3 / 329. ولا ريبة في وضوح النهج الذي سلكه أشهب. وليس يضيره أن تكون طبيعة عقد الحوالة اللزوم، فإن ذلك إنما هو حين تصادف محلها الصالح لها وتستوفي شرائط الصحة.
(209) البحر 6 / 275، وابن عابدين 4 / 294.
(210) البحر 6 / 275، وابن عابدين على الدر 4 / 293 - 294.
(211) مجمع الأنهر 2 / 141، والعناية على الهداية 5 / 250، وقد نصت المجلة على البطلان في المادة / 694.
(212) مجمع الأنهر 2 / 141 - 142.
(213) المراجع السابقة.
(214) البحر الرائق 6 / 275 والفتاوى الهندية 3 / 306.
(215) المغني لابن قدامة 5 / 56 والإنصاف 5 / 229، ونصت المادة 693 من المجلة على أن المحال عليه يرجع على المحيل. . . كما نص مرشد الحيران في المادة / 902 على أنه إذا أحال البائع أحدا بالثمن على المشتري فأداه إلى المحال له، ثم استحق المبيع بالبينة يرجع المشتري بما أداه على البائع لا على المحال الذي قبضه، وإن لم يظفر بالبائع.
(216) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 196.
(217) مغني المحتاج 2 / 196 والمغني 5 / 56 والإنصاف 5 / 229.
(218) وهذا الإبطال لا يتفق مع التأصيل الذي أصله، إلا إذا جرينا على أن الرد بالعيب رفع للعقد من أصله، لا من حينه، وهما قولان عند المالكية وغيرهم (الخرشي على خليل 4 / 236) .
(219) المغني لابن قدامة 5 / 56.
(220) البجيرمي على المنهج 3 / 23، والأشباه للسيوطي 124، والمهذب 1 / 338 والمغني لابن قدامة 5 / 56 والفروع 2 / 627.
(221) المغرب، وتاج العروس.
(222) العناية مع فتح القدير 5 / 449.
(223) وهذا القيد بكونه (من طريق المحال عليه) ضروري في التعريف، وإن لم يصرحوا به اتكالا على فهمه، ليخرج العجز عن الوصول إلى الحق من طريق المحيل، فإن هذا لا يحقق التوى بالمعنى المقصود هنا اصطلاحا والذي تترتب عليه آثار معينة سيجيء بيانها.
(224) الخرشي على خليل 4 / 236، والدسوقي على الشرح الكبير 3 / 368.
(225) المنتقى على الموطأ 5 / 67. وهذا هو بعينه الذي يسألون عن مستند صحته لأنهم مقرون بأن عدم الرجوع على المحيل هو مقتضى عقد الحوالة. (الخرشي على خليل 4 / 235) فيكون هذا الشرط مخالفا لمقتضى العقد. (مغني المحتاج 2 / 196) .
(226) المغني لابن قدامة 5 / 58.
(227) وهذا التقرير لمذهب مالك هو الموافق لما رجح الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل 5 / 405 لكن الذي قرره الخرشي (4 / 236) والعراقي في حواشي التحفة (2 / 35) بطلان الحوالة في هذه الحالة.
(228) نص مرشد الحيران في المادة / 890 على براءة المحيل وكفيله مقيد بسلامة حق المحال.
(229)
(230) حديث: " ليس على مال امرئ مسلم توى " أخرجه البيهقي (6 / 71 - ط دائرة المعارف العثمانية) موقوفا على عثمان وأعله.
(231) البدائع 6 / 18 (أي إجماعا سكوتيا) والمغني لابن قدامة 5 / 59.
(232)
(233) الزيلعي على الكنز 4 / 172، وفتح القدير على الهداية 5 / 448.
(234) الحديث تقدم تخرجه ف / 7.
(235) نهاية المحتاج 4 / 415.
(236) العناية على الهداية بهامش فتح القدير 5 / 447، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 59، والمحلى 8 / 109 و 110.
(237) العناية على الهداية بهامش فتح القدير 5 / 447، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 59، والمحلى 8 / 109 و 110.
(238) هذه هي أسباب التوى الذي هو إحدى نهايات الحوالة، أما مطلق التوى فأسبابه لا تحصر.
(239) المنتقى للباجي على الموطأ 5 / 68.
(240) هذه هي أسباب التوى الذي هو إحدى نهايات الحوالة، أما مطلق التوى فأسبابه لا تحصر.
(241) ابن عابدين على الدر المختار 4 / 292، والمبسوط للسرخسي 20 / 72 وأطلق السرخسي انفساخ الحوالة بموت المحال عليه مفلسا، فشمل ذلك موت المحال عليه الأول والثاني فلما تنفسخ الحوالة الواحدة بموت المحال عليه مفلسا، تنفسخ الحوالة الثانية بموت المحال عليه الثاني مفلسا (في صورة الأداء الحكمي بطريق ال
(242) الزيلعي على الكنز 4 / 173، والبحر 6 / 273، وابن عابدين 4 / 292 وغيرها.
(243) البحر 6 / 273.
(244) انظر ما أسلفناه في الفقرة / 67 لمعرفة رأي غير الحنفية.
(245) الزيلعي على الكنز 4 / 172.
(246) البحر 6 / 272.
(247) الإفلاس: مأخوذ من قولهم: أفلس الرجل إذا صار ذا فلس، بعد أن كان ذا درهم ودينار، أو إذا صار إلى حال ليس له فلوس، كما يقال أقهر: إذا صار إلى حال يقهر عليه كما في " المصباح " فهو في الأصل كناية عن الفقر. ثم اشتهر عرفا في فقر خاص هو فقر المدين الذي لا ي
(248) ابن عابدين على الدر 4 / 316، 319، 320.
(249) ابن عابدين على الدر 4 / 292.
(250) انظر الفقرة / 26 لتعلم عدم تصور ذلك عند غير الحنفية.
(251) الزيلعي على الكنز 4 / 172، والبحر 6 / 274.
(252) تح القدير على الهداية 5 5 ? / 488، والبحر 6 / 269، والمبسوط للسرخسي 20 / 46، فكأنهم حملوها على البراءة المؤقتة مع أن هذه قد لا تكون مقصود الدائن، وقد نص في الخانية على أنه لا رجوع هنا بعد الأداء (الخانية بهامش الفتاوى الهندية 3 / 75) يعني لا رجوع للمحال عليه على المدين إلا أن كلامه في الحوالة المعقودة بين الدائن والمحال عليه دون إذن المدين.
(253) تح القدير على الهداية 5 5 ? / 488، والبحر 6 / 269، والمبسوط للسرخسي 20 / 46، فكأنهم حملوها على البراءة المؤقتة مع أن هذه قد لا تكون مقصود الدائن، وقد نص في الخانية على أنه لا رجوع هنا بعد الأداء (الخانية بهامش الفتاوى الهندية 3 / 75) يعني لا رجوع للمحال عليه على المدين إلا أن كلامه في الحوالة المعقودة بين الدائن والمحال عليه دون إذن المدين.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 169/ 18