البحث

عبارات مقترحة:

الباسط

كلمة (الباسط) في اللغة اسم فاعل من البسط، وهو النشر والمدّ، وهو...

المصور

كلمة (المصور) في اللغة اسم فاعل من الفعل صوَّر ومضارعه يُصَوِّر،...

الرب

كلمة (الرب) في اللغة تعود إلى معنى التربية وهي الإنشاء...

النِّيَّةُ


من معجم المصطلحات الشرعية

عَزْم القلب على فعل الشيء . ومن أمثلته اشتراط النية في أداء العبادات كالصلاة، ونحوها . ومن شواهده الحديث الشريف : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى ." البخاري :1. ومن أمثلته الألفاظ غير الصريحة في الطلاق تفتقر إلى نية، فلا يقع بها الطلاق إلا بالنية .


انظر : التعريفات الفقهية للبركتي، ص :234، شرح التلويح على التوضيح للتفازاني، 1/175، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم للسيوطي، ص :49، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة لزكريا الأنصاري، ص :71، البحر الرائق لابن نجيم،

تعريفات أخرى

  • يطلق على معنى أخص هو قصد الطاعة، والتقرب إلى الله بالعمل . كما يذكر أن النية من شروط قبول العمل، وشروط صحة الاغتسال، والوضوء، وأن من نوى التبرد لا يكون غسله رافعاً للجنابة .

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف

عَزْم القلب على فعل الشيء.

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - النِّيَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ نَوَى، وَالاِسْمُ النِّيَّةُ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ اللُّغَوِيِّينَ، وَالتَّخْفِيفُ فِيهَا لُغَةٌ مَحْكِيَّةٌ.
وَتَأْتِي النِّيَّةُ لِمَعَانٍ، مِنْهَا: الْقَصْدُ، فَيُقَال: نَوَى الشَّيْءَ يَنْوِيهِ نِيَّةً: قَصَدَهُ، كَانْتَوَاهُ وَتَنَوَّاهُ، وَمِنْهَا: الْحِفْظُ، فَيُقَال: نَوَى اللَّهُ فُلاَنًا: حَفِظَهُ.
وَالنِّيَّةُ: الْوَجْهُ الَّذِي يُذْهَبُ فِيهِ، وَالأَْمْرُ الَّذِي تَنْوِيهِ، وَتَوْجِيهُ النَّفْسِ نَحْوَ الْعَمَل (1) .
وَالنِّيَّةُ اصْطِلاَحًا: عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفَاتٍ مِنْهَا تَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إِيجَابِ الْفِعْل. وَدَخَل فِي التَّعْرِيفِ الْمَنْهِيَّاتُ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ الْفِعْل الَّذِي هُوَ كَفُّ النَّفْسِ (2) .
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا قَصْدُ الإِْنْسَانِ بِقَلْبِهِ مَا يُرِيدُهُ بِفِعْلِهِ، فَهِيَ مِنْ بَابِ الْعُزُومِ وَالإِْرَادَاتِ لاَ مِنْ بَابِ الْعُلُومِ وَالاِعْتِقَادَاتِ (3) .
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ (4) .
وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا: عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى فِعْل الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ، مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ، أَوِ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنْهُمْ، أَوْ نَحْوِهِ (5) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَزْمُ:
2 - الْعَزْمُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ عَزَمَ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ، يُقَال: عَزَمَ عَلَى الشَّيْءِ وَعَزَمَهُ عَزْمًا: عَقَدَ ضَمِيرَهُ عَلَى فِعْلِهِ (6) ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ (7) } . وَالْعَزْمُ فِي الاِصْطِلاَحِ: جَزْمُ الإِْرَادَةِ بَعْدَ تَرَدُّدٍ (8) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْعَزْمِ: أَنَّهُمَا مَرْحَلَتَانِ مِنْ مَرَاحِل الإِْرَادَةِ، وَالْعَزْمُ اسْمٌ لِلْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْفِعْل، وَالنِّيَّةُ اسْمٌ لِلْمُقْتَرِنِ بِالْفِعْل مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ الْعِلْمِ بِالْمَنْوِيِّ (9) .

ب - الإِْرَادَةُ:
3 - الإِْرَادَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَرَادَ، وَمِنْ مَعَانِيهَا فِي اللُّغَةِ: الطَّلَبُ وَالاِخْتِيَارُ وَالْمَشِيئَةُ. وَيُقَال: أَرَادَ الشَّيْءَ: شَاءَهُ وَأَحَبَّهُ (10) .
وَالإِْرَادَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: صِفَةٌ تُوجِبُ لِلْحَيِّ حَالاً يَقَعُ مِنْهُ الْفِعْل عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ (11) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْرَادَةِ وَالنِّيَّةِ: أَنَّ النِّيَّةَ مَرْحَلَةٌ مِنْ مَرَاحِل الإِْرَادَةِ.

الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنِّيَّةِ:
يَتَعَلَّقُ بِالنِّيَّةِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، مِنْهَا أَحْكَامٌ عَامَّةٌ وَأُخْرَى تَفْصِيلِيَّةٌ:

أَوَّلاً: الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْعَامَّةُ لِلنِّيَّةِ:
مَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ مِنَ الأَْعْمَال وَمَا لاَ يَفْتَقِرُ:
4 - أَعْمَال الْمُكَلَّفِينَ إِمَّا مَطْلُوبَةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ:
وَلَمَّا كَانَ الْمُبَاحُ لاَ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ إِلاَّ إِذَا قَصَدَ الْمُكَلَّفُ الثَّوَابَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ.
وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الأَْعْمَال إِمَّا مَطْلُوبَةُ التَّرْكِ أَوْ مَطْلُوبَةُ الْفِعْل. فَالْمَطْلُوبَةُ التَّرْكِ - وَهِيَ النَّوَاهِي - فَإِنَّ الإِْنْسَانَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا، فَضْلاً عَنِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، إِلاَّ إِذَا شَعَرَ الْمُكَلَّفُ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَنَوَى تَرْكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَحْصُل لَهُ مَعَ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ الثَّوَابُ لأَِجْل النِّيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ فَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الثَّوَابِ لاَ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ.
وَالْمَطْلُوبَةُ الْفِعْل - وَهِيَ الأَْوَامِرُ - فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْ حَيْثُ افْتِقَارُهَا إِلَى النِّيَّةِ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيل مَصْلَحَتِهِ، كَأَدَاءِ الدَّيْنِ وَالْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالأَْقَارِبِ، فَإِنَّ الْمُحَصِّلَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ انْتِفَاعُ أَرْبَابِهَا، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ امْتِثَال الأَْمْرِ، وَلاَتَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ الْفَاعِل لَهَا، فَيَخْرُجُ الإِْنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ لَيْسَتْ كَافِيَةً فِي تَحْصِيل مَصْلَحَتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، كَالصَّلَوَاتِ وَالطَّهَارَاتِ وَالصِّيَامِ وَالنُّسُكِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَعْظِيمُهُ تَعَالَى بِفِعْلِهَا وَالْخُضُوعِ لَهُ فِي إِتْيَانِهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُل إِذَا قُصِدَتْ مِنْ أَجْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ فِيهِ الشَّرْعُ بِالنِّيَّاتِ (12) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي افْتِقَارِ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ إِلَى النِّيَّةِ، بَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:

أ - افْتِقَارُ الْعِبَادَاتِ إِلَى النِّيَّةِ:
5 - الْعِبَادَةُ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُلْتَبِسَةٍ بِالْعَادَةِ وَلاَ بِغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْرِفَةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الأَْذْكَارِ وَأَمْثَال ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لاَ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، لأَِنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِصُورَتِهَا، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِغَيْرِهَا (13) . وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ تَلْتَبِسُ بِالْعَادَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، كَالْغُسْل وَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالضَّحَايَا وَالصَّدَقَةِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْجِهَادِ وَالْعِتْقِ؛ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ (14) .

ب - افْتِقَارُ الْعُقُودِ إِلَى نِيَّةٍ:
6 - الْعَقْدُ إِذَا كَانَ يَسْتَقِل بِهِ الشَّخْصُ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالرَّجْعَةِ وَالظِّهَارِ وَالْفُسُوخِ، فَإِنَّ انْعِقَادَهُ بِالْكِنَايَةِ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا فِي انْعِقَادِهِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ لاَ يَسْتَقِل بِهِ الشَّخْصُ، بِأَنْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَهُوَ ضَرْبَانِ:

الأَْوَّل: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ كَالنِّكَاحِ وَبَيْعِ الْوَكِيل الْمَشْرُوطِ فِيهِ الإِْشْهَادُ، فَهَذَا لاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ لأَِنَّ الشَّاهِدَ لاَ يَعْلَمُ النِّيَّةَ.

الثَّانِي: مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: مَا يَقْبَل مَقْصُودُهُ التَّعْلِيقَ بِالْغَرَرِ كَالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لاَ يَقْبَل التَّعْلِيقَ بِالْغَرَرِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (15) .

حُكْمُ النِّيَّةِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا:
7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ هَل هِيَ فَرْضٌ أَوْ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ؟
فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ - كَمَا قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ - وَرَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُقَابِل الأَْكْثَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ.
وَيَرَى أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا رُكْنٌ فِيهَا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ، قَال الْمَازِرِيُّ: عَلَى الأَْشْهَرِ، وَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: عَلَى الأَْصَحِّ (16) . وَسَيَأْتِي بَيَانُ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي كُل عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي مَوْطِنِهِ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ.

فَضِيلَةُ النِّيَّةِ:
8 - النِّيَّةُ هِيَ مَحَطُّ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعَبْدِ، قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ (17) ، وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى الْقُلُوبِ لأَِنَّهَا مَظِنَّةُ النِّيَّةِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ اهْتِمَامِ الشَّارِعِ بِالنِّيَّةِ فَأَنَاطَ قَبُول الْعَمَل وَرَدَّهُ وَتَرْتِيبَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِالنِّيَّةِ (18) ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - قَال الْغَزَالِيُّ (19) : إِنَّ الْمَرْءَ يُشْرِكُ فِي مَحَاسِنِ الْعَمَل وَمَسَاوِيهِ بِالنِّيَّةِ، وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَال: لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَال: " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلاَ وَادِيًا إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ (20) ، وَبِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّارِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول؟ قَال: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبِهِ (21) .
ب - إِنَّ الْهَمَّ بِفِعْل الْحَسَنَةِ حَسَنَةٌ فِي ذَاتِهِ، يَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ (22) ، فَالنِّيَّةُ فِي نَفْسِهَا خَيْرٌ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَل بِعَائِقٍ (23) .
وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ عَنِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ مِنْ أَعْذَارِهَا - إِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ حُضُورَهَا لَوْلاَ الْعُذْرُ - يَحْصُل لَهُ ثَوَابُهَا (24) .
ج - إِنَّ النِّيَّةَ تُعَظِّمُ الْعَمَل وَتُصَغِّرُهُ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُعَظِّمُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ (25) ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ (26) .
د - إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِينُ الْعَبْدَ وَيُوَفِّقُهُ لِلْعَمَل عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، فَقَدْ كَتَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: اعْلَمْ أَنَّ عَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، فَمَنْ تَمَّتْ نِيَّتُهُ تَمَّ عَوْنُ اللَّهِ لَهُ، وَإِنْ نَقَصَتْ نَقَصَ بِقَدْرِهِ (27) .
هـ - قَال الْغَزَالِيُّ: عِمَادُ الأَْعْمَال النِّيَّاتُ، قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (28) ، فَالْمَرْءُ يُتَقَبَّل مِنْهُ عَمَلُهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ أَوْ يُرَدُّ عَمَلُهُ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ (29) .
كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى صَدَاقٍ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لاَ يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهَا فَهُوَ زَانٍ، وَمَنِ ادَّانَ دَيْنًا وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لاَ يُؤَدِّيَهُ إِلَى صَاحِبِهِ - أَحْسَبُهُ قَال -: فَهُوَ سَارِقٌ (30) . ز - إِنَّ النِّيَّةَ تَقْلِبُ الْمُبَاحَاتِ إِلَى وَاجِبَاتٍ وَمَنْدُوبَاتٍ لِيَنَال النَّاوِي عَلَيْهَا الثَّوَابَ بِنِيَّتِهِ.
وَمِثَال ذَلِكَ أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ هُوَ مُبَاحٌ، فَإِذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يُحَوِّل هَذَا الْمُبَاحَ إِلَى وَاجِبٍ نَوَى بِلُبْسِهِ الثِّيَابَ سَتْرَ الْعَوْرَةِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ. فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ فَإِنَّهُ يَضُمُّ إِلَى نِيَّةِ الْوَاجِبِ امْتِثَال السُّنَّةِ فِي إِظْهَارِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ (31) ، فَيَنْوِي بِذَلِكَ مُبَادَرَتَهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مِمَّا لاَ يُتَزَيَّنُ بِهِ فَيَنْوِي بِلُبْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالاِنْكِسَارَ وَالتَّذَلُّل بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِظْهَارَ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ إِلَيْهِ، وَامْتِثَال السُّنَّةِ (32) لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ - وَهُوَ يُقْدِرُ عَلَيْهِ - دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَل الإِْيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا (33) . ثَوَابُ النِّيَّةِ وَحْدَهَا، وَمَعَ الْعَمَل:
9 - نَاوِي الْقُرْبَةِ يُثَابُ عَلَى مُجَرَّدِ نِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ الْعَمَل، وَلاَ يُثَابُ عَلَى أَكْثَرِ الأَْعْمَال إِلاَّ إِذَا نَوَى؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ مُنْصَرِفَةٌ بِنَفْسِهَا وَصُورَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ يُثَابُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا، وَأَمَّا الْفِعْل الْمُجَرَّدُ عَنِ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا هُوَ لِغَيْرِهِ، أَيْ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ، فَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ بِنَفْسِهِ وَصُورَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لاَ يُثَابُ عَلَيْهِ (34) .
وَقَال الْفُقَهَاءُ: يُسَنُّ نِيَّةُ قِيَامِ اللَّيْل عِنْدَ النَّوْمِ لِيَفُوزَ بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ مِنَ اللَّيْل فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً مِنْ رَبِّهِ ﷿ (35) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْمَرْءَ يُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ وَحْدَهَا حَسَنَةً وَاحِدَةً، فَإِنِ اتَّصَل بِهَا الْفِعْل أُثِيبَ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ؛ لأَِنَّ الْفِعْل الْمَنْوِيَّ تَتَحَقَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَجْرُهُ - أَيْ مَعَ النِّيَّةِ - أَعْظَمَ وَثَوَابُهُ أَوْفَرَ، وَلأَِنَّ الأَْفْعَال هِيَ الْمَقَاصِدُ وَالنِّيَّاتِ وَسَائِل (36) .

مَحَل النِّيَّةِ:
10 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَحَل النِّيَّةِ مِنَ الْمُكَلَّفِ الْقَلْبُ فِي كُل مَوْضِعٍ؛ لأَِنَّهُ مَحَل الْعَقْل وَالْعِلْمِ وَالْمَيْل وَالنُّفْرَةِ وَالاِعْتِقَادِ، وَلأَِنَّ حَقِيقَتَهَا الْقَصْدُ، وَمَحَل الْقَصْدِ الْقَلْبُ، وَلأَِنَّهَا مِنْ عَمَل الْقَلْبِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ ﷿: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (37) } وَالإِْخْلاَصُ عَمَل الْقَلْبِ، وَهُوَ مَحْضُ النِّيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ أَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ (38) ، وَقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ} {يَعْقِلُونَ بِهَا (39) } ، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (40) } ، وَقَوْلِهِ ﷿: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِْيمَانَ (41) } ، وَقَوْلِهِ جَل جَلاَلُهُ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (42) } وَلَمْ يُضِفِ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ إِلَى الدِّمَاغِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ فَصَّلَهُ الْحَطَّابُ فَقَال: قَال الْمَازِرِيُّ: أَقَل الْمُتَشَرِّعِينَ وَأَكْثَرُ الْفَلاَسِفَةِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الدِّمَاغِ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْعَقْل فِي الدِّمَاغِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ النِّيَّةَ فِي الدِّمَاغِ لاَ فِي الْقَلْبِ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ وَالإِْرَادَةَ وَالْمَيْل وَالنُّفْرَةَ وَالاِعْتِقَادَ كُلَّهَا أَعْرَاضُ النَّفْسِ وَالْعَقْل، فَحَيْثُ وُجِدَتِ النَّفْسُ وُجِدَ الْجَمِيعُ قَائِمًا بِهَا، فَالْعَقْل سَجِيَّتُهَا، وَالْعُلُومُ وَالإِْرَادَاتُ صِفَاتُهَا، وَلأَِنَّهُ إِذَا أُصِيبَ الدِّمَاغُ فَسَدَ الْعَقْل وَبَطَلَتِ الْعُلُومُ وَالْفِكْرُ وَأَحْوَال النَّفْسِ (43) .
ثُمَّ قَال الْحَطَّابُ: قَال الْقَرَافِيُّ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْعَقْل فِي الْقَلْبِ لَزِمَ أَنَّ النَّفْسَ فِي الْقَلْبِ، عَمَلاً بِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَإِذَا كَانَتِ النَّفْسُ فِي الْقَلْبِ كَانَتِ النِّيَّةُ وَأَنْوَاعُ الْعُلُومِ وَجَمِيعُ أَحْوَال النَّفْسِ فِي الْقَلْبِ. وَأَضَافَ الْمَازِرِيُّ قَوْلَهُ: وَهَذَا أَمْرٌ لاَ مَدْخَل لِلْعَقْل فِيهِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ، وَظَوَاهِرُ السَّمْعِ تَدُل عَلَى صِحَّةِ الْقَوْل الأَْوَّل. . أَيْ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ.
وَقَال الْحَطَّابُ: يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ مَسْأَلَةٌ مِنَ الْجِرَاحِ، وَهِيَ: مَنْ شُجَّ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةً أَوْ مُوضِحَةً خَطَأً فَذَهَبَ عَقْلُهُ. قَال فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَلَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ دِيَةُ الْعَقْل وَدِيَةُ الْمَأْمُومَةِ أَوِ الْمُوضِحَةِ، لاَ يَدْخُل بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ، إِذْ لَيْسَ الرَّأْسُ عِنْدَهُ مَحَل الْعَقْل وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَلْبُ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الشَّرْعِ، فَهُوَ كَمَنْ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ وَأَذْهَبَ سَمْعَهُ فِي ضَرْبَةٍ. وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: إِنَّمَا لَهُ دِيَةُ الْعَقْل؛ لأَِنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الرَّأْسُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفَلاَسِفَةِ، وَهُوَ كَمَنْ أَذْهَبَ بَصَرَ رَجُلٍ وَفَقَأَ عَيْنَهُ فِي ضَرْبَةٍ، وَهَذَا فِي الْخَطَأِ، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَيَقْتَصُّ مِنْهُ مِنَ الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ ذَهَبَ عَقْل الْمُقْتَصِّ مِنْهُ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ فَدِيَةُ ذَلِكَ فِي مَال الْجَانِي، وَفِي الْمَأْمُومَةِ لَهُ دِيَتُهَا وَدِيَةُ الْعَقْل (44) . التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ:
11 - يَتَرَتَّبُ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ مَحَل النِّيَّةِ الْقَلْبُ، أَمْرَانِ:
الأَْوَّل: لاَ يَكْفِي اللَّفْظُ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ اللِّسَانُ وَالْقَلْبُ فَالْعِبْرَةُ بِمَا فِي الْقَلْبِ، فَلَوْ نَوَى بِقَلْبِهِ الظُّهْرَ وَبِلِسَانِهِ الْعَصْرَ، أَوْ بِقَلْبِهِ الْحَجَّ وَبِلِسَانِهِ الْعُمْرَةَ أَوْ عَكْسَهُ، صَحَّ لَهُ مَا فِي الْقَلْبِ.
قَال الدَّرْدِيرُ: إِنْ خَالَفَ لَفْظُهُ نِيَّتَهُ فَالْعِبْرَةُ النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ لاَ اللَّفْظُ، إِنْ وَقَعَ سَهَوَا، وَأَمَّا عَمْدًا فَمُتَلاَعِبٌ تَبْطُل صَلاَتُهُ (45) .
الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ مَعَ نِيَّةِ الْقَلْبِ التَّلَفُّظُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ (46) .
ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلتَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ سُنَّةٌ لِيُوَافِقَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ (47) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ مَكْرُوهٌ (48) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالأَْوْلَى تَرْكُهُ، إِلاَّ الْمُوَسْوَسَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّلَفُّظُ لِيَذْهَبَ عَنْهُ اللَّبْسُ (49) .

شُرُوطُ النِّيَّةِ:
12 - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - لِلنِّيَّةِ مَا يَلِي:
أ - الإِْسْلاَمُ، فَلاَ تَصِحُّ الْعِبَادَاتُ مِنَ الْكَافِرِ.
ب - التَّمْيِيزُ، فَلاَ تَصِحُّ عِبَادَةُ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَلاَ مَجْنُونٍ.
ج ـ - الْعِلْمُ بِالْمَنْوِيِّ، فَمَنْ جَهِل فَرِيضَةَ الصَّلاَةِ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ، وَاسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَّ فَإِنَّهُمْ صَحَّحُوا الإِْحْرَامَ الْمُبْهَمَ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ (50) . د - أَنْ لاَ يَأْتِيَ بِمُنَافٍ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْمَنْوِيِّ، فَلَوِ ارْتَدَّ النَّاوِي فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ أَوِ الصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ بَطُل.
وَمِنَ الْمُنَافِي نِيَّةُ الْقَطْعِ، فَلَوْ نَوَى قَطْعَ الإِْيمَانِ صَارَ مُرْتَدًّا فِي الْحَال.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَثَرِ نِيَّةِ الْقَطْعِ عَلَى الْعِبَادَاتِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ نِيَّةَ الْقَطْعِ لاَ تُبْطِل الْعِبَادَاتِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ قَطْعَ النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ يُبْطِل الصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ، وَكَذَا يُبْطِل الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ وَالاِعْتِكَافَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَلاَ يُبْطِل قَطْعُ النِّيَّةِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ نِيَّةَ الْقَطْعِ تُبْطِل الصَّلاَةَ دُونَ الصَّوْمِ وَالاِعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ قَطْعَ النِّيَّةِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْوُضُوءِ وَنَحْوِهَا يُبْطِلُهَا؛ لأَِنَّ اسْتِصْحَابَ حُكْمِ النِّيَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا.
وَمِنَ الْمُنَافِي التَّرَدُّدُ وَعَدَمُ الْجَزْمِ فِي أَصْل النِّيَّةِ، فَلَوْ نَوَى يَوْمَ الشَّكِّ إِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ لَيْسَ بِصَائِمٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ صَائِمًا لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ.قَال السُّيُوطِيُّ: وَمِنَ الْمُنَافِي: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَنْوِيِّ إِمَّا عَقْلاً وَإِمَّا شَرْعًا وَإِمَّا عَادَةً.
فَمِنَ الأَْوَّل: نَوَى بِوُضُوئِهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلاَةً وَأَنْ لاَ يُصَلِّيَهَا، لَمْ تَصِحَّ لِتَنَاقُضِهَا.
وَمِنَ الثَّانِي: نَوَى بِهِ الصَّلاَةَ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ، قَال فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنِ الْبَحْرِ: يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَصِحَّ.
وَمِنَ الثَّالِثِ: نَوَى بِهِ صَلاَةَ الْعِيدِ وَهُوَ فِي أَوَّل السَّنَةِ، أَوِ الطَّوَافَ وَهُوَ بِالشَّامِ، فَفِي صِحَّتِهِ خِلاَفٌ.
هـ - أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُنَجَّزَةً، فَلاَ تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً، فَلَوْ قَال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ أَوْ أَطْلَقَ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَمْ تَصِحَّ.
وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ صَحَّتْ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ عَقَّبَ النِّيَّةَ بِالْمَشِيئَةِ فَيُنْظَرُ: إِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّيَّاتِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ لَمْ تَبْطُل. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالأَْقْوَال كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ بَطُل (51) . وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِلنِّيَّةِ ثَلاَثَةَ شُرُوطٍ، هِيَ:
أ - أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمُكْتَسَبِ النَّاوِي، فَإِنَّهَا مُخَصِّصَةٌ، وَتَخْصِيصُ غَيْرِ الْمَعْقُول لِلْمُخَصِّصِ مُحَالٌ.
ب - أَنْ يَكُونَ الْمَنَوِيُّ مَعْلُومَ الْوُجُوبِ أَوْ مَظْنُونَهُ، فَإِنَّ الْمَشْكُوكَ تَكُونُ فِيهِ النِّيَّةُ مُتَرَدِّدَةً فَلاَ تَنْعَقِدُ، وَلِذَلِكَ لاَ يَصِحُّ وُضُوءُ الْكَافِرِ وَلاَ غُسْلُهُ قَبْل انْعِقَادِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّهُمَا غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ وَلاَ مَظْنُونَيْنِ.
ج - أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْمَنْوِيِّ؛ لأَِنَّ أَوَّل الْعِبَادَةِ لَوْ عَرَا عَنِ النِّيَّةِ لَكَانَ أَوَّلُهَا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا، وَآخِرُ الصَّلاَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَتَبَعٌ لَهُ، بِدَلِيل أَنَّ أَوَّلَهَا إِنْ نَوَى نَفْلاً أَوْ وَاجِبًا أَوْ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً كَانَ آخِرُهَا كَذَلِكَ، فَلاَ تَصِحُّ (52) .

وَقْتُ النِّيَّةِ:
13 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ النِّيَّةِ هُوَ أَوَّل الْعِبَادَاتِ، أَوْ أَنَّ الأَْصْل أَنَّ أَوَّل وَقْتِهَا أَوَّل الْعِبَادَاتِ، فَيَجِبُ - كَمَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ - أَنْ تَقْتَرِنَ النِّيَّةُ بِأَوَّل كُل عِبَادَةٍ إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ مُقَارَنَتُهَا إِيَّاهَا.
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا مِنَ الْعِبَادَاتِ خَرَجَتْ عَنْ هَذَا الأَْصْل، وَأَضَافُوا أَحْكَامًا تَتَعَلَّقُ بِالأَْوَّل الْحَقِيقِيِّ وَالنِّسْبِيِّ أَوِ الْحُكْمِيِّ لِلْعِبَادَاتِ، وَبِاشْتِرَاطِ بَقَاءِ النِّيَّةِ أَثْنَاءَ الْعِبَادَاتِ أَوْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِاسْتِصْحَابِهَا مِنْ أَوَّل الْعِبَادَاتِ، وَهَذَا وَغَيْرُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ - بَعْدَ ذَلِكَ - تَفْصِيلٌ:
14 - أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: الأَْصْل أَنَّ وَقْتَ النِّيَّةِ أَوَّل الْعِبَادَاتِ، وَلَكِنَّ الأَْوَّل حَقِيقِيٌّ وَحُكْمِيٌّ، فَقَالُوا فِي الصَّلاَةِ: لَوْ نَوَى قَبْل الشُّرُوعِ. . فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَوْ نَوَى عِنْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ مَعَ الإِْمَامِ وَلَمْ يَشْتَغِل بَعْدَ النِّيَّةِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَكَانِ الصَّلاَةِ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ. . . جَازَتْ صَلاَتُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. . . كَذَا فِي الْخُلاَصَةِ، وَفِي التَّجْنِيسِ: إِذَا تَوَضَّأَ فِي مَنْزِلِهِ لِيُصَلِّيَ الظُّهْرَ ثُمَّ حَضَرَ الْمَسْجِدَ فَافْتَتَحَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَغِل بِعَمَلٍ آخَرَ يَكْفِيهِ ذَلِكَ - هَكَذَا قَال مُحَمَّدٌ فِي الرُّقَيَّاتِ -لأَِنَّ النِّيَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ يُبْقِيهَا إِلَى وَقْتِ الشُّرُوعِ حُكْمًا - كَمَا فِي الصَّوْمِ - إِذَا لَمْ يُبَدِّلْهَا بِغَيْرِهَا.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ عِنْدَ الشُّرُوعِ بِحَيْثُ إِنَّهُ لَوْ سُئِل: أَيَّةُ صَلاَةٍ يُصَلِّي؟ يُجِيبُ عَلَى الْبَدِيهَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْكِيرٍ. . فَهُوَ نِيَّةٌ تَامَّةٌ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى التَّأَمُّل لاَ تَجُوزُ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: فَقَدْ شَرَطُوا عَدَمَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاَةِ لِصِحَّةِ تِلْكَ النِّيَّةِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَتَخَلَّل بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشُّرُوعِ الْمَشْيُ إِلَى مَقَامِ الصَّلاَةِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، فَلاَ بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا مَا يَدُل عَلَى الإِْعْرَاضِ، بِخِلاَفِ مَا لَوِ اشْتَغَل بِكَلاَمٍ أَوْ أَكْلٍ، أَوْ نَقُول: عَدُّ الْمَشْيِ إِلَيْهَا مِنْ أَفْعَالِهَا غَيْرُ قَاطِعٍ لِلنِّيَّةِ.
وَفِي الْخُلاَصَةِ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الأَْفْضَل أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلشُّرُوعِ، وَلاَ يَكُونَ شَارِعًا بِمُتَأَخِّرَةٍ؛ لأَِنَّ مَا مَضَى لَمْ يَقَعْ عِبَادَةً لِعَدَمِ النِّيَّةِ، فَكَذَا الْبَاقِي لِعَدَمٍ التَّجَزِّي. . . وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْقِرَانِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ: فَمَحَلُّهَا عِنْدَ غَسْل الْوَجْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي أَوَّل السُّنَنِ عِنْدَ غَسْل الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ لِيَنَال ثَوَابَ السُّنَنِالْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى غَسْل الْوَجْهِ.
وَقَالُوا: الْغُسْل كَالْوُضُوءِ فِي السُّنَنِ.
وَفِي التَّيَمُّمِ: يَنْوِي عِنْدَ الْوَضْعِ عَلَى الصَّعِيدِ.
وَأَمَّا وَقْتُ النِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ، فَقَال فِي الْهِدَايَةِ: وَلاَ يَجُوزُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِلأَْدَاءِ، أَوْ مُقَارِنَةٍ لِعَزْل مِقْدَارِ مَا وَجَبَ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَالأَْصْل فِيهَا الاِقْتِرَانُ إِلاَّ أَنَّ الدَّفْعَ يَتَفَرَّقُ، فَاكْتُفِيَ بِوُجُودِهَا حَال الْعَزْل تَيْسِيرًا، كَتَقْدِيمِ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ.
وَهَل تَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنِ الأَْدَاءِ؟ قَال فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ: لَوْ دَفَعَهَا بِلاَ نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى بَعْدَهُ: فَإِنْ كَانَ الْمَال قَائِمًا فِي يَدِ الْفَقِيرِ جَازَ، وَإِلاَّ فَلاَ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ: فَإِنْ كَانَ فَرْضًا - هُوَ أَدَاءُ رَمَضَانَ - جَازَ بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبِمُقَارِنَةٍ وَهُوَ الأَْصْل، وَبِمُتَأَخِّرَةٍ عَنِ الشُّرُوعِ إِلَى مَا قَبْل نِصْفِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ؛ تَيْسِيرًا عَلَى الصَّائِمِينَ. وَإِنْ كَانَ فَرْضًا غَيْرَ أَدَاءِ رَمَضَانَ - مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ - فَيَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ لأَِنَّ الأَْصْل الْقِرَانُ. وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ نَفْلاً فَكَرَمَضَانَ أَدَاءً.وَأَمَّا الْحَجُّ: فَالنِّيَّةُ فِيهِ سَابِقَةٌ عَنِ الأَْدَاءِ عِنْدَ الإِْحْرَامِ، وَهُوَ النِّيَّةُ مَعَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ سَوْقِ الْهَدْيِ، وَلاَ يُمْكِنُ فِيهِ الْقِرَانُ أَوِ التَّأَخُّرُ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَصِحُّ أَفْعَالُهُ إِلاَّ إِذَا تَقَدَّمَ الإِْحْرَامُ، وَهُوَ رُكْنٌ فِيهِ أَوْ شَرْطٌ. . . عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَعِنْدَ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ النِّيَّةِ فِي كُل رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعِبَادَةِ، أَوْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: قَالُوا فِي الصَّلاَةِ: لاَ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي الْبَقَاءِ لِلْحَرَجِ، فَكَذَا بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ: لاَ تَلْزَمُ نِيَّةُ الْعِبَادَةِ فِي كُل جُزْءٍ، إِنَّمَا تَلْزَمُ فِي جُمْلَةِ مَا يَفْعَلُهُ فِي كُل حَالٍ، وَإِنْ تَعَمَّدَ أَنْ لاَ يَنْوِيَ الْعِبَادَةَ بِبَعْضِ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ الصَّلاَةِ، لاَ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِعْلاً لاَ تَتِمُّ الْعِبَادَةُ بِدُونِهِ فَسَدَتْ، وَإِلاَّ فَلاَ وَقَدْ أَسَاءَ.
وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعِبَادَةَ ذَاتَ الأَْفْعَال يُكْتَفَى بِالنِّيَّةِ فِي أَوَّلِهَا، وَلاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي كُل فِعْلٍ، اكْتِفَاءً بِانْسِحَابِهَا عَلَيْهَا، إِلاَّ إِذَا نَوَى بِبَعْضِ الأَْفْعَال غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ، قَالُوا: لَوْ طَافَ طَالِبًا الْغَرِيمَ لاَ يُجْزِئُهُ، وَلَوْ وَقَفَ كَذَلِكَ بِعَرَفَاتٍ أَجْزَأَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّوَافَ قُرْبَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِخِلاَفِ الْوُقُوفِ، وَفَرَّقَ الزَّيْلَعِيُّ بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَالإِْحْرَامِ تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ مَا يُفْعَل فِي الإِْحْرَامِ، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ، وَالطَّوَافُ يَقَعُ بَعْدَ التَّحَلُّل وَفِي الإِْحْرَامِ مِنْ وَجْهٍ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ أَصْل النِّيَّةِ لاَ تَعْيِينُ الْجِهَةِ (53) .
15 - وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَقْتَ النِّيَّةِ ضِمْنَ شُرُوطِهَا، فَقَالُوا: أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْمَنْوِيِّ؛ لأَِنَّ أَوَّل الْعِبَادَةِ لَوْ عَرَا مِنَ النِّيَّةِ لَكَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا، وَآخِرُ الصَّلاَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَتَبَعٌ لَهُ، بِدَلِيل أَنَّ أَوَّلَهَا إِنْ نَوَى نَفْلاً أَوْ وَاجِبًا أَوْ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً كَانَ آخِرُهَا كَذَلِكَ، فَلاَ يَصِحُّ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّوْمَ لِلْمَشَقَّةِ، فَجَوَّزُوا عَدَمَ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لأَِوَّل الْمَنْوِيِّ لإِِتْيَانِ أَوَّل الصَّوْمِ حَالَةَ النَّوْمِ غَالِبًا، وَالزَّكَاةَ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى إِخْرَاجِهَا؛ عَوْنًا عَلَى الإِْخْلاَصِ وَدَفْعًا لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ مِنْ بَاذِلِهَا، فَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ عِنْدَ الْوَكَالَةِ وَلاَ تَتَأَخَّرُ لإِِخْرَاجِ الْمَنْوِيِّ.
وَجَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ - كَمَا نَقَل الْقَرَافِيُّ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ - تُقَدَّمُ النِّيَّةُ عِنْدَمَا يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ الطَّهَارَةِ بِذَهَابِهِ إِلَى الْحَمَّامِ أَوِ النَّهْرِ، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، وَخَالَفَهُ سَحْنُونٌ فِي الْحَمَّامِ وَوَافَقَهُ فِي النَّهْرِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ النَّهْرَ لاَ يُؤْتَى غَالِبًا إِلاَّ لِذَلِكَ، فَتَمَيَّزَتِ الْعِبَادَةُ فِيهِ، بِخِلاَفِ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يُؤْتَى لِذَلِكَ وَلإِِزَالَةِ الدَّرَنِ، وَالرَّفَاهِيَةُ غَالِبَةٌ فِيهِ، فَلَمْ تَتَمَيَّزِ الْعِبَادَةُ وَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ.
وَقِيل: لاَ تُجْزِئُ النِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَتَّى تَتَّصِل بِفِعْل الْوَاجِبِ.
وَقِيل: إِذَا نَوَى عِنْدَ أَوَّل الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوَّل السُّنَنِ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّ الثَّوَابَ عَلَى السُّنَنِ، وَالتَّقَرُّبَ بِهَا إِنَّمَا يَحْصُل عِنْدَ النِّيَّةِ.
وَقِيل: إِنْ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ قَبْل الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ وَبَعْدَ الْيَدَيْنِ لاَ يُجْزِئُهُ، وَإِنِ اتَّصَلَتْ بِهِمَا وَعَزَبَتْ قَبْل الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّ الْمَضْمَضَةَ مِنَ الْوَجْهِ وَبِهَا غَسْل ظَاهِرِ الْفَمِ وَهِيَ الشَّفَةُ مِنَ الْوَجْهِ (54) .
16 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْغَرَضُ مِنَ النِّيَّاتِ تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ أَوْ تَمْيِيزُ رُتَبِ الْعِبَادَاتِ، وَلِذَا وَجَبَ أَنْ تَقْتَرِنَ النِّيَّةُ بِأَوَّل الْعِبَادَةِ لِيَقَعَ أَوَّلُهَا مُمَيَّزًا ثُمَّ يَبْتَنِي عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ مُقَارَنَتُهَا إِيَّاهَا كَمَا فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ.
فَإِنْ تَأَخَّرَتِ النِّيَّةُ عَنْ أَوَّل الْعِبَادَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إِلاَّ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ؛ لأَِنَّ مَا مَضَى يَقَعُ مُرَدَّدًا بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ، أَوْ بَيْنَ رُتَبِ الْعِبَادَةِ. وَإِنْ تَقَدَّمَتِ النِّيَّةُ، فَإِنِ اسْتَمَرَّتْ إِلَى أَنْ شَرَعَ فِي الْعِبَادَةِ أَجْزَأَهُ مَا اقْتَرَنَ مِنْهَا.
وَإِنِ انْقَطَعَتِ النِّيَّةُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ تَصِحَّ الْعِبَادَةُ لِتَرَدُّدِهَا، فَإِنْ قَرُبَ انْقِطَاعُهَا أَجْزَأَتْ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لأَِنَّهَا إِذَا انْقَطَعَتْ وَقَعَ ابْتِدَاءُ الْعِبَادَةِ مُرَدَّدًا، فَإِنِ اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ السَّابِقَةِ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ بَعِيدِهَا وَقَرِيبِهَا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَصْحِبَ ذِكْرَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ إِلَى آخِرِهِ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مَقْصُودِ النِّيَّاتِ، وَلاَ يَفْعَل ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ لأَِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْ ذِكْرِ النِّيَّةِ بِمُلاَحَظَةِ مَعْنَى الأَْذْكَارِ وَالْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ، فَكَانَ الاِشْتِغَال بِالأَْهَمِّ فِي الصَّلاَةِ أَوْلَى مِنْ مُلاَحَظَةِ النِّيَّةِ وَذِكْرِهَا.
وَيَكْفِي فِي الْعِبَادَةِ نِيَّةٌ فَرْدَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (55) ، وَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ فِي الصَّلاَةِ: يَنْوِي مَعَ التَّكْبِيرِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ.
وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ بُدَّ مِنَ اسْتِمْرَارِ النِّيَّةِ مِنْ أَوَّل التَّكْبِيرِ إِلَى آخِرِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلنِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْعُسْرِ الْمُوجِبِ لِلْوَسْوَاسِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ تُجْزِئُ نِيَّةٌ فَرْدَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّكْبِيرِ، كَمَا تُجْزِئُ فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالاِعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ نِيَّةٌ فَرْدَةٌ.
وَقَال: وَتَصِحُّ الْعِبَادَةُ بِنِيَّةٍ تَقَعُ فِي أَثْنَائِهَا، وَلَهُ صُوَرٌ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَنَفِّل رَكْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَنْوِيَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَتَصِحُّ الرَّكْعَةُ الأُْولَى بِالنِّيَّةِ الأُْولَى وَيَصِحُّ مَا زَادَ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ هَذَا كَتَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ الْمُفَرِّقَ يَنْوِي مَا لاَ يَكُونُ صَلاَةً مُفْرَدَةً، وَهَاهُنَا قَدْ نَوَى بِالنِّيَّةِ الأُْولَى الرَّكْعَةَ الأُْولَى وَهِيَ صَلاَةٌ عَلَى حِيَالِهَا، وَنَوَى الزِّيَادَةَ بِنِيَّةٍ ثَانِيَةٍ وَهِيَ صَلاَةٌ أَيْضًا عَلَى حِيَالِهَا، وَلَيْسَ كَمَنْ نَوَى تَكْبِيرَةً أَوْ قَوْمَةً، أَوْ نَوَى مِنَ الظُّهْرِ رَكْعَةً عَلَى انْفِرَادِهَا، فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْمُنْفَرِدَةَ لاَ تَكُونُ ظُهْرًا.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا نَوَى الاِقْتِصَارَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الأَْرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ ثُمَّ نَوَى التَّطْوِيل الْمَشْرُوعَ أَوِ السُّنَنَ الْمَشْرُوعَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ لاِشْتِمَال النِّيَّةِ الأُْولَى عَلَى الأَْرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ، وَالثَّانِيَةِ عَلَى السُّنَنِ التَّابِعَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَلاَةً مُسْتَقِلَّةً فَقَدْ ثَبَتَ لِلتَّابِعِ مَا لاَ يَثْبُتُ لِلْمَتْبُوعِ.الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ ثُمَّ نَوَى الإِْتْمَامَ، فَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ تُجْزِئَانِهِ بِالنِّيَّةِ الأُْولَى، وَتُجْزِئُهُ الرَّكْعَتَانِ الأُْخْرَيَانِ بِالنِّيَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنِّيَّتَيْنِ تَمْيِيزُ رُتْبَةِ الصَّلاَةِ - الظُّهْرِ - عَنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالنِّيَّتَيْنِ.
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا اقْتَرَنَ بِصَلاَةِ الْقَاصِرِ مَا يُوجِبُ الإِْتْمَامَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُوجِبُ إِتْمَامَهَا - وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ - فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلاَةَ بِالنِّيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تُجْزِئُهُ بِالنِّيَّةِ الأُْولَى.
الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا مَاتَ الأَْجِيرُ فِي الْحَجِّ قَبْل إِتْمَامِهِ الْحَجَّ، وَجَوَّزْنَا الْبِنَاءَ عَلَيْهِ فَاسْتَأْجَرْنَا مَنْ يَبْنِي عَلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ مَا تَقَدَّمَ بِنِيَّةِ الأَْجِيرِ الأَْوَّل وَمَا تَأَخَّرَ بِنِيَّةِ الأَْجِيرِ الثَّانِي، فَيُؤَدَّى الْحَجُّ بِنِيَّتَيْنِ مِنْ شَخْصَيْنِ: إِحْدَاهُمَا فِي ابْتِدَائِهِ، وَالثَّانِيَةُ فِي انْتِهَائِهِ (56) .
17 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ الإِْتْيَانُ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ أَوَّل وَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ وَاجِبَاتِهَا، فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا كُلُّهَا بَعْدَ النِّيَّةِ، فَلَوْ فَعَل شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ قَبْل النِّيَّةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ الإِْتْيَانُ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ مَسْنُونَاتِ الطَّهَارَةِ إِنْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمَسْنُونُ قَبْل وَاجِبٍ. كَغَسْل الْيَدَيْنِ لِغَيْرِ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْل إِنْ وُجِدَ قَبْل التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل، لِتَشْمَل النِّيَّةُ مَفْرُوضَ الطَّهَارَةِ وَمَسْنُونَهَا، فَيُثَابُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا. فَإِنْ غَسَل الْيَدَيْنِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَكَمَنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا؛ لِحَدِيثِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (57) ، فَتُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ غَسْلِهِمَا بَعْدَ النِّيَّةِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَصَلاَةٍ وَزَكَاةٍ، وَلاَ يُبْطِل النِّيَّةَ عَمَلٌ يَسِيرٌ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا. فَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَاحْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِهَا، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لَهَا فِي جَمِيعِ الطَّهَارَةِ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ. وَلاَ بُدَّ مِنَ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا بِأَنْ لاَ يَنْوِيَ قَطْعَهَا، فَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِرِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ كَمَا لاَ يُؤَثِّرُ فِي الصَّلاَةِ. وَمَحَلُّهُ إِنْ لَمْ يَنْوِ بِالْغَسْل نَحْوَ تَنْظِيفٍ أَوْ تَبَرُّدٍ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ (58) . حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ النِّيَّةِ:
18 - بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ النِّيَّةَ شُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ حَتَّى يَتَمَيَّزَ مَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى عَمَّا لَيْسَ لَهُ، وَتَتَمَيَّزُ مَرَاتِبُ الْعِبَادَاتِ فِي أَنْفُسِهَا حَتَّى تَتَمَيَّزَ مُكَافَأَةُ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ وَيَظْهَرَ قَدْرُ تَعْظِيمِهِ لِرَبِّهِ (59) .
فَمِثَال الأَْوَّل: الْغُسْل يَكُونُ عِبَادَةً وَتَبَرُّدَا، وَحُضُورُ الْمَسَاجِدِ يَكُونُ لِلصَّلاَةِ وَفُرْجَةً وَاسْتِرَاحَةً، وَالسُّجُودُ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ.
وَمِثَال الثَّانِي: الصَّلاَةُ، لاِنْقِسَامِهَا إِلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَالْفَرْضُ إِلَى فَرْضٍ عَلَى الأَْعْيَانِ وَفَرْضٍ عَلَى الْكِفَايَةِ وَفَرْضٍ مَنْذُورٍ وَفَرْضٍ غَيْرِ مَنْذُورٍ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ كَيْفِيَّةُ تَعَلُّقِ النِّيَّةِ بِالْفِعْل؛ فَإِنَّهَا لِلتَّمْيِيزِ.
وَتَمْيِيزُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى سَبَبِهِ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ بِوَقْتِهِ كَصَلاَةِ الظُّهْرِ، أَوْ بِحُكْمِهِ الْخَاصِّ كَالْفَرِيضَةِ، أَوْ بِوُجُودِ سَبَبِهِ كَرَفْعِ الْحَدَثِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ سَبَبٌ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، فَإِذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ارْتَفَعَ وَصَحَّ الْوُضُوءُ (60) . مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعْيِينُ الْمَنَوِيِّ:
19 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِي عِبَادَةٍ لاَ تَلْتَبِسُ بِغَيْرِهَا مِنْ جِنْسِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ وَرَاءَ الإِْجْمَال تَفْصِيلٌ:
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الأَْصْل عِنْدَنَا أَنَّ الْمَنْوِيَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوْ لاَ. فَإِنْ كَانَ عِبَادَةً:
فَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا ظَرْفًا لِلْمُؤَدَّى، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسَعُهُ وَغَيْرَهُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ، كَالصَّلاَةِ، كَأَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ، فَإِنْ قَرَنَهُ بِالْيَوْمِ كَظُهْرِ الْيَوْمِ صَحَّ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، أَوْ قَرَنَهُ بِالْوَقْتِ وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ الْوَقْتُ صَحَّ أَيْضًا، فَإِنْ خَرَجَ وَنَسِيَهُ لاَ يُجْزِئُهُ فِي الصَّحِيحِ. . . وَعَلاَمَةُ التَّعْيِينِ لِلصَّلاَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَوْ سُئِل: أَيُّ صَلاَةٍ يُصَلِّي؟ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ بِلاَ تَأَمُّلٍ.
وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا مِعْيَارًا لَهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يَسَعُ غَيْرَهَا كَالصَّوْمِ فِي يَوْمِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ إِنْ كَانَ الصَّائِمُ صَحِيحًا مُقِيمًا، فَيَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنِيَّةِ النَّفْل وَوَاجِبٍ آخَرَ؛ لأَِنَّ التَّعْيِينَ فِي الْمُتَعَيِّنِ لَغْوٌ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ سَوَاءٌ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ أَوْ نَفْلاً، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنْ نَوَى عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَقَعَ عَمَّا نَوَاهُ لاَ عَنْرَمَضَانَ، وَفِي النَّفْل رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا مُشْكِلاً كَوَقْتِ الْحَجِّ - يُشْبِهُ الْمِعْيَارَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ فِي السَّنَةِ إِلاَّ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُشْبِهُ الظَّرْفَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَفْعَالَهُ لاَ تَسْتَغْرِقُ وَقْتَهُ - فَيُصَابُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ نَظَرًا إِلَى الْمِعْيَارِيَّةِ، وَإِنْ نَوَى نَفْلاً وَقَعَ عَمَّا نَوَى نَظَرًا إِلَى الظَّرْفِيَّةِ.
وَلاَ يَسْقُطُ التَّعْيِينُ فِي الصَّلاَةِ بِضِيقِ الْوَقْتِ لأَِنَّ السَّعَةَ بَاقِيَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ مُتَنَفِّلاً صَحَّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا.
وَلاَ يَتَعَيَّنُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ قَوْلاً، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ.
وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ صَلاَةً أَوْ صَوْمًا أَوْ حَجًّا.
وَأَمَّا إِذَا كَثُرَتِ الْفَوَائِتُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ لِتَمْيِيزِ الْفُرُوضِ الْمُتَّحِدَةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَالأَْصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ فَصَامَ يَوْمًا نَاوِيًا عَنْهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ صَائِمٌ عَنْ يَوْمِ كَذَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَلاَ يَجُوزُ مِنْ رَمَضَانَيْنِ مَا لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ سَنَةَ كَذَا.
وَقَالُوا فِي الْمُتَيَمِّمِ: لاَ يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ، حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدُ بِهِالْوُضُوءَ، جَازَ، خِلاَفًا لِلْخَصَّافِ (61) .
وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: التَّعْيِينُ لِتَمْيِيزِ الأَْجْنَاسِ، فَنِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَيُعْرَفُ اخْتِلاَفُ الْجِنْسِ بِاخْتِلاَفِ السَّبَبِ، وَالصَّلاَةُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيل الْمُخْتَلِفِ، حَتَّى الظُّهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ أَوِ الْعَصْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ، بِخِلاَفِ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا شُهُودُ الشَّهْرِ.
وَعَلَى هَذَا أَدَاءُ الْكَفَّارَاتِ لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى التَّعْيِينِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ عَيَّنَ لَغَا، وَفِي الأَْجْنَاسِ لاَ بُدَّ مِنْهُ.
هَذَا فِي الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ. . . وَأَمَّا النَّوَافِل فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهَا تَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِهَا، وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الاِشْتِرَاطِ وَأَنَّهَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ النَّفْل وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ (62) .
وَأَضَافَ ابْنُ نُجَيْمٍ: الْخَطَأُ فِيمَا لاَ يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ لَهُ لاَ يَضُرُّ، كَتَعْيِينِ مَكَانِ الصَّلاَةِ وَزَمَانِهَا وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَلَوْ عَيَّنَ عَدَدَ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا صَحَّ لأَِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَالْخَطَأُ فِيهِ لاَ يَضُرُّ. . . وَأَمَّا فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ، كَالْخَطَأِ مِنَ الصَّوْمِ إِلَى الصَّلاَةِ وَعَكْسِهِ وَمِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ. . . فَإِنَّهُ يَضُرُّ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَنْوِيُّ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْوَسَائِل كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل وَالتَّيَمُّمِ، فَقَالُوا فِي الْوُضُوءِ: لاَ يَنْوِيهِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَنْوِي مَا لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالطَّهَارَةِ مِنَ الْعِبَادَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ: تَكْفِي نِيَّةُ الطَّهَارَةِ. وَأَمَّا فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا: إِنَّهُ يَنْوِي عِبَادَةً مَقْصُودَةً لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالطَّهَارَةِ، مِثْل سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ. . . وَفِي التَّيَمُّمِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ رِوَايَتَانِ (63) .
20 - وَقَال الْقَرَافِيُّ: الْمَقَاصِدُ مِنَ الأَْعْيَانِ فِي الْعُقُودِ إِنْ كَانَتْ مُتَعَيَّنَةً اسْتَغْنَتْ عَمَّا يُعَيِّنُهَا، كَمَنِ اسْتَأْجَرَ بِسَاطًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ ثَوْبًا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْيِينِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْعَقْدِ لاِنْصِرَافِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ بِصُوَرِهَا إِلَى مَقَاصِدِهَا عَادَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ مُتَرَدِّدَةً، كَالدَّابَّةِ لِلْحَمْل وَالرُّكُوبِ وَالأَْرْضِ لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، افْتَقَرَتْ إِلَى التَّعْيِينِ.
وَقَال: النُّقُودُ إِذَا كَانَ بَعْضُهَا غَالِبًا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْيِينٍ فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ احْتَاجَ إِلَى التَّعْيِينِ.
وَقَال كَذَلِكَ: الْحُقُوقُ إِذَا تَعَيَّنَتْ لِمُسْتَحِقِّيهَا كَالدَّيْنِ الْمَنْقُول فَإِنَّهُ مُعَيَّنٌ لِرَبِّهِ، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، مِثْل حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا تَعَيَّنَتْ لَهُ كَالإِْيمَانِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ الْحَقُّ بَيْنَ دَيْنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ وَالآْخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ، فَإِنَّ الدَّفْعَ يَفْتَقِرُ فِي تَعْيِينِ الْمَدْفُوعِ لأَِحَدِهِمَا إِلَى النِّيَّةِ.
وَأَضَافَ الْقَرَافِيُّ: التَّصَرُّفَاتُ إِذَا كَانَتْ دَائِرَةً بَيْنَ جِهَاتٍ شَتَّى لاَ تَنْصَرِفُ لِجِهَةٍ إِلاَّ بِنْيَةٍ، كَمَنْ أَوْصَى لأَِيْتَامٍ فَاشْتَرَى سِلْعَةً لاَ تَتَعَيَّنُ لأَِحَدِهِمْ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَمَتَى كَانَ التَّصَرُّفُ مُتَّحِدًا انْصَرَفَ إِلَى جِهَتِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَإِنَّ مُبَاشَرَةَ الْعَقْدِ كَافِيَةٌ فِي حُصُول مِلْكِهِ لِلسِّلْعَةِ. . . وَالنِّيَّةُ فِي هَذِهِ الأُْمُورِ مَقْصُودُهَا التَّمْيِيزُ، وَمَقْصُودُهَا فِي الْعِبَادَاتِ التَّمْيِيزُ وَالتَّقَرُّبُ مَعًا (64) .
وَقَال الْحَطَّابُ: مِنْ فَرَائِضِ الصَّلاَةِ نِيَّةُ الصَّلاَةِ الْمُعَيَّنَةِ. قَال صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: النِّيَّةُ الْكَامِلَةُ هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: تَعْيِينُ الصَّلاَةِ، وَالتَّقَرُّبُ بِهَا، وَوُجُوبُهَا، وَآدَابُهَا. وَاسْتِشْعَارُ الإِْيمَانِ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّةُ الْكَامِلَةُ، فَإِنْ سَهَا عَنِ الإِْيمَانِ أَوْ وُجُوبِ الصَّلاَةِ أَوْ كَوْنِهَا أَدَاءً أَوِ التَّقَرُّبِ بِهَا، لَمْ تَفْسُدْ إِذَا عَيَّنَهَا لاِشْتِمَال التَّعْيِينِ عَلَى ذَلِكَ. قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَالْمُعِيدُ لِلصَّلاَةِ فِي جَمَاعَةٍ وَالصَّبِيُّ لاَ يَتَعَرَّضَانِ لِفَرْضٍ وَلاَ لِنَفْلٍ.
وَمِنَ الذَّخِيرَةِ قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ: النَّوَافِل عَلَى قِسْمَيْنِ: مُقَيَّدَةٌ وَمُطْلَقَةٌ. فَالْمُقَيَّدَةُ السُّنَنُ الْخَمْسُ وَهِيَ: الْعِيدَانِ وَالْكُسُوفُ وَالاِسْتِسْقَاءُ وَالْوَتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ، فَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ إِمَّا بِأَسْبَابِهَا أَوْ بِأَزْمَانِهَا، فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّةِ التَّعْيِينِ، فَمَنِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا إِلَى هَذِهِ لَمْ يَجُزْ. وَالْمُطْلَقَةُ مَا عَدَا هَذِهِ فَتَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الصَّلاَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي لَيْلٍ فَهُوَ قِيَامُ اللَّيْل، أَوْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، أَوْ كَانَ مِنْهُ أَوَّل النَّهَارِ فَهُوَ الضُّحَى، أَوْ عِنْدَ دُخُول مَسْجِدٍ فَهُوَ تَحِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ مِنْ حَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ عُمْرَةٍ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّعْيِينِ فِي مُطْلَقِهِ، بَل يَكْفِي فِيهِ أَصْل الْعِبَادَةِ (65) .
21 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِيمَا يَلْتَبِسُ دُونَ غَيْرِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى. . . فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ؛ لأَِنَّ أَصْل النِّيَّةِ فُهِمَ مِنْ أَوَّل الْحَدِيثِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (66) . فَمِنَ الأَْوَّل - أَيْ مِمَّا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ - الصَّلاَةُ: فَيُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْفَرَائِضِ لِتَسَاوِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِعْلاً وَصُورَةً، فَلاَ يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا إِلاَّ التَّعْيِينُ، وَفِي النَّوَافِل غَيْرِ الْمُطْلَقَةِ كَالرَّوَاتِبِ فَيُعَيِّنُهَا بِإِضَافَتِهَا إِلَى الظُّهْرِ مَثَلاً، وَكَوْنِهَا الَّتِي قَبْلَهَا أَوِ الَّتِي بَعْدَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ الصَّوْمُ: وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الأَْصْحَابُ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ فِيهِ لِتَمْيِيزِ رَمَضَانَ مِنَ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ. وَمِثْل الرَّوَاتِبِ فِي ذَلِكَ الصَّوْمُ ذُو السَّبَبِ.
وَمِنَ الثَّانِي - أَيْ مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ لِعَدَمِ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ - الطَّهَارَاتُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ عَيَّنَ غَيْرَهَا انْصَرَفَ إِلَيْهَا، وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَاتُ.
وَنَقَل السُّيُوطِيُّ ضَابِطًا هُوَ أَنَّ كُل مَوْضِعٍ افْتَقَرَ إِلَى نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ افْتَقَرَ إِلَى تَعْيِينِهَا إِلاَّ التَّيَمُّمَ لِلْفَرْضِ فِي الأَْصَحِّ.
وَقَال: الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا لاَ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لَهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً إِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَمْ يَضُرَّ، كَتَعْيِينِ مَكَانِ الصَّلاَةِ وَزَمَانِهَا، وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ فَالْخَطَأُ فِيهِ مُبْطِلٌ، كَالْخَطَأِ مِنَ الصَّوْمِ إِلَى الصَّلاَةِ وَعَكْسِهِ، وَمَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُجُمْلَةً وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ تَفْصِيلاً إِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ ضَرَّ (67) .
22 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلاَةَ بِعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً مِنْ فَرْضٍ، وَكَذَا مَنْذُورَةٌ، وَنَفْلٌ مُؤَقَّتٌ كَوِتْرٍ وَتَرَاوِيحَ وَرَاتِبَةٍ، لِتَتَمَيَّزَ تِلْكَ الصَّلَوَاتُ عَنْ غَيْرِهَا، وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِي بِهَا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ إِجْمَاعًا، فَلَوْلاَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ لأََجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الصَّلاَةُ مُعَيَّنَةً كَالنَّفْل الْمُطْلَقِ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ الصَّلاَةِ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ فِيهَا (68) .

صِفَةُ الْمَنْوِيِّ مِنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ فَرْضِيَّةِ الْعِبَادَةِ عِنْدَ الْقِيَامِ بِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - الْوُضُوءُ:
23 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْوُضُوءِ.
وَكَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ، أَوْ نِيَّةَ فَرْضِ الْوُضُوءِ، أَوْ نِيَّةَ الْوُضُوءِ فَقَطْ، فَأَيُّ كَيْفِيَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ نَوَى أَجْزَأَهُ، لِتَعَرُّضِهِ لِلْمَقْصُودِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَلَكِنَّ الأَْوْلَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَيَضُرُّ نِيَّةُ بَعْضِهَا وَإِخْرَاجُ الْبَعْضِ؛ لأَِنَّهُ تَنَاقُضٌ فِي ذَاتِ النِّيَّةِ.
وَقَال السُّيُوطِيُّ: لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ التَّعَرُّضَ لِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ أَكْمَل إِذَا لَمْ نُوجِبْهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: النِّيَّةُ سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ وَلَيْسَتْ فَرْضًا، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ، كَمَا يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ (69) .

ب - الْغُسْل:
24 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْغُسْل، بَل يَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَرَفْعِ حَدَثِ الْحَيْضِ إِنْ كَانَتْ حَائِضًا، أَوْ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ كَالصَّلاَةِ، أَوْ يَنْوِي أَدَاءَ فَرْضِ الْغُسْل أَوِ الْغُسْل الْمَفْرُوضِ، أَوْ أَدَاءَ الْغُسْل، وَكَذَا الطَّهَارَةُ لِلصَّلاَةِ (70) . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ نِيَّةُ الْغُسْل سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ فَرْضًا، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ كَمَا يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ (71) .

ج - التَّيَمُّمُ:
25 - صِفَةُ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَا لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بِالطَّهَارَةِ (72) .
فَإِنْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ أَوْ فَرْضَ الطَّهَارَةِ أَوِ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ فَقَطْ، لَمْ يَكْفِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ عَنْ ضَرُورَةٍ، فَلاَ يُجْعَل مَقْصُودًا بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَوْ فَرْضَ الطَّهَارَةِ فَقَطْ (73) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَلاَ تُشْتَرَطُ لَهُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لأَِنَّهُ مِنَ الْوَسَائِل، وَنِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ كَافِيَةٌ، وَالشُّرُوطُ كُلُّهَا لاَ يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّمَا يُرَاعَى حُصُولُهَا لاَ تَحْصِيلُهَا (74) .
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمُّم ف 9) .

د - الصَّلاَةُ:
26 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ لِتَتَمَيَّزَ عَنِ النَّفْل.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - غَيْرَ ابْنِ حَامِدٍ - وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، وَيَكْفِي تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِصَلاَةِ الْفَرْضِ، بِأَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَدَاءَ فَرْضِ الظُّهْرِ مَثَلاً، وَالتَّعْيِينُ يُغْنِي عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ (75) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الصَّبِيِّ: يَنْبَغِي أَلاَّ تُشْرَطَ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ فَرْضٍ فِي حَقِّهِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ صَلاَةَ كَذَا الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي هَذَا الْوَقْتِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي صَلاَةِ الصَّبِيِّ، كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَصَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ خِلاَفًا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا؛ لأَِنَّ صَلاَتَهُ تَقَعُ نَفْلاً فَكَيْفَ يَنْوِي الْفَرْضِيَّةَ؟ (76) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّلاَةِ الْمُعَادَةِ لاِرْتِكَابِ مَكْرُوهٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ: لاَ شَكَّ أَنَّهَا جَابِرَةٌ لاَ فَرْضٌ، لِقَوْلِهِمْ بِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِالأُْولَى، فَعَلَى هَذَا يَنْوِي كَوْنَهَا جَابِرَةً لِنَقْصِ الْفَرْضِ، عَلَى أَنَّهَا نَفْلٌ تَحْقِيقًا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِهَا فَلاَ خَفَاءَ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مِنَ الْمُشْكِل مَا صَحَّحَهُ الأَْكْثَرُونَ فِي الصَّلاَةِ الْمُعَادَةِ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْفَرْضَ، مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْفَرْضَ الأُْولَى، وَلِذَلِكَ اخْتَارَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَوْل إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ مَثَلاً وَلاَ يَتَعَرَّضُ لِلْفَرْضِ. قَال فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ وَالأَْدِلَّةُ، وَقَال السُّبْكِيُّ: لَعَل مُرَادَ الأَْكْثَرِينَ أَنَّهُ يَنْوِي إِعَادَةَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ، حَتَّى لاَ يَكُونَ نَفْلاً مُبْتَدَأً (77) .
27 - وَفَرَّعَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْرِفِ الْفَرَائِضَ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي أَوْقَاتِهَا لاَ يَجُوزُ، وَكَذَا لَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ مِنْهَا فَرْضًا وَنَفْلاً وَلاَ يُمَيِّزُ وَلَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ فِيهَا، فَإِنْ نَوَى الْفَرْضَ فِي الْكُل جَازَ، وَلَوْ ظَنَّ الْكُل فَرْضًا جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ فَكُل صَلاَةٍ صَلاَّهَا مَعَ الإِْمَامِ جَازَ إِنْ نَوَى صَلاَةَ الإِْمَامِ.
وَنَقَل ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ الْمُصَلِّينَ سِتَّةٌ:

الأَْوَّل: مَنْ عَلِمَ الْفُرُوضَ مِنْهَا وَالسُّنَنَ، وَعَلِمَ مَعْنَى الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ اصْطِلاَحًا فَنَوَى الظُّهْرَ أَوِ الْفَجْرَ أَجْزَأَتْهُ، وَأَغْنَتْ فِيهِ نِيَّةُ الظُّهْرِ عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ.

الثَّانِي: مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَنْوِي الْفَرْضَ فَرْضًا وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ تُجْزِئُهُ.

الثَّالِثُ: يَنْوِي الْفَرْضَ وَلاَ يَعْلَمُ مَعْنَاهُ لاَ تُجْزِئُهُ. الرَّابِعُ: عَلِمَ أَنَّ فِيمَا يُصَلِّيهِ فَرَائِضَ وَنَوَافِل، فَيُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي النَّاسُ وَلاَ يُمَيِّزُ الْفَرَائِضَ مِنَ النَّوَافِل لاَ تُجْزِئُهُ؛ لأَِنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ فِي الْفَرْضِ شَرْطٌ، وَقِيل: يُجْزِئُهُ مَا صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ وَنَوَى صَلاَةَ الإِْمَامِ.

الْخَامِسُ: اعْتَقَدَ أَنَّ الْكُل فَرْضٌ جَازَتْ صَلاَتُهُ.

السَّادِسُ: لاَ يَعْلَمُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ صَلَوَاتٍ مَفْرُوضَةً، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا لأَِوْقَاتِهَا لَمْ تُجْزِئْهُ (78) .
28 - وَمَا سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْفَرِيضَةِ، أَمَّا النَّوَافِل فَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهَا نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
قَال النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ لأَِنَّ النَّفْلِيَّةَ مُلاَزِمَةٌ لِلنَّفْل، بِخِلاَفِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فَرْضًا وَقَدْ لاَ تَكُونُ، بِدَلِيل الصَّلاَةِ الْمُعَادَةِ وَصَلاَةِ الصَّبِيِّ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهَا تُشْتَرَطُ (79) . هـ - صَلاَةُ الْجِنَازَةِ:
29 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: صَلاَةُ الْجِنَازَةِ لاَ تُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ فَرْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَلِذَا لاَ تُعَادُ نَفْلاً (80) .
وَكَذَلِكَ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ كَوْنِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَقَدْ قَالُوا: صِفَةُ النِّيَّةِ: أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ الصَّلاَةَ عَلَى الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ، مَعَ اسْتِحْضَارِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ غَفَل عَنْ هَذَا الأَْخِيرِ لَمْ يَضُرَّ، وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ، كَمَا لاَ يَضُرُّ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ (81) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَكْفِي فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ نِيَّةُ مُطْلَقِ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْكِفَايَةِ (أَيْ فَرْضِ كِفَايَةٍ) كَمَا تَكْفِي النِّيَّةُ فِي إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِفَرْضِ الْعَيْنِ.
وَقِيل: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ (82) .

و الزَّكَاةُ:
30 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ عِنْدَ إِخْرَاجِهَا، اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فَرْضًا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ الصَّدَقَةَ مُتَنَوِّعَةٌ.
أَمَّا الزَّكَاةُ الْمُعَجَّلَةُ فَقَدْ قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: ظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ؛ لأَِنَّهُ تَعْجِيلٌ بَعْدَ أَصْل الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّ سَبَبَهُ هُوَ النِّصَابُ النَّامِي وَقَدْ وُجِدَ، بِخِلاَفِ الْحَوْل؛ لأَِنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الأَْدَاءِ، بِخِلاَفِ تَعْجِيل الصَّلاَةِ عَلَى وَقْتِهَا فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، لِكَوْنِ وَقْتِهَا سَبَبًا لِلْوُجُوبِ وَشَرْطًا لِصِحَّةِ الأَْدَاءِ (83) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الزَّكَاةِ إِذَا كَانَتْ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، وَلاَ تُشْتَرَطُ إِذَا كَانَتْ بِلَفْظِ الزَّكَاةِ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَقَعُ إِلاَّ فَرْضًا (84) .

ز - الصَّوْمُ:
31 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّوْمِ، قَال الْكَاسَانِيُّ: لَيْسَتْ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى الصَّوْمِ؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ صِفَةٌ، وَالصِّفَةُ لاَ تَحْتَمِل صِفَةً زَائِدَةً عَلَيْهَا قَائِمَةً بِهَا، بَل هُوَ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ، فَيُسَمَّى الصَّوْمُ مَفْرُوضًا وَفَرِيضَةً لِدُخُولِهِ تَحْتَ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى، لاَ لِفَرْضِيَّةٍ قَامَتْ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صِفَةً قَائِمَةً بِالصَّوْمِ لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ نِيَّةُ الْفَرْضِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لأَِنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مِنَ الْبَالِغِ لاَ يَقَعُ إِلاَّ فَرْضًا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْفَرْضِ لإِِجْزَاءِ التَّعْيِينِ عَنْهُ (85) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ النِّيَّةِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ اعْتِبَارُ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِغْرَاقِ طَرَفَيِ النَّهَارِ بِالإِْمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ، فَإِنْ سَهَا عَنْ أَنْ يَنْوِيَ الْوُجُوبَ وَنَوَى صَوْمَ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّ تَعْيِينَهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ بِهِ (86) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: فِي نِيَّةِ فَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ الْخِلاَفُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّلاَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ الأَْصَحُّ اشْتِرَاطَ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِلأَْكْثَرِينَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهَا هَاهُنَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ بِخِلاَفِهِ فِي الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مِنَ الْبَالِغِ لاَ يَقَعُ إِلاَّ فَرْضًا، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ فَإِنَّ الْمُعَادَةَ نَفْلٌ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّوْمِ (87) .

ح - الْحَجُّ:
32 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْحَجُّ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَلَكِنْ عَلَّلُوهُ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ نَوَى فِي نَفْسِ الأَْمْرِ الْفَرْضِيَّةَ.
قَالُوا: لأَِنَّ الْحَاجَّ لاَ يَتَحَمَّل الْمَشَاقَّ الْكَثِيرَةَ إِلاَّ لأَِجْل الْفَرْضِ. وَلاِبْنِ الْهُمَامِ اسْتِنْبَاطٌ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ لَمْ يَجُزْ فَلاَبُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ نَوَى النَّفْل فِيهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ كَانَ نَفْلاً.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ نَوَى النَّفْل وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ لَوَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ، فَلاَ فَائِدَةَ مِنْ إِيجَابِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ (88) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الْحَجِّ فَرْضًا أَنْ يَخْلُوَ عَنْ نِيَّةِ النَّفْل بِأَنْ يَنْوِيَ الْفَرْضَ، وَإِذَا نَوَى الْحَجَّ وَلَمْ يُعَيِّنْ فَرْضًا وَلاَ نَفْلاً فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ إِذَا كَانَ صَرُورَةً (89) .

ط - الْكَفَّارَاتُ:
33 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْكَفَّارَاتِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ فَرْضًا (90) .

اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الأَْدَاءِ أَوِ الْقَضَاءِ:
34 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ تَحْدِيدُ الأَْدَاءِ أَوِ الْقَضَاءِ فِي نِيَّةِ الصَّلاَةِ، وَلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا نَقَل ابْنُ نُجَيْمٍ -: إِذَا عَيَّنَ الصَّلاَةَ الَّتِي يُؤَدِّيهَا صَحَّ، نَوَى الأَْدَاءَ أَوِ الْقَضَاءَ، وَقَال فَخْرُ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرُهُ فِي الأُْصُول فِي بَحْثِ الأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ: إِنَّ أَحَدَهُمَا يُسْتَعْمَل مَكَانَ الآْخَرِ، حَتَّى يَجُوزَ الأَْدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَبِالْعَكْسِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَا لاَ يُوصَفُ بِهِمَا لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ كَالْعِبَادَةِ الْمُطْلَقَةِ عَنِ الْوَقْتِ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا مَا لاَ يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ كَصَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَلاَ الْتِبَاسَ لأَِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَعَ الإِْمَامِ تُصَلَّى ظُهْرًا، وَأَمَّا مَا يُوصَفُ بِهِمَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، قَالُوا: لاَ تُشْتَرَطُ أَيْضًا. قَال فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: لَوْ نَوَى الأَْدَاءَ عَلَى ظَنِّ بَقَاءِ الْوَقْتِ فَتَبَيَّنَ خُرُوجُهُ أَجْزَأَ، وَكَذَا عَكْسُهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ: لَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ بَعْدَمَا خَرَجَ الْوَقْتُ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ جَازَ، وَفِي الْجُمُعَةِ: يَنْوِيهَا وَلاَ يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ لِلاِخْتِلاَفِ فِيهِ.
وَفِي التَّاتَارْخَانِيَّةِ: كُل وَقْتٍ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ فَنَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ مَثَلاً فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَ. . الْمُخْتَارُ الْجَوَازُ.
وَاخْتَلَفُوا إِنْ كَانَتِ الْوَقْتِيَّةُ تَجُوزُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ إِذَا كَانَ فِي قَلْبِهِ فَرْضُ الْوَقْتِ، وَكَذَا الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الأَْدَاءِ هُوَ الْمُخْتَارُ.وَذَكَرَ فِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ أَنَّ الأَْدَاءَ يَصِحُّ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ حَقِيقَةً، وَعَكْسُهُ، وَالصِّحَّةُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَتَى بِأَصْل النِّيَّةِ وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي الظَّنِّ، وَالْخَطَأُ فِي مِثْلِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْحَجُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ تُشْتَرَطَ فِيهِ نِيَّةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ (91) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ الْكَامِلَةَ هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: تَعْيِينِ الصَّلاَةِ، وَالتَّقَرُّبِ بِهَا، وَأَدَائِهَا، وَاسْتِشْعَارِ الإِْيمَانِ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّةُ الْكَامِلَةُ، فَإِنْ سَهَا عَنِ الإِْيمَانِ أَوْ وُجُوبِ الصَّلاَةِ أَوْ كَوْنِهَا أَدَاءً، أَوِ التَّقَرُّبِ بِهَا لَمْ تَفْسَدْ إِذَا عَيَّنَهَا لاِشْتِمَال التَّعْيِينِ عَلَى ذَلِكَ (92) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي اشْتِرَاطِ الأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي الصَّلاَةِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: الاِشْتِرَاطُ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا النِّيَّةُ؛ لأَِنَّ رُتْبَةَ إِقَامَةِ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهِ تُخَالِفُ رُتْبَةَ تَدَارُكِ الْفَائِتِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعَرُّضِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِلتَّمْيِيزِ.
وَالثَّانِي: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ دُونَ الأَْدَاءِ؛ لأَِنَّ الأَْدَاءَ يَتَمَيَّزُ بِالْوَقْتِ بِخِلاَفِ الْقَضَاءِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ اشْتُرِطَ فِي الْمُؤَدَّاةِ نِيَّةُ الأَْدَاءِ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَالرَّابِعُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ: لاَ يُشْتَرَطَانِ مُطْلَقًا، لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الْمُجْتَهِدِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ وَصَوْمِ الأَْسِيرِ إِذَا نَوَى الأَْدَاءَ فَبَانَا بَعْدَ الْوَقْتِ.
وَقَدْ بَسَطَ الْعَلاَئِيُّ الْكَلاَمَ فِي ذَلِكَ فَقَال: مَا لاَ يُوصَفُ مِنَ الْعِبَادَاتِ بِأَدَاءٍ وَلاَ قَضَاءٍ فَلاَ رَيْبَ فِي أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ أَدَاءٍ وَلاَ قَضَاءٍ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ وَلَكِنَّهُ لاَ يَقْبَل الْقَضَاءَ كَالْجُمُعَةِ فَلاَ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى نِيَّةِ الأَْدَاءِ إِذْ لاَ يَلْتَبِسُ بِهَا قَضَاءٌ فَتَحْتَاجَ إِلَى نِيَّةٍ مُمَيِّزَةٍ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّوَافِل الَّتِي تُقْضَى فَهِيَ كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فِي جَرَيَانِ الْخِلاَفِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نَوَى قَضَاءَ الصَّلاَةِ وَهِيَ أَدَاءٌ أَوِ الْعَكْسَ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، فَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ قَطْعًا؛ لِتَلاَعُبِهِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَالَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْقَضَاءِ لاَ بُدَّ مِنْهَا دُونَ الأَْدَاءِ لِتَمْيِيزِهِ بِالْوَقْتِ.
قَال السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ فِي الصَّوْمِ الْخِلاَفَ فِي نِيَّةِ الأَْدَاءِ.وَبَقِيَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ: وَلاَ شَكَّ أَنَّهُمَا لاَ يُشْتَرَطَانِ فِيهِمَا، إِذْ لَوْ نَوَى بِالْقَضَاءِ الأَْدَاءَ لَمْ يَضُرَّهُ وَانْصَرَفَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ أَفْسَدَهُ فِي صِبَاهُ أَوْ رِقِّهِ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فَنَوَى الْقَضَاءَ، انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ وَهِيَ الأَْدَاءُ.
وَأَمَّا صَلاَةُ الْجِنَازَةِ: فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهَا الأَْدَاءُ وَالْقَضَاءُ؛ لأَِنَّ وَقْتَهَا مَحْدُودٌ بِالدَّفْنِ.
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ: فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى أَنَّهَا تَصِيرُ قَضَاءً إِذَا جَامَعَ قَبْل أَدَائِهَا، وَلاَ شَكَّ فِي عَدَمِ الاِشْتِرَاطِ فِيهَا.
وَأَمَّا الزَّكَاةُ: فَيُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِيهَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا عَدَمُ الاِشْتِرَاطِ (93) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ كَوْنِ الصَّلاَةِ حَاضِرَةً أَوْ قَضَاءً، وَلاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ أَدَاءٍ فِي حَاضِرَةٍ؛ لأَِنَّهُ لَوْ صَلاَّهَا يَنْوِيهَا أَدَاءً فَبَانَ وَقْتُهَا قَدْ خَرَجَ أَنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ وَتَقَعُ قَضَاءً. وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَاهَا قَضَاءً فَبَانَ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا وَقَعَتْ أَدَاءً، وَيُصْبِحُ قَضَاءً بِنِيَّةِ أَدَاءٍ إِذَا بَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ، وَيَصِحُّ عَكْسُهُ إِذَا بَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ، وَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ وَقَصْدِ مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّهُ مُتَلاَعِبٌ (94) .

أَقْسَامُ النِّيَّةِ:
النِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ:
35 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقِيَّةٍ وَحُكْمِيَّةٍ، وَأَنَّ الْحَقِيقِيَّةَ مَشْرُوطَةٌ فِي أَوَّل الْعِبَادَاتِ دُونَ اسْتِمْرَارِهَا، وَالْحُكْمِيَّةَ كَافِيَةٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا.
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْعِبَادَةَ ذَاتَ الأَْفْعَال يُكْتَفَى بِالنِّيَّةِ فِي أَوَّلِهَا وَلاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي كُل فِعْلٍ اكْتِفَاءً بِانْسِحَابِهَا عَلَيْهَا، إِلاَّ إِذَا نَوَى بِبَعْضِ الأَْفْعَال غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ. قَالُوا: لَوْ طَافَ طَالِبًا الْغَرِيمَ لاَ يُجْزِئُهُ الطَّوَافُ (95) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: فِعْلِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ، وَحُكْمِيَّةٍ مَعْدُومَةٍ، فَإِذَا حَضَرَتِ الْعِبَادَةُ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ فِي أَوَّلِهَا، وَتَكْفِي الْحُكْمِيَّةُ فِي بَقِيَّتِهَا لِلْمَشَقَّةِ فِي اسْتِمْرَارِهَا بِالْفِعْل، قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ: لَوْ وَزَنَ زَكَاتَهُ وَعَزَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ دَفَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ اكْتَفَى بِالْحُكْمِيَّةِ وَأَجْزَأَتْ. وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فُرُوعًا ثَلاَثَةً:
الأَْوَّل: تَكْفِي الْحُكْمِيَّةُ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُنَافِي، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا تَوَضَّأَ وَبَقِيَتْ رِجْلاَهُ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا وَمَسَحَ بِيَدَيْهِ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَنْوِ بِذَلِكَ غَسْل رِجْلَيْهِ لاَ يُجْزِئُهُ غَسْل رِجْلَيْهِ. قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ: يُرِيدُ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْوُضُوءِ بَل إِزَالَةَ الْقَشَبِ. وَقَال صَاحِبُ النُّكَتِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ ظَنَّ كَمَال وُضُوئِهِ فَرَفَضَ نِيَّتَهُ، أَمَّا لَوْ بَقِيَ عَلَى نِيَّتِهِ وَالنَّهْرُ قَرِيبٌ أَجْزَأَهُ.
الثَّانِي: إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ بَعْدَ كَمَال الطَّهَارَةِ، رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لاَ تَفْسَدُ لِحُصُول الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهُوَ التَّمْيِيزُ حَالَةَ الْفِعْل، وَرُوِيَ عَنْهُ فَسَادُهَا لأَِنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الطَّهَارَةِ، وَذَهَابُ جُزْءِ الطَّهَارَةِ يُفْسِدُهَا، قَال صَاحِبُ النُّكَتِ: إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ أَوِ الْحَجِّ لاَ يَضُرُّ، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ أَوِ الصَّوْمِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّةِ التَّمْيِيزُ وَهُمَا مُتَمَيِّزَانِ بِمَكَانِهِمَا، وَهُوَ الأَْعْضَاءُ فِي الْوُضُوءِ، وَالأَْمَاكِنُ الْمَخْصُوصَةُ فِي الْحَجِّ، فَكَانَ اسْتِغْنَاؤُهُمَا عَنِ النِّيَّةِ أَكْثَرَ، وَلَمْ يُؤَثِّرِ الرَّفْضُ فِيهِمَا بِخِلاَفِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ.
الثَّالِثُ: قَال الْمَازِرِيُّ: تَكْفِي النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ فِي الْعَمَل الْمُتَّصِل، فَلَوْ نَسِيَ عُضْوًا وَطَال ذَلِكَ افْتَقَرَ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ، فَإِنَّ الاِكْتِفَاءَبِالْحُكْمِيَّةِ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل فَيَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى الْعَمَل الْمُتَّصِل، وَكَذَلِكَ مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ وَشَرَعَ فِي غَسْل رِجْلَيْهِ (96) .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الإِْيمَانُ وَالنِّيَّاتُ وَالإِْخْلاَصُ يَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقِيٍّ وَحُكْمِيٍّ، وَالنِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ مَشْرُوطَةٌ فِي أَوَّل الْعِبَادَاتِ دُونَ اسْتِمْرَارِهَا، وَالْحُكْمِيَّةُ كَافِيَةٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا (97) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يَنْوِي قَطْعَهَا، وَلَوْ ذَهَل عَنْهَا وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهَا؛ لأَِنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلأَِنَّ النِّيَّةَ لاَ تُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ بِدَلِيل الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ (98) .

نِيَّةُ التَّقَرُّبِ وَنِيَّةُ التَّمْيِيزِ:
36 - قَسَّمَ الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ - النِّيَّةَ إِلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ وَنِيَّةِ التَّمْيِيزِ.
فَالأُْولَى: تَكُونُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَهِيَ إِخْلاَصُ الْعَمَل لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِيَةُ: تَكُونُ فِي الْمُحْتَمَل لِلشَّيْءِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ إِذَا أَقْبَضَهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِل التَّمْلِيكَ هِبَةً وَقَرْضًا وَوَدِيعَةً وَإِبَاحَةً، فَلاَ بُدَّ مِنْ نِيَّةِ تَمْيِيزِ إِقْبَاضِهِ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الإِْقْبَاضِ. وَلاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ، كَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا فَسَلَّمَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا لاَ يَقَعُ عَنْهُ الدَّيْنُ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَدَاءَهُ، وَمِثْلُهُ كُل مَنْ جَازَ لَهُ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ كَالْوَكِيل وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ وَيَتِيمِهِ، فَإِذَا أُطْلِقَ الشِّرَاءُ يَنْصَرِفُ لِنَفْسِهِ وَلاَ يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنِ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ (99) .

عَلاَقَةُ النِّيَّةِ بِالإِْخْلاَصِ:
37 - فَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالإِْخْلاَصِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُفَرِّقْ، وَنُوَضِّحُ آرَاءَهُمْ فِيمَا يَلِي:
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الإِْخْلاَصِ فِيهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَوْضَحَهُ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْخُلاَصَةِ بِأَنَّهُ لاَ رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: شَرَعَ فِي الصَّلاَةِ بِالإِْخْلاَصِ ثُمَّ خَالَطَهُ الرِّيَاءُ فَالْعِبْرَةُ لِلسَّابِقِ، وَلاَ رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ. ثُمَّ قَال: الصَّلاَةُ لإِِرْضَاءِ الْخُصُومِ لاَ تُفِيدُ، بَل يُصَلِّي لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ خَصْمُهُ لَمْ يَعْفُ يُؤْخَذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ أَفَادَ الْبَزَّازِيُّ بِقَوْلِهِ " فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ ": إِنَّ الْفَرَائِضَ مَعَ الرِّيَاءِ صَحِيحَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْوَاجِبِ. وَلَكِنْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الأُْضْحِيَةِ أَنَّ الْبَدَنَةَ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ إِنْ كَانَ الْكُل مُرِيدِينَ الْقُرْبَةَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُهُمْ مِنْ أُضْحِيَةٍ وَقِرَانٍ وَمُتْعَةٍ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ مُرِيدًا لَحْمًا لأَِهْلِهِ أَوْ كَانَ نَصْرَانِيًّا لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعَلَّلُوا بِأَنَّ الْبَعْضَ إِذَا لَمْ يَقَعْ قُرْبَةً خَرَجَ الْكُل عَنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً؛ لأَِنَّ الإِْرَاقَةَ لاَ تَتَجَزَّأُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ذَبَحَهَا أُضْحِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ لاَ تُجْزِئُهُ بِالأَْوْلَى، وَيَنْبَغِي أَنْ تَحْرُمَ.
وَفِي التَّاتَارَخَانِيَّةِ: لَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ دَخَل فِي قَلْبِهِ الرِّيَاءُ فَهُوَ عَلَى مَا افْتَتَحَ، وَالرِّيَاءُ: أَنَّهُ لَوْ خَلَّى عَنْهُ النَّاسُ لاَ يُصَلِّي وَلَوْ كَانَ مَعَ النَّاسِ يُصَلِّي، فَأَمَّا لَوْ صَلَّى مَعَ النَّاسِ يُحْسِنُهَا وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ لاَ يُحْسِنُ، فَلَهُ ثَوَابُ أَصْل الصَّلاَةِ دُونَ الإِْحْسَانِ، وَلاَ يَدْخُل الرِّيَاءُ فِي الصَّوْمِ.وَفِي الْيَنَابِيعِ: قَال إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ: لَوْ صَلَّى رِيَاءً فَلاَ أَجْرَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ. قَال بَعْضُهُمْ: يَكْفُرُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ أَجْرَ لَهُ وَلاَ وِزْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَل.
وَفِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَيَخَافُ أَنْ يَدْخُل عَلَيْهِ الرِّيَاءُ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لأَِنَّهُ أَمْرٌ مَوْهُومٌ (100) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: قَال الْقَرَافِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا دَامَ حَيًّا مُسْتَطِيعًا قَبْل حُضُورِهَا وَحُضُورِ أَسْبَابِهَا، فَإِذَا حَضَرَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ وَالإِْخْلاَصُ الْفِعْلِيَّانِ فِي أَوَّلِهَا، وَيَكْفِي الْحُكْمِيَّانِ فِي بَقِيَّتِهَا (101) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّمْيِيزِ الإِْخْلاَصُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُقْبَل النِّيَابَةُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ اخْتِبَارُ سِرِّ الْعِبَادَةِ، وَقَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الإِْخْلاَصُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى النِّيَّةِ لاَ يَحْصُل بِدُونِهَا وَقَدْ تَحْصُل بِدُونِهِ، وَنَظَرُ الْفُقَهَاءِ قَاصِرٌ عَلَى النِّيَّةِ، وَأَحْكَامُهُمْ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَيْهَا، وَأَمَّا الإِْخْلاَصُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحُوا عَدَمَ وُجُوبِ الإِْضَافَةِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ (102) . وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الإِْخْلاَصُ أَنْ يَفْعَل الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لاَ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمًا مِنَ النَّاسِ وَلاَ تَوْقِيرًا وَلاَ جَلْبَ نَفْعٍ دِينِيٍّ وَلاَ دَفْعَ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَهُ رُتَبٌ، مِنْهَا أَنْ يَفْعَلَهَا خَوْفًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَمِنْهَا أَنْ يَفْعَلَهَا تَعْظِيمًا لِلَّهِ، وَمَهَابَةً وَانْقِيَادًا وَإِجَابَةً، وَلاَ يَخْطُرُ لَهُ عَرَضٌ مِنَ الأَْعْرَاضِ، بَل يَعْبُدُ مَوْلاَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَإِذَا رَآهُ غَابَتْ عَنْهُ الأَْكْوَانُ كُلُّهَا وَانْقَطَعَتِ الأَْعْرَاضُ بِأَسْرِهَا (103) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي تَعْرِيفِ النِّيَّةِ شَرْعًا: إِنَّهَا عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى فِعْل الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ أَوِ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنْهُمْ أَوْ نَحْوِهِ، وَهَذَا هُوَ الإِْخْلاَصُ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ تَصْفِيَةُ الْفِعْل عَنْ مُلاَحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقَال آخَرُ: هُوَ التَّوَقِّي عَنْ مُلاَحَظَةِ الأَْشْخَاصِ، وَقَال آخَرُ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفِعْل لِدَاعِيَةٍ وَاحِدَةٍ وَلاَ يَكُونُ لِغَيْرِهَا مِنَ الدَّوَاعِي تَأْثِيرٌ فِي الدُّعَاءِ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْل (104) .
وَفِي الْخَبَرِ: قَال اللَّهُ تَعَالَى: الإِْخْلاَصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي (105) . وَدَرَجَاتُ الإِْخْلاَصِ ثَلاَثَةٌ: عُلْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَل الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ امْتِثَالاً لأَِمْرِهِ، وَقِيَامًا بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ. وَوُسْطَى: وَهِيَ أَنْ يَعْمَل لِثَوَابِ الآْخِرَةِ. وَدُنْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَل لِلإِْكْرَامِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّلاَمَةِ مِنْ آفَاتِهَا، وَمَا عَدَا الثَّلاَثَ مِنَ الرِّيَاءِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُ، وَلِهَذَا قَال أَهْل السُّنَّةِ: الْعِبَادَةُ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إِلَى ثَوَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ إِلَى الْبُعْدِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ، بَل لأَِجْل أَنَّكَ عَبْدٌ وَهُوَ رَبٌّ (106) .

النِّيَابَةُ فِي النِّيَّةِ:
38 - لاَ تُقْبَل النِّيَابَةُ فِي النِّيَّةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
وَنَقَل ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا يَمَّمَهُ غَيْرُهُ فَالنِّيَّةُ عَلَى الْمَرِيضِ دُونَ الْمُيَمِّمِ، وَفِي الزَّكَاةِ قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُوَكِّل، فَلَوْ نَوَاهَا وَدَفَعَ الْوَكِيل بِلاَ نِيَّةٍ أَجْزَأَتْهُ، وَفِي الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ. . الاِعْتِبَارُ لِنِيَّةِ الْمَأْمُورِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ فِيهَا لأَِنَّ الأَْفْعَال إِنَّمَا صَدَرَتْ مِنَ الْمَأْمُورِ فَالْمُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ (107) .
وَقَال السُّيُوطِيُّ: مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّمْيِيزِ فِي النِّيَّةِ الإِْخْلاَصُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُقْبَل النِّيَابَةُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ اخْتِبَارُ سِرِّ الْعِبَادَةِ، قَال ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ: لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي النِّيَّةِ إِلاَّ فِيمَا اقْتَرَنَ بِفِعْلٍ كَتَفْرِقَةِ زَكَاةٍ وَذَبْحِ أُضْحِيَةٍ وَصَوْمٍ عَنِ الْمَيِّتِ وَحَجٍّ (108)

التَّشْرِيكُ فِي النِّيَّةِ:
39 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّشْرِيكِ فِي النِّيَّةِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْوَسَائِل أَوْ فِي الْمَقَاصِدِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَسَائِل فَإِنَّ الْكُل صَحِيحٌ، قَالُوا: لَوِ اغْتَسَل يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلِرَفْعِ الْجَنَابَةِ ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ وَحَصَل لَهُ ثَوَابُ غُسْل الْجُمُعَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ فِي الْمَقَاصِدِ: فَإِمَّا أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَيْنِ، أَوْ نَفْلَيْنِ، أَوْ فَرْضًا وَنَفْلاً.
أَمَّا الأَْوَّل: فَلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلاَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ لَمْ تَصِحَّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، قَال فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: لَوْ نَوَى صَلاَتَيْ فَرْضٍ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا، وَلَوْ نَوَى فِي الصَّوْمِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ كَانَ عَنِ الْقَضَاءِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَإِنْ نَوَى كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ يُجْعَل لأَِيِّهِمَا شَاءَ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَلَوْ نَوَى الزَّكَاةَ وَكَفَّارَةَ الظِّهَارِ جَعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَوْ نَوَى الزَّكَاةَ وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ فَهُوَ عَنِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَةً وَصَلاَةَ جِنَازَةٍ فَهِيَ عَنِ الْمَكْتُوبَةِ.
وَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلاً، فَإِنْ نَوَى الظُّهْرَ وَالتَّطَوُّعَ، قَال أَبُو يُوسُفَ: تُجْزِئُهُ عَنِ الْمَكْتُوبَةِ وَيَبْطُل التَّطَوُّعُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ تُجْزِئُهُ عَنِ الْمَكْتُوبَةِ وَلاَ التَّطَوُّعِ، وَإِنْ نَوَى الزَّكَاةَ وَالتَّطَوُّعَ يَكُونُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَنِ التَّطَوُّعِ، وَلَوْ نَافِلَةٌ وَجِنَازَةٌ فَهِيَ نَافِلَةٌ.
وَأَمَّا إِذَا نَوَى نَافِلَتَيْنِ، كَمَا إِذَا نَوَى بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَسُنَّةَ الْفَجْرِ أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا.
وَأَمَّا التَّعَدُّدُ فِي الْحَجِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ نَذْرًا وَنَفْلاً كَانَ نَفْلاً، أَوْ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا كَانَ تَطَوُّعًا عِنْدَهُمَا فِي الأَْصَحِّ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِحِجَّتَيْنِ مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَلْزَمُهُ فِي الْمَعِيَّةِ إِحْدَاهُمَا، وَفِيالتَّعَاقُبِ الأُْولَى فَقَطْ.
وَأَمَّا إِذَا نَوَى عِبَادَةً ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَائِهَا الاِنْتِقَال عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ كَبَّرَ نَاوِيًا الاِنْتِقَال إِلَى غَيْرِهَا صَارَ خَارِجًا عَنِ الأُْولَى، وَإِنَ نَوَى وَلَمْ يُكَبِّرْ لاَ يَكُونُ خَارِجًا، كَمَا إِذَا نَوَى تَجْدِيدَ الأُْولَى وَكَبَّرَ (109) .
40 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ أَجْزَأَهُ - أَيْ عَنْ رَفْعِ الْحَدَثِ - لأََنَّ مَا نَوَاهُ مَعَ رَفْعِ الْحَدَثِ حَاصِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلاَ تَضَادَّ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ إِذَا صَحِبَهَا قَصْدُ التَّبَرُّدِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلاَ يَضُرُّهَا مَا صَحِبَهَا، وَقِيل: لاَ يُجْزِئُ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعِبَادَةِ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، وَهَاهُنَا الأَْمْرَانِ (110) .
41 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِلتَّشْرِيكِ فِي النِّيَّةِ نَظَائِرُ، وَضَابِطُهَا أَقْسَامٌ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الْعِبَادَةِ مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، فَقَدْ يُبْطِلُهَا كَمَا إِذَا ذَبَحَ الأُْضْحِيَةَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِهِ، فَانْضِمَامُ غَيْرِهِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الذَّبِيحَةِ.
وَقَدْ لاَ يُبْطِلُهَا. وَفِيهِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْل وَالتَّبَرُّدَ، فَفِي وَجْهٍ لاَ يَصِحُّ لِلتَّشْرِيكِ، وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ؛ لأَِنَّ التَّبَرُّدَ حَاصِلٌ قَصَدَهُ أَمْ لاَ، فَلَمْ يَجْعَل قَصْدَهُ تَشْرِيكًا وَتَرْكًا لِلإِْخْلاَصِ، بَل هُوَ قَصْدٌ لِلْعِبَادَةِ عَلَى حَسَبِ وُقُوعِهَا؛ لأَِنَّ مِنْ ضَرُورَتِهَا حُصُول التَّبَرُّدِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ أَوِ الْحِمْيَةَ أَوِ التَّدَاوِيَ وَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمَذْكُورُ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الصَّلاَةَ وَدَفْعَ غَرِيمِهِ، صَحَّتْ صَلاَتُهُ لأََنَّ الاِشْتِغَال عَنِ الْغَرِيمِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَصْدٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ خَرَّجَهُ ابْنُ أَخِي صَاحِبِ الشَّامِل مِنْ مَسْأَلَةِ التَّبَرُّدِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ عِبَادَةً أُخْرَى مَنْدُوبَةً، وَفِيهِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لاَ يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ وَيَحْصُلاَنِ مَعًا، وَمِنْهَا مَا يَحْصُل الْفَرْضُ فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا يَحْصُل النَّفْل فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ فِي الْكُل.
فَمِنَ الأَْوَّل: أَحْرَمَ بِصَلاَةٍ وَنَوَى بِهَا الْفَرْضَ وَالتَّحِيَّةَ، صَحَّتْ، وَحَصَلاَ مَعًا، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِسَلاَمِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ، أَوْ نَوَى حَجَّ الْفَرْضِ وَقَرَنَهُ بِعُمْرَةٍ تَطَوُّعًا أَوْ عَكْسَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الثَّانِي: نَوَى بِحِجَّةٍ الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ وَقَعَ فَرْضًا، لأَِنَّهُ لَوْ نَوَى التَّطَوُّعَ انْصَرَفَ إِلَى الْفَرْضِ.وَمِنَ الثَّالِثِ: أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَنَوَى بِهَا الزَّكَاةَ وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، لَمْ تَقَعْ زَكَاةً وَوَقَعَتْ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ.
وَمِنَ الرَّابِعِ: كَبَّرَ الْمَسْبُوقُ وَالإِْمَامُ رَاكِعٌ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً وَنَوَى بِهَا التَّحَرُّمَ وَالْهُوِيَّ إِلَى الرُّكُوعِ. . . لَمْ تَنْعَقِدِ الصَّلاَةُ أَصْلاً لِلتَّشْرِيكِ؛ لأَِنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ رُكْنٌ لِصَلاَةِ الْفَرْضِ وَالنَّفْل مَعًا، وَلَمْ يَتَحَمَّضْ هَذَا التَّكْبِيرُ لِلإِْحْرَامِ بِأَيِّهِمَا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا وَكَذَا نَفْلاً، إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اعْتِبَارِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَفِي وَجْهٍ: تَنْعَقِدُ الصَّلاَةُ نَفْلاً كَمَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ السَّابِقَةِ؛ لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تُجْزِئْ عَنِ الزَّكَاةِ فَبَقِيَتْ تَبَرُّعًا، وَهَذَا مَعْنَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الْمَفْرُوضَةِ فَرْضًا آخَرَ:
قَال ابْنُ السُّبْكِيِّ: لاَ يُجْزِئُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَعَقَّبَ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ لَهُمَا نَظِيرًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْغُسْل وَالْوُضُوءَ مَعًا فَإِنَّهُمَا يَحْصُلاَنِ عَلَى الأَْصَحِّ. ثُمَّ قَال السُّيُوطِيُّ: وَمَا عَدَا ذَلِكَ إِذَا نَوَى فَرْضَيْنِ بَطَلاَ إِلاَّ إِذَا أَحْرَمَ بِحِجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ وَاحِدَةٌ. وَإِذَا تَيَمَّمَ لِفَرْضَيْنِ صَحَّ لِوَاحِدٍ عَلَى الأَْصَحِّ.الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ النَّفْل نَفْلاً آخَرَ.
قَال الْقَفَّال: لاَ يَحْصُلاَنِ، وَنَقَضَ عَلَيْهِ بِنِيَّتِهِ الْغُسْل لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ فَإِنَّهُمَا يَحْصُلاَنِ.

الْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ غَيْرِ الْعِبَادَةِ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهَا وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الْحُكْمِ:
وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنْ يَقُول لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَيَنْوِيَ الطَّلاَقَ وَالظِّهَارَ. . فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فَمَا اخْتَارَهُ ثَبَتَ، وَقِيل: يَثْبُتُ الطَّلاَقُ لِقُوَّتِهِ. وَقِيل: الظِّهَارُ لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ النِّكَاحِ (111) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: سَائِرُ الْعِبَادَاتِ يُدْخَل فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا إِلاَّ الصَّلاَةَ فَلاَ بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ التَّكْبِيرُ (112) .
42 - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ شَرِكَ بَيْنَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ قَصْدِ التَّبَرُّدِ أَوْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوِ الْوَسَخِ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَلِهَذَا لَوْ قَصَدَ مَعَ رَفْعِ الْحَدَثِ تَعْلِيمَ الْوُضُوءِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ (113) ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْصِدُ أَحْيَانًا بِالصَّلاَةِ تَعْلِيمَهَا لِلنَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ كَمَا قَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (114) .
وَعِنْدَهُمْ كَذَلِكَ: لاَ يَضُرُّ مَعَ نِيَّةِ الصَّلاَةِ قَصْدُ تَعْلِيمِ الصَّلاَةِ، لِفِعْلِهِ ﷺ فِي صَلاَتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَغَيْرِهِ، أَوْ قَصْدُ خَلاَصٍ مِنْ خَصْمٍ أَوْ إِدْمَانِ سَهَرٍ، أَيْ لاَ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ بَعْدَ إِتْيَانِهِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، لاَ أَنَّهُ لاَ يُنْقِصُ ثَوَابَهُ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا يُنْقِصُ الأَْجْرَ، وَمِثْلُهُ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الصَّوْمِ هَضْمَ الطَّعَامِ، أَوْ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الْحَجِّ رُؤْيَةَ الْبِلاَدِ النَّائِيَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ مَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً (115) .

تَفْرِيقُ النِّيَّةِ:
43 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ أَوْ عَلَى أَجْزَاءِ الطَّاعَةِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُجْزِئُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ، أَيْ جِنْسُهَا الْمُتَحَقِّقُ فِي مُتَعَدِّدٍ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ خَصَّ كُل عُضْوٍ بِنِيَّةٍ، بِأَنْ غَسَل وَجْهَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِتْمَامِ الْوُضُوءِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَغْسِل الْيَدَيْنِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِنِيَّةٍ، وَهَكَذَا لِتَمَامِ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِتْمَامِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ نَوَى عَدَمَ إِتْمَامِهِ أَوْ لاَ نِيَّةَ لَهُ أَصْلاً، أَمَّا لَوْ خَصَّ كُل عُضْوٍ بِنِيَّةٍ مَعَ قَصْدِهِ إِتْمَامَ الْوُضُوءِ عَلَى الْفَوْرِ مُعْتَقِدًا أَنْ لاَ يَرْتَفِعَ حَدَثُهُ وَلاَ يَكْمُل وُضُوؤُهُ إِلاَّ بِجَمْعِ النِّيَّاتِ، فَهَذَا مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ فَلاَ يَضُرُّ، لاَ مِنْ بَابِ التَّفْرِيقِ.
أَمَّا لَوْ جَزَّأَ النِّيَّةَ عَلَى الأَْعْضَاءِ، بِأَنْ جَعَل لِكُل عُضْوٍ رُبْعَهَا مَثَلاً فَإِنَّهُ يُجْزِئُ؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ مَعْنًى لاَ تَقْبَل التَّجْزِيءَ وَحِينَئِذٍ فَجَعْلُهُ لَغْوٌ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ بِأَنَّهُ مُتَلاَعِبٌ؛ لأَِنَّ رُبْعَ النِّيَّةِ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فِي اعْتِقَادِ الْمُتَوَضِّئِ (116) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّاعَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الطَّاعَاتِ، وَهِيَ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: طَاعَةٌ مُتَّحِدَةٌ: وَهِيَ الَّتِي يَفْسُدُ أَوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، فَلاَ يَجُوزُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى أَبْعَاضِهَا، مِثَالُهُ فِي الصِّيَامِ أَنْ يَنْوِيَ إِمْسَاكَ السَّاعَةِ الأُْولَى وَحْدَهَا، ثُمَّ يَنْوِيَ إِمْسَاكَ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ يُفْرِدُ كُل إِمْسَاكٍ بِنِيَّةٍ تَخْتَصُّ بِهِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَإِنَّ صَوْمَهُ لاَ يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ نِيَّةَ الصَّلاَةِ عَلَى أَرْكَانِهَا وَأَبْعَاضِهَا: كَأَنْ يُفْرِدَ التَّكْبِيرَ بِنِيَّةٍ، وَالْقِيَامَ بِنِيَّةٍ ثَانِيَةٍ، وَالرُّكُوعَ بِثَالِثَةٍ، وَكَذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ لاَ تَصِحُّ؛ لأَِنَّ مَا نَوَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى حِيَالِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: طَاعَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ أَبْعَاضَهُ بِالنِّيَّةِ وَأَنْ يَجْمَعَهُ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَحَدِ جُزْئَيِ الْجُمْلَةِ فِي الْقِرَاءَةِ مِثْل أَنَّهُ قَال: بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قَال: فَالَّذِينَ آمَنُوا. . فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لاَ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ يُثَابُ إِلاَّ إِذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الْجُمَل الْمُفِيدَةِ، إِذْ لاَ قُرْبَةَ فِي الإِْتْيَانِ بِأَحَدِ جُزْئَيِ الْجُمْلَةِ، وَجُمَل الْقُرْآنِ أَحَدُهَا: مَا لاَ يُذْكَرُ إِلاَّ قُرْآنًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (117) } . فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ ذِكْرًا لَيْسَ بِقُرْآنٍ كَقَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَهَذَا لاَ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقِرَاءَةَ لِغَلَبَةِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي اتِّحَادِهِ، كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل، فَمَنْ رَآهُمَا مُتَّحِدَيْنِ مَنَعَ مِنْ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى أَجْزَائِهِمَا، وَمَنْ رَآهُمَا مُتَعَدِّدَيْنِ جَوَّزَ تَفْرِيقَ النِّيَّةِ عَلَى أَبْعَاضِهِمَا (118) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ فَرَّقَ الْمُتَوَضِّئُ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ كُل عُضْوٍ عِنْدَ غَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ، صَحَّ وُضُوؤُهُ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (119) .

ثَانِيًا: الأَْحْكَامُ التَّفْصِيلِيَّةُ لِلنِّيَّةِ:
سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا الأَْحْكَامَ الْعَامَّةَ لِلنِّيَّةِ، وَنُورِدُ هُنَا أَثَرَ النِّيَّةِ فِي الأَْفْعَال الَّتِي تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ مِنْ عِبَادَاتٍ أَوْ مُعَامَلاَتٍ أَوْ غَيْرِهِمَا:

أَثَرُ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ:
أ - النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ:
44 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لاَ يَصِحُّ الْوُضُوءُ إِلاَّ بِهَا، وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ. وَنُوَضِّحُ آرَاءَهُمْ فِيمَا يَلِي: قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَوْل جُمْهُورِ أَهْل الْحِجَازِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -: إِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ، فَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (120) } ، وَالإِْخْلاَصُ هُوَ عَمَل الْقَلْبِ وَهُوَ النِّيَّةُ، وَالأَْمْرُ بِهِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (121) . . . "، وَلَيْسَ الْمُرَادُ صُورَةَ الْعَمَل فَإِنَّهَا تُوجَدُ بِلاَ نِيَّةٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ حُكْمَ الْعَمَل لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ. قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لاَ يَكُونُ الْعَمَل شَرْعِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاَةُ فَلَمْ يَصِحَّ بِلاَ نِيَّةٍ كَالتَّيَمُّمِ، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ فَوَجَبَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَالصَّلاَةِ.
وَيَنْوِي الْمُتَوَضِّئُ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءَ فَرْضِ الْوُضُوءِ (122) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ، لِيَقَعَ قُرْبَةً وَلِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ بِالإِْجْمَاعِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ شَرْطًا وَلاَ فَرْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (123) } ، أَمَرَ بِالْغَسْل وَالْمَسْحِ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ النِّيَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (124) } ، نَهَى الْجُنُبَ عَنْ قُرْبَانِ الصَّلاَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَابِرَ سَبِيلٍ إِلَى غَايَةِ الاِغْتِسَال مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ النِّيَّةِ، فَيَقْتَضِي انْتِهَاءَ حُكْمِ النَّهْيِ عِنْدَ الاِغْتِسَال الْمُطْلَقِ، وَلأَِنَّ الأَْمْرَ بِالْوُضُوءِ لِحُصُول الطَّهَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (125) } ، وَحُصُول الطَّهَارَةِ لاَ يَقِفُ عَلَى النِّيَّةِ بَل عَلَى اسْتِعْمَال الْمُطَهِّرِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لِلطَّهَارَةِ، وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ (126) ، وَقَال تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (127) } ، وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِلطَّاهِرِ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ، وَالْمَحَل قَابِلٌ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَمَل الْمَاءِ خِلْقَةً وَفِعْل اللِّسَانِ فَضْلٌ فِي الْبَابِ حَتَّى لَوْ سَال عَلَيْهِ الْمَطَرُ أَجْزَأَهُ عَنِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْل، فَلاَ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ، إِذِ اشْتِرَاطُهَا لاِعْتِبَارِ الْفِعْل الاِخْتِيَارِيِّ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ اللاَّزِمَ لِلْوُضُوءِ مَعْنَى الطَّهَارَةِ، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ مِنَ الزَّوَائِدِ، فَإِنِ اتَّصَلَتْ بِهِ النِّيَّةُ يَقَعْ عِبَادَةً وَإِنْ لَمْ تَتَّصِل بِهِ لاَ يَقَعْ عِبَادَةً لَكِنَّهُ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ لِحُصُول الطَّهَارَةِ كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ (128) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ، قَال ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ حَارِثٍ: اتِّفَاقًا، وَقَال الْمَازِرِيُّ: عَلَى الأَْشْهَرِ، وَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: عَلَى الأَْصَحِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
وَمُقَابِل الأَْشْهَرِ وَالأَْصَحِّ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ.
وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ أَنَّ فِي الطَّهَارَةِ - كَالْوُضُوءِ - شَائِبَتَيْنِ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا النَّظَافَةُ تُشْبِهُ مَا صُورَتُهُ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيل الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَأَدَاءِ الدُّيُونِ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَمِنْ حَيْثُ مَا شُرِطَ فِيهَا مِنَ التَّحْدِيدِ فِي الْغَسَلاَتِ وَالْمَغْسُول وَالْمَاءِ أَشْبَهَتِ التَّعَبُّدَ فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ.
وَيَنْوِي الْمُتَوَضِّئُ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَيِ الْوَصْفِ الْمُقَدَّرِ قِيَامُهُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَانِعِ مِنَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ يَنْوِي أَدَاءَ الْوُضُوءِ الْمَفْرُوضِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلاَةِ وَالطَّوَافِ، أَوْ يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ مَمْنُوعٍ بِالْحَدَثِ كَصَلاَةٍ وَطَوَافٍ (129) .

ب - النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ
45 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ (عَدَا زُفَرَ) وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ الشَّرْعِيَّ يُنْبِئُ عَنِ الْقَصْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (130) } وَالأَْصْل فِي الأَْسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُنْبِئُ عَنْهُ مِنَ الْمَعَانِي، فَلاَ يَتَحَقَّقُ التَّيَمُّمُ دُونَ الْقَصْدِ، وَالْقَصْدُ النِّيَّةُ فَلاَ بُدَّ مِنْهَا، بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْل الأَْعْضَاءِ وَقَدْ وُجِدَ، ثُمَّ التُّرَابُ مُلَوَّثٌ وَمُغَبَّرٌ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا ضَرُورَةَ إِرَادَةِ الصَّلاَةِ وَذَلِكَ بِالنِّيَّةِ، أَمَّا الْوُضُوءُ فَإِنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ فِي نَفْسِهِ فَاسْتَغْنَى فِي وُقُوعِهِ طَهَارَةً عَنِ النِّيَّةِ، لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي وُقُوعِهِ عِبَادَةً وَقُرْبَةً.
وَيَرَى زُفَرُ أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فِي التَّيَمُّمِ، لأَِنَّهُ خَلَفٌ عَنِ الْوُضُوءِ فَلاَ يُخَالِفُ فِي وَصْفِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ نِيَّةَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَفْتَقِرُ اسْتِبَاحَتُهُ إِلَى طَهَارَةٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِمَا يُتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ (131) .
انْظُرْ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا يَنْوِيهِ بِالتَّيَمُّمِ مُصْطَلَحَ (تَيَمُّم ف 9 - 10) .

ج ـ - النِّيَّةُ لِلتَّطْهِيرِ مِنَ النَّجَاسَةِ:
46 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ وَالأَْوَانِي لِلصِّحَّةِ.
وَنَقَل صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الشَّامِل وَجْهًا أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ (132) .
انْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَهَارَة ف 8) .

د - النِّيَّةُ فِي الْغُسْل:
47 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الْغُسْل.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل الْوَاجِبِ.
وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَال الْمَالِكِيَّةُ: النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل، فَيَنْوِي الْمُغْتَسِل رَفْعَ الْحَدَثِ أَيِ الأَْكْبَرِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَمْنُوعٍ، أَوْ فَرْضَ الْغُسْل، وَلاَ يَضُرُّ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ كَأَنْ يَقُول: نَوَيْتُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ لاَ الطَّوَافِ مَثَلاً، وَلاَ يَضُرُّ نِسْيَانُ حَدَثٍ كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ مِنَ الْجِمَاعِ نَاسِيًا لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ أَوِ الْعَكْسَ، بِخِلاَفِ إِخْرَاجِهِ كَأَنْ يَقُول: نَوَيْتُ الْغُسْل مِنَ الْجِمَاعِ لاَ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَقَدْ خَرَجَ مَنِيُّهُ. . فَإِنَّهُ يَضُرُّ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ الْمُحَقَّقَةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ (133)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل فَلاَ يَصِحُّ الْغُسْل إِلاَّ بِنِيَّةٍ، أَيْ رَفْعِ حُكْمِ الْجَنَابَةِ إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَرَفْعِ حَدَثِ الْحَيْضِ إِنْ كَانَتْ حَائِضًا، أَوْ لِتُوطَأَ، أَوِ الْغُسْل مِنَ الْحَيْضِ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَحَدَثُهُ الْحَيْضُ، أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ رَفْعَ جَنَابَةِ الْجِمَاعِ وَجَنَابَتُهُ بِاحْتِلاَمٍ، أَوْ عَكْسُهُ صَحَّ مَعَ الْغَلَطِ دُونَ الْعَمْدِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَا عَلَيْهِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَالْحَيْضِ مِنَ الرَّجُل خِلاَفًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَتَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُل الْبَدَنِ وَكَذَا مُطْلَقًا فِي الأَْصَحِّ، لاِسْتِلْزَامِ رَفْعِ الْمُطْلَقِ رَفْعَ الْمُقَيَّدِ، وَلأَِنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى حَدَثِهِ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ، فَلَوْ نَوَى الأَْكْبَرَ كَانَ تَأْكِيدًا، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ إِنْ قُلْنَا بِانْدِرَاجِ الأَْصْغَرِ وَإِلاَّ وَجَبَ التَّعْيِينُ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ عَمْدًا لَمْ تَرْتَفِعْ جَنَابَتُهُ لِتَلاَعُبِهِ، أَوْ غَلَطًا ارْتَفَعَتْ عَنْ أَعْضَاءِ الأَْصْغَرِ لأَِنَّ غَسْلَهَا وَاجِبٌ فِي الْحَدَثَيْنِ وَقَدْ غَسَلَهَا بِنِيَّتِهِ، إِلاَّ الرَّأْسَ فَلاَ تَرْتَفِعُ عَنْهُ لأَِنَّ غَسْلَهُ وَقَعَ عَنْ مَسْحِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ فِي الأَْصْغَرِ، وَهُوَ إِنَّمَا نَوَى الْمَسْحَ وَهُوَ لاَ يُغْنِي عَنِ الْغَسْل، بِخِلاَفِ غَسْل بَاطِنِ لِحْيَةِ الرَّجُل الْكَثِيفَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي لأَِنَّ غَسْل الْوَجْهِ هُوَ الأَْصْل، فَإِذَا غَسَلَهُ فَقَدْ أَتَى بِالأَْصْل، أَمَّا غَيْرُ أَعْضَاءِ الأَْصْغَرِ فَلاَ تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْل حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ كَفَتْ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا قَطْعًا.
وَتُجْزِئُ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى الْغُسْل، كَأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ أَوِ الطَّوَافِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ، فَإِنْ نَوَى مَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَالْغُسْل لِيَوْمِ عِيدٍ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيل: إِنْ نُدِبَ لَهُ صَحَّ.
وَتَكْفِي نِيَّةُ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْل، أَوْ فَرْضِ الْغُسْل، أَوِ الْغُسْل الْمَفْرُوضِ، أَوْ أَدَاءِ الْغُسْل، وَكَذَا الطَّهَارَةُ لِلصَّلاَةِ. . . أَمَّا إِذَا نَوَى الْغُسْل فَقَطْ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفِي (134) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل، فَيَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا. وَإِذَا اغْتَسَل يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ مِنَ الْحَدَثَيْنِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبٌ وَلاَ مُوَالاَةٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّطَهُّرِ وَلَمْ يَأْمُرْ مَعَهُ بِوُضُوءٍ، وَلأَِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ فَتَدَاخَلَتَا فِي الْفِعْل كَمَا تَدْخُل الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ مَسْحُ الرَّأْسِ اكْتِفَاءً بِغَسْلِهَا وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَتَدَاخَلاَنِ إِنْ أَتَى بِخَصَائِصِ الصُّغْرَى كَالتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالاَةِ وَالْمَسْحِ.
وَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَأَطْلَقَ - فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالأَْكْبَرِ وَلاَ بِالأَْصْغَرِ - أَجْزَأَ عَنْهُمَا لِشُمُول الْحَدَثِ لَهُمَا، أَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ، أَوْ نَوَى أَمْرًا لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ كَمَسِّ مُصْحَفٍ وَطَوَافٍ أَجْزَأَ عَنْهُمَا لاِسْتِلْزَامِ ذَلِكَ رَفْعَهُمَا، وَسَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاَةُ لِدُخُول الْوُضُوءِ فِي الْغُسْل فَصَارَ الْحُكْمُ لِلْغُسْل.
وَإِنْ نَوَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِالْغُسْل اسْتِبَاحَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ الأَْكْبَرُ فَقَطْ لأَِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إِنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ لاَ عَلَى رَفْعِ الأَْصْغَرِ.
وَإِنْ نَوَى الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ رَفْعَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ - الأَْكْبَرِ أَوِ الأَْصْغَرِ - لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ". . . وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى.
وَإِنْ نَوَتْ مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَابِغُسْلِهَا حِل الْوَطْءِ صَحَّ غُسْلُهَا وَارْتَفَعَ الْحَدَثُ الأَْكْبَرُ؛ لأَِنَّ حِل وَطْئِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ، وَقِيل: لاَ يَصِحُّ لأَِنَّهَا إِنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْل وَهُوَ الْوَطْءُ (135) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْغُسْل سُنَّةٌ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَقَالُوا: يُسَنُّ فِي الاِغْتِسَال الاِبْتِدَاءُ بِالنِّيَّةِ لِيَكُونَ فِعْلُهُ تَقَرُّبًا يُثَابُ عَلَيْهِ كَالْوُضُوءِ (136) .

هـ - النِّيَّةُ فِي الصَّلاَةِ:
48 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلاَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ.
وَلِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ:
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: النِّيَّةُ بِلاَ فَاصِلٍ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ الصَّلاَةِ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا فَرْضٌ لِلصَّلاَةِ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَلأَِنَّهُ لاَ إِخْلاَصَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِالإِْخْلاَصِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (137) }
وَيَنْوِي الصَّلاَةَ الَّتِي يَدْخُل فِيهَا نِيَّةً مُتَّصِلَةً بِالتَّحْرِيمِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ أَيَّ صَلاَةٍ هِيَ؟ وَلاَ مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ لأَِنَّ النِّيَّةَ عَمَل الْقَلْبِ، قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ، وَذِكْرُهَا بِاللِّسَانِ سُنَّةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَل، وَالأَْحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلشُّرُوعِ فِيهَا أَيْ مُخَالِطًا لِلتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْفَرْضَ فِي جَمَاعَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الإِْمَامِ كَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ. . . يَجُوزُ لأَِنَّهُ بَاقٍ عَلَى نِيَّتِهِ بِالإِْقْبَال عَلَى تَحْقِيقِ مَا نَوَى، ثُمَّ إِنْ كَانَ يُرِيدُ التَّطَوُّعَ يَكْفِيهِ نِيَّةُ أَصْل الصَّلاَةِ، وَفِي الْقَضَاءِ يُعَيِّنُ الْفَرْضَ، وَفِي الْوَقْتِيَّةِ يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ ظُهْرَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْمُتَابَعَةَ، أَوْ يَنْوِي الشُّرُوعَ فِي صَلاَةِ الإِْمَامِ، أَوْ يَنْوِي الاِقْتِدَاءَ بِالإِْمَامِ فِي صَلاَتِهِ.
وَقَالُوا: كَفَى مُطْلَقُ نِيَّةِ الصَّلاَةِ - وَإِنْ لَمْ يَقُل (لِلَّهِ) - لِنَفْلٍ وَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَتَرَاوِيحَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (138) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النِّيَّةُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي بَعْضِ الصَّلاَةِ وَهُوَ أَوَّلُهَا لاَ فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَتْ كَالتَّكْبِيرِ وَالرُّكُوعِ، وَقِيل: هِيَ شَرْطٌ لأَِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ فِعْل الصَّلاَةِ فَتَكُونُ خَارِجَ الصَّلاَةِ، وَلِهَذَا قَال الْغَزَالِيُّ: هِيَ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ.
وَالأَْصْل فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَالإِْخْلاَصُ فِي كَلاَمِهِمُ النِّيَّةُ. وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى، وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ (139) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النِّيَّةُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ، فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِهَا بِحَالٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ. . . " وَلأَِنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ كَالصَّوْمِ، وَقَال عَبْدُ الْقَادِرِ كَمَا نَقَل عَنْهُ صَاحِبُ نَيْل الْمَآرِبِ: هِيَ قَبْل الصَّلاَةِ شَرْطٌ وَفِيهَا رُكْنٌ (140) و - النِّيَّةُ فِي الصَّوْمِ:
49 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ النِّيَّةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ عَدَا زُفَرَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ أَدَاءِ الصَّوْمِ النِّيَّةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ عَمَل لِمَنْ لاَ نِيَّةَ لَهُ (141) ، وَلِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (142) ، وَلأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلأَِنَّ الإِْمْسَاكَ قَدْ يَكُونُ لِلْعَادَةِ أَوْ لِعَدَمِ الاِشْتِهَاءِ أَوْ لِلْمَرَضِ أَوْ لِلرِّيَاضَةِ، وَيَكُونُ لِلْعِبَادَةِ، فَلاَ يَتَعَيَّنُ لَهَا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ (143) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْم ف 27 - 33، صَوْم التَّطَوُّعِ ف 4 - 6) . ز - النِّيَّةُ فِي الزَّكَاةِ:
50 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لِحَدِيثِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ. . . وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَوَجَبَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ الْمَال لِلَّهِ يَكُونُ فَرْضًا أَوْ نَفْلاً فَافْتَقَرَتِ الزَّكَاةُ إِلَى النِّيَّةِ لِتَمْيِيزِهَا.
وَحُكِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَال: لاَ تَجِبُ النِّيَّةُ لأَِنَّ الزَّكَاةَ دَيْنٌ فَلاَ تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلِهَذَا يُخْرِجُهَا وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالسُّلْطَانُ يَنُوبَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ (144) .
وَفِي مَعْنَى النِّيَّةِ اللاَّزِمَةِ فِي إِجْزَاءِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمُزَكِّي أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، وَفِي مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لإِِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، أَوْ لِعَزْلِهَا عَنِ الْمَال الْمُزَكَّى، أَوْ لِدَفْعِهَا إِلَى السُّلْطَانِ أَوْ أَخْذِهِ لَهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. . . يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (زَكَاة ف 122 - 123) .

ح - النِّيَّةُ فِي الْحَجِّ:
51 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، لأَِنَّ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ عِنْدَهُمْ هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ وَالدُّخُول فِيهِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى النِّيَّةِ لِتَحَقُّقِ الإِْحْرَامِ اشْتِرَاطَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا (145) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام ف 6، 7، 17 حَجّ ف 47، 48) .

أَثَرُ النِّيَّةِ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ:
52 - الْعُقُودُ وَالتَّصَرُّفَاتُ مِنْهَا مَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَمِنْهَا مَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَخْدَمُ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الإِْرَادَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أَمْ فِعْلِيَّةً فِعْلُهَا مَاضٍ، أَوْ مُضَارِعٌ مَقْرُونًا بِالسِّينِ أَوْ بِسَوْفَ أَوْ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِأَيٍّ مِنْهُمَا، أَوْ أَمْرٌ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الصِّيغَةُ صَرِيحَةً فِي الدَّلاَلَةِ عَلَى الْعَقْدِ أَمْ كِنَايَةً.
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ فِي فِقْرَةِ (4 - 6) وَيُنْظَرُ كَذَلِكَ مُصْطَلَحُ (عَقْد ف 10، 11، 12، صِيغَة ف 7) .

أ - النِّيَّةُ فِي الطَّلاَقِ:
53 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بِغَيْرِ لَفْظٍ وَلَوْ نَوَاهُ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ الصَّرِيحِ - وَهُوَ مَا لاَ يُسْتَعْمَل إِلاَّ فِيهِ غَالِبًا لُغَةً أَوْ عُرْفًا - فَإِنَّهُ يَقَعُ بِلاَ نِيَّةٍ، وَإِذَا كَانَ الطَّلاَقُ بِاللَّفْظِ الْكِنَائِيِّ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ إِلاَّ مَعَ النِّيَّةِ.
وَقَالُوا: إِنَّ النِّيَّةَ لَهَا أَثَرُهَا كَذَلِكَ فِي عَدَدِ مَا يَقَعُ مِنَ الطَّلَقَاتِ - فِي أَحْوَالٍ ذَكَرُوهَا - (146) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف 29، 34، 35، 36، 39) .

ب - النِّيَّةُ فِي الرَّجْعَةِ:
54 - الرَّجْعَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْقَوْل الصَّرِيحِ، وَلاَ تَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْحَال إِلَى نِيَّةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ تَكُونُ الرَّجْعَةُ بِالْكِنَايَةِ مِنَ الأَْلْفَاظِ وَتَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى نِيَّةٍ.
وَقَدْ تَكُونُ الرَّجْعَةُ بِالْفِعْل - كَالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَقَدْ تَحْصُل الرَّجْعَةُ بِالنِّيَّةِ - فِي الْبَاطِنِ لاَ فِي الظَّاهِرِ - عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَصَحَّحَ عَدَمَ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا ابْنُ بَشِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَهُ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَرَدَ تَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ (147) .
وَالْمَزِيدُ مِنَ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رَجْعَة ف 12 - 19) .

ج ـ - النِّيَّةُ فِي الظِّهَارِ:
55 - الظِّهَارُ إِنْ كَانَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ يَدُل عَلَى الظِّهَارِ دَلاَلَةً وَاضِحَةً وَلاَ يَحْتَمِل شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الظِّهَارِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ فِي حُدُوثِ الظِّهَارِ بِهِ، وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ يَحْتَمِل الظِّهَارَ وَغَيْرَهُ، وَلَمْ يَغْلِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الظِّهَارِ عُرْفًا، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ لِحُدُوثِ الظِّهَارِ بِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ إِلَى نِيَّةِ الظِّهَارِ بِهَذَا اللَّفْظِ (148) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ظِهَار ف 13) . د - النِّيَّةُ فِي الْيَمِينِ:
تَدْخُل النِّيَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِل الأَْيْمَانِ، وَتُعْتَبَرُ فِيهَا، وَمِنْ ذَلِكَ:

اللَّفْظُ الدَّال عَلَى الْمُقْسَمِ بِهِ:
56 - اللَّفْظُ الدَّال عَلَى الْمُقْسَمِ بِهِ هُوَ مَا دَخَل عَلَيْهِ حَرْفُ الْقَسَمِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ.
وَالْقَسَمُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ الَّتِي لاَ يُسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ تَعَالَى يَنْعَقِدُ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى نِيَّةٍ. أَمَّا الْقَسَمُ بِأَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ - كَالْقَسَمِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ اللَّهُ ﷿ وَمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ جَل شَأْنُهُ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا غَيْرُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ فِي الاِنْعِقَادِ مِنَ النِّيَّةِ (149) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف 26 - 29) .

حَذْفُ حَرْفِ الْقَسَمِ:
57 - الْحَالِفُ إِنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ أَحْرُفِ الْقَسَمِ، بَل قَال: اللَّهِ لأََفْعَلَنَّ كَذَا. . . فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ يَمِينًا بِغَيْرِ النِّيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَكُونُ يَمِينًا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ قَسَمٌ بِغَيْرِ حُرُوفِهِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ. (أَيْمَان ف 25) .

حَذْفُ الْمُقْسَمِ بِهِ:
58 - إِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَالِفُ الْمُقْسَمَ بِهِ، بَل قَال: أُقْسِمُ لاَ أَفْعَل كَذَا - مَثَلاً - كَانَ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَهُمْ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: يَكُونُ يَمِينًا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ نَوَى.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف 33) .

مُرَاعَاةُ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ:
59 - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُرَاعَى فِي الْيَمِينِ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ (150) ، الْمَعْنَى: يَمِينُكَ الَّتِي تَحْلِفُهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي لَوْ نَوَيْتَهُ وَكُنْتَ صَادِقًا اعْتَقَدَ خَصْمُكَ أَنَّكَ صَادِقٌ فِيهَا، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَخْطُرُ بِبَالِهِ حِينَ اسْتِحْلاَفِهِ إِيَّاكَ، وَهُوَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ مُتَّفِقًا مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ التَّوْرِيَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُسْتَحْلِفِ لاَ تَنْفَعُ الْحَالِفَ، بَل تَكُونُ يَمِينُهُ غَمُوسًا تَغْمِسُهُ فِي الإِْثْمِ.
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف 153 - 157) .

مُرَاعَاةُ نِيَّةِ الْحَالِفِ:
60 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إِنْ كَانَ مَظْلُومًا، وَعَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ إِنْ كَانَ ظَالِمًا، كَمَا فِي الْخُلاَصَةِ (151) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَقَاصِدُ اللَّفْظِ عَلَى نِيَّةِ اللاَّفِظِ إِلاَّ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْيَمِينُ عِنْدَ الْقَاضِي، فَإِنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْقَاضِي دُونَ الْحَالِفِ.
وَزَادَ السُّيُوطِيُّ: إِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الاِعْتِقَادِ، فَإِنْ خَالَفَهُ - كَحَنَفِيٍّ اسْتَحْلَفَ شَافِعِيًّا فِي شُفْعَةِ الْجِوَارِ - فَفِيمَنْ تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْقَاضِي أَيْضًا (152) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُرْجَعُ فِي الأَْيْمَانِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ وَمَا قَصَدَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ بِطَلاَقٍ أَوْ عِتَاقٍ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ نَوَى مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ لَفْظِهِ فَإِنَّهُ يُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿. وَهَل يُقْبَل مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ لِلْعُلَمَاءِ مَشْهُورَانِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا وَنَوَى خِلاَفَ مَا حَلَّفَهُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ لَمْ تَنْفَعْهُ نِيَّتُهُ، فَأَمَّا الْمَظْلُومُ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ (153) .
وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْلِفٌ أَصْلاً، أَوْ كَانَ مُسْتَحْلِفٌ وَلَكِنْ عُدِمَتْ شَرِيطَةٌ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ إِلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ. . . رُوعِيَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف 158 - 161) .

أَثَرُ النِّيَّةِ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ:
61 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: نِيَّةُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ فِي الْيَمِينِ مَقْبُولَةٌ دِيَانَةً اتِّفَاقًا، وَقَضَاءً عِنْدَ الْخَصَّافِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ إِنْ كَانَ مَظْلُومًا (154) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: النِّيَّةُ تَكْفِي فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ، وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ، وَتَعْمِيمِ الْمُطْلَقَاتِ، وَتَعْيِينِ أَحَدِ مُسَمَّيَاتِ الأَْلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَاتِ، وَصَرْفِ اللَّفْظِ عَنِ الْحَقَائِقِ إِلَى الْمَجَازَاتِ، وَلاَ تَكْفِي عَنِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي هِيَ أَسْبَابٌ، وَلاَ عَنْ لَفْظٍ مَقْصُودٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا شَرْعِيًّا، وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَسَائِل:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: تَقْيِيدُ الْمُطْلَقَاتِ إِذَا حَلَفَ لَيُكْرِمَنَّ رَجُلاً وَنَوَى بِهِ زَيْدًا فَلاَ يَبْرَأُ بِإِكْرَامِ غَيْرِهِ، لأَِنَّ رَجُلاً مُطْلَقٌ وَقَدْ قَيَّدَهُ بِخُصُوصِ زَيْدٍ، فَصَارَ مَعْنَى الْيَمِينِ: لأَُكْرِمَنَّ زَيْدًا، وَكَذَلِكَ إِذَا قَيَّدَهُ بِصِفَةٍ فِي نِيَّتِهِ وَلَمْ يَلْفِظْ بِهَا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لأَُكْرِمَنَّ رَجُلاً - وَيَنْوِي بِهِ فَقِيهًا أَوْ زَاهِدًا - فَلاَ يَبْرَأُ بِإِكْرَامِ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهَذِهِ صُورَةُ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَخْصِيصُ الْعُمُومَاتِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لاَ لَبِسْتُ ثَوْبًا وَيَنْوِي إِخْرَاجَ الْكَتَّانِ مِنْ يَمِينِهِ، فَيَصِيرُ هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَلاَ يَحْنَثُ إِذَا لَبِسَ الْكَتَّانَ لأَِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ بِنِيَّتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْمُحَاشَاةُ كَمَا قَال مَالِكٌ إِذَا قَال: كُل حَلاَلٍ عَلَيَّ حَرَامٌ يَلْزَمُهُ الطَّلاَقُ إِلاَّ أَنْ يُحَاشِيَ زَوْجَتَهُ، وَقَال الأَْصْحَابُ: يَكْفِي فِي الْمُحَاشَاةِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا تَخْصِيصٌ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ،وَالتَّخْصِيصُ يَكْفِي فِيهِ إِرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ، فَكَفَى فِي الْمُحَاشَاةِ مُجَرَّدُ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَلَيْسَتِ الْمُحَاشَاةُ شَيْئًا غَيْرَ التَّخْصِيصِ (155) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ النِّيَّةَ فِي الْيَمِينِ تُخَصِّصُ اللَّفْظَ الْعَامَّ، وَلاَ تُعَمِّمُ الْخَاصَّ، مِثَال الأَْوَّل: أَنْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ أُكَلِّمُ أَحَدًا، وَيَنْوِي زَيْدًا. وَمِثَال الثَّانِي: أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمَا نَال مِنْهُ، فَيَقُول: وَاللَّهِ لاَ أَشْرَبُ مِنْهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، فَإِنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ عَطَشٍ خَاصَّةً، وَلاَ يَحْنَثُ بِطَعَامِهِ وَثِيَابِهِ وَلَوْ نَوَى أَنْ لاَ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لأَِنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُؤَثِّرُ إِذَا احْتَمَل اللَّفْظُ مَا نَوَى بِجِهَةٍ يُتَجَوَّزُ بِهَا، قَال الأَْسْنَوِيُّ: وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لأَِنَّ فِيهِ جِهَةً صَحِيحَةً وَهِيَ إِطْلاَقُ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُل (156) .

هـ - النِّيَّةُ فِي الْوَقْفِ:
62 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْوَقْفُ لَيْسَ عِبَادَةً وَضْعًا بِدَلِيل صِحَّتِهِ مِنَ الْكَافِرِ، فَإِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فَلَهُ الثَّوَابُ وَإِلاَّ فَلاَ (157) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَدْخُل النِّيَّةُ فِي عُقُودِ الْوَقْفِ - أَيْ لِصِحَّتِهِ - إِذَا كَانَ بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ (158) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ، وَبِفِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ عُرْفًا، وَيَكْفِي الإِْتْيَانُ بِصَرِيحِ الْقَوْل لِعَدَمِ احْتِمَال غَيْرِهِ، وَلاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ الْمَالِكُ، فَمَتَى أَتَى بِكِنَايَةٍ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ نَوَى بِهَا الْوَقْفَ لَزِمَهُ فِي الْحُكْمِ لأَِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيهِ، وَإِنْ قَال: مَا أَرَدْتُ بِهَا الْوَقْفَ قُبِل قَوْلُهُ لأَِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ لِعَدَمِ الاِطِّلاَعِ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ، أَوْ يَقْرِنُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ أَحَدَ الأَْلْفَاظِ الْخَمْسَةِ الآْتِيَةِ: فَيَقُول: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ مُحْبَسَةً، أَوْ مُسْبَلَةً، أَوْ مُؤَبَّدَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً، أَوْ يَصِفُ الْكِنَايَةَ بِصِفَاتِ الْوَقْفِ فَيَقُول: تَصَدَّقْتُ بِهِ صَدَقَةً لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ وَلاَ تُورَثُ، أَوْ يَقْرِنُ الْكِنَايَةَ بِحُكْمِ الْوَقْفِ كَأَنْ يَقُول: تَصَدَّقْتُ بِأَرْضِي عَلَى فُلاَنٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى وَلَدِهِ. . . لأَِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ وَنَحْوَهَا لاَ تُسْتَعْمَل فِيمَا عَدَا الْوَقْفَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَى بِلَفْظِهِ الصَّرِيحِ (159) .

و النِّيَّةُ فِي الْقِصَاصِ:
63 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْقِصَاصُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى قَصْدِ الْقَاتِل الْقَتْل، لَكِنْ قَالُوا: لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ أَمْرًا بَاطِنًا أُقِيمَتِ الآْلَةُ مَقَامَهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا يُفَرِّقُ الأَْجْزَاءَ عَادَةً كَانَ عَمْدًا وَوَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِلاَّ فَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لاَ يُفَرِّقُ الأَْجْزَاءَ عَادَةً لَكِنْ يَقْتُل غَالِبًا - فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ لاَ قِصَاصَ فِيهِ عِنْدَ الإِْمَامِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَأَنْ يَقْصِدَ مُبَاحًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا (160) .
وَقَال السُّيُوطِيُّ: تَدْخُل النِّيَّةُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَسَائِل كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:
تَمْيِيزُ الْعَمْدِ وَشِبْهِهِ مِنَ الْخَطَأِ، وَمِنْهَا: إِذَا قَتَل الْوَكِيل فِي الْقِصَاصِ، إِنْ قَصَدَ قَتْلَهُ عَنِ الْمُوَكِّل، أَوْ قَتَلَهُ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ (161) ، وَقَال: وَمِمَّا جَرَى عَلَى الأَْصْل مِنَ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ أَوَّل الْفِعْل مَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّهُ: أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ زَوْجَتَهُ بِالسَّوْطِ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ فَصَاعِدًا مُتَوَالِيَةٍ فَمَاتَتْ: فَإِنْ قَصَدَ فِي الاِبْتِدَاءِ الْعَدَدَ الْمُهْلِكَ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَصَدَ تَأْدِيبَهَا بِسَوْطَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَجَاوَزَ فَلاَ، لأَِنَّهُ اخْتَلَطَ الْعَمْدُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ (162) .

ز - النِّيَّةُ فِي الإِْعْتَاقِ:
64 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ فِي الإِْعْتَاقِ يَقَعُ الْعِتْقُ بِهِ مَعَ وُجُودِ النِّيَّةِ وَعَدَمِهَا، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الصَّرِيحَ لاَ يَنْصَرِفُ عَنِ الْعِتْقِ إِلَى غَيْرِهِ إِلاَّ بِقَرِينَةٍ كَقَصْدِهِ الْمَدْحَ بِلَفْظِ الإِْعْتَاقِ، كَمَا إِذَا عَمِل الْعَبْدُ عَمَلاً فَأَعْجَبَ سَيِّدَهُ فَقَال لَهُ: مَا أَنْتَ إِلاَّ حُرٌّ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْعِتْقَ وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنْتَ فِي عَمَلِكَ كَالْحُرِّ.
كَمَا أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكِنَايَةَ لاَ تَعْمَل إِلاَّ بِنِيَّةِ الْعِتْقِ، وَأَنَّ الْعِتْقَ لاَ يَحْصُل بِالنِّيَّةِ، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ فَلاَ يَحْصُل بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ كَسَائِرِ الإِْزَالَةِ (163) . (ر: عِتْق فِي 11) .

ح - النِّيَّةُ فِي النِّكَاحِ:
65 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالنِّكَاحِ وَلَوْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لأَِنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا وَرَدَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا (164) } ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ (165) } وَقَوْلِهِ ﷿: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ (166) } ، وَلَمْ يَرِدْ بِغَيْرِهِمَا (167) .
وَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِهِ بِغَيْرِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 47) .

ط - أَثَرُ إِضْمَارِ نِيَّةِ الطَّلاَقِ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ:
66 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ شَرْطٍ إِلاَّ أَنَّ فِي نِيَّتِهِ طَلاَقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ إِذَا انْقَضَتْ حَاجَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ وَلاَ تَضُرُّ نِيَّتُهُ.
وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ وَلاَ يَصِحُّ (168) .

ي - أَثَرُ نِيَّةِ التَّحْلِيل عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ:
67 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ نِيَّةِ تَحْلِيل الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا الأَْوَّل عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح مَنْهِيّ عَنْهُ) . ك - النِّيَّةُ فِي الْجِهَادِ:
68 - الْجِهَادُ عِبَادَةٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَلِلنِّيَّةِ أَثَرُهَا فِي تَحْصِيل الأَْجْرِ مِنْ أَدَاءِ كُل عِبَادَةٍ وَمِنْهَا الْجِهَادُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَثَرِ النِّيَّةِ فِي تَحْصِيل الثَّوَابِ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي فِقْرَتَيْ: (8 وَ 37) ، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (جِهَاد ف 6، وَشَهِيد ف 2 ط 3) .

ل - النِّيَّةُ فِي الذَّكَاةِ:
69 - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ الذَّكَاةِ تَوَافُرَ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي التَّفَاصِيل. وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (ذَبَائِح ف 21، 34، 38) .

م - النِّيَّةُ فِي الصَّيْدِ:
اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِحِل الصَّيْدِ:
70 - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِحِل الصَّيْدِ قَصْدَ الْفِعْل بِأَنْ يَرْمِيَ السَّهْمَ أَوْ يَنْصِبَ نَحْوَ الْمِنْجَل أَوْ يُرْسِل الْجَارِحَ قَاصِدًا الصَّيْدَ، لأَِنَّ قَتْل الصَّيْدِ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الدِّينُ فَاعْتُبِرَ لَهُ الْقَصْدُ، وَهَذَا الْقَصْدُ يَتَحَقَّقُ مِنْ خِلاَل إِرْسَال الآْلَةِ لِقَصْدِ صَيْدٍ، لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أُرْسِل الْكِلاَبَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ،فَقَال: " إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُل. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَال: وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا (169) "، فَلَمَّا حَرُمَ التَّنَاوُل عِنْدَ عَدَمِ الإِْرْسَال فِي أَحَدِ الْكَلْبَيْنِ دَل عَلَى أَنَّ الإِْرْسَال فِي ذَلِكَ شَرْطٌ.
فَلَوِ اسْتَرْسَلَتِ الْجَارِحَةُ بِنَفْسِهَا وَلَمْ تُدْرِكْ ذَكَاةَ الصَّيْدِ فَهُوَ حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ خَرَجَ بِالْجَارِحَةِ لِلاِصْطِيَادِ أَمْ لاَ.
وَقَال الأَْصَمُّ: يَحِل.
وَقَال عَطَاءٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ: يُؤْكَل إِنْ كَانَ إِخْرَاجُ الْجَارِحَةِ لِلصَّيْدِ (170) .
وَالتَّفْصِيل فِي (صَيْد 18) .

أَثَرُ النِّيَّةِ فِي تَمَلُّكِ الصَّيْدِ:
71 - الصَّيْدُ يُمْلَكُ بِالأَْخْذِ.
وَالأَْخْذُ نَوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ وَحُكْمِيٌّ. فَالأَْخْذُ الْحَقِيقِيُّ يَكُونُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ وَهَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ وَنِيَّةٍ فَيَمْلِكُهُ الآْخِذُ سَوَاءٌ قَصَدَ بِأَخْذِهِ مِلْكَهُ أَمْ لاَ حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ مَلَكَهُ (171) .
وَالأَْخْذُ الْحُكْمِيُّ يَكُونُ بِالْهَيْئَةِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَوَّلاً: مَا كَانَ بِاسْتِعْمَال مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلاِصْطِيَادِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الآْلَةِ يَتَمَلَّكُ الصَّيْدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَصَدَ بِهَا الاِصْطِيَادَ أَوْ لاَ، حَتَّى أَنَّ مَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَقَّل بِهَا صَيْدٌ مَلَكَهُ صَاحِبُ الشَّبَكَةِ قَصَدَ بِنَصْبِ الشَّبَكَةِ الاِصْطِيَادَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ؛ لأَِنَّ الشَّبَكَةَ إِنَّمَا تُنْصَبُ لأَِجْل الصَّيْدِ، فَلَوْ نَصَبَهَا لِلْجَفَافِ فَتَعَقَّل بِهَا صَيْدٌ لاَ يَتَمَلَّكُهُ لأَِنَّهُ لاَ يَصِيرُ آخِذًا لَهُ بِالشَّبَكَةِ.
ثَانِيًا: مَا كَانَ بِاسْتِعْمَال مَا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِلاِصْطِيَادِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الآْلَةِ لاَ يَتَمَلَّكُ الصَّيْدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلاَّ إِذَا قَصَدَ بِهَا الاِصْطِيَادَ، حَتَّى إِنَّ مَنْ نَصَبَ فُسْطَاطًا وَتَعَقَّل بِهِ صَيْدٌ، إِنْ قَصَدَ بِنَصْبِ الْفُسْطَاطِ الصَّيْدَ مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الصَّيْدَ لاَ يَمْلِكُهُ (172) . ن: النِّيَّةُ فِي اللُّقَطَةِ:
72 - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ الْتَقَطَ عَلَى قَصْدِ أَنْ يَحْفَظَ اللُّقَطَةَ لِمَالِكِهَا أَبَدًا فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ (173) .
كَمَا كَانَ الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ كَأَنْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَال وَكِتْمَانَهَا فَيَكُونُ ضَامِنًا غَاصِبًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَرَاءَةِ الْمُلْتَقِطِ بِرَدِّ اللُّقَطَةِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا لِيَأْكُلَهَا أَوْ لِيُمْسِكَهَا لِنَفْسِهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لاَ يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلاَّ بِرَدِّ اللُّقَطَةِ إِلَى يَدِ صَاحِبِهَا أَوْ إِلَى يَدِ وَكِيلِهِ، لأَِنَّ الأَْخْذَ وَقَعَ لِنَفْسِهِ فَصَارَ غَاصِبًا، وَالْغَاصِبُ لاَ يَبْرَأُ إِلاَّ بِالرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ إِلَى وَكِيلِهِ. وَقَال زُفَرُ: إِذَا رَدَّهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ بَرِئَ لأَِنَّهُ قَدْ رَدَّهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (174)
وَإِذَا أَخَذَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ بِنِيَّةِ الأَْمَانَةِ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ قَصْدُ الْخِيَانَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لاَ يَضْمَنُ اللُّقَطَةَ إِنْ تَلِفَتْ بِلاَ تَفْرِيطٍ فِي الْحَوْل، كَمَا أَنَّ الْمُودَعَ لاَ يُضْمَنُ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ (175) .
وَدَلَّل ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ نِيَّةَ الاِغْتِيَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مُصَاحَبَةِ فِعْلٍ، إِذْ غَايَةُ الأَْمْرِ أَنَّ النِّيَّةَ تَبَدَّلَتْ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ (176) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ، وَابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَا ارْتَضَاهُ الْحَطَّابُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَضْمَنُ لأَِنَّ نِيَّةَ الاِغْتِيَال قَدْ صَاحَبَهَا فِعْلٌ وَهُوَ الْكَفُّ عَنِ التَّعْرِيفِ (177)
وَالْمَسْأَلَةُ لاَ تَتَأَتَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِبَرَاءَةِ الْمُلْتَقِطِ مِنَ الضَّمَانِ الإِْشْهَادَ بِأَنَّهُ أَخَذَ اللُّقَطَةَ لِحِفْظِهَا وَرَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَتَبَدُّل نِيَّةِ الْمُلْتَقِطِ عِنْدَئِذٍ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ، حَتَّى مَنْ أَخَذَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يُشْهِدْ - فِيمَا إِذَا أَمْكَنَهُ الإِْشْهَادُ - وَقَال أَخَذْتُهَا لِلرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ، وَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى (178) .
أَمَّا عَنْ أَخْذِ اللُّقَطَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَقَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ لاَ بِنِيَّةِ الْحِفْظِ وَلاَ بِنِيَّةِ اغْتِيَالِهَا فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ إِذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَيَضْمَنُ إِذَا رَدَّهَا بَعْدَ الْبُعْدِ (179) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلاَ يَقْصِدُ خِيَانَةً وَلاَ أَمَانَةً، أَوْ يَقْصِدُ أَحَدَهُمَا وَيَنْسَاهُ فَلاَ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ وَلَهُ التَّمَلُّكُ بِشَرْطِهِ (180) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ تُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ، إِذْ إِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِبَرَاءَةِ الْمُلْتَقِطِ مِنَ الضَّمَانِ الإِْشْهَادَ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ اللُّقَطَةَ لِحِفْظِهَا وَرَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، أَوْ تَصَادَقَ الْمَالِكُ وَالْمُلْتَقِطُ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلْمَالِكِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ يَضْمَنُ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ (181) .
__________
(1) المصباح المنير، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط.
(2) رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار 1 / 72 دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(3) الذخيرة ص 234 - 235 نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.
(4) حاشية الجمل مع شرح المنهج 1 / 107 دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(5) جامع العلوم والحكم 1 / 92، ونيل المآرب 1 / 132، والمغني 1 / 110 مكتبة ابن تيمية.
(6) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن.
(7) سورة آل عمران / 159.
(8) قواعد الفقه للبركتي.
(9) البحر الرائق 1 / 25، ورد المحتار 1 / 72، والذخيرة ص 235 ط وزارة الأوقاف، والمنثور 3 / 284 ط وزارة الأوقاف - الكويت.
(10) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(11) قواعد الفقه للبركتي، والتعريفات للجرجاني، دار الكتاب العربي، بيروت.
(12) الذخيرة 1 / 245 ط دار الغرب، والمنثور في القواعد للزركشي 3 / 287.
(13) المجموع المذهب في قواعد المذهب 1 / 260، والأشباه للسيوطي ص 12، والأشباه لابن نجيم ص 30.
(14) المجموع المذهب في قواعد المذهب 1 / 256، والأشباه للسيوطي ص 12، والأشباه لابن نجيم ص 29، والقواعد للحصني 1 / 209.
(15) الأشباه للسيوطي ص 296، والمجموع المذهب 1 / 290 وما بعدها، والأشباه لابن نجيم ص 23، والقواعد لابن رجب ص 50، ومغني المحتاج 3 / 387.
(16) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 20، 24، 52، ومواهب الجليل 1 / 182، 230، والذخيرة ص 235 - 236، وقواعد الأحكام ص 175، 176، وحاشية الجمل 1 / 103، ومغني المحتاج 1 / 148، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 10، 43، 44، وكشاف القناع 1 / 85، 313، والمغني 3 / 91.
(17) حديث: " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم. . . ". أخرجه مسلم (4 / 1987 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(18) إحياء علوم الدين 4 / 351.
(19) إحياء علوم الدين 4 / 362 - 365.
(20) حديث: " إن بالمدينة أقواما. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 127 - ط السلفية) .
(21) حديث أبي بكرة: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 85 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 2213 - 2214 - ط الحلبي) .
(22) حديث: " من هم بحسنة فلم يعملها. . . ". أخرجه مسلم (1 / 118 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(23) الإحياء 4 / 352.
(24) الأشباه للسيوطي ص 47.
(25) الإحياء 4 / 353.
(26) حديث: " نية المؤمن خير من عمله ". أخرجه الطبراني في الكبير (6 / 185 - 186 - ط العراق) من حديث سهل بن سعد، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (1 / 61 - ط القدسي) ، وذكر أن فيه راويا لم ير من ترجمه.
(27) الإحياء 4 / 353.
(28) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 9 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1515 - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب، ﵁.
(29) الإحياء 4 / 362.
(30) حديث أبي هريرة: " من تزوج امرأة على صداق. . . ". أخرجه البزار كما في كشف الأستار (2 / 163 - ط الرسالة) ، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (2 / 586 - دار ابن كثير) وأشار إلى تضعيفه.
(31) حديث: " إن الله يحب أن يرى ". أخرجه الترمذي (4 / 122 - الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: حديث حسن.
(32) المدخل لابن الحاج 1 / 23 - 24.
(33) حديث: " من ترك اللباس تواضعا لله. . . ". أخرجه الترمذي (4 / 650 - ط الحلبي) من حديث معاذ بن أنس، وقال: حديث حسن.
(34) مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل 1 / 232 الطبعة الثانية - دار الفكر - بيروت، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام 1 / 179 دار الكتب العلمية - بيروت.
(35) حديث: " من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم. . . ". أخرجه النسائي (3 / 258 - ط المكتبة التجارية) من حديث أبي هريرة، وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (1 / 70 ط دار ابن كثير) .
(36) نيل المآرب 1 / 163، ومواهب الجليل 1 / 232، وقواعد الأحكام 1 / 179.
(37) سورة البينة / 5.
(38) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 40، والمغني لابن قدامة 1 / 111 ط - المنار، وكشاف القناع عن متن الإقناع 1 / 86 مكتبة النصر الحديثة، الرياض، والمجموع 1 / 316، والجمل على شرح المنهج 1 / 103، ومواهب الجليل 1 / 231، والذخيرة ص 235، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 30، ونيل المآرب 1 / 130.
(39) سورة الحج / 46.
(40) سورة النجم / 11.
(41) سورة المجادلة / 22.
(42) سورة البقرة / 7.
(43) مواهب الجليل 1 / 231.
(44) مواهب الجليل 1 / 231 - 232، والذخيرة ص 235.
(45) الشرح الكبير مع 304 - 1 / 234، والصاوي على الشرح الصغير 1 / 304.
(46) الأشباه لابن نجيم ص 45 - 48، والذخيرة 1 / 240 ط دار الغرب، والأشباه للسيوطي ص 30، والمغني لابن قدامة 1 / 465، 2 / 638 ط الرياض، والمجموع للنووي 2 / 316 - 317.
(47) الأشباه لابن نجيم ص 48، ومغني المحتاج 1 / 57، وكشاف القناع 1 / 87.
(48) الأشباه لابن نجيم ص 48، وكشاف القناع 1 / 87.
(49) الشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 233 - 234، والشرح الصغير مع الصاوي 1 / 304.
(50) حديث: " أهل بما أهل به النبي ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 8 / 105 ط السلفية) .
(51) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 49 - 52، والأشباه والنظائر للسيوطي 35 - 41، ومغني المحتاج 1 / 47، والفروق للقرافي وتهذيبه 1 / 202 - 203، والدسوقي 1 / 234، ونيل المآرب ص 130، والإنصاف، 19، 24، 26، والمغني 1 / 466 - 468، وكشاف القناع 2 / 317.
(52) الذخيرة للقرافي 1 / 246 - 248، ومواهب الجليل 1 / 233، والفروق للقرافي وتهذيبه 1 / 202 - 203.
(53) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 42 - 45.
(54) الذخيرة ص 243.
(55) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". تقدم تخريجه ف 8.
(56) قواعد الأحكام 1 / 176، 181 - 185، ومغني المحتاج 1 / 47 - 50، والأشباه للسيوطي 24 - 30.
(57) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". تقدم تخريجه ف 8.
(58) كشاف القناع 1 / 90.
(59) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 29، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 12، ومواهب الجليل 1 / 232.
(60) مواهب الجليل 1 / 232.
(61) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 30.
(62) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 31 - 32.
(63) الأشباه لابن نجيم ص 34، 35.
(64) الذخيرة ص 237 - 239.
(65) الحطاب 1 / 515.
(66) حديث: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. . . ". تقدم تخريجه ف 8.
(67) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 14 - 16.
(68) كشاف القناع 1 / 89 - 90، 314.
(69) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 93، والحطاب 1 / 234، والأشباه للسيوطي ص 18، ومغني المحتاج 1 / 48، 149، وكشاف القناع 1 / 88، وشرح منتهى الإرادات 1 / 48، والأشباه لابن نجيم ص 37.
(70) مغني المحتاج 1 / 72، وأسنى المطالب 1 / 68، وكشاف القناع 1 / 152، والشرح الكبير، وحاشية الدسوقي 1 / 133.
(71) الأشباه لابن نجيم ص 37.
(72) الإنصاف 1 / 290، 291، والفروع 1 / 225، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 154، والفواكه الدواني 1 / 184، ومغني المحتاج 1 / 97، 98، وأشباه السيوطي ص 21.
(73) مغني المحتاج 1 / 97، 98، وأشباه السيوطي ص 21، والمجموع 2 / 225، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 154، وجواهر الإكليل 1 / 27.
(74) الأشباه لابن نجيم ص 37، وحاشية ابن عابدين 1 / 168.
(75) الأشباه لابن نجيم ص 35، 36، وجواهر الإكليل 1 / 46، وحاشية ابن عابدين 1 / 279، ومغني المحتاج 1 / 149، والمغني 1 / 465، وشرح منتهى الإرادات 1 / 168، وتحفة المحتاج 2 / 7 - 8.
(76) الأشباه لابن نجيم ص 36، 37، وتحفة المحتاج 2 / 7 - 8.
(77) نهاية المحتاج 1 / 432، والأشباه للسيوطي ص 18 - 19، والأشباه لابن نجيم 36 - 37.
(78) الأشباه لابن نجيم ص 35، 36، 37.
(79) الأشباه لابن نجيم ص 35، 36، 37، والبدائع 1 / 128، وجواهر الإكليل 1 / 46، ومغني المحتاج 1 / 150، والمغني 1 / 465، 466.
(80) الأشباه لابن نجيم ص 38.
(81) الحطاب 2 / 213، والدسوقي 1 / 411، والفواكه الدواني 1 / 342.
(82) مغني المحتاج 1 / 341، والأشباه للسيوطي ص 21.
(83) مواهب الجليل 2 / 357، وحاشية الدسوقي 1 / 500، وجواهر الإكليل 1 / 140، والأشباه لابن نجيم ص 36، وشرح منتهى الإرادات 1 / 419.
(84) الأشباه للسيوطي ص 20، ومغني المحتاج 1 / 149.
(85) البدائع 2 / 84، وشرح منتهى الإرادات 1 / 445، ومغني المحتاج 1 / 149، 425.
(86) مواهب الجليل للحطاب 2 / 418، 419، وعقد الجواهر الثمينة 1 / 356.
(87) مغني المحتاج 1 / 425، 149.
(88) الأشباه لابن نجيم ص 36، 37، والأشباه للسيوطي ص 20، ومغني المحتاج 1 / 149، 478، والمغني 3 / 246.
(89) الحطاب 2 / 490، وجواهر الإكليل 1 / 161.
(90) الأشباه لابن نجيم 36، 37، وتحفة المحتاج 8 / 189، ومغني المحتاج 3 / 359، وحاشية الجمل على شرح المنهج 4 / 414، والإنصاف 9 / 224.
(91) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 38.
(92) الذخيرة 2 / 135.
(93) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 17 - 20، ومغني المحتاج 1 / 149.
(94) منار السبيل 1 / 79، وكشاف القناع 1 / 315.
(95) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 45.
(96) الذخيرة 1 / 249، 250، ومواهب الجليل 1 / 233.
(97) قواعد الأحكام 1 / 175 - 176.
(98) المغني 1 / 467، وكشاف القناع 1 / 316.
(99) المنثور 3 / 285 - 287.
(100) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 39.
(101) الذخيرة 1 / 243 - 244.
(102) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 20.
(103) قواعد الأحكام 1 / 123.
(104) كشاف القناع 1 / 313، 315.
(105) حديث: " قال الله تعالى: " الإخلاص سر من سري. . . ". عزاه الحافظ العراقي في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين (4 / 376 - بهامشه - ط المكتبة التجارية) إلى مسلسلات القزويني والرسالة للقشيري، وذكر أن في إسناد الأول منهما راويين متروكين، وضعف إسناد الثاني
(106) كشاف القناع 1 / 313، ومطالب أولي النهى 1 / 395.
(107) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 54.
(108) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 20.
(109) الأشباه والنظائر لابن نجيمِ ص 40 - 42، والبحر الرائق 1 / 96، وفتح القدير 2 / 438.
(110) الذخيرة 1 / 251، ومواهب الجليل 1 / 235.
(111) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 20 - 23، والمنثور في القواعد 3 / 302، ومغني المحتاج 1 / 49.
(112) المنثور في القواعد 3 / 312.
(113) جامع العلوم والحكم 1 / 88.
(114) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (2 / 943 - ط الحلبي) ، والبيهقي في السنن (5 / 125 ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث جابر، واللفظ للبيهقي.
(115) كشاف القناع 1 / 314.
(116) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 95.
(117) سورة الشعراء / 105.
(118) قواعد الأحكام 1 / 186 - 187، وانظر المجموع 1 / 316.
(119) كشاف القناع 1 / 86.
(120) سورة البينة / 5.
(121) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". تقدم في فقرة 13.
(122) المجموع 1 / 311 - 314، ومغني المحتاج 1 / 47، ونيل المآرب 1 / 60 - 61، وكشاف القناع 1 / 85، وبداية المجتهد 1 / 6.
(123) سورة المائدة / 6.
(124) سورة النساء / 43.
(125) سورة المائدة / 6.
(126) حديث: " إن الماء طهور لا ينجسه شيء ". أخرجه الترمذي (1 / 95 - 96) من حديث أبي سعيد، وقال: حديث حسن.
(127) سورة الفرقان / 48.
(128) رد المحتار على الدر المختار 1 / 72 - 73، وبدائع الصنائع 1 / 19 - 20.
(129) مواهب الجليل 1 / 230، وشرح الزرقاني وحاشية البناني 1 / 62، وحاشية الدسوقي 1 / 93، وجواهر الإكليل 1 / 15، وبداية المجتهد 1 / 6.
(130) سورة المائدة / 6.
(131) الاختيار 1 / 20، 21، والهداية وفتح القدير 1 / 114، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 154، والشرح الصغير 1 / 192، والقوانين الفقهية ص 52، ومغني المحتاج 1 / 97 - 99، وكشاف القناع 1 / 173، والروض المربع 1 / 31.
(132) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 20، والعناية على الهداية بهامش فتح القدير 1 / 28 ط إحياء التراث العربي، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 78، والمجموع شرح المهذب 1 / 311، وكشاف القناع 1 / 86.
(133) الشرح الكبير والدسوقي 1 / 133.
(134) مغني المحتاج 1 / 72، والمجموع 2 / 181، وروضة الطالبين 1 / 78.
(135) كشاف القناع 1 / 152 - 157.
(136) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي 1 / 56 ط الأميرية.
(137) سورة البينة / 5.
(138) البحر الرائق 1 / 290 - 291، والاختيار لتعليل المختار 1 / 47 - 48، والدر المختار 1 / 279 - 280.
(139) مغني المحتاج 1 / 148 - 150.
(140) كشاف القناع 1 / 313، 318، ونيل الْمآرب 1 / 130، 131.
(141) حديث: " لا عمل لمن لا نية له ". أخرجه البيهقي في السنن (1 / 41 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أنس بن مالك، وأشار ابن حجر في التلخيص (1 / 247 - ط دار الكتب العلمية) إلى إعلاله.
(142) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". سبق تخريجه ف 8.
(143) الاختيار لتعليل المختار 1 / 126، وفتح القدير 2 / 239، والبدائع 2 / 83، وجواهر الإكليل ا / 148، ومواهب الجليل 2 / 418، ومغني المحتاج للشربيني الخطيب 1 / 423، ونيل المآرب 1 / 273، وكشاف القناع 2 / 314.
(144) الاختيار 1 / 101، وجواهر الإكليل 1 / 140، ومغني المحتاج 1 / 414 - 415، وكشاف القناع 2 / 260 - 261، والمغني 2 / 638.
(145) الاختيار لتعليل المختار 1 / 143، 144، وجواهر الإكليل 1 / 168، ومغني المحتاج 1 / 476، 478، وكشاف القناع 2 / 406.
(146) الاختيار 3 / 125، 130، وجواهر الإكليل 1 / 345، 346، ومغني المحتاج 3 / 279 - 284، وكشاف القناع 5 / 245 - 252.
(147) الاختيار 3 / 147، وجواهر الإكليل 1 / 362، والشرح الكبير والدسوقي 2 / 417، ومغني المحتاج 3 / 336 - 337، وكشاف القناع 5 / 342.
(148) الاختيار 3 / 162 - 164، والشرح الكبير والدسوقي 2 / 442، 443، ومغني المحتاج 3 / 353، وكشاف القناع 5 / 369، 370.
(149) الاختيار 4 / 50، وكشاف القناع 6 / 0 23، 231.
(150) حديث أبي هريرة: " يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ". أخرجه مسلم (3 / 1274 - ط الحلبي)
(151) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 53.
(152) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 44، والمنثور في القواعد 3 / 312.
(153) جامع العلوم والحكم 1 / 89 - 90.
(154) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 25.
(155) الفروق للقرافي (عالم الكتب - بيروت) 3 / 64 وما بعدها.
(156) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 44.
(157) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 23.
(158) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 10.
(159) كشاف القناع 4 / 241 - 242.
(160) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 25.
(161) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 10.
(162) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 24.
(163) تحفة الفقهاء 2 / 255 - 257، وَالأشباه والنظائر لابن نجيمِ ص 48، 23، والذخيرة للقرافي ص 101، وحاشية الدسوقي 4 / 361، والحاوي الكبير للماوردي 22 / 5، وروضة الطالبين 12 / 107 - 108، ومطالب أولي النهى 4 / 694، 695، والمغني 9 / 330، 331.
(164) سورة الأحزاب / 37
(165) سورة النساء / 22.
(166) سورة القصص / 27.
(167) روضة الطالبين 7 / 36 - 37، ومطالب أولي النهى 5 / 46 - 47.
(168) المغني 6 / 645، والتاج والإكليل 3 / 469، والبدائع 3 / 187، والأم 5 / 80 ط دار المعرفة.
(169) حديث عدي بن حاتم: " إذا أرسلت كلبك المعلم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 609 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1529 ط الحلبي) ، واللفظ لمسلم.
(170) المبسوط 11 / 221 - 222، ومطالب أولي النهى 6 / 351، والمجموع 9 / 103، والمغني 8 / 545، والقوانين الفقهية ص 175ط دار الكتاب العربي.
(171) الفتاوى الهندية 5 / 417، والأشباه لابن نجيم ص 286 ط دار الكتب العلمية، ونهاية المحتاج 8 / 117.
(172) الفتاوى الهندية 5 / 417 - 418، وحاشية ابن عابدين 5 / 298، وانظر الذخيرة للقرافي 4 / 185 ط دار الغرب الإسلامي، وحاشية الدسوقي 2 / 114، والمغني لابن قدامة 8 / 562 - 563، ونهاية المحتاج7 / 118 - 119.
(173) روضة الطالبين 5 / 406 والوسيط 4 / 291، والفتاوى الهندية 2 / 291، والجوهرة النيرة 2 / 64 ط مكتبة إمدادية باكستان، والتاج والإكليل 6 / 75، والمغني لابن قدامة 5 / 712، والذخيرة 9 / 104 - 105.
(174) الجوهرة النيرة 2 / 46، والفتاوى الهندية 2 / 292، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 112، وروضة الطالبين 5 / 406، وكشاف القناع 4 / 213، والمغني 5 / 706 - 707،714
(175) مطالب أولي النهى 4 / 223، وروضة الطالبين 5 / 407، وحاشية الدسوقي 4 / 121.
(176) حاشية الدسوقي 4 / 121، ومواهب الجليل 6 / 76.
(177) روضة الطالبين 5 / 407، وحاشية الدسوقي 4 / 121
(178) الفتاوى الهندية 2 / 291، والجوهرة النيرة 2 / 46.
(179) مواهب الجليل 6 / 77.
(180) روضة الطالبين 5 / 407.
(181) الفتاوى الهندية 2 / 291، والجوهرة النيرة 2 / 46، والبحر الرائق 5 / 162.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 59/ 42