الْجِزْيَة
من معجم المصطلحات الشرعية
المالُ المأخوذُ من كفار أهل الذمة بالتراضي؛ لِكَفِّنا عن قتالهم، وحقنِ دمائهم، وسُكْناهم الدائم في دار الإسلام . ومن شواهده قول الله تعالى : ﱫﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﱪ التوبة : 29.
من موسوعة المصطلحات الإسلامية
التعريف اللغوي
الـجِزْيَةُ: خَراجُ الأَرض، ومِنْهُ ما يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وأَصْلُ الكَلِمَةِ مِن الـجَزاءِ، وهو: العِوَضُ والـمُكافَأَةُ، يُقال: جَزَيْتُهُ على عَمَلِهِ، أيْ: كافَأْتُهُ، وقِيل: مَأْخُوذَةٌ مِن الإِجْزاءِ، وهو: الكِفايَةُ والقَضاءُ؛ ومنه سُـمِّيَ الـمالُ جِزْيَةً؛ لأنَّهُ يُـجْزِئُ عَن قَتْلِ الكافِرِ، أيْ يَكْفِي، ويكونُ عِوَضاً لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلَ تَرْكِ قِتالِهِمْ، أو لأنَّها وَجَبَتْ عُقوبَةً على الكُفْرِ، والجَمْعُ: جِزًى وجِزْيٌ.
إطلاقات المصطلح
يَرِد مُصْطَلَحُ (جِزْيَة) في كِتابِ الزَّكاةِ، باب: إِخْراج الزَّكاةِ. ويُطْلَقُ في الفِقْهِ أيضاً بِـمَعْنَى " العَقْد الذي يَأْذنُ فِيهِ إمامُ الـمُسْلِمِينَ أو نائِبُهُ لِكافِرٍ كِتابيٍّ أو مَـجُوسيٍّ بِالإِقامَةِ في دارِ الإِسْلامِ آمِناً مُقابِلَ بَذْلِهِ مالاً مُقَدَّراً كُلَّ سَنَةٍ وانْقِيادِهِ لأَحْكامِ الإِسْلامِ ".
جذر الكلمة
جزي
التعريف
المالُ المأخوذُ من كفار أهل الذمة بالتراضي؛ للكف عن قتالهم، وحقنِ دمائهم، وسُكْناهم الدائم في دار الإسلام.
المراجع
* تهذيب اللغة : (11/101)
* النهاية في غريب الحديث والأثر : (1/271)
* مختار الصحاح : (ص 58)
* لسان العرب : (14/146)
* تاج العروس : (37/353)
* حاشية ابن عابدين : (4/196)
* المطلع على ألفاظ المقنع : (ص 258)
* شرح مختصر خليل للخرشي : (3/143)
* نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : (8/85)
* كشاف القناع عن متن الإقناع : (3/116)
* القاموس الفقهي : (ص 62)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 164)
* تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ : (3/276)
* نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : (8/68)
* الـمغني لابن قدامة : (8/372)
* المطلع على ألفاظ المقنع : (ص 258)
* نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : (8/85)
* نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : (3/116)
* التوقيف على مهمات التعاريف : (ص 125)
* شرح حدود ابن عرفة : (ص 145)
* أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء : (ص 66)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (15/160) -
من الموسوعة الكويتية
التَّعْرِيفُ:
1 - قَال الْجَوْهَرِيُّ: الْجِزْيَةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَالْجَمْعُ الْجِزَى (بِالْكَسْرِ) مِثْل لِحْيَةٍ وَلِحًى. وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَال الَّذِي يُعْقَدُ الذِّمَّةُ عَلَيْهِ لِلْكِتَابِيِّ. وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنَ الْجَزَاءِ كَأَنَّهَا جَزَتْ عَنْ قَتْلِهِ. وَقَال ابْنُ مَنْظُورٍ: الْجِزْيَةُ أَيْضًا خَرَاجُ الأَْرْضِ (1) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (2) } .
وَقَال النَّوَوِيُّ: الْجِزْيَةُ (بِكَسْرِ الْجِيمِ) جَمْعُهَا جِزًى (بِالْكَسْرِ) أَيْضًا كَقِرْبَةٍ وَقِرَبٍ وَنَحْوِهِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَزَاءِ كَأَنَّهَا جَزَاءُ إِسْكَانِنَا إِيَّاهُ فِي دَارِنَا، وَعِصْمَتِنَا دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِيَالَهُ. وَقِيل: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَزَى يَجْزِي إِذَا قَضَى. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (3) } أَيْ لاَ تَقْضِي (4) .
وَقَال الْخُوَارِزْمِيُّ: جَزَاءُ رُءُوسِ أَهْل الذِّمَّةِ جَمْعُ جِزْيَةٍ وَهُوَ مُعَرَّبٌ: كَزَيْتٍ، وَهُوَ الْخَرَاجُ بِالْفَارِسِيَّةِ (5) .
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ وُجْهَاتُ نَظَرِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْجِزْيَةِ اصْطِلاَحًا تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي طَبِيعَتِهَا، وَفِي حُكْمِ فَرْضِهَا عَلَى الْمَغْلُوبِينَ الَّذِينَ فُتِحَتْ أَرْضُهُمْ عَنْوَةً (أَيْ قَهْرًا لاَ صُلْحًا) .
فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: " اسْمٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ فَهُوَ عَامٌّ يَشْمَل كُل جِزْيَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مُوجِبُهَا الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ وَفَتْحَ الأَْرْضِ عَنْوَةً، أَوْ عَقْدَ الذِّمَّةِ الَّذِي يَنْشَأُ بِالتَّرَاضِي ".
وَعَرَّفَهَا الْحِصْنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا: " الْمَال الْمَأْخُوذُ بِالتَّرَاضِي لإِِسْكَانِنَا إِيَّاهُمْ فِي دِيَارِنَا، أَوْ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَوْ لِكَفِّنَا عَنْ قِتَالِهِمْ " وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا: " مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ كُل عَامٍ بَدَلاً عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا ". قَال الْقَلْيُوبِيُّ: " تُطْلَقُ - أَيِ الْجِزْيَةَ - عَلَى الْمَال وَعَلَى الْعَقْدِ وَعَلَيْهِمَا مَعًا (6) ".
هَذَا وَيُطْلِقُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْجِزْيَةِ عِدَّةَ مُصْطَلَحَاتٍ وَأَلْفَاظٍ مِنْهَا:
أ - خَرَاجُ الرَّأْسِ:
2 - قَال السَّرَخْسِيُّ: " إِذَا جَعَل الإِْمَامُ قَوْمًا مِنَ الْكُفَّارِ أَهْل ذِمَّةٍ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَال، وَعَلَى الأَْرَضِينَ بِقَدْرِ الاِحْتِمَال، أَمَّا خَرَاجُ الرُّءُوسِ فَثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (7) } وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ (8) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَحْكَامِ أَهْل الذِّمَّةِ: الْجِزْيَةُ هِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ إِذْلاَلاً وَصِغَارًا (9) ".
ب - الْجَالِيَةُ:
3 - الْجَالِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَلاَءِ، فَيُقَال: جَلَوْتُ عَنِ الْبَلَدِ جَلاَءً إِذَا خَرَجْتُ. وَتُطْلَقُ الْجَالِيَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمِنْهُ قِيل: لأَِهْل الذِّمَّةِ الَّذِينَ أَجْلاَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْجَالِيَةَ، وَقَدْ لَزِمَهُمْ هَذَا الاِسْمُ أَيْنَمَا حَلُّوا، ثُمَّ لَزِمَ كُل مَنْ لَزِمَتْهُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ بِكُل بَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَجْلُوا عَنْ أَوْطَانِهِمْ. ثُمَّ أُطْلِقَتْ " الْجَالِيَةُ " عَلَى الْجِزْيَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَقِيل: اسْتُعْمِل فُلاَنٌ عَلَى الْجَالِيَةِ.
أَيْ عَلَى جِزْيَةِ أَهْل الذِّمَّةِ. وَجَمْعُ الْجَالِيَةِ الْجَوَالِي (10) .
وَقَدْ عَرَّفَهَا الْقَلْقَشَنْدِيُّ بِأَنَّهَا: " مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ عَنِ الْجِزْيَةِ الْمُقَرَّرَةِ عَلَى رِقَابِهِمْ فِي كُل سَنَةٍ ".
وَقَدِ اسْتُخْدِمَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، وَفِي الإِْيصَالاَتِ الَّتِي كَانَتْ تُعْطَى لأَِهْل الذِّمَّةِ بَعْدَ دَفْعِ الْجِزْيَةِ مُنْذُ عَصْرِ الْمَمَالِيكِ.
قَال الْمَقْرِيزِيُّ: فَأَمَّا الْجِزْيَةُ فَتُعْرَفُ فِي زَمَنِنَا بِالْجَوَالِي، فَإِنَّهَا تُسْتَخْرَجُ سَلَفًا وَتَعْجِيلاً فِي غُرَّةِ السَّنَةِ، وَكَانَ يَتَحَصَّل مِنْهَا مَالٌ كَثِيرٌ فِيمَا مَضَى.
قَال الْقَاضِي الْفَاضِل فِي مُتَجَدِّدَاتِ الْحَوَادِثِ: الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ ارْتِفَاعُ الْجَوَالِي لِسَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ وَثَلاَثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَمَّا فِي وَقْتِنَا هَذَا، فَإِنَّ الْجَوَالِيَ قَلَّتْ جِدًّا، لِكَثْرَةِ إِظْهَارِ النَّصَارَى لِلإِْسْلاَمِ فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي مَرَّتْ بِهِمْ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: تُسَمَّى - أَيْ الْجِزْيَةَ - جَالِيَةً (11) .
ج - مَال الْجَمَاجِمِ:
4 - الْجَمَاجِمُ جَمْعُ جُمْجُمَةٍ: وَهِيَ عَظْمُ الرَّأْسِ الْمُشْتَمِل عَلَى الدِّمَاغِ، وَرُبَّمَا عُبِّرَ بِهَا عَنِ الإِْنْسَانِ، فَيُقَال: خُذْ مِنْ كُل جُمْجُمَةٍ دِرْهَمًا، كَمَا يُقَال: خُذْ مِنْ كُل رَأْسٍ دِرْهَمًا (12) .
وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى الْجِزْيَةِ مَال الْجَمَاجِمِ؛ لأَِنَّهَا تُفْرَضُ عَلَى الرُّءُوسِ.
قَال ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: " هُوَ أَوَّل مَنْ مَسَحَ السَّوَادَ وَأَرْضَ الْجَبَل، وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى الأَْرَضِينَ، وَالْجِزْيَةَ عَلَى جَمَاجِمِ أَهْل الذِّمَّةِ فِيمَا فُتِحَ مِنْ الْبُلْدَانِ (13) .
وَقَال الْخُوَارِزْمِيُّ: وَيُسَمَّى - أَيُّ خَرَاجُ الرَّأْسِ - فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مَال الْجَمَاجِمِ، وَهِيَ جَمْعُ جُمْجُمَةٍ، وَهِيَ الرَّأْسُ (14) .
وَجَاءَ فِي خُطَطِ الْمَقْرِيزِيِّ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ خَرَاجِ مِصْرَ: " أَوَّل مَنْ جَبَى خَرَاجَ مِصْرَ فِي الإِْسْلاَمِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁، فَكَانَتْ جِبَايَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ بِفَرِيضَةِ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ مِنْ كُل رَجُلٍ، ثُمَّ جَبَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ. . . أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ. . وَهَذَا الَّذِي جَبَاهُ عَمْرٌو ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ مِنَ الْجَمَاجِمِ خَاصَّةً دُونَ الْخَرَاجِ (15) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِالْجِزْيَةِ:
أ - الْغَنِيمَةُ:
5 - الْغَنِيمَةُ: اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى سَبِيل الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (16) .
وَيَدْخُل فِيهَا الأَْمْوَال وَالأَْسْرَى مِنْ أَهْل الْحَرْبِ إِذَا اسْتُرِقُّوا فَالْغَنِيمَةُ مُبَايِنَةٌ لِلْجِزْيَةِ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَالْغَنِيمَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي الْقِتَال.
ب - الْفَيْءُ:
6 - الْفَيْءُ: كُل مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ قَبْل الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَفَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ أَوْ رِجْلٍ (مُشَاةٍ) - أَيْ بِغَيْرِ قِتَالٍ - "
وَالْفَيْءُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا انْجَلَوْا عَنْهُ: أَيْ هَرَبُوا عَنْهُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بَذَلُوهُ لِلْكَفِّ عَنْهُمْ. وَالثَّانِي: مَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ: كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ الصُّلْحِيِّ وَالْعُشُورِ. فَبَيْنَ الْفَيْءِ وَالْجِزْيَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، فَالْفَيْءُ أَعَمُّ مِنَ الْجِزْيَةِ (17) .
ج - الْخَرَاجُ:
7 - الْخَرَاجُ هُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ غَيْرِ الْعُشْرِيَّةِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَوَجْهُ الصِّلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِزْيَةِ أَنَّهُمَا يَجِبَانِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ، وَيُصْرَفَانِ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ.
وَمِنَ الْفُرُوقِ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الرُّءُوسِ، أَمَّا الْخَرَاجُ فَيُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ، وَالْجِزْيَةُ تَسْقُطُ بِالإِْسْلاَمِ، أَمَّا الْخَرَاجُ فَلاَ يَسْقُطُ بِالإِْسْلاَمِ، وَيَبْقَى مَعَ الإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ (18) . د - الْعُشُورُ:
8 - الْعُشُورُ فِي الاِصْطِلاَحِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عُشُورُ الزَّكَاةِ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي بَابِهِ، وَالثَّانِي: مَا يُفْرَضُ عَلَى الْكُفَّارِ فِي أَمْوَالِهِمُ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ إِذَا انْتَقَلُوا بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَأْخُوذِ عُشْرًا، أَوْ مُضَافًا إِلَى الْعُشْرِ: كَنِصْفِ الْعُشْرِ.
وَوَجْهُ الصِّلَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجِزْيَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ وَأَهْل الْحَرْبِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ (19) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعُشُورِ وَالْجِزْيَةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى الرُّءُوسِ وَهِيَ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ لاَ يَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الشَّخْصِ، وَالْعُشْرُ عَلَى الْمَال.
تَارِيخُ تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ فِي الإِْسْلاَمِ:
9 - بَعْدَ أَنْ تَمَّ فَتْحُ مَكَّةَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَدَخَل النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَاسْتَقَرَّتِ الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَسُولَهُ الْكَرِيمَ بِمُجَاهَدَةِ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (20) } وَلِهَذَا جَهَّزَ (21) رَسُول اللَّهِ ﷺ لِقِتَال الرُّومِ وَدَعَا الْمُسْلِمِينَ إِلَى ذَلِكَ، وَنَدَبَ الأَْعْرَابَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ حَوْل الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَأَوْعَبُوا مَعَهُ وَاجْتَمَعَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ نَحْوُ ثَلاَثِينَ أَلْفًا، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَخَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ يُرِيدُ الشَّامَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَبَلَغَ تَبُوكَ وَنَزَل بِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، يُبَايِعُ الْقَبَائِل الْعَرَبِيَّةَ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَيَعْقِدُ الْمُعَاهَدَاتِ مَعَ الْقَبَائِل الأُْخْرَى عَلَى الْجِزْيَةِ إِلَى أَنْ تَمَّ خُضُوعُ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ لِحُكْمِ الإِْسْلاَمِ. قَال الطَّبَرِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْجِزْيَةِ: " نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرِهِ بِحَرْبِ الرُّومِ، فَغَزَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ ". ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْقَوْل مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ (22) .
بِهَذِهِ الآْيَةِ تَمَّ تَشْرِيعُ الْجِزْيَةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ تَشْرِيعِهَا تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي وَقْتِ نُزُول الآْيَةِ.
فَذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ إِلاَّ بَعْدَ نُزُول آيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَى أَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، حَيْثُ قَال عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِلآْيَةِ: هَذِهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ أَوَّل الأَْمْرِ بِقِتَال أَهْل الْكِتَابِ بَعْدَمَا تَمَهَّدَتْ أُمُورُ الْمُشْرِكِينَ وَدَخَل النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَاسْتَقَامَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِقِتَال أَهْل الْكِتَابَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ (23) .
هَذَا وَلَمْ يَأْخُذْ رَسُول اللَّهِ ﷺ جِزْيَةً مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ قَبْل نُزُول آيَةِ الْجِزْيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَمَجُوسِ هَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ أَهْل أَيْلَةَ، وَأَذْرُحَ، وَأَهْل أَذْرِعَاتٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقَبَائِل النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُ فِي أَطْرَافِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ (24) .
رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - إِلَى ابْنِ شِهَابٍ قَال: " أَوَّل مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْل نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى (25) ".
وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا - أَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ - مِنَ الْمَجُوسِ وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَأَخَذَهَا مِنَ النَّصَارَى (26) . وَيَقْصِدُ مَجُوسَ الْبَحْرَيْنِ (27) أَوْ مَجُوسَ هَجَرَ (28) .
رَوَى الْبُخَارِيُّ - بِسَنَدِهِ - إِلَى الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَال: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأَْنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَة إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ هُوَ صَالَحَ أَهْل الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ (29) .
وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا ﷺ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَمَجُوسِ هَجَرَ أَخَذَهَا مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِل الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّة فِي تَبُوكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ فَأَخَذَهَا مِنْ أَهْل أَيْلَةَ (30) حَيْثُ قَدِمَ يُوحَنَّا بْنُ رُؤْبَةَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ، وَصَالَحَهُ عَلَى كُل حَالِمٍ بَالِغٍ بِأَرْضِهِ فِي السَّنَةِ دِينَارٌ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ قِرَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِأَنْ يُحْفَظُوا وَيُمْنَعُوا (31) . وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْل أَذْرُحَ (32) وَأَهْل الْجَرْبَاءِ (33) وَأَهْل تَبَالَةَ وَجَرَشَ، وَأَهْل أَذْرِعَاتٍ (34) وَأَهْل مَقْنَا (35) ، وَكَانَ أَهْلُهَا يَهُودًا، فَصَالَحَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى رُبُعِ غُزُولِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَمَا يَصْطَادُونَ عَلَى الْعَرُوكِ (36) .
وَأَخَذَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ، حَيْثُ أَرْسَل مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَيْهِمْ. فَقَال مُعَاذٌ: " بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا (37) ".
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ كِتَابَ الرَّسُول إِلَى أَهْل الْيَمَنِ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَى أَهْل الْيَمَنِ. . وَأَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَنُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ (38) .
الأَْدِلَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ:
10 - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْجِزْيَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (39) } .
فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا. وَلِهَذَا شَرَعَ اللَّهُ مُجَاهَدَةَ الْكَافِرِينَ، وَمُقَاتَلَتَهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَيَدْخُلُوا الدِّينَ الْحَقَّ، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (40) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سَبَقَ بَعْضُهَا. وَمِنْهَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ بُرَيْدَةَ. كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. ثُمَّ قَال: اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيل اللَّهِ. قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. اغْزُوَا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ. فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ. فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل عَنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ (41) .
فَقَوْلُهُ: فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ وَإِقْرَارِهَا. 11 - أَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ تَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَل مِنَ الْكُفَّارِ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ أَوِ السَّيْفُ: كَحَدِيثِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (42) .
فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي بِدَايَةِ الإِْسْلاَمِ قَبْل نُزُول آيَةِ بَرَاءَةٍ، وَسُورَةُ بَرَاءَةٍ مِنْ آخِرِ مَا نَزَل مِنَ الْقُرْآنِ، قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا تُوَجَّهُ هَذِهِ الأَْحَادِيثُ عَلَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا قَال ذَلِكَ فِي بَدْءِ الإِْسْلاَمِ، وَقَبْل أَنْ تَنْزِل سُورَةُ بَرَاءَةٍ، وَيُؤْمَرَ فِيهَا بِقَبُول الْجِزْيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (43) } ، وَإِنَّمَا نَزَل هَذَا فِي آخِرِ الإِْسْلاَمِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ، مِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُثْمَانَ ﵄ قَال: " كَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَل مِنَ الْقُرْآنِ وَقَال مُجَاهِدٌ فِي آيَةِ الْجِزْيَةِ: نَزَلَتْ حِينَ أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَال: سَمِعْتُ هُشَيْمًا يَقُول: كَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ (44) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ وَسَائِرُ الْخُلَفَاءِ دُونَ إِنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ إِجْمَاعًا (45) .
الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ:
1 - الْجِزْيَةُ عَلاَمَةُ خُضُوعٍ وَانْقِيَادٍ لِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ:
12 - قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: قَوْلُهُ ﷿: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ (46) }
قِيل: مَعْنَاهُ عَنْ ذُلٍّ وَعَنِ اعْتِرَافٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَقِيل عَنْ يَدٍ: أَيْ عَنْ إِنْعَامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ قَبُول الْجِزْيَةِ وَتَرْكَ أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ وَيَدٌ مِنَ الْمَعْرُوفِ جَزِيلَةٌ. وَقِيل: عَنْ يَدٍ أَيْ عَنْ قَهْرٍ وَذُلٍّ وَاسْتِسْلاَمٍ كَمَا تَقُول: الْيَدُ فِي هَذَا لِفُلاَنٍ أَيِ الأَْمْرُ النَّافِذُ لِفُلاَنٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَزِّيِّ: عَنْ يَدٍ قَال: نَقْدًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ
وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: كُل مَنْ أَطَاعَ لِمَنْ قَهَرَهُ فَأَعْطَاهُ عَنْ غَيْرِ طِيبَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ أَعْطَاهَا عَنْ يَدٍ (47) . . ". وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {عَنْ يَدٍ} ، فَقَال النَّيْسَابُورِيُّ:
{عَنْ يَدٍ} إِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الْمُعْطِي فَالْمُرَادُ: عَنْ يَدٍ مُؤَاتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ، يُقَال أَعْطَى بِيَدِهِ إِذَا انْقَادَ وَأَصْحَبَ، أَوِ الْمُرَادُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ وَلاَ مَبْعُوثًا عَلَى يَدِ أَحَدٍ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الآْخِذِ فَمَعْنَاهُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ قَاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ أَيْ بِسَبَبِهَا، أَوِ الْمُرَادُ عَنْ إِنْعَامٍ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بَدَلاً عَنْ أَرْوَاحِهِمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ (48) .
وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ الصَّغَارَ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَال: سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْل الْعِلْمِ يَقُولُونَ: الصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الإِْسْلاَمِ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالُوا بِمَا قَالُوا، لاِمْتِنَاعِهِمْ مِنَ الإِْسْلاَمِ. فَإِذَا جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فَقَدْ أَصَغَرُوا بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ دَفْعُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْخُضُوعُ لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مُوجِبًا لِلصَّغَارِ (49) .
2 - الْجِزْيَةُ وَسِيلَةٌ لِهِدَايَةِ أَهْل الذِّمَّةِ:
13 - قَال الْقَرَافِيُّ: " إِنَّ قَاعِدَةَ الْجِزْيَةِ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ هُوَ شَأْنُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، بَيَانُهُ: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قُتِل انْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الإِْيمَانِ، وَبَابُ مَقَامِ سَعَادَةِ الإِْيمَانِ، وَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ، وَغَضَبُ الدَّيَّانِ، فَشَرَعَ اللَّهُ الْجِزْيَةَ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ فِي مُسْتَقْبَل الأَْزْمَانِ، لاَ سِيَّمَا بِاطِّلاَعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ (50) ".
وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ مِنْ جَانِبَيْنِ:
الأَْوَّل: الصَّغَارُ الَّذِي يَلْحَقُ أَهْل الذِّمَّةِ عِنْدَ دَفْعِ الْجِزْيَةِ.
وَقَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: " فَكَمَا يَقْتَرِنُ بِالزَّكَاةِ الْمَدْحُ وَالإِْعْظَامُ وَالدُّعَاءُ لَهُ، فَيَقْتَرِنُ بِالْجِزْيَةِ الذُّل وَالذَّمُّ، وَمَتَى أُخِذَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتُوا عَلَى الْكُفْرِ لِمَا يَتَدَاخَلُهُمْ مِنَ الأَْنَفَةِ وَالْعَارِ، وَمَا كَانَ أَقْرَب إِلَى الإِْقْلاَعِ عَنِ الْكُفْرِ فَهُوَ أَصْلَحُ فِي الْحِكْمَةِ وَأَوْلَى بِوَضْعِ الشَّرْعِ (51) .
وَالثَّانِي: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى دَفْعِ الْجِزْيَةِ مِنْ إِقَامَةٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَاطِّلاَعٍ عَلَى مَحَاسِنِهِ.
وَقَال الْحَطَّابُ - فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ -: الْحِكْمَةُ فِي وَضْعِ الْجِزْيَةِ أَنَّ الذُّل الَّذِي يَلْحَقُهُمْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ مَعَ مَا فِي مُخَالَطَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الاِطِّلاَعِ عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ (52) .
3 - الْجِزْيَةُ وَسِيلَةٌ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الاِسْتِئْصَال وَالاِضْطِهَادِ:
14 - الْجِزْيَةُ نِعْمَةٌ عُظْمَى تُسْدَى لأَِهْل الذِّمَّةِ، فَهِيَ تَعْصِمُ أَرْوَاحَهُمْ وَتَمْنَعُ عَنْهُمْ الاِضْطِهَادَ، وَقَدْ أَدْرَكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ أَهْل الذِّمَّةِ الأَْوَائِل، فَلَمَّا رَدَّ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْل حِمْصَ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ تَوْفِيرَ الْحِمَايَةِ لَهُمْ قَالُوا لِوُلاَتِهِ: " وَاللَّهِ لَوِلاَيَتُكُمْ وَعَدْلُكُمْ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ فَقَدْ أَقَرَّ أَهْل حِمْصَ بِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ خِلاَفِهِمْ لَهُمْ فِي الدِّينِ، أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ حُكْمِ أَبْنَاءِ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ لِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِنْ ظُلْمٍ وَجَوْرٍ وَاضْطِهَادٍ وَعَدَمِ احْتِرَامٍ لِلنَّفْسِ الإِْنْسَانِيَّةِ (53) .
فَإِذَا قَارَنَّا بَيْنَ الْجِزْيَةِ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ صَغَارٍ، وَبَيْنَ تِلْكَ الأَْعْمَال الْوَحْشِيَّةِ الَّتِي يُمَارِسُهَا أَهْل الْعَقَائِدِ مَعَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي الْمُعْتَقَدِ، تَكُونُ الْجِزْيَةُ نِعْمَةً مُسْدَاةً إِلَى أَهْل الذِّمَّةِ، وَرَحْمَةً مُهْدَاةً إِلَيْهِمْ، وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالاِعْتِرَافَ بِالْجَمِيل لِلْمُسْلِمِينَ. 4 - الْجِزْيَةُ مَوْرِدٌ مَالِيٌّ تَسْتَعِينُ بِهِ الدَّوْلَةُ
الإِْسْلاَمِيَّةُ فِي الإِْنْفَاقِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ
وَالْحَاجَاتِ الأَْسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ.
15 - تُعْتَبَرُ الْجِزْيَةُ مَوْرِدًا مَالِيًّا مِنْ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْحَاجَاتِ الأَْسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ: كَالدِّفَاعِ عَنِ الْبِلاَدِ، وَتَوْفِيرِ الأَْمْنِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَتَحْقِيقِ التَّكَافُل الاِجْتِمَاعِيِّ، وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ: كَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْجُسُورِ وَالطُّرُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ: " فِي أَخْذِهَا مَعُونَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَرِزْقٌ حَلاَلٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ (54) ".
وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: " بَل هِيَ نَوْعُ إِذْلاَلٍ لَهُمْ وَمَعُونَةٌ لَنَا (55) ".
وَجِبَايَةُ الْمَال لَيْسَتْ هِيَ الْهَدَفُ الأَْسَاسِيُّ مِنْ تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ، وَإِنَّمَا الْهَدَفُ الأَْسَاسِيُّ هُوَ تَحْقِيقُ خُضُوعِ أَهْل الذِّمَّةِ إِلَى حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَيْشُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لِيَطَّلِعُوا عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ وَعَدْل الْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ هَذِهِ الْمَحَاسِنُ بِمَثَابَةِ الأَْدِلَّةِ الْمُقْنِعَةِ لَهُمْ عَلَى الإِْقْلاَعِ عَنِ الْكُفْرِ وَالدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ، وَالَّذِي يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِي الإِْسْلاَمِ، وَأَنَّ الْحُكُومَةَ الإِْسْلاَمِيَّةَ لاَ تُقْدِمُ عَلَى فَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى الأَْفْرَادِ إِلاَّ بَعْدَ تَخْيِيرِهِمْ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَالْجِزْيَةِ، وَهِيَ تُفَضِّل دُخُول أَهْل الْبِلاَدِ الْمَفْتُوحَةِ فِي الإِْسْلاَمِ وَإِعْفَاءَهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْكُفْرِ وَدَفْعِ الْجِزْيَةِ؛ لأَِنَّهَا دَوْلَةُ هِدَايَةٍ لاَ جِبَايَةٍ.
جَاءَ فِي تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ قَال: " كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. . فَاعْرِضْ عَلَى صَاحِبِ الإِْسْكَنْدَرِيَّةِ أَنْ يُعْطِيَكَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ تُخَيِّرُوا مَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ سَبْيِهِمْ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَبَيْنَ دِينِ قَوْمِهِ، فَمَنِ اخْتَارَ مِنْهُمُ الإِْسْلاَمَ فَهُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنِ اخْتَارَ دِينَ قَوْمِهِ وُضِعَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ مَا يُوضَعُ عَلَى أَهْل دِينِهِ " ثُمَّ قَال: " فَجَمَعْنَا مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ السَّبَايَا وَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى، فَجَعَلْنَا نَأْتِي بِالرَّجُل مِمَّنْ فِي أَيْدِينَا، ثُمَّ نُخَيِّرُهُ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَبَيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَإِذَا اخْتَارَ الإِْسْلاَمَ كَبَّرْنَا تَكْبِيرَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ تَكْبِيرِنَا حِينَ نَفْتَحُ الْقَرْيَةَ، ثُمَّ نَحُوزُهُ إِلَيْنَا. وَإِذَا اخْتَارَ النَّصْرَانِيَّةَ نَخَرَتِ النَّصَارَى - أَيْ أَخْرَجُوا أَصْوَاتًا مِنْ أُنُوفِهِمْ - ثُمَّ حَازُوهُ إِلَيْهِمْ وَوَضَعْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَجَزِعْنَا مِنْ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّهُ رَجُلٌ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْهِمْ. . فَكَانَ ذَلِكَ الدَّأْبُ حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهُمْ (56) ". أَنْوَاعُ الْجِزْيَةِ:
قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْجِزْيَةَ - بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ - إِلَى أَقْسَامٍ، فَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ رِضَا الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَعَدَمِ رِضَاهُ - إِلَى صُلْحِيَّةٍ وَعَنْوِيَّةٍ.
وَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا: هَل تَكُونُ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى الأَْمْوَال الَّتِي يَكْتَسِبُهَا الذِّمِّيُّ؟ إِلَى جِزْيَةِ رُءُوسٍ وَجِزْيَةٍ عُشْرِيَّةٍ.
وَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إِلَى طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَوْصَافِهِمْ وَعَدَمِ النَّظَرِ إِلَيْهَا - إِلَى جِزْيَةِ أَشْخَاصٍ، وَجِزْيَةِ طَبَقَاتٍ أَوْ أَوْصَافٍ.
أَوَّلاً - الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ وَالْعَنْوِيَّةُ:
16 - صَرَّحَ بِهَذَا التَّقْسِيمِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (57) ، وَلاَ يَرِدُ هَذَا التَّقْسِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ يَرَوْنَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ بِدُونِ رِضَاهُمْ (58) .
فَالْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ (59) . وَعَرَّفَهَا الْعَدَوِيُّ بِأَنَّهَا: مَا الْتَزَمَ كَافِرٌ قَبْل الاِسْتِعْلاَءِ عَلَيْهِ أَدَاءَهُ مُقَابِل إِبْقَائِهِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ (60) وَيُمَثَّل لِهَذَا النَّوْعِ بِمَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ النَّبِيِّ ﷺ لأَِهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ (61) ، وَكَذَا مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ عُمَرَ ﵁ لأَِهْل بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَأَمَّا الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ: فَهِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى أَهْل الْبِلاَدِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً بِدُونِ رِضَاهُمْ، فَيَضَعُهَا الإِْمَامُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ الَّذِينَ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَرْضِهِمْ (62) . وَقَدْ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا: " مَا لَزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لأَِمْنِهِ بِاسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ وَصَوْنِهِ، وَيُمَثَّل لِهَذَا النَّوْعِ بِمَا فَرَضَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ (63) .
الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَالْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ:
17 - تَفْتَرِقُ الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ عَنِ الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ وَهِيَ:
1 - الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ تُوضَعُ عَلَى أَهْل الصُّلْحِ مِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ طَلَبُوا بِاخْتِيَارِهِمْ وَرِضَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُصَالَحَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ.
أَمَّا الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ بِدُونِ رِضَاهُمْ.
2 - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ مُحَدَّدَةُ الْمِقْدَارِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَنُبَيِّنُ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ. أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا تَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِتِّفَاقُ.
3 - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ يُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ كَالْعَقْل وَالْبُلُوغِ وَالذُّكُورَةِ أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ لَهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ، فَإِذَا صَالَحَ الإِْمَامُ أَهْل بَلَدٍ عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ أَوْلاَدِهِمُ الصِّغَارِ، وَعَنِ النِّسَاءِ جَازَ لِلإِْمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ.
4 - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ تُضْرَبُ عَلَى الأَْشْخَاصِ وَلاَ تُضْرَبُ عَلَى الأَْمْوَال، أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ تُضْرَبَ عَلَى الأَْمْوَال كَمَا تُضْرَبُ عَلَى الأَْشْخَاصِ، فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى الْمَاشِيَةِ وَأَرْبَاحِ الْمِهَنِ الْحُرَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
5 - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ تُضْرَبُ عَلَى الأَْشْخَاصِ تَفْصِيلاً وَلاَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ إِجْمَالاً، أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ إِجْمَالاً وَتَفْصِيلاً، فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى أَهْل بَلَدٍ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كُل سَنَةٍ، كَالصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَهْل نَجْرَانَ، فَقَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي السَّنَةِ.ثَانِيًا - جِزْيَةُ الرُّءُوسِ، وَالْجِزْيَةُ عَلَى الأَْمْوَال:
قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْجِزْيَةَ - بِاعْتِبَارِ الْمَحَل الَّذِي تَجِبُ فِيهِ - إِلَى جِزْيَةِ رُءُوسٍ وَجِزْيَةٍ عَلَى الأَْمْوَال.
18 - فَجِزْيَةُ الرُّءُوسِ تُوضَعُ عَلَى الأَْشْخَاصِ: كَدِينَارٍ عَلَى كُل شَخْصٍ، وَمِنْ ذَلِكَ جِزْيَةُ أَهْل الْيَمَنِ، حَيْثُ وَضَعَ الرَّسُول ﷺ عَلَى كُل حَالِمٍ دِينَارًا (64) .
وَالْجِزْيَةُ الْعُشْرِيَّةُ: مَا يُفْرَضُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمْ: كَالْعُشْرِ أَوْ نِصْفِ الْعُشْرِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِهْل " مَقْنَا (65) " عَلَى رُبُعِ عَرُوكِهِمْ (66) وَغُزُولِهِمْ وَرُبُعِ ثِمَارِهِمْ (67) .
وَكَذَا مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ عُمَرَ ﵁ لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى نِصْفِ عُشْرِ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ ضِعْفِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ (68) . فَالْجِزْيَةُ الْعُشْرِيَّةُ - بِهَذَا الْوَصْفِ - تَدْخُل تَحْتَ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ الَّتِي تَتِمُّ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَبَيْنَ أَهْل الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَمَا يَجُوزُ عَلَى أَشْخَاصِهِمْ. وَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا إِلَى مُصْطَلَحِ: (عُشْرٌ) .
طَبِيعَةُ الْجِزْيَةِ:
19 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْجِزْيَةِ، هَل هِيَ عُقُوبَةٌ عَلَى الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، أَمْ أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ مُعَوَّضٍ، أَمْ أَنَّهَا صِلَةٌ مَالِيَّةٌ وَلَيْسَتْ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ؟
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا لاَ تُقْبَل مِنَ الذِّمِّيِّ إِذَا بَعَثَ بِهَا مَعَ شَخْصٍ آخَرَ، بَل يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ، فَيُعْطِي قَائِمًا وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ (69) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (70) } .
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: {عَنْ يَدٍ} - يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَنِيبٍ فِيهَا أَحَدًا (71) . فَلاَ بُدَّ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَهُوَ بِحَالَةِ الذُّل وَالصَّغَارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَزَاءِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الثَّوَابِ بِسَبَبِ الطَّاعَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْعُقُوبَةِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ. وَلاَ شَكَّ فِي انْتِفَاءِ الأَْوَّل، لأَِنَّ الْكُفْرَ مَعْصِيَةٌ وَشَرٌّ، وَلَيْسَ طَاعَةً فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلْجَزَاءِ: وَهُوَ الْعُقُوبَةُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ (72) . قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاسْتَدَل عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ بِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَهُوَ جِنَايَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسَبِّبُهَا عُقُوبَةً، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَهُمُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلاَءُ الْمُقَاتِلُونَ (73) .
وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ابْتِدَاءً هُوَ الْقَتْل عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، فَلَمَّا دُفِعَ عَنْهُمُ الْقَتْل بِعَقْدِ الذِّمَّةِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْجِزْيَةَ، صَارَتِ الْجِزْيَةُ عُقُوبَةً بَدَل عُقُوبَةِ الْقَتْل.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ عِوَضًا عَنْ مُعَوَّضٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُعَوَّضِ الَّذِي تَجِبُ الْجِزْيَةُ بَدَلاً عَنْهُ.
فَقَال بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: الْجِزْيَةُ تَجِبُ عِوَضًا عَنِ النُّصْرَةِ: وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ نُصْرَةَ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحِمَايَةِ دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالدِّفَاعِ عَنْهَا. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النُّصْرَةَ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ رَعَايَا الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ وَمِنْهُمْ أَهْل الذِّمَّةِ.
فَالْمُسْلِمُونَ يَقُومُونَ بِنُصْرَةِ الْمُقَاتِلَةِ: إِمَّا بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِمَّا بِأَمْوَالِهِمْ، فَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَيُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيل اللَّهِ، قَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَل أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (74) } .
وَلَمَّا فَاتَتِ النُّصْرَةُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ بِأَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ إِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمُ النُّصْرَةُ بِالْمَال: وَهِيَ الْجِزْيَةُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: الْجِزْيَةُ تَجِبُ بَدَلاً عَنِ الْعِصْمَةِ أَوْ حَقْنِ الدَّمِ، كَمَا تَجِبُ عِوَضًا عَنْ سُكْنَى دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالإِْقَامَةِ فِيهَا.
فَإِذَا كَانَتْ عِوَضًا عَنِ الْعِصْمَةِ وَحَقْنِ الدَّمِ تَكُونُ فِي مَعْنَى بَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ.
وَإِذَا كَانَتْ عِوَضًا عَنِ السُّكْنَى فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالإِْقَامَةِ فِيهَا، تَكُونُ فِي مَعْنَى بَدَل الإِْجَارَةِ (75) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهَا بَدَلاً عَنِ الْعِصْمَةِ أَوْ حَقْنِ الدَّمِ بِآيَةِ الْجِزْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى دِمَاءَ الْكُفَّارِ ثُمَّ حَقَنَهَا بِالْجِزْيَةِ، فَكَانَتِ الْجِزْيَةُ عِوَضًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهَا عِوَضًا عَنْ سُكْنَى الدَّارِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مَعَ الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْخُضُوعِ لأَِحْكَامِ الإِْسْلاَمِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لاَ يُقَرُّونَ فِي دَارِنَا، وَلاَ يَصِيرُونَ مِنْ أَهْل تِلْكَ الدَّارِ إِلاَّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ. فَتَكُونُ الْجِزْيَةُ بِذَلِكَ بَدَلاً عَنْ سُكْنَى دَارِ الإِْسْلاَمِ.
وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الْقَوْل مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ صِلَةٌ مَالِيَّةٌ تَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ، وَلَيْسَتْ بَدَلاً عَنْ شَيْءٍ، فَهِيَ لَيْسَتْ بَدَلاً عَنْ حَقْنِ الدَّمِ؛ لأَِنَّ قَتْل الْكَافِرِ جَزَاءٌ مُسْتَحَقٌّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ أَصْلاً كَالْحُدُودِ، وَلِذَا لاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ قَبْل الأَْدَاءِ. وَهِيَ لَيْسَتْ بَدَلاً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ؛ لأَِنَّ الذِّمِّيَّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ (76) . عَقْدُ الذِّمَّةِ:
20 - يَتَرَتَّبُ عَلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ لُزُومُ الْجِزْيَةِ لأَِهْل الذِّمَّةِ.
فَعَقْدُ الذِّمَّةِ هُوَ: الْتِزَامُ تَقْرِيرِ الْكُفَّارِ فِي دَارِنَا وَحِمَايَتِنَا لَهُمْ، وَالذَّبِّ عَنْهُمْ بِشَرْطِ بَذْل الْجِزْيَةِ (77) .
إِجَابَةُ الْكَافِرِ إِلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ:
21 - قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا طَلَبَتْ طَائِفَةٌ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَكَانَتْ مِمَّنْ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ بِالْجِزْيَةِ وَجَبَتْ إِجَابَتُهُمْ مَا لَمْ تُخَفْ غَائِلَتُهُمْ، أَيْ غَدْرُهُمْ بِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الإِْقَامَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ عَقْدُهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَيْنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ} . {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (78) } فَجَعَل إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ فَمَتَى بَذَلُوهَا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ. وَبِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فَادْعُهُمْ إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ (79) } .
وَفِي كِتَابِ (الْبَيَانِ) وَغَيْرِهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ فِيهَا مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْهُدْنَةِ (80) .
رُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ:
22 - وَرُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ: إِيجَابٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَصِيغَتُهُ إِمَّا لَفْظٌ صَرِيحٌ يَدُل عَلَيْهِ مِثْل لَفْظِ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ عَلَى أُسُسٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِمَّا فِعْلٌ يَدُل عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ، كَأَنْ يَدْخُل حَرْبِيٌّ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ وَيَمْكُثَ فِيهَا سَنَةً، فَيُطْلَبُ مِنْهُ إِمَّا أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُصْبِحَ ذِمِّيًّا.
وَأَمَّا الْقَبُول فَيَكُونُ مِنْ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، وَلِذَا لَوْ قَبِل عَقْدَ الذِّمَّةِ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ عَقْدِ الأَْمَانِ لاَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَيُمْنَعُ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنَ الْقَتْل وَالأَْسْرِ (81) .
23 - وَيُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ التَّأْبِيدُ: فَإِنْ وُقِّتَ الصُّلْحُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِعِصْمَةِ الإِْنْسَانِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ بَدِيلٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَالإِْسْلاَمُ مُؤَبَّدٌ، فَكَذَا بَدِيلُهُ، وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ. وَهَذَا شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (82) .
وَعَقْدُ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ لاَ يَمْلِكُ الْمُسْلِمُونَ نَقْضَهُ مَا دَامَ الطَّرَفُ الآْخَرُ مُلْتَزِمًا بِهِ، وَيَنْتَقِضُ مِنْ قِبَل أَهْل الذِّمَّةِ بِأُمُورٍ اخْتُلِفَ فِيهَا، وَلاَ يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْتِزَامَ الْجِزْيَةِ بَاقٍ، وَيَسْتَطِيعُ الْحَاكِمُ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَى أَدَائِهَا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْمُخَالَفَاتِ فَهِيَ مَعَاصٍ ارْتَكَبُوهَا، وَهِيَ دُونَ الْكُفْرِ، وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى (83) .
فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوْ بِالاِجْتِمَاعِ عَلَى قِتَال الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ، أَوْ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَتْل مُسْلِمٍ أَوِ الزِّنَا بِمُسْلِمَةٍ، أَوْ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِطْلاَعِ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الأُْمُورِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِقِتَالِهِمْ لَنَا أَوِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا لَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ دَل أَهْل الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِْسْلاَمِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ الرَّسُول ﷺ بِسُوءٍ فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ وَإِلاَّ فَلاَ يَنْتَقِضُ.
وَيَنْتَقِضُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَحَدِ أُمُورِ ثَلاَثَةٍ: وَهِيَ أَنْ يُسْلِمَ الذِّمِّيُّ، أَوْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَغْلِبَ الذِّمِّيُّونَ عَلَى مَوْضِعٍ فَيُحَارِبُونَنَا (84) .
مَحَل الْجِزْيَةِ:
24 - الْجِزْيَةُ تُفْرَضُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْتَأْمَنِ الَّذِي يَدْخُل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِعَقْدِ أَمَانٍ مُؤَقَّتٍ لِقَضَاءِ غَرَضٍ ثُمَّ يَرْجِعُ، قَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا أَطَال الْمُسْتَأْمَنُ الْمُقَامَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَيُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوْلاً وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ.
فَمَحَل الْجِزْيَةِ إِذَا هَمَّ الذِّمِّيُّونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ إِقَامَةً دَائِمَةً أَوْ طَوِيلَةً، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الذِّمِّيِّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الإِْقَامَةُ بِالْجِزْيَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي يُسْمَحُ لَهَا بِالإِْقَامَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَالَّتِي تُقْبَل مِنْهَا الْجِزْيَةُ (85) .
الطَّوَائِفُ الَّتِي تُقْبَل مِنْهَا الْجِزْيَةُ:
25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَوْصَافِ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ الَّذِينَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.
أَهْل الْكِتَابِ:
26 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِأَهْل الْكِتَابِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ: كُل مَنْ يُؤْمِنُ بِنَبِيٍّ وَيُقِرُّ بِكِتَابٍ، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ آمَنَ بِزَبُورِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ دِينًا سَمَاوِيًّا مُنَزَّلاً بِكِتَابٍ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِجَمِيعِ فِرَقِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لاَ يُؤْمِنُ إِلاَّ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُدَ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِل الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (86) } فَالطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ أُنْزِل عَلَيْهِمَا الْكِتَابُ مِنْ قَبْلِنَا هُمَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَأَمَّا صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ فَقَدْ كَانَتْ مَوَاعِظَ وَأَمْثَالاً لاَ أَحْكَامَ فِيهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَحْكَامٍ. قَال الشِّهْرِسْتَانِيُّ: أَهْل الْكِتَابِ: الْخَارِجُونَ عَنِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، مِمَّنْ يَقُول بِشَرِيعَةٍ وَأَحْكَامٍ وَحُدُودٍ وَأَعْلاَمٍ. . . وَمَا كَانَ يَنْزِل عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَا كَانَ يُسَمَّى كِتَابًا، بَل صُحُفًا (87) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي: (يَهُودٌ) (وَنَصَارَى) .
أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ:
27 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَجَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ (88) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِإِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (89) } .
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ، فَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ، وَأُكَيْدِرِ دَوْمَةِ الْجَنْدَل.
فَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال: " أَوَّل مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْل نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى (90) " وَأَهْل نَجْرَانَ عَرَبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
وَقَدْ كَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مُعَاذٍ - وَهُوَ بِالْيَمَنِ - أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ (91) ، وَلاَ يُفْتَنُ يَهُودِيٌّ عَنْ يَهُودِيَّتِهِ (92) . قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ قَبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ وَهُمْ عَرَبٌ إِذْ كَانُوا أَهْل كِتَابٍ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالإِْجْمَاعِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قَبِلاَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ. فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ كَانُوا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ (93) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ.
وَقَدْ نَسَبَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (94) .
الْمَجُوسُ:
28 - وَالْمَجُوسُ هُمْ عَبَدَةُ النَّارِ الْقَائِلُونَ أَنَّ لِلْعَالَمِ أَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ مُدَبِّرَيْنِ، يَقْتَسِمَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ، وَالصَّلاَحَ وَالْفَسَادَ، أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالآْخَرُ الظُّلْمَةُ. وَفِي الْفَارِسِيَّةِ " يَزْدَانَ " " وَأَهْرَمَنَ (95) ". وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا (96) .
29 - وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ أَوِ الْبَحْرَيْنِ. رَوَى ابْنُ زَنْجُوَيْهِ - بِسَنَدِهِ - إِلَى الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَال: كَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ. فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِل مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ لاَ يُؤْكَل لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلاَ تُنْكَحَ لَهُمُ امْرَأَةٌ (97) .
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَال: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ أَنِّي لَسَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ. (98) } .
قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مِنَ الْكَلاَمِ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ؛ لأَِنَّ الْمُرَادَ سُنَّةُ أَهْل الْكِتَابِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَقَطْ، أَيْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، وَلاَ تُؤْكَل ذَبَائِحُهُمْ وَلاَ تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ (99) .
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسٍ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ الْبَرْبَرِ (100) .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَعَمِل بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلاَ مُخَالِفٍ. وَقَدْ نَقَل هَذَا الإِْجْمَاعَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ: مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ قُدَامَةَ (101) .
وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيُّ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ إِلاَّ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلاَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (102) } الآْيَةَ.
فَإِنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّ غَيْرَ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ لاَ يُشَارِكُونَهُمْ فِي حُكْمِ الآْيَةِ (103) .
وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ الْمَالِكِيُّ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ الْعَرَبِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ مَجُوسٌ إِلاَّ وَجَمِيعُهُمْ أَسْلَمَ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بِخِلاَفِ الإِْسْلاَمِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ.
وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (104) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَجُوسٌ) .
قَبُول الْجِزْيَةِ مِنَ الصَّابِئَةِ:
30 - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّابِئَةَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ لأَِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَلاَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَلَكِنْ يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةَ فِي اسْتِقْبَالِهَا.
وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْل أَبِي الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالضَّحَّاكِ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ (105) .
وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْل كِتَابٍ، لأَِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَعَابِدُ الْكَوَاكِبِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ إِذَا كَانُوا مِنَ الْعَجَمِ (106) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ مُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ، وَأَنَّهَا فَعَّالَةٌ، فَلَيْسُوا أَهْل كِتَابٍ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، لأَِنَّهَا تُقْبَل مِنْ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ عِنْدَ مَالِكٍ (107) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ أَحَدَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ فِي تَدَيُّنِهِمْ وَكِتَابِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ إِذَا أَقَرَّ النَّصَارَى بِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ، فَإِنْ كَفَّرُوهُمْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ (108) . وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُمْ مِنَ النَّصَارَى؛ لأَِنَّهُمْ يَدِينُونَ بِالإِْنْجِيل. وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَالنَّصَارَى.
وَذَهَبَ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ إِلَى أَنَّهُمْ مِنَ الْيَهُودِ لأَِنَّهُمْ يُسْبِتُونَ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: هُمْ يُسْبِتُونَ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْيَهُودِ (109) .
وَالتَّفْصِيل فِي: (صَابِئَةٌ) .
أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:
31 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنَ الْعَجَمِ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا (110) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (111) } .
فَالآْيَةُ تَقْضِي بِجَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَلاَ دَلاَلَةَ لِلَّفْظِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (112) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ - بِسَنَدِهِ - إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَال لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (113) .
فَالْحَدِيثُ عَامٌّ يَقْتَضِي عَدَمَ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلاَّ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ، فَلاَ تُقْبَل الْجِزْيَةُ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا وَلأَِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدِّمَةٌ (سَابِقَةٌ) مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ حُرْمَةَ لِمُعْتَقَدِهِمْ (114) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَخَذَ بِهَا هُوَ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَكَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنَ الْمُشْرِكِينَ إلاَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ (115) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (116) } فَهُوَ خَاصٌّ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، لأَِنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (117) .} وَهِيَ الأَْشْهُرُ الأَْرْبَعَةُ الَّتِي كَانَ الْعَرَبُ يُحَرِّمُونَ الْقِتَال فِيهَا.
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذِ الْجِزْيَةَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ عَبَدَةَ الأَْوْثَانِ عَلَى الْجِزْيَةِ إلاَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْعَرَبِ (118) . وَقَال ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: " أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبَى أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَقْبَل مِنْهُمْ إلاَّ الإِْسْلاَمَ أَوِ السَّيْفَ (119) } .
وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول:
بِأَنَّ كُفْرَهُمْ قَدْ تَغَلَّظَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالْقُرْآنَ نَزَل بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِمَعَانِيهِ وَوُجُوهِ الْفَصَاحَةِ فِيهِ. وَكُل مَنْ تَغَلَّظَ كُفْرُهُ لاَ يُقْبَل مِنْهُ إلاَّ الإِْسْلاَمُ، أَوِ السَّيْفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَْعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (120) } أَيْ تُقَاتِلُونَهُمْ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا (121) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْوْزَاعِيِّ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَمِنْهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَعَبَدَةُ الأَْوْثَانِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ، أَمْ مِنَ الْعَجَمِ، وَسَوَاءٌ أَكَانُوا قُرَشِيِّينَ أَمْ غَيْرَ قُرَشِيِّينَ (122) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ. . . وَقَال: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ. وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ. فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ (123) وَذَكَرَ مِنْ هَذِهِ الْخِصَال الْجِزْيَةَ.
فَقَوْلُهُ ﷺ: عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ. وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا يَحْصُل الْمَقْصُودُ وَهُوَ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ؛ لأَِنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ بِغَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ. فَالْحَدِيثُ يُفِيدُ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ، وَإِذَا كَانَ عَامًّا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَأَهْل الْكِتَابِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِقَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ. وَنُقِل عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إلاَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا النَّقْل كُلٌّ مِنِ ابْنِ رُشْدٍ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَابْنِ الْجَهْمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (124) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَعْلِيل عَدَمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: فَعَلَّلَهُ ابْنُ الْجَهْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ إكْرَامٌ لَهُمْ، لِمَكَانِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَلَّلَهُ الْقَرَوِيُّونَ بِأَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ قَبْل تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى الشِّرْكِ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الشِّرْكِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَلاَ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ (125) .
أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ:
32 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل الْجِزْيَةُ مِنَ الْمُرْتَدِّ عَنِ الإِْسْلاَمِ (126) .
الأَْمَاكِنُ الَّتِي يُقَرُّ الْكَافِرُونَ فِيهَا بِالْجِزْيَةِ
:
33 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ بِالْجِزْيَةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ مَا عَدَا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ: وَهِيَ مِنْ أَقْصَى عَدَنِ أَبْيَنَ جَنُوبًا إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ شَمَالاً، وَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالاَهَا مِنْ سَاحِل الْبَحْرِ غَرْبًا إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ شَرْقًا (127) . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إقْرَارِهِمْ فِي بِلاَدِ الْحِجَازِ وَهِيَ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا (128) .
وَاخْتَلَفُوا فِي إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فِيمَا عَدَا بِلاَدِ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فِيمَا عَدَا بِلاَدَ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ لأَِنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ السُّكْنَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا (129) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: أَوْصَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ (130) . وَقَال يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَال: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ، وَقَال يَعْقُوبُ: وَالْعَرْجُ أَوَّل تِهَامَةَ.
فَقَوْلُهُ ﷺ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ يَدُل عَلَى وُجُوبِ إِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا. وَهُوَ عَامٌّ فِي كُل مُشْرِكٍ سَوَاءٌ أَكَانَ وَثَنِيًّا، أَمْ يَهُودِيًّا، أَمْ نَصْرَانِيًّا، أَمْ مَجُوسِيًّا.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ قَال: قَاتَل اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لاَ يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ} وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَال ابْنُ شِهَابٍ: فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ (131) .
وَبِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَلاَّ يَنْزِل بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ (132) .
وَبِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لأَُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لاَ أَدَعَ إلاَّ مُسْلِمًا (133) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى إِقْرَارِ مَنْ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ عَلَى السُّكْنَى فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فِيمَا عَدَا الْحِجَازَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَتَجُوزُ لَهُمْ سُكْنَى الْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِمَّا لاَ يَدْخُل فِي بِلاَدِ الْحِجَازِ (134) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل أَبِي عُبَيْدَةَ: كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْل الْحِجَازِ، وَأَهْل نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ (135) .
قَالُوا: فَقَوْلُهُ ﷺ: أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْل الْحِجَازِ يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَنْ تُقْبَل مِنْهُ الْجِزْيَةُ سُكْنَى الْحِجَازِ وَالإِْقَامَةُ فِيهِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى الإِْقَامَةِ فِيهِ بِجِزْيَةٍ، وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ كَانَ الصُّلْحُ فَاسِدًا. وَالْمُرَادُ بِالْحِجَازِ - كَمَا سَبَقَ - مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ أَخْرِجُوا أَهْل نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ بِلاَدَهُمْ - وَهِيَ الْيَمَنُ - مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلاَ يُحْدِثُوا حَدَثًا، وَلاَ يَأْكُلُوا الرِّبَا، فَأَكَلُوا الرِّبَا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِهَذَا السَّبَبِ، لاَ لِكَوْنِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لاَ تَصْلُحُ لِسُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ (136) .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ (137) .
وَلأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ أَجْلَى مَنْ كَانَ بِالْيَمَنِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَقَدْ أَجَلاَهُمْ عُمَرُ مِنَ الْحِجَازِ وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ (138) .
شُرُوطُ مَنْ تُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ:
34 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِفَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ عِدَّةَ شُرُوطٍ مِنْهَا: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْل، وَالذُّكُورَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ، وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ.
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ.
أَوَّلاً: الْبُلُوغُ:
35 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُضْرَبُ عَلَى صِبْيَانِ أَهْل الذِّمَّةِ (139) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ خِلاَفًا فِي هَذَا، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ، لاَ أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلاَفَهُمْ (140) وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (141) . . .} آيَةَ الْجِزْيَةِ.
فَالْمُقَاتَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْقِتَال تَسْتَدْعِي أَهْلِيَّةَ الْقِتَال مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلاً لِلْقِتَال، وَالصِّبْيَانُ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ (142)
وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ. حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ.
وَالْحَالِمُ: مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ بِالاِحْتِلاَمِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ، فَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ.
وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ أَنْ يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ وَلاَ يَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلاَ يَضْرِبُوهَا إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى (143) .
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فِي مَعْنَى " مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى ": يَعْنِي مَنْ أَنْبَتَ، وَقَال فِي وَجْهِ الاِسْتِدْلاَل بِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الأَْصْل فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَمَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَى الذُّكُورِ الْمُدْرِكِينَ دُونَ الإِْنَاثِ وَالأَْطْفَال، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عَلَيْهِمُ الْقَتْل لَوْ لَمْ يُؤَدُّوهَا، وَأَسْقَطَهَا عَمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْل وَهُمُ الذُّرِّيَّةُ (144) .
وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَعَمِل بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ (145) .
فَقَدْ صَالَحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَهْل بُصْرَى عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا وَجَرِيبَ حِنْطَةٍ، وَصَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْل أَنْطَاكِيَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلاَءِ، فَجَلاَ بَعْضُهُمْ وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ، فَأَمَّنَهُمْ وَوَضَعَ عَلَى كُل حَالِمٍ مِنْهُمْ دِينَارًا وَجَرِيبًا. وَوَضَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى أَهْل مِصْرَ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ وَأَخْرَجَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ (146) وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَالصِّبْيَانُ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا (147) .
36 - وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَهَل يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ أَمْ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل يَتَنَاوَل الْبَالِغِينَ وَمَنْ سَيَبْلُغُ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ، وَلَمْ يُفْرِدُوا كُل مَنْ بَلَغَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ (148) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَإِنِ اخْتَارَ الذِّمَّةَ عُقِدَتْ لَهُ، وَإِنِ اخْتَارَ اللَّحَاقَ لِمَأْمَنِهِ أُجِيبَ إِلَيْهِ (149) .
وَإِذَا كَانَ الْبُلُوغُ فِي أَوَّل حَوْل قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ، وَإِذَا كَانَتْ فِي أَثْنَائِهِ أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ بِقِسْطِهِ. ثَانِيًا: الْعَقْل:
37 - نَقَل ابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ مَجَانِينِ أَهْل الذِّمَّةِ (150) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا إجْمَاعٌ، لَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَ خِلاَفًا فِي الْمَجْنُونِ، وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ نَقْلاً عَنِ الْبَيَانِ وَجْهًا ضَعِيفًا لِلشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ كَالْمَرِيضِ وَالْهَرِمِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ (151) .
ثَالِثًا: الذُّكُورَةُ:
38 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُضْرَبُ عَلَى نِسَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ. لِمَا سَبَقَ مِنَ الأَْدِلَّةِ (152) . رَابِعًا: الْحُرِّيَّةُ:
39 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ أَهْل الذِّمَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مَمْلُوكًا لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ. وَقَدْ نَقَل هَذَا الاِتِّفَاقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ رُشْدٍ.
لأَِنَّ الْجِزْيَةَ شُرِعَتْ بَدَلاً عَنِ الْقَتْل فِي حَقِّهِمْ، وَعَنِ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، وَالْعَبْدُ مَحْقُونُ الدَّمِ بِدُونِ دَفْعِ الْجِزْيَةِ. وَالْعَبْدُ أَيْضًا لاَ تَلْزَمُهُ النُّصْرَةُ؛ لأَِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهَا، فَإِذَا امْتَنَعَ الأَْصْل فِي حَقِّهِ امْتَنَعَ الْبَدَل، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ (153) .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدٍ كَافِرٍ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ سَيِّدِهِ الْكَافِرِ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " لاَ تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْل الذِّمَّةِ، وَلاَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلاَ يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ (154) .
قَال أَحْمَدُ: أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ (155) .
وَلأَِنَّ الْعَبْدَ ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ كَالْحُرِّ (156) .
خَامِسًا: الْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ:
40 - اشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِوُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ الْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْعَمَل.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل (157) : وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى الْعَمَل. وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ لَهُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا (158) } وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل مِنَ الآْيَةِ أَنَّ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنِ الْكَسْبِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَدْفَعَ الْجِزْيَةَ، وَمَتَى كَانَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ فَلاَ يُكَلَّفُ بِهَا. وَقَدْ وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَال عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُكْتَسِبِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا (159) .
فَقَدْ فَرَضَهَا عُمَرُ ﵁ عَلَى طَبَقَاتٍ ثَلاَثٍ أَدْنَاهَا الْفَقِيرُ الْمُعْتَمِل، فَدَل بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ (160) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْجِزْيَةَ مَالٌ يَجِبُ بِحُلُول الْحَوْل، فَلاَ يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنِ الْكَسْبِ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ (161) . وَأَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الأَْدَاءِ مَعْذُورٌ شَرْعًا فِيمَا هُوَ حَقُّ الْعِبَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ (162) } فَفِي الْجِزْيَةِ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل، كَمَا تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل، إِلاَّ أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَمِل تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ، فَإِذَا أَيْسَرَ طُولِبَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (163) } وَعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ: أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا (164) .
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنِ الْقَتْل، وَالسُّكْنَى فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَلَمْ يُفَارِقِ الْمَعْذُورُ فِيهَا غَيْرَهُ، فَتُؤْخَذُ مِنَ الْفَقِيرِ كَمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيِّ (165) .
سَادِسًا: أَلاَ يَكُونَ مِنَ الرُّهْبَانِ الْمُنْقَطِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فِي الصَّوَامِعِ:
41 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرُّهْبَانَ الْمُخَالِطِينَ لِلنَّاسِ، وَالْمُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ وَالْمَكَايِدِ الْحَرْبِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَهُمْ أَوْلَى بِهَا مِنْ عَوَامِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ رُءُوسُ الْكُفْرِ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ عُلَمَائِهِمْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ انْقَطَعُوا لِلْعِبَادَةِ فِي الصَّوَامِعِ، وَلَمْ يُخَالِطُوا النَّاسَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ.
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُفْرَضُ عَلَيْهِمْ. وَسَوَاءٌ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْعَمَل أَمْ غَيْرَ قَادِرِينَ؛ لأَِنَّ الرُّهْبَانَ لاَ يُقْتَلُونَ وَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، لِمَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الشَّامِ: " لاَ تَقْتُل صَبِيًّا وَلاَ امْرَأَةً وَسَتَمُرُّونَ عَلَى أَقْوَامٍ فِي الصَّوَامِعِ احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعْهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمُ اللَّهُ عَلَى ضَلاَلَتِهِمْ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ.
فَإِذَا كَانَ الرَّاهِبُ لاَ يُقْتَل فَهُوَ مَحْقُونُ الدَّمِ بِدُونِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِحَقْنِ الدَّمِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، كَمَا لاَ تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ؛ وَلأَِنَّ الرَّاهِبَ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَرَاءِ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا تُرِكَ لَهُ مِنَ الْمَال الْيَسِيرُ (166) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ إِذَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْعَمَل. قَال أَبُو يُوسُفَ: " الْمُتَرَهِّبُونَ الَّذِينَ فِي الدِّيَارَاتِ إِذَا كَانَ لَهُمْ يَسَارٌ أُخِذَ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا هُمْ مَسَاكِينُ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ أَهْل الْيَسَارِ مِنْهُمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ أَهْل الصَّوَامِعِ إِنْ كَانَ لَهُمْ غِنًى وَيَسَارٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ صَيَّرُوا مَا كَانَ لَهُمْ لِمَنْ يُنْفِقُهُ عَلَى الدِّيَارَاتِ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْمُتَرَهِّبِينَ وَالْقُوَّامِ أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ ".
وَقَدِ اسْتَدَل مَنْ قَيَّدَ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنَ الرُّهْبَانِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَل بِأَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل - أَنَّ الْمُعْتَمِل إِذَا تَرَكَ الْعَمَل تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، فَكَذَلِكَ الرَّاهِبُ الْقَادِرُ عَلَى الْعَمَل.
وَالثَّانِي: أَنَّ الأَْرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ الصَّالِحَةَ لِلزِّرَاعَةِ لاَ يَسْقُطُ عَنْهَا الْخَرَاجُ بِتَعْطِيل الْمَالِكِ لَهَا عَنِ الزِّرَاعَةِ، فَكَذَلِكَ الرَّاهِبُ الْقَادِرُ عَلَى الْعَمَل لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ إِذَا تَرَكَ الْعَمَل.
هَذَا بِالإِْضَافَةِ إِلَى الأَْدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَل بِهَاأَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الأَْوَّل عَلَى عَدَمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الرَّاهِبِ، فَقَدِ اسْتَدَل بِهَا أَصْحَابُ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَحَمَلُوهَا عَلَى الرَّاهِبِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل الَّذِي يَعِيشُ عَلَى صَدَقَاتِ الْمُوسِرِينَ (167) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الْمَعْمُول بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى الرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَنْقَطِعُونَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَْدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مُوسِرِينَ أَوْ غَيْرَ مُوسِرِينَ، قَادِرِينَ عَلَى الْعَمَل أَمْ غَيْرَ قَادِرِينَ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (168) } فَهُوَ يَشْمَل الرُّهْبَانَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْعَمَل وَغَيْرَ الْقَادِرِينَ، الْمُوسِرِينَ وَغَيْرَ الْمُوسِرِينَ. وَبِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُل بَالِغٍ كَحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ: أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا. وَحَدِيثِ عُمَرَ السَّابِقِ: وَلاَ يَضْرِبُوهَا إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى، وَبِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: " أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى رُهْبَانِ الدِّيَارَاتِ عَلَى كُل رَاهِبٍ دِينَارَيْنِ ". وَأَمَّا الْمَعْقُول فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ، وَالرَّاهِبُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لِحَقْنِ الدَّمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَالرَّاهِبُ كَغَيْرِهِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِالدَّارِ، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ (169) .
سَابِعًا: السَّلاَمَةُ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ:
42 - إِذَا أُصِيبَ الْمُطَالَبُ بِالْجِزْيَةِ بِعَاهَةٍ مُزْمِنَةٍ، كَالْمَرَضِ، أَوِ الْعَمَى، أَوِ الْكِبَرِ الْمُقْعِدِ عَنِ الْعَمَل وَالْقِتَال، فَهَل تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ أَمْ لاَ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ هَؤُلاَءِ وَلَوْ كَانُوا مُوسِرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ (170) } .
فَفَحْوَى الآْيَةِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْل الْقِتَال؛ لاِسْتِحَالَةِ الْخِطَابِ بِالأَْمْرِ بِقِتَال مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقِتَال، إِذِ الْقِتَال لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَمَنْ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ مِنَ الْمُحْتَرِفِينَ، وَلِذَلِكَ لاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْقِتَال: كَالأَْعْمَى وَالزَّمِنِ وَالْمَفْلُوجِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ الْفَانِي: سَوَاءٌ أَكَانَ مُوسِرًا أَمْ غَيْرَ مُوسِرٍ؛ وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِمَّنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ، وَهَؤُلاَءِ لاَ يُقْتَلُونَ (171) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ وَالشُّيُوخِ الْكِبَارِ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ (172) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ هَؤُلاَءِ الْمُصَابِينَ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ أَهْلٌ لِلْقِتَال، إِذْ إِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ إِذَا كَانُوا ذَوِي رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ وَالْقِتَال، فَتَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل، وَوُجُودُ الْمَال عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْمُصَابِينَ أَكْثَرُ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَل، فَتَجِبُ عَلَيْهِمِ الْجِزْيَةُ إِذَا كَانُوا مُوسِرِينَ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا مُعْسِرِينَ (173) .
وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ وَأَهْل الْحِيرَةِ: " وَجَعَلْتُ لَهُمْ أَيُّمَا شَيْخٍ ضَعُفَ عَنِ الْعَمَل، أَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ مِنَ الآْفَاتِ، أَوْ كَانَ غَنِيًّا فَافْتَقَرَ وَصَارَ أَهْل دَيْنِهِ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ طُرِحَتْ جِزْيَتُهُ، وَعِيل مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ وَعِيَالُهُ مَا أَقَامَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ خَرَجُوا إِلَى غَيْرِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الإِْسْلاَمِ فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّفَقَةُ عَلَى عِيَالِهِمْ (174) .
وَمَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الْمُصَابِينَ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُوسِرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (175) } فَهُوَ يَشْمَل الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانَ وَالشُّيُوخَ الْكِبَارَ.
وَبِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُل حَالِمٍ، كَحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ. الَّذِي أَمَرَهُ فِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، وَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ السَّابِقِ: وَلاَ يَضْرِبُوهَا إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى، وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ، وَهَؤُلاَءِ كَغَيْرِهِمْ فِي الاِنْتِفَاعِ بِحَقْنِ الدَّمِ، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ بِتِلْكَ الإِْصَابَاتِ، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَهَؤُلاَءِ كَغَيْرِهِمْ فِي الاِنْتِفَاعِ بِالدَّارِ، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا أَنَّ الأُْجْرَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنْ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ (176) .
ضَبْطُ أَسْمَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ وَصِفَاتِهِمْ فِي دِيوَانٍ:
43 - يَسْتَوْفِي الْعَامِل الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَفْقَ دِيوَانٍ يَشْتَمِل عَلَى أَسْمَائِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَمَا يَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ. قَال الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُهَذَّبِ: " وَيُثْبِتُ الإِْمَامُ عَدَدَ أَهْل الذِّمَّةِ وَأَسْمَاءَهُمْ، وَيُحَلِّيهِمْ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لاَ تَتَغَيَّرُ بِالأَْيَّامِ فَيَقُول: طَوِيلٌ، أَوْ قَصِيرٌ، أَوْ رَبْعَةٌ، وَأَبْيَضُ، أَوْ أَسْوَدُ، أَوْ أَسْمَرُ، أَوْ أَشْقَرُ، وَأَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، أَوْ مَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ، أَوْ أَقْنَى الأَْنْفِ.
وَيَكْتُبُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَجْعَل عَلَى كُل طَائِفَةٍ عَرِيفًا، لِيَجْمَعَهُمْ عِنْدَ أَخْذِ الْجِزْيَةِ، وَيَكْتُبُ مَنْ يَدْخُل مَعَهُمْ فِي الْجِزْيَةِ بِالْبُلُوغِ، وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْهُمْ بِالْمَوْتِ. (177) مِقْدَارُ الْجِزْيَةِ:
44 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ، وَجِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الإِْمَامُ وَضْعَهَا عَلَى الْكُفَّارِ إِذَا فَتَحَ بِلاَدَهُمْ عَنْوَةً.
فَالضَّرْبُ الأَْوَّل: الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُعَيَّنٌ بَل تَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِتِّفَاقُ بَيْنَ الإِْمَامِ وَأَهْل الذِّمَّةِ (178) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ مَقَادِيرِ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ مِنْ مَجْمُوعَةٍ إِلَى مَجْمُوعَةٍ أُخْرَى.
فَقَدْ صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالْبَقِيَّةُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، وَعَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ.
وَصَالَحَ عُمَرُ ﵁ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا ضِعْفَ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ التَّغْلِبِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ - أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا صَالَحَهُمْ - يَعْنِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ - عَلَى تَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ قَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ لاَ نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجَمُ، وَلَكِنْ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ - يَعْنُونَ الصَّدَقَةَ - فَقَال عُمَرُ ﵁: لاَ، هَذِهِ فَرْضُ الْمُسْلِمِينَ. قَالُوا: فَزِدْ مَا شِئْتَ بِهَذَا الاِسْمِ، لاَ بِاسْمِ الْجِزْيَةِ، فَفَعَل فَتَرَاضَى هُوَ وَهُمْ عَلَى أَنْ تُضَعَّفَ عَلَيْهِمِ الصَّدَقَةُ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: " سَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ (179) ".
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ وَهِيَ مُقَدَّرَةُ الأَْقَل وَالأَْكْثَرِ، فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَضَعَ فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَال عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا (180) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ: " وَنَصْبُ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لاَ يَكُونُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ عُمَرَ اعْتَمَدَ السَّمَاعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذْنَا بِهِ " (181) وَقَدْ فَعَل عُمَرُ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْجِزْيَةِ عَلَى خَرَاجِ الأَْرْضِ، فَقَدْ جَعَل الْخَرَاجَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّاقَةِ، وَاخْتَلَفَ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الأَْرْضِ وَطَاقَتِهَا الإِْنْتَاجِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَالإِْمْكَانِ، فَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ طَاقَةِ الشَّخْصِ وَإِمْكَانَاتِهِ الْمَالِيَّةِ.
وَبِأَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عِوَضًا عَنِ النُّصْرَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالنُّصْرَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَتَفَاوَتُ، فَالْفَقِيرُ يَنْصُرُ دَارَ الإِْسْلاَمِ رَاجِلاً، وَمُتَوَسِّطُ الْحَال يَنْصُرُهَا رَاجِلاً وَرَاكِبًا، وَالْمُوسِرُ يَنْصُرُهَا بِالرُّكُوبِ بِنَفْسِهِ وَإِرْكَابِ غَيْرِهِ. فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ الشَّخْصِ وَإِمْكَانَاتِهِ الْمَالِيَّةِ. (182)
45 - وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُرَادِ بِالْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَهُوَ فَقِيرٌ. وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَهُوَ مِنَ الأَْوَاسِطِ. وَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا، فَهُوَ مِنَ الأَْغْنِيَاءِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا قَالاَ: أَرْبَعَةُ آلاَفٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ كَنْزٌ.
وَالثَّانِي: مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ: مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا فَهُوَ فَقِيرٌ، وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إِلَى أَقَل مِنْ عَشَرَةِ آلاَفٍ فَهُوَ مِنَ الأَْوْسَاطِ، وَمَنْ مَلَكَ زِيَادَةً عَلَى عَشَرَةِ آلاَفٍ فَهُوَ مِنَ الأَْغْنِيَاءِ.
وَالثَّالِثُ: مَا قَالَهُ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ: مَنْ كَانَ يَمْلِكُ قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ وَزِيَادَةً فَهُوَ مُوسِرٌ، وَإِنْ مَلَكَ بِلاَ فَضْلٍ فَهُوَ الْوَسَطُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ فَهُوَ الْفَقِيرُ الْمُعْتَمِل أَوِ الْمُكْتَسِبُ.
وَالرَّابِعُ: مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ: " الْمُوسِرُ ": مِثْل الصَّيْرَفِيِّ، وَالْبَزَّازِ، وَصَاحِبِ الضَّيْعَةِ، وَالتَّاجِرِ، وَالْمُعَالِجِ، وَالطَّبِيبِ، وَكُل مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِيَدِهِ صِنَاعَةٌ وَتِجَارَةٌ يَحْتَرِفُ بِهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْل كُل صِنَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ عَلَى قَدْرِ صِنَاعَتِهِمْ وَتِجَارَتِهِمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنَ الْمُوسِرِ، وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا مِنَ الْوَسَطِ، مَنِ احْتَمَلَتْ صِنَاعَتُهُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمَنِ احْتَمَلَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا أُخِذَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى الْعَامِل بِيَدِهِ: مِثْل الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ وَالإِْسْكَافِ وَالْخَرَّازِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ. (183)
وَالْخَامِسُ: مَا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى عَادَةِ كُل بَلَدٍ فِي ذَلِكَ، فَصَاحِبُ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنَ الْمُكْثِرِينَ، وَفِي الْبَصْرَةِ لاَ يُعَدُّ مُكْثِرًا. فَهُوَ يُعْتَبَرُ فِي كُل بَلْدَةٍ عُرْفُهَا، فَمَنْ عَدَّهُ النَّاسُ فِي بَلَدِهِمْ فَقِيرًا، أَوْ وَسَطًا، أَوْ غَنِيًّا فَهُوَ كَذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال الْمَوْصِلِيُّ: " وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُنْظَرَ فِي كُل بَلَدٍ إِلَى حَال أَهْلِهِ، وَمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ عَادَةَ الْبِلاَدِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ ". (184)
46 - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ ضَرْبَانِ: صُلْحِيَّةٌ، وَعَنْوِيَّةٌ:
فَالضَّرْبُ الأَْوَّل: الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي عُقِدَتْ مَعَ الَّذِينَ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَبِلاَدَهُمْ مِنْ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْقِتَال، وَهِيَ تَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ. وَلاَ حَدَّ لأَِقَلِّهَا وَلاَ أَكْثَرِهَا عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الصُّلْحِيَّ إِنْ بَذَل الْقَدْرَ الَّذِي عَلَى الْعَنْوِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ الإِْمَامَ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةِ الْحَنَفِيَّةِ السَّابِقَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى أَهْل الْبِلاَدِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً، وَتُقَدَّرُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْل الذَّهَبِ، وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْل الْفِضَّةِ، بِلاَ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ. وَنَحْوُ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا أَنَّهَا عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ، وَهَذِهِ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَيُرْجَعُ إِلَى الْعُرْفِ مِنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الإِْمَامُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْل الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَمَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. قَال الْبَاجِيُّ الْمُرَادُ بِأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَقْوَاتُ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرَادُ بِالضِّيَافَةِ ضِيَافَةُ الْمُجْتَازِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِهَذَا الْمِقْدَارِ وَذَلِكَ لِمَا رَآهُ مِنَ الاِجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَاحْتِمَال أَحْوَال أَهْل الْجِزْيَةِ. (185) وَأَمَّا أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَالضِّيَافَةُ، فَقَدْ قَال مَالِكٌ: " أَرَى أَنْ تُوضَعَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ الضِّيَافَةُ وَالأَْرْزَاقُ، لِمَا حَدَثَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَوْرِ "، وَذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَنَقَل الدُّسُوقِيُّ عَنِ الْبَاجِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّهُ إِنِ انْتَفَى الظُّلْمُ فَلاَ تَسْقُطُ. (186)
47 - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ أَقَل الْجِزْيَةِ دِينَارٌ ذَهَبِيٌّ خَالِصٌ، وَلاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهَا، فَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ التَّرَاضِي مَعَ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَى أَقَل مِنْ دِينَارٍ فِي حَالَةِ الْقُوَّةِ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الدِّينَارِ، بَل تُسْتَحَبُّ الْمُمَاكَسَةُ فِي الزِّيَادَةِ: بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ إِنْ ظَنَّ إِجَابَتَهُمْ إِلَيْهَا، أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُمْ لاَ يُجِيبُونَهُ إِلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَلاَ مَعْنَى لِلْمُمَاكَسَةِ. وَفِي حَالَةِ الضَّعْفِ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ التَّرَاضِي مَعَ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَى أَقَل مِنَ الدِّينَارِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ: أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ.
فَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى تَقْدِيرِ الْجِزْيَةِ بِالدِّينَارِ مِنَ الذَّهَبِ عَلَى كُل حَالِمٍ، وَظَاهِرُ إِطْلاَقِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ غَنِيًّا أَمْ مُتَوَسِّطًا أَمْ فَقِيرًا.
وَقَدْ أَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَهْل " أَيْلَةَ "، حَيْثُ قَدِمَ يُوحَنَّا بْنُ رُؤْبَةَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ، وَصَالَحَهُ عَلَى كُل حَالِمٍ بِأَرْضِهِ فِي السَّنَةِ دِينَارًا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ قِرَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ أَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْل نَجْرَانَ أَلْفَيْ حُلَّةٍ نِصْفُهَا فِي صَفَرٍ وَالْبَقِيَّةُ فِي رَجَبٍ.
قَال الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْل الْعِلْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مِنْ أَهْل نَجْرَانَ يَذْكُرُ أَنَّ قِيمَةَ مَا أُخِذَ مِنْ كُل وَاحِدٍ دِينَارٌ. (187)
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِمَكَّةَ، يُقَال لَهُ مَوْهَبٌ دِينَارًا كُل سَنَةٍ وَاسْتَدَلُّوا لِجَوَازِ عَقْدِهَا مَعَ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَى أَقَل مِنْ دِينَارٍ فِي حَالَةِ الضَّعْفِ بِأَنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ شَرْعًا: " أَنَّ تَصَرُّفَ الإِْمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ " فَإِذَا كَانَ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ عَلَى أَقَل مِنْ دِينَارٍ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ (188) .
48 - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - نَقَلَهَا عَنْهُ الأَْثْرَمُ -: أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الْجِزْيَةِ إِلَى الإِْمَامِ، فَلَهُ أَنْ يُزِيدَ وَيُنْقِصَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ أَهْل الذِّمَّةِ، وَعَلَى مَا يَرَاهُ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَال الْمِرْدَاوِيُّ فِي الإِْنْصَافِ، وَقَال الْخَلاَّل: الْعَمَل فِي قَوْل أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيُنْقِصَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ، فَاسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (189) . فَلَفْظُ الْجِزْيَةِ فِي الآْيَةِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى عَلَى إِطْلاَقِهِ، غَيْرَ أَنَّ الإِْمَامَ لَمَّا كَانَ وَلِيَّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَهْل الذِّمَّةِ عَقْدًا عَلَى الْجِزْيَةِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَ الإِْمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ.
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا وَصَالَحَ أَهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالْبَاقِي فِي رَجَبٍ.
وَجَعَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلاَثِ طَبَقَاتٍ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى ضِعْفِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ.
فَهَذَا الاِخْتِلاَفُ يَدُل عَلَى أَنَّهَا إِلَى رَأْيِ الإِْمَامِ، لَوْلاَ ذَلِكَ لَكَانَتْ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْتَلِفَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْل الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْل الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَال: جُعِل ذَلِكَ مِنْ أَجَل الْيَسَارِ. (190)
وَلأَِنَّ الْمَال الْمَأْخُوذَ عَلَى الأَْمَانِ ضَرْبَانِ: هُدْنَةٌ وَجِزْيَةٌ، فَلَمَّا كَانَ الْمَأْخُوذُ هُدْنَةً إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَكَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةً. وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ، فَلَمْ تَتَقَدَّرْ بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ كَالأُْجْرَةِ (191) .
اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ:
وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ:
49 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ وَلاَ تَتَكَرَّرُ. وَالسَّنَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا هِيَ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ؛ لأَِنَّهَا هِيَ الْمُرَادَةُ شَرْعًا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، أَمَّا إِذَا عَيَّنَ الإِْمَامُ كَوْنَهَا شَمْسِيَّةً أَوْ قَمَرِيَّةً فَيَجِبُ اتِّبَاعُ مَا عَيَّنَهُ.
وَقْتُ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ:
50 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الاِلْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ عَقِبَ عَقْدِ الذِّمَّةِ مُبَاشَرَةً، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالأُْجْرَةِ، فَكَلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الْحَوْل اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْل، حَتَّى تَسْتَقِرَّ جِزْيَةُ الْحَوْل كُلِّهِ بِانْقِضَائِهِ؛ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ مَنْفَعَةِ حَقْنِ الدَّمِ، فَتَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَتَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالأُْجْرَةِ (192) . 51 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ وُجُوبِ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الأَْدَاءِ آخِرُ الْحَوْل (193) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجِزْيَةِ، فَقَدْ ضَرَبَهَا عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ وَالْمَجُوسِ بَعْدَ نُزُول آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِأَدَائِهَا فِي الْحَال، بَل كَانَ يَبْعَثُ رُسُلَهُ وَسُعَاتَهُ فِي آخِرِ الْحَوْل لِجِبَايَتِهَا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأَْنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْل الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ (194) .
وَتَدُل سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ وَالأُْمَرَاءِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَثُونَ الْجُبَاةَ فِي آخِرِ الْعَامِ لِجِبَايَةِ الْجِزْيَةِ. فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ بِمَالٍ كَثِيرٍ (195) .
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْل، فَوَجَبَ بِآخِرِهِ كَالزَّكَاةِ.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ جَزَاءً عَلَى تَأْمِينِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَلاَ تَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَتَحَقَّقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي طُول السَّنَةِ.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (196) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الأَْدَاءِ فِي أَوَّل السَّنَةِ، فَتَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا كَالصَّلاَةِ، وَلِلإِْمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ (197) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (198) .
فَجَعَل إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِرَفْعِ الْقِتَال عَنْهُمْ؛ لأَِنَّ غَايَةَ هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (199) وَقَدْ حَظَرَ إِبَاحَةَ قُرْبِهِنَّ إِلاَّ بَعْدَ وُجُودِ طُهْرِهِنَّ، وَكَذَلِكَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْل الْقَائِل لاَ تُعْطِ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُل الدَّارَ، مَنْعُ الإِْعْطَاءِ إِلاَّ بَعْدَ دُخُولِهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الآْيَةَ مُوجِبَةٌ لِقِتَال أَهْل الْكِتَابِ مُزِيلَةٌ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ (200) .
وَلِقَوْل النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُول رَبِّنَا ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ (201) فَوَقْتُ وُجُوبِ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَقِبَ الْعَقْدِ مُبَاشَرَةً.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلاً عَنِ الْقَتْل فِي حَقِّهِمْ، فَتَجِبُ فِي الْحَال كَالْوَاجِبِ بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ. وَلأَِنَّ الْمُعَوَّضَ قَدْ سُلِّمَ لَهُمْ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَحَقَّ الْعِوَضُ عَلَيْهِمْ كَالثَّمَنِ. وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلاً مِنَ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، وَهِيَ لاَ تَتَحَقَّقُ فِي الْمَاضِي، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْمُسْتَقْبَل؛ لأَِنَّ نُصْرَةَ الْمَاضِي يُسْتَغْنَى عَنْهَا بِانْقِضَائِهِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ إِيجَابُ الْجِزْيَةِ بَعْدَ الْحَوْل تَجِبُ فِي أَوَّلِهِ. (202)
تَعْجِيل الْجِزْيَةِ:
52 - الْمَقْصُودُ بِتَعْجِيل الْجِزْيَةِ: اسْتِيفَاؤُهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْل وَقْتِ وُجُوبِهَا بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَهَل يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَعْجِل أَخْذَ الْجِزْيَةِ أَوْ يَسْتَسْلِفَهَا؟
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ، إِلَى جَوَازِ تَعْجِيلِهَا لِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِرِضَا أَهْل الذِّمَّةِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِهَا وَذَلِكَ لأَِنَّهَا كَالْخَرَاجِ، وَلأَِنَّهَا عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ دِمَائِهِمْ فَأَشْبَهَتِ الأُْجْرَةَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اشْتِرَاطِ تَعْجِيلِهَا، وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بِرِضَا أَهْل الذِّمَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْجِزْيَةِ عَلَى الزَّكَاةِ، فَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الزَّكَاةَ إِلاَّ بِرِضَا رَبِّ الْمَال، بَل الْجِزْيَةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، لأَِنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلسُّقُوطِ قَبْل الْحَوْل وَبَعْدَهُ، فَتَسْقُطُ بِالإِْسْلاَمِ وَالْمَوْتِ أَثْنَاءَ السَّنَةِ وَتَتَدَاخَل بِالاِجْتِمَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (203) .
تَأْخِيرُ الْجِزْيَةِ:
53 - إِذَا تَأَخَّرَ الذِّمِّيُّ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا. فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَمَطَل بِهَا جَازَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا عُقُوبَتُهُمْ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ فَجَائِزٌ، فَأَمَّا مَعَ تَبَيُّنِ عَجْزِهِمْ فَلاَ تَحِل عُقُوبَتُهُمْ؛ لأَِنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْجِزْيَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ (204) .
مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ:
54 - الْجِزْيَةُ مِنَ الأَْمْوَال الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى أَمْرَهَا الأَْئِمَّةُ وَالسَّلاَطِينُ، فَالشَّرْعُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيل: يُقَدِّرُهَا الإِْمَامُ.
وَالإِْمَامُ يَعْقِدُ الذِّمَّةَ وَيُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ وَيَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ بِاجْتِهَادِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْمَامَ الْعَدْل وَكِيلٌ عَنِ الأُْمَّةِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَفِي تَدْبِيرِ شُئُونِهَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ: " الأَْمْوَال الَّتِي لِلأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: الأَْوَّل: مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَرِيقِ التَّطْهِيرِ لَهُمْ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ. وَالثَّانِي: الْغَنَائِمُ وَمَا يَحْصُل فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكَافِرِينَ بِالْحَرْبِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ. وَالثَّالِثُ: الْفَيْءُ، وَهُوَ مَا رَجَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكُفَّارِ عَفْوًا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَلاَ إِيجَافٍ كَالصُّلْحِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْعُشُورِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ (205) .
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَحَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ لِلإِْمَامِ، فَيُطَالِبُ بِهَا وَيَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ.
وَالإِْمَامُ الْمُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَادِلاً، أَوْ جَائِرًا ظَالِمًا، أَوْ بَاغِيًا، أَوْ خَارِجًا عَلَى إِمَامِ الْعَدْل، أَوْ مُحَارِبًا وَقَاطِعًا لِلطَّرِيقِ.
1 - حُكْمُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ إِلَى أَئِمَّةِ الْعَدْل:
54 م - الإِْمَامُ الْعَادِل: هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ لِلإِْمَامَةِ وَبَايَعُوهُ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ الأُْمَّةِ وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ ﷿.
فَإِذَا طَلَبَ مِنْ ذَوِي الأَْمْوَال مَالاً لاَ يَطْلُبُهُ إِلاَّ بِحَقٍّ، وَإِذَا قَسَمَ أَمْوَالاً عَامَّةً قَسَمَهَا وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ وَحَسَبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ (206) وَقَال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ " إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الْمَال بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَال: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ} (207) وَاللَّهِ مَا أَرَى أَرْضًا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَاةٌ فِي كُل يَوْمٍ إِلاَّ اسْتَسْرَعَ خَرَابُهَا.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إِذَا طَلَبَ الإِْمَامُ الْعَادِل الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ تَفْرِقَةُ خَرَاجِ رَأْسِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَدَّى شَخْصٌ الْجِزْيَةَ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْفَيْءِ بِنَفْسِهِ فَلِلإِْمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُ ثَانِيَةً؛ لأَِنَّ حَقَّ الأَْخْذِ لَهُ. (208)
2 - حُكْمُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ إِلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ:
55 - الإِْمَامُ الْجَائِرُ: هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ الأُْمَّةِ وَفْقَ هَوَاهُ، فَيَقَعُ مِنْهُ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ عَلَى النَّاسِ
وَإِذَا طَلَبَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا إِلَيْهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِذَا أَدَّى الذِّمِّيُّ الْجِزْيَةَ إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلاَ يُطَالَبُ بِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً مِنْ قِبَل الإِْمَامِ الْعَادِل.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا سَلاَطِينُ زَمَانِنَا الَّذِينَ أَخَذُوا الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورَ وَالْخَرَاجَ لاَ يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا، فَهَل تَسْقُطُ هَذِهِ الْحُقُوقُ عَنْ أَرْبَابِهَا؟
اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانُوا لاَ يَضَعُونَهَا فِي أَهْلِهَا، لأَِنَّ حَقَّ الأَْخْذِ لَهُمْ فَيَسْقُطُ عَنْهُ بِأَخْذِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا فَالْوَبَال عَلَيْهِمْ.
قَال الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَعِيدٍ: إِنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ، وَلاَ تَسْقُطُ الصَّدَقَاتُ لأَِنَّ الْخَرَاجَ يُصْرَفُ إِلَى الْمُقَاتِلَةِ، وَهُمْ يَصْرِفُونَ إِلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ الْعَدُوُّ فَإِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ وَيَذُبُّونَ عَنْ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الزَّكَوَاتُ وَالصَّدَقَاتُ فَإِنَّهُمْ لاَ يَضَعُونَهَا فِي أَهْلِهَا. (209)
وَاسْتَدَلُّوا لِوُجُوبِ طَاعَةِ الإِْمَامِ الْجَائِرِ فِي طَلَبِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ بِمَا يَلِي:
أ - مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل تَسُوسُهُمُ الأَْنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي. وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ وَيَكْثُرُونَ. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَال: أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَْوَّل فَالأَْوَّل، ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ (210) . قَال الشَّوْكَانِيُّ: فِي بَيَانِ مَعْنَى " أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ " - أَيِ ادْفَعُوا إِلَى الأُْمَرَاءِ حَقَّهُمُ الَّذِي لَهُمُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَقَبْضُهُ، سَوَاءٌ كَانَ يَخْتَصُّ بِهِمْ أَوْ يَعُمُّ، وَذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ كَالزَّكَاةِ، وَفِي الأَْنْفُسِ كَالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ. (211)
ب - وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: أَنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَال: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ (212) .
ج - وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ، أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (213) .
3 - دَفْعُ الْجِزْيَةِ إِلَى الْبُغَاةِ:
56 - الْبُغَاةُ: هُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى التَّأْوِيل وَيَخْرُجُونَ عَلَى الإِْمَامِ، أَوْ يَمْتَنِعُونَ عَنِ الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ، أَوْ يَمْنَعُونَ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ كَالزَّكَاةِ وَشِبْهِهَا، فَيُدْعَوْنَ إِلَى الرُّجُوعِ لِلْحَقِّ (214) . فَإِذَا غَلَبَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ وَنَصَبُوا إِمَامًا، فَجَبَى الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ بِدَفْعِهَا إِلَى الْبُغَاةِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْهُمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ (215) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ:
بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْل الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جُبِيَ مِنْهُمْ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلأَِنَّ حَقَّ الإِْمَامِ فِي الْجِبَايَةِ مَرْهُونٌ بِالْحِمَايَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عِنْدَ تَغَلُّبِ الْبُغَاةِ عَلَى بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ. (216)
وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ احْتِسَابِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً، فَإِنَّ الْبُغَاةَ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلاَدِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ وَتَتَجَمَّعُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ مَبَالِغُ طَائِلَةٌ لاَ يُطِيقُونَهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ دَفَعَ الْجِزْيَةَ إِلَى الْبُغَاةِ الإِْعَادَةُ، لأَِنَّهُ أَعْطَاهَا إِلَى مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ غَصْبًا. (217) 4 - حُكْمُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ إِلَى الْمُحَارِبِينَ " قُطَّاعِ الطُّرُقِ ":
57 - الْمُحَارِبُونَ: هُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلاَحِ فَيَغْصِبُونَ الْمَال مُجَاهَرَةً أَوْ يَقْتُلُونَ أَوْ يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ
فَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ، وَلَمْ تَسْقُطِ الْجِزْيَةُ عَنْهُمْ بِأَدَائِهَا إِلَى الْمُحَارِبِينَ؛ لأَِنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا (218) .
طُرُقُ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ:
58 - إِذَا كَانَ الإِْمَامُ هُوَ صَاحِبَ الْحَقِّ فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُ سَيُبَاشِرُ جَمِيعَ الأَْعْمَال الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ تَقْدِيرُهَا وَتَدْوِينُهَا وَجَمْعُهَا وَصَرْفُهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَصْعُبُ عَلَيْهِ وَلاَ يَسْتَطِيعُهُ، بَل يَعْنِي تَوْلِيَةَ مَنْ يَجْمَعُهَا وَالإِْشْرَافَ عَلَيْهَا وَمُتَابَعَةَ مَنْ يَقُومُ بِاسْتِيفَائِهَا وَصَرْفِهَا. وَمِنْ طُرُقِ الاِسْتِيفَاءِ الَّتِي كَانَتْ مُتَّبَعَةً فِي ذَلِكَ، الْعِمَالَةُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَالْقَبَالَةُ (التَّضْمِينُ) .
الطَّرِيقَةُ الأُْولَى:
الْعِمَالَةُ عَلَى الْجِزْيَةِ:
59 - الْعِمَالَةُ عَلَى الْجِزْيَةِ وِلاَيَةٌ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الإِْمَامِ يَتِمُّ بِمُقْتَضَاهَا اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ وَقَبْضُهَا. وَعَامِل الْجِزْيَةِ وَكِيلٌ عَنِ الإِْمَامِ فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ وَقَبْضِهَا، وَجِبَايَتُهُ لِلْجِزْيَةِ مُحَدَّدَةٌ بِمَا رَسَمَهُ لَهُ الإِْمَامُ، وَلِعَامِل الْجِزْيَةِ شُرُوطٌ أَهَمُّهَا: الإِْسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَالأَْمَانَةُ، وَالْكِفَايَةُ، وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ.
وَلِلتَّفْصِيل تُنْظَرُ الشُّرُوطُ الْمَطْلُوبَةُ فِي: (جِبَايَةٌ) .
مَا يُرَاعِيهِ الْعَامِل فِي جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ:
الرِّفْقُ بِأَهْل الذِّمَّةِ:
60 - لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّجَاهَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِعَامِل الْجِزْيَةِ أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا بِأَهْل الذِّمَّةِ عِنْدَ اسْتِيفَائِهِ لِلْجِزْيَةِ: بِأَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُمْ بِتَلَطُّفٍ دُونَ تَعْذِيبٍ أَوْ ضَرْبٍ، وَأَنْ يُؤَخِّرَهُمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ، وَأَنْ يُقَسِّطَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَقْبَل مِنْهُمُ الْقِيمَةَ بَدَلاً مِنَ الْعَيْنِ. وَالصَّغَارُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَهُمْ صَاغِرُونَ} مَعْنَاهُ عِنْدَهُمُ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ. (219)
وَالاِتِّجَاهُ الآْخَرُ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُسْتَوْفَى مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ بِإِهَانَةٍ وَإِذْلاَلٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . (220) الأَْمْوَال الَّتِي تُسْتَوْفَى مِنْهَا الْجِزْيَةُ:
61 - لاَ يَتَعَيَّنُ فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ ذَهَبٌ وَلاَ فِضَّةٌ وَلاَ نَوْعٌ بِعَيْنِهِ، بَل يَجُوزُ أَخْذُهَا مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّةِ: كَالسِّلاَحِ وَالثِّيَابِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ فِيمَا عَدَا ثَمَنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (221) وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - حَدِيثُ مُعَاذٍ السَّابِقِ: أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ (222) فَهُوَ يَدُل عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْقِيمَةِ فِي الْجِزْيَةِ مِنَ الثِّيَابِ الْمَصْنُوعَةِ بِالْيَمَنِ وَالْمَنْسُوبَةِ إِلَى قَبِيلَةِ مَعَافِرَ. قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " أَلاَ تَرَاهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُمُ الثِّيَابَ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ؟ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ الرِّفْقُ بِأَهْل الذِّمَّةِ، وَأَنْ لاَ يُبَاعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ شَيْءٌ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا سَهُل عَلَيْهِمْ بِالْقِيمَةِ. أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ ذِكْرُ الْعَدْل أَنَّهُ الْقِيمَةُ ". (223)
2 - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ أَهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالْبَاقِي فِي رَجَبٍ. (224)
3 - مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ النَّعَمَ فِي الْجِزْيَةِ (225) .
4 - مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُل ذِي صَنْعَةٍ مِنْ مَتَاعِهِ: مِنْ صَاحِبِ الإِْبَرِ إِبَرًا، وَمِنْ صَاحِبِ الْمَسَانِّ مَسَانًّا، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَال حِبَالاً.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ هَذَا مِنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ هَذِهِ الأَْمْتِعَةَ بِقِيمَتِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْهِمْ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَلاَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى بَيْعِهَا ثُمَّ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ، إِرَادَةَ الرِّفْقِ بِهِمْ وَالتَّخْفِيفَ عَلَيْهِمْ. (226)
اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ:
62 - اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَعْيَانِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لاَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمَالٌ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهَا فِي الْجِزْيَةِ. وَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إِذَا تَوَلَّى الذِّمِّيُّ بَيْعَهَا. (227)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - عَنْ سُوَيْدٌ بْنِ غَفَلَةَ قَال: " بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْخَنَازِيرِ، وَقَامَ بِلاَلٌ فَقَال: إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ، فَقَال عُمَرُ: لاَ تَفْعَلُوا: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ بِلاَلاً قَال لِعُمَرِ بْنَ الْخَطَّابِ: إِنَّ عُمَّالَكَ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَال: لاَ تَأْخُذُوا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنَ الثَّمَنِ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا، فَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ بِلاَلٌ، وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِهَا إِذَا كَانَ أَهْل الذِّمَّةِ هُمُ الْمُتَوَلِّينَ لِبَيْعِهَا؛ لأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّةِ وَلاَ تَكُونُ مَالاً لِلْمُسْلِمِينَ ". (228)
2 - وَلأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، فَجَازَ أَخْذُ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ كَثِيَابِهِمْ (229) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (230) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - رَوَى الْبَيْهَقِيُّ - بِسَنَدِهِ - إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ جَل ثَنَاؤُهُ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ (231) .
2 - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْل شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ (232) . 3 - وَلأَِنَّ ثَمَنَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِنَا فَحَرُمَ عَلَيْنَا أَخْذُ الثَّمَنِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ. (233)
تَأْخِيرُهُمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ:
63 - مِمَّا يُرَاعَى فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ تَأْخِيرُ مَنْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ، أَيْ حَتَّى تَنْضَجَ الثِّمَارُ، وَتُحْصَدَ الزُّرُوعُ فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ بَيْعِهَا وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - إِلَى سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: " قَدِمَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حُذَيْمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا أَتَاهُ عَلاَهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَال سَعِيدٌ: سَبَقَ سَيْلُكَ مَطَرَكَ، إِنْ تُعَاقِبْ نَصْبِرْ، وَإِنْ تَعْفُ نَشْكُرْ، وَإِنْ تَسْتَعْتِبْ نَعْتِبْ، فَقَال: مَا عَلَى الْمُسْلِمِ إِلاَّ هَذَا، مَا لَكَ تُبْطِئُ فِي الْخَرَاجِ؟ قَال: أَمَرْتَنَا أَلاَ نَزِيدَ الْفَلاَّحِينَ عَلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَلَسْنَا نَزِيدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّنَا نُؤَخِّرُهُمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ. فَقَال عُمَرُ: لاَ عَزَلْتُكَ مَا حَيِيتُ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا وَجْهُ التَّأْخِيرِ إِلَى الْغَلَّةِ الرِّفْقُ بِهِمْ، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي اسْتِيدَاءِ (234) الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ وَقْتًا مِنَ الزَّمَانِ يُجْتَبَى فِيهِ غَيْرَ هَذَا (235) . اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ عَلَى أَقْسَاطٍ:
64 - وَمِمَّا يُرَاعَى فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ عَلَى أَقْسَاطٍ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ شَهْرِيًّا مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ.
قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: " يَأْخُذُ فِي كُل شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ - أَيْ عَلَى الْغَنِيِّ - لأَِجْل التَّسْهِيل عَلَيْهِ ".
وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: " يُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُل شَهْرٍ دِرْهَمٌ، ثُمَّ قَال: نُقِل ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَاتِرُونَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَظَاهِرُ كَلاَمِ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً كُل عَامٍ (236) .
كِتَابَةُ عَامِل الْجِزْيَةِ بَرَاءَةً لِلذِّمِّيِّ:
65 - إِذَا اسْتُوْفِيَتِ الْجِزْيَةُ كُتِبَ لِلذِّمِّيِّ بَرَاءَةٌ، لِتَكُونَ حُجَّةً لَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا (237) .
التَّعَفُّفُ عَنْ أَخْذِ مَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ:
66 - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَامِل الْجِزْيَةِ عَفِيفَ النَّفْسِ، فَلاَ يَقْبَل هَدِيَّةً مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَلاَ رِشْوَةً لِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ (238) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَْزْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَال: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَال: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ. اللَّهُمَّ هَل بَلَغْتُ ثَلاَثًا (239) .
فَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ الْهَدَايَا الَّتِي يُقَدِّمُهَا أَهْل الْجِزْيَةِ لِلْعُمَّال حَرَامٌ وَلاَ يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهَا. قَال الْخَطَّابِيُّ: " فِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّال سُحْتٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ سَبِيلُهَا سَبِيل سَائِرِ الْهَدَايَا الْمُبَاحَاتِ، وَإِنَّمَا يُهْدَى إِلَيْهِ لِلْمُحَابَاةِ وَلِيُخَفِّفَ عَنِ الْمُهْدِي وَيُسَوِّغَ لَهُ بَعْضَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ خِيَانَةٌ مِنْهُ وَبَخْسٌ لِلْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ اسْتِيفَاؤُهُ لأَِهْلِهِ ". (240) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (هَدِيَّةٌ وَرِشْوَةٌ) .
الرِّقَابَةُ عَلَى عُمَّال الْجِزْيَةِ:
67 - عَلَى الإِْمَامِ مُشَارَفَةُ الأُْمُورِ وَتَصَفُّحُ الأَْحْوَال، وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ هَذَا الْوَاجِبِ: الرِّقَابَةُ الْفَعَّالَةُ عَلَى عُمَّال الْجِزْيَةِ، وَضَرُورَةُ مَنْحِهِمْ رَوَاتِبَ تَكْفِيهِمْ.
قَال أَبُو يُوسُفَ فِي نَصِيحَتِهِ الَّتِي كَتَبَهَا لِهَارُونَ الرَّشِيدِ: " أَرَى أَنْ تَبْعَثَ قَوْمًا مِنْ أَهْل الصَّلاَحِ وَالْعَفَافِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، يَسْأَلُونَ عَنْ سِيرَةِ الْعُمَّال، وَمَا عَمِلُوا بِهِ فِي الْبِلاَدِ، وَكَيْفَ جَبَوُا الْخَرَاجَ؟ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَعَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ وَاسْتَقَرَّ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَكَ وَصَحَّ، أَخَذُوا بِمَا اسْتَفْضَلُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الأَْخْذِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَالنَّكَال، حَتَّى لاَ يَتَعَدَّوْا مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا عُهِدَ إِلَيْهِمْ فِيهِ، فَإِنَّ كُل مَا عَمِل بِهِ وَالِي الْخَرَاجِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعَسْفِ فَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَحْلَلْتَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ انْتَهَى غَيْرُهُ وَاتَّقَى وَخَافَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَل هَذَا بِهِمْ تَعَدَّوْا عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ وَاجْتَرَءُوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَتَعَسُّفِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِمَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنَ الْعَامِل وَالْوَالِي تَعَدٍّ بِظُلْمٍ وَعَسْفٍ وَخِيَانَةٍ لَكَ فِي رَعِيَّتِكَ وَاحْتِجَازِ شَيْءٍ مِنَ الْفَيْءِ أَوْ خُبْثِ طُعْمَتِهِ أَوْ سُوءِ سِيرَتِهِ، فَحَرَامٌ عَلَيْكَ اسْتِعْمَالُهُ وَالاِسْتِعَانَةُ بِهِ، وَأَنْ تُقَلِّدَهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِكَ أَوْ تُشْرِكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ، بَل عَاقِبْهُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِثْل مَا تَعَرَّضَ لَهُ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ ".
وَلاِجْتِنَابِ وُقُوعِ عُمَّال الْجِزْيَةِ فِي الرِّشْوَةِ وَأَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل، يَصْرِفُ الإِْمَامُ لَهُمْ أُجُورًا (رَوَاتِبَ) مُجْزِيَةً تَفِي بِحَاجَاتِهِمْ، وَتَكْفِي نَفَقَاتِهِمْ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ حَيْثُ قَال: " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ قَال حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَال لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: دَنَّسْتَ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال عُمَرُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِذَا لَمْ أَسْتَعِنْ بِأَهْل الدِّينِ عَلَى سَلاَمَةِ دِينِي فَبِمَنْ أَسْتَعِينُ؟ أَمَّا إِنْ فَعَلْتَ فَأَغْنِهِمْ بِالْعِمَالَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ يَعْنِي إِذَا اسْتَعْمَلَتْهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَأَجْزِل لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ لاَ يَحْتَاجُونَ. (241) الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لاِسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ (242) :
68 - الْقَبَالَةُ (أَوِ التَّقْبِيل) وَتُسَمَّى التَّضْمِينَ أَوِ الاِلْتِزَامَ:
هِيَ فِي اللُّغَةِ - بِالْفَتْحِ الْكَفَالَةُ، وَهِيَ فِي الأَْصْل مَصْدَرُ قَبَل بِفَتْحِ الْبَاءِ إِذَا كَفَل وَقَبُل بِضَمِّهَا إِذَا صَارَ قَبِيلاً أَيْ كَفِيلاً. (243)
قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: كُل مَنْ يَقْبَل بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً وَكُتِبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابٌ، فَالْكِتَابُ الَّذِي يُكْتَبُ هُوَ الْقَبَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْعَمَل قِبَالَةٌ بِالْكَسْرِ؛ لأَِنَّهُ صِنَاعَةٌ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ صَقْعًا أَوْ بَلْدَةً أَوْ قَرْيَةً إِلَى رَجُلٍ مُدَّةَ سَنَةٍ مُقَاطَعَةً بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ عَنْ خَرَاجِ أَرْضِهَا، وَجِزْيَةِ رُءُوسِ أَهْلِهَا إِنْ كَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ، فَيَقْبَل ذَلِكَ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا.
وَقَدْ يَقَعُ فِي جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ظُلْمٌ لأَِهْل الذِّمَّةِ أَوْ غَبْنٌ لِبَيْتِ الْمَال، وَلِذَلِكَ مَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَنْعِهَا، قَال أَبُو يُوسُفَ " فَإِنْ قَال صَاحِبُ الْقَرْيَةِ أَنَا أُصَالِحُكُمْ عَنْهُمْ وَأُعْطِيكُمْ ذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا سَأَل لأَِنَّ ذَهَابَ الْجِزْيَةِ مِنْ هَذَا أَكْثَرُ لَعَل صَاحِبَ الْقَرْيَةِ يُصَالِحُهُمْ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَفِيهَا مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مَنْ إِذَا أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ ". (244) مُسْقِطَاتُ الْجِزْيَةِ:
69 - تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِالإِْسْلاَمِ، أَوِ الْمَوْتِ، أَوِ التَّدَاخُل، أَوِ الْعَجْزِ الْمَالِيِّ، أَوْ عَجْزِ الدَّوْلَةِ عَنْ تَوْفِيرِ الْحِمَايَةِ لأَِهْل الذِّمَّةِ، أَوِ الإِْصَابَةِ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ، أَوِ اشْتِرَاكِ الذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَال، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الأُْمُورِ خِلاَفٌ يَتَبَيَّنُ بِمَا يَلِي:
الأَْوَّل: الإِْسْلاَمُ:
70 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ دَخَل فِي الإِْسْلاَمِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَلاَ يُطَالَبُ بِهَا فِيمَا يُسْتَقْبَل مِنَ الزَّمَانِ (245) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ (246) . 2 - الإِْجْمَاعُ: قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: " أَجْمَعُوا - يَعْنِي الْفُقَهَاءَ - عَلَى أَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَى مُسْلِمٍ ". (247)
3 - وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ فَلاَ تَبْقَى بَعْدَهُ.
4 - وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ أَوْ بَدَلاً عَنِ النُّصْرَةِ، فَلاَ تُقَامُ الْعُقُوبَةُ بَعْدَ الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ.
وَلاَ يُطَالَبُ بِالْجِزْيَةِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ قَادِرًا عَلَى النُّصْرَةِ بِالدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ. (248)
هَذَا الاِتِّجَاهُ الْفِقْهِيُّ هُوَ السَّائِدُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِهِ، فَقَدْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَيَعْتَبِرُونَهَا بِمَنْزِلَةِ الضَّرِيبَةِ عَلَى الْعَبِيدِ.
وَنَقَل أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْعِرَاقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِيًا، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَارْفَعِ الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ (249) .
حُكْمُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ عَمَّا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ بَعْدَ
دُخُول الذِّمِّيِّ فِي الإِْسْلاَمِ:
71 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ. (250)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ} (251)
تَدُل هَذِهِ الآْيَةُ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَسْلَمَ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ يَجِبُ قِتَالُهُ عَلَى الْكُفْرِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا، وَمَتَى أَسْلَمَ لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُ، فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
2 - قَوْله تَعَالَى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَْوَّلِينَ} (252)
فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لاَ يُطَالَبُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاَةٍ أَوْ زَكَاةٍ، وَكَذَا لاَ يُطَالَبُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ قَبْل إِسْلاَمِهِ (253) . قَال مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ عَنْهُ: " الصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَسْلَمَ الْجِزْيَةُ حِينَ يُسْلِمُ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنَ السَّنَةِ إِلاَّ يَوْمٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا. . .} يَعْنِي مَا قَدْ مَضَى قَبْل الإِْسْلاَمِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ ". (254)
3 - وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ بَعْضُ الآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (255)
4 - وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ تَبْقَى بَعْدَ الإِْسْلاَمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً: أَيْ جَزَاءَ الإِْقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالإِْسْلاَمِ. (256)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَلاَ يُطَالَبُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ كَالأُْجْرَةِ (257) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ، وَقَدْ وَصَل إِلَى الذِّمِّيِّ الْمُعَوَّضُ وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ، فَصَارَ الْعِوَضُ وَهُوَ الْجِزْيَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالإِْسْلاَمِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
2 - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى الذِّمِّيُّ مَنَافِعَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الأُْجْرَةُ بِإِسْلاَمِ الذِّمِّيِّ.
3 - وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالأُْجْرَةِ، فَكُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الْحَوْل اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْل. (258) الثَّانِي: الْمَوْتُ:
72 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْمَوْتِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَحَصَل الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ (259) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ:
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ (260) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ إِذَا حَصَل بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. بَل تُؤْخَذُ مِنَ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. أَمَّا إِذَا حَصَل فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ الْحَوْل. وَتَسْقُطُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ آخَرَ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال حَوْلِهَا (261) وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ بِالأَْدِلَّةِ الآْتِيَةِ: 1 - مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنَادَةَ - كَاتِبِ حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ - وَكَانَ حَيَّانُ بَعَثَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَتَبَ يَسْتَفْتِيهِ أَيَجْعَل جِزْيَةَ مَوْتَى الْقِبْطِ عَلَى أَحْيَائِهِمْ؟ فَسَأَل عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَسْمَعُ - فَقَال: مَا سَمِعْتُ لَهُمْ بِعَقْدٍ وَلاَ عَهْدٍ، إِنَّمَا أُخِذُوا عَنْوَةً بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ يَأْمُرَهُ: أَنْ يَجْعَل جِزْيَةَ الأَْمْوَاتِ عَلَى الأَْحْيَاءِ.
2 - وَلأَِنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلاً عَنِ الْعِصْمَةِ وَالسُّكْنَى، فَلَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِ الآْدَمِيِّينَ (262) .
الثَّالِثُ: اجْتِمَاعُ جِزْيَةِ سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ:
73 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَدَاخُل الْجِزَى:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ التَّدَاخُل وَتَجِبُ الْجِزَى كُلُّهَا (263) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ: بِأَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ فِي آخِرِ كُل حَوْلٍ، فَلَمْ تَتَدَاخَل كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَلأَِنَّ الْمُدَّةَ لاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي إِسْقَاطِ الْوَاجِبِ كَخَرَاجِ الأَْرْضِ (264) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَضَتْ عَلَى الْجِزْيَةِ سَنَةٌ وَدَخَلَتْ ثَانِيَةٌ فَإِنَّ الْجِزَى تَتَدَاخَل، فَتَسْقُطُ جِزَى السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ وَيُطَالَبُ بِجِزْيَةِ السَّنَةِ الْحَالِيَّةِ (265) . وَاسْتَدَل لِذَلِكَ:
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، وَالْعُقُوبَاتُ إِذَا تَرَاكَمَتْ تَدَاخَلَتْ خَاصَّةً إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْحُدُودِ. أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ زَنَى مِرَارًا ثُمَّ رُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى الإِْمَامِ لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ إِلاَّ حَدًّا وَاحِدًا بِجَمِيعِ الأَْفْعَال.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلاً عَنْ حَقْنِ الدَّمِ فِي الْمُسْتَقْبَل، فَإِذَا صَارَ دَمُهُ مَحْقُونًا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَلاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ لأَِجْلِهَا، لاِنْعِدَامِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا إِذَا أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَقْنِ بِالْجِزْيَةِ؛ وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ مَا وَجَبَتْ إِلاَّ لِرَجَاءِ الإِْسْلاَمِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ حَتَّى دَخَلَتْ سَنَةٌ أُخْرَى انْقَطَعَ الرَّجَاءُ فِيمَا مَضَى، وَبَقِيَ الرَّجَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَل فَيُؤْخَذُ لِلسَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (266) .
الرَّابِعُ: طُرُوءُ الإِْعْسَارِ:
74 - الإِْعْسَارُ: ضِيقُ الْحَال مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمَال (267) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ الطَّارِئِ سَوَاءٌ أَطَرَأَ عَلَيْهِ الإِْعْسَارُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ. وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْسَرَ أَكْثَرَ الْحَوْل؛ لأَِنَّ الإِْعْسَارَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً. (268)
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ الطَّارِئِ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ الإِْعْسَارَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً (269) . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، وَتُعْتَبَرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ. أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (270) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لأَِنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ، وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْعْسَارُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُنْظَرُ وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ. (271)
الْخَامِسُ: التَّرَهُّبُ وَالاِنْعِزَال عَنِ النَّاسِ:
75 - إِذَا تَرَهَّبَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَانْعَزَل عَنِ النَّاسِ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَْدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ، فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ، لأَِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ مُتَجَمِّدَةً عَنْ سِنِينَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَْخَوَانِ (مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ) مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً، فَلاَ يُعْتَبَرُ عُذْرًا لإِِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الأَْخَوَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً لِلتَّهَرُّبِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّرَهُّبَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ. أَمَّا إِذَا تَرَهَّبَ أَثْنَاءَ الْحَوْل فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالرَّاهِبِ الَّذِي تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، هُوَ مَنْ لاَ يَبْقَى بِيَدِهِ مَالٌ إِلاَّ بُلْغَتَهُ فَقَطْ وَيُؤْخَذُ مِمَّا بِيَدِهِ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَتَاجِرَ وَالْمَزَارِعَ فَحُكْمُهُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ اتِّفَاقًا (272) .
السَّادِسُ: الْجُنُونُ:
76 - إِذَا أُصِيبَ الذِّمِّيُّ - بَعْدَ الاِلْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ - بِالْجُنُونِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى سُقُوطِهَا بِالْجُنُونِ الطَّارِئِ إِذَا اسْتَمَرَّ أَكْثَرَ الْعَامِ، لأَِنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً - كَمَا بَيَّنَّا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ إِنْ كَانَ يَسِيرًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ مِنْ سَنَةٍ فَلاَ تَسْقُطُ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَيَوْمٍ إِفَاقَةً وَيَوْمٍ جُنُونًا فَإِنَّ الإِْفَاقَةَ تُلَفَّقُ فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتِ الْجِزْيَةُ.
أَمَّا الْجِزْيَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالْجُنُونِ طِبْقًا لِمَذْهَبِهِمْ فِي عَدَمِ تَدَاخُل الْجِزْيَةِ كَمَا سَبَقَ فِي (ف 73) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ إِذَا كَانَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. أَمَّا إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل فَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل. (273)
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الرَّابِعُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا تَسْقُطُ وَلاَ تَجِبُ.
السَّابِعُ: الْعَمَى وَالزَّمَانَةُ وَالشَّيْخُوخَةُ:
77 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ السَّلاَمَةِ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ الَّتِي سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهَا فِي شُرُوطِ الْجِزْيَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِهَذِهِ الْعَاهَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَا أُصِيبَ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ، وَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ إِصَابَتُهُ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ أَكْثَرَ السَّنَةِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ إِلاَّ إِذَا كَانَ فَقِيرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أُصِيبَ بِإِحْدَى الْعَاهَاتِ السَّابِقَةِ أَثْنَاءَ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِكَمَال الْحَوْل. (274)
الثَّامِنُ: عَدَمُ حِمَايَةِ أَهْل الذِّمَّةِ:
78 - عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَابِل الْجِزْيَةِ تَوْفِيرُ الْحِمَايَةِ لأَِهْل الذِّمَّةِ، وَالذَّبُّ عَنْهُمْ، وَمَنْعُ مَنْ يَقْصِدُهُمْ بِالاِعْتِدَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَاسْتِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ سَوَاءٌ أَكَانُوا يَعِيشُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ كَانُوا مُنْفَرِدِينَ فِي بَلَدٍ لَهُمْ. فَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ مِنْ حِمَايَتِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ حَتَّى مَضَى الْحَوْل، فَهَل يُطَالَبُونَ بِالْجِزْيَةِ أَمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ؟
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ مِنْ حِمَايَةِ الذِّمِّيِّينَ لأَِنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، لِحِفْظِهِمْ وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَدْفَعِ الدَّوْلَةُ عَنْهُمْ، لَمْ تَجِبِ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ لِلْحِفْظِ وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَجِبْ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ، كَمَا لاَ تَجِبُ الأُْجْرَةُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ.
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ تَصْرِيحًا بِالسُّقُوطِ إِذَا لَمْ تَحْصُل الْحِمَايَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْحِمَايَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ عِنْدَمَا أَعْلَمَهُ نُوَّابُهُ عَلَى مُدُنِ الشَّامِ بِتَجَمُّعِ الرُّومِ لِمُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ رُدُّوا الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، لأَِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الْجُمُوعِ، وَأَنَّكُمِ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لاَ نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ، وَنَحْنُ لَكُمْ عَلَى الشُّرُوطِ مَا كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ (275) . وَقَال الْبَلاَذِرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ الدِّمَشْقِيُّ قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: " بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ هِرَقْل لِلْمُسْلِمِينَ الْجُمُوعَ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ إِقْبَالُهُمْ إِلَيْهِمْ لِوَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ رَدُّوا عَلَى أَهْل حِمْصَ مَا كَانُوا أَخَذُوا مِنْهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ. وَقَالُوا: قَدْ شُغِلْنَا عَنْ نُصْرَتِكُمْ وَالدَّفْعِ عَنْكُمْ، فَأَنْتُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، فَقَال أَهْل حِمْصَ: لَوَلاَيَتُكُمْ وَعَدْلُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ. وَلَنَدْفَعَنَّ جُنْدَ هِرَقْل عَنِ الْمَدِينَةِ مَعَ عَامِلِكُمْ، وَنَهَضَ الْيَهُودُ فَقَالُوا: وَالتَّوْرَاةِ لاَ يَدْخُل عَامِل هِرَقْل مَدِينَةَ حِمْصَ إِلاَّ أَنْ نُغْلَبَ وَنَجْهَدَ فَأَغْلَقُوا الأَْبْوَابَ وَحَرَسُوهَا ". وَكَذَلِكَ فَعَل أَهْل الْمُدُنِ الَّتِي صُولِحَتْ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ. وَقَالُوا: إِنْ ظَهَرَ الرُّومُ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صِرْنَا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّا عَلَى أَمْرِنَا مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَدَدٌ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْكَفَرَةَ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ فَتَحُوا مُدُنَهُمْ وَأَخْرَجُوا الْمُقَلِّسِينَ، فَلَعِبُوا وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ. (276)
وَجَاءَ فِي كِتَابِ صُلْحِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَعَ أَهْل تَفْلِيسَ: (277) ". . . وَإِنْ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ شُغْلٌ عَنْكُمْ فَقَهَرَكُمْ عَدُوُّكُمْ فَغَيْرُ مَأْخُوذِينَ بِذَلِكَ (278) .
هَذِهِ السَّوَابِقُ التَّارِيخِيَّةُ حَدَثَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَعَلِمُوا بِهَا وَسَكَتُوا عَنْهَا، فَيُعْتَبَرُ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا.
وَقَدْ نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قَال فِي مَرَاتِبِ الإِْجْمَاعِ: " إِنَّ مَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَجَاءَ أَهْل الْحَرْبِ إِلَى بِلاَدِنَا يَقْصِدُونَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ لِقِتَالِهِمْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ، وَنَمُوتُ دُونَ ذَلِكَ، صَوْنًا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ دُونَ ذَلِكَ إِهْمَالٌ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ " وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ. (279)
التَّاسِعُ: اشْتِرَاكُ الذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَال مَعَ
الْمُسْلِمِينَ:
79 - صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّينَ بِالاِشْتِرَاكِ فِي الْقِتَال مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
قَال الشَّلَبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ: " أَلاَ تَرَى أَنَّ الإِْمَامَ لَوِ اسْتَعَانَ بِأَهْل الذِّمَّةِ سَنَةً، فَقَاتَلُوا مَعَهُ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُمْ جِزْيَةُ تِلْكَ السَّنَةِ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ ذَلِكَ، وَهَذَا لأَِنَّ الشَّرْعَ جَعَل طَرِيقَ النُّصْرَةِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْمَال دُونَ النَّفْسِ.
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ الاِسْتِعَانَةَ بِأَهْل الذِّمَّةِ فِي الْقِتَال.
فَقَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: " الْجِهَادُ أَنْ يُقَاتَل النَّاسُ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَالْمُشْرِكُ لاَ يُقَاتِل لِذَلِكَ؛ وَلأَِنَّهُ مِمَّنْ يَلْزَمُ أَنْ يُقَاتَل عَنْهُ وَتُمْنَعُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْحَرْبِ وَإِنِ اسْتُعِينَ بِهِ فِي الأَْعْمَال وَالصَّنَائِعِ وَالْخِدْمَةِ. (280)
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ (281) .
وَانْظُرْ بَحْثَ: (جِهَادٌ) - الاِسْتِعَانَةُ بِالْكُفَّارِ.
مَصَارِفُ الْجِزْيَةِ:
80 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ، حَتَّى رَأَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ اسْمَ الْفَيْءِ شَامِلٌ لِلْجِزْيَةِ. وَيُصْرَفُ الْفَيْءُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ وَمَرَافِقِ الدَّوْلَةِ الْهَامَّةِ: كَأَرْزَاقِ الْمُجَاهِدِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَبِنَاءِ الْجُسُورِ، وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِصْلاَحِ الأَْنْهَارِ الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا، وَرَوَاتِبِ الْمُوَظِّفِينَ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفْتِينَ وَالْعُمَّال وَغَيْرِ ذَلِكَ (282) .
وَفِي تَقْدِيرِ ذَلِكَ وَمَا يُرَاعَى فِيهِ يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: (بَيْتُ الْمَال، وَفَيْءٌ) .
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير، والمطلع على أبواب المقنع ص 140 ط المكتب الإسلامي، وأساس البلاغة، وجامع البيان في تفسير القرآن 10 / 77 - دار المعرفة ببيروت، وزاد المسير في علم التفسير 3 / 420 - المكتب الإسلامي ببيروت - ط 1 / 1964.
(2) سورة التوبة / 29.
(3) سورة البقرة / 48.
(4) تهذيب الأسماء واللغات 3 / 51 - دار الكتب العلمية ببيروت، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج 2 / 228 - مطبعة عيسى الحلبي بالقاهرة، والمغني 8 / 495 - مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
(5) مفاتيح العلوم ص 39 - 40 نشر الطباعة المنيرية - مطبعة الشرق بالقاهرة، روح المعاني 10 / 78 - دار إحياء التراث العربي ببيروت - مصور عن الطبعة المنيرية.
(6) الفتاوى الهندية 2 / 244 - دار إحياء التراث العربي ببيروت، واللباب في شرح الكتاب 4 / 143 - دار الحديث ببيروت، وعمدة القاري 15 / 77 - دار الفكر ببيروت، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل 1 / 266 - دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة، وشرح منح الجليل 1 / 756 - مكتبة النجاح بليبيا وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 4 / 268 - المكتبة الإسلامية بتركيا، كفاية الأخيار 2 / 133 - دار المعرفة ببيروت، المبدع في شرح المقنع 3 / 404 - المكتب الإسلامي ببيروت، وحاشية القليوبي 4 / 228، وكشاف القناع 3 / 117 - مطبعة النصر الحديثة بالرياض، والمغني 8 / 495 ط الرياض.
(7) سورة التوبة / 29.
(8) حديث: " أخذ الجزية من مجوس هجر " أخرجه البخاري (4 / 117 ط على صبيح) من حديث عبد الرحمن بن عوف.
(9) الأحكام السلطانية للماوردي ص 146 - مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة ط 3، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 162 - مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة، والمبسوط 10 / 77 - دار المعرفة ببيروت، وأحكام أهل الذمة 1 / 22، دار العلم للملايين ببيروت.
(10) لسان العرب، والمصباح المنير.
(11) القلقشندي: صبح الأعشى 3 / 458 - نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي بالقاهرة، والخطط 1 / 107، رد المحتار على الدر المختار 4 / 195 - دار الفكر ببيروت.
(12) لسان العرب، والمصباح المنير.
(13) الطبقات الكبرى 3 / 282 - دار صادر ببيروت.
(14) مفاتيح العلوم ص 40.
(15) الخطط للمقريزي 1 / 98.
(16) بدائع الصنائع 9 / 4345 - مطبعة الإمام بالقاهرة.
(17) مغني المحتاج 3 / 92، 93، وبداية المجتهد 1 / 402.
(18) الأحكام السلطانية للماوردي ص 142، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 153.
(19) الفتاوى الهندية 1 / 183، والكافي لابن عبد البر في فقه أهل المدينة - 1 / 480، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض - ط 2 - 1400 هـ. والمغني 8 / 516.
(20) سورة التوبة / 29.
(21) حديث: " تجهيز رسول الله ﷺ لقتال الروم. . . " أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 4 / 159 ط مصطفى الحلبي) عن الزهري وغيره مرسلا. وأصله في الصحيحين.
(22) جامع البيان في تفسير آي القرآن 10 / 77، والهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه - مخطوطة الخزانة العامة بالرياض.
(23) زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 88 - دار إحياء التراث العربي ببيروت، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2 / 347 - دار المعرفة ببيروت.
(24) نجران (بفتح النون وسكون الجيم وفتح الراء) : بلدة ما بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة (تهذيب الأسماء واللغات للنووي 3 / 176) .
(25) حديث: " أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى " أخرجه أبو عبيد في الأموال (41 ط دار الفكر) مرسلا.
(26) زاد المعاد 2 / 88.
(27) كان المراد بالبحرين في ذلك العهد ما بين عمان إلى البصرة (معجم البلدان لياقوت 1 / 347، وتهذيب الأسماء 3 / 37، واللسان 1 / 66) .
(28) هجر (بفتح الهاء والجيم) : اسم بلد بالبحرين، وتعتبر هجر قاعدة البحرين، وقيل: ناحية البحرين كلها هجر. (معجم البلدان 5 / 393) .
(29) حديث: " كان رسول الله هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء الحضرمي ". أخرجه البخاري (4 / 117 ط عيسى صبيح) من حديث المسور بن مخرمة.
(30) أيلة (بفتح الهمزة وإسكان الياء) : بلدة معروفة على ساحل البحر آخر الحجاز وأول الشام. وتعرف اليوم بالعقبة (معجم البلدان 1 / 292، وتهذيب الأسماء للنووي 1 / 19) .
(31) حديث قدوم " يوحنة بن رؤبة على رسول الله في تبوك. . . " أخرجه ابن إسحاق في السيرة (4 / 169 ط مصطفى الحلبي) وفي سنده انقطاع. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (1 / 290 ط دار بيروت) وفي سنده الواقدي وهو متكلم فيه. وانظر فتوح البلدان ص 71 - دار الكتب العلمية ببيروت، والطبقات 1 / 290، الواقدي: المغازي - عالم الكتب ببيروت 3 / 1031، والأموال لأبي عبيد ص 287، والأموال لابن زنجويه 2 / 463.
(32) أذرح (بفتح الهمزة وسكون الذال وضم الراء) : اسم بلد من أطراف الشام من نواحي البلقاء. (معجم البلدان 1 / 129) .
(33) الجرباء: قرية من قرى أذرح في أطراف الشام (معجم البلدان 2 / 118) .
(34) أذرعات (بالفتح ثم السكون وكسر الراء) : بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. (معجم البلدان 1 / 130) .
(35) مقنا: قرية قرب أيلة. (معجم البلدان 5 / 187) .
(36) فتوح البلدان ص 71، والطبقات 1 / 290، والعروك: الخشب الذي يصطادون عليه. وحديث: " فصالحهم رسول الله ﷺ على ربع غزولهم وثمارهم " أخرجه ابن سعد في الطبقات (1 / 290 ط دار بيروت) وفي سنده الواقدي وهو متكلم فيه.
(37) حديث: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا ". أخرجه أبو داود (2 / 234 ط عزت عبيد الدعاس) ، والترمذي (3 / 11 ط مصطفى الحلبي) . وقال: حديث حسن. والنسائي (5 / 26 ط دار البشائر) من حديث معاذ، والحاكم (1 / 398 ط دار الكتاب العربي) . وقال صحيح على شرط الشيخين.
(38) أبو عبيد: الأموال ص 31، ابن زنجويه: الأموال 1 / 128. وحديث: " من محمد إلى أهل اليمن. . وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني. . . ". أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (35 ط دار الفكر) مرسلا عن عروة بن الزبير.
(39) سورة التوبة / 29.
(40) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان - على هامش تفسير الطبري 10 / 66.
(41) حديث: " اغزوا باسم الله. في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. . . " أخرجه مسلم (3 / 1356 - 1358) ، وأبو داود (3 / 83 ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (4 / 162 ط مصطفى الحلبي) من حديث بريدة.
(42) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . . " أخرجه مسلم (1 / 51 - 52) ط عيسى الحلبي. من حديث عمر بن الخطاب.
(43) سورة التوبة / 29.
(44) الأموال لأبي عبيد ص 28، 29، الأموال لابن زنجويه 1 / 116.
(45) المغني 8 / 495، والمبدع 3 / 405، وأحكام أهل الذمة 1 / 1، ومغني المحتاج 4 / 242، - مطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة 1958، وكفاية الأخيار 2 / 133 - دار المعرفة ببيروت.
(46) سورة التوبة / 29.
(47) لسان العرب 3 / 1007، المفردات في غريب القرآن ص 551.
(48) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 10 / 66.
(49) تفسير القرآن العظيم 2 / 347، وزاد المسير 3 / 420، وأحكام القرآن للشافعي 2 / 61.
(50) الفروق للقرافي 3 / 23.
(51) أحكام القرآن لألكيا الهراس 4 / 43 - مطبعة حسان بالقاهرة ط 1، وشرح الموطأ 3 / 138، ونهاية المحتاج 8 / 80، وحاشية البجيرمي 4 / 268، مغني المحتاج 4 / 242، نيل الأوطار 8 / 65.
(52) الحطاب 3 / 380، وشرح الموطأ 3 / 138.
(53) البلاذري: فتوح البلدان ص 143.
(54) ابن العربي: أحكام القرآن - مطبعة عيسى الحلبي بالقاهرة 2 / 925.
(55) الشربيني الخطيب: مغني المحتاج 4 / 242.
(56) الطبري: تاريخ الأمم والملوك - 4 / 227 - دار الفكر ببيروت 1399 هـ.
(57) انظر: ابن رشد: بداية المجتهد 1 / 405، الزيلعي: تبيين الحقائق 3 / 276، وحاشية ابن عابدين 4 / 196، الميداني: اللباب 4 / 143، المرغيناني: الهداية 2 / 159، ابن رشد: المقدمات 1 / 394، 395.
(58) الرملي: نهاية المحتاج 8 / 68، ابن قدامة: المغني 8 / 372.
(59) الزيلعي: تبيين الحقائق 3 / 276، ابن مودود: الاختيار 4 / 137.
(60) حاشية العدوي على شرح الخرشي على مختصر خليل دار صادر ببيروت 3 / 143.
(61) حديث: " صلح النبي ﷺ لأهل نجران على ألفي حلة ". أخرجه ابن سعد في الطبقات (1 / 288 ط دار بيروت) مرسلا.
(62) الزيلعي: المرجع السابق، ابن مودود: المرجع السابق.
(63) حاشية الدسوقي 2 / 201.
(64) حديث: " حيث وضع الرسول ﷺ عل كل حالم. . . . " سبق تخريجه ف / 9.
(65) حديث: " صلح الرسول ﷺ أهل مقنا على. . . . " أخرجه البلاذري في فتوح البلدان (ص 71 - ط دار الكتب العلمية) مرسلا عن عمر بن عبد العزيز. وفي سنده كذلك الواقدي وهو متكلم فيه.
(66) العروك: جمع عرك. وهو ما يصطادون عليه من خشب.
(67) البلاذري: فتوح البلدان ص 71.
(68) أبو عبيد: الأموال ص 40، 41، ابن زنجويه: الأموال 1 / 130 - 132، ابن رشد: بداية المجتهد 1 / 405.
(69) الهداية 2 / 161، فتح القدير 5 / 296، الاختيار 4 / 139، أحكام القرآن للجصاص 3 / 101، المقدمات 1 / 394، أحكام القرآن لابن العربي 2 / 924.
(70) سورة التوبة / 29.
(71) الجامع لأحكام القرآن 8 / 115.
(72) فتح القدير 5 / 296.
(73) أحكام القرآن لابن العربي 2 / 924.
(74) سورة الصف / 10 - 11.
(75) الكمال بن الهمام 5 / 297، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 3 / 276، وروضة الطالبين 10 / 307، نهاية المحتاج 8 / 81، ومغني المحتاج 4 / 243، وكفاية الأخيار 2 / 133، حاشية البجيرمي 4 / 269، المغني 8 / 495، وكشاف القناع 3 / 117، والهداية 2 / 160، والبدائع 9 / 4332، والمقدمات 1 / 395.
(76) أحكام أهل الذمة 1 / 25، والمبسوط 10 / 80، أحكام القرآن 3 / 101، وحاشية البجيرمي 4 / 269، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 213.
(77) الخراج ص 122، والفتاوى الهندية 2 / 224، والبدائع 9 / 4330، وحاشية الدسوقي 2 / 200، والكافي 1 / 479، وكفاية الأخيار 2 / 133، ورحمة الأمة للدمشقي 2 / 179، والميزان للشعراني 2 / 184، كشاف القناع 3 / 116، والإفصاح لابن هبيرة 2 / 292، والمذهب الأحمد لابن الجوزي ص 209، أحكام أهل الذمة 1 / 39.
(78) سورة التوبة / 29.
(79) حديث: " فادعهم إلى أداء الجزية فإن. . . . " سبق تخريجه بهذا المعنى ف / 10.
(80) الروضة 10 / 297، وكشاف القناع 3 / 116، والمغني 8 / 504.
(81) تبيين الحقائق 2 / 276، والقوانين الفقهية ص 175، حاشية الخرشي 3 / 143، وروضة الطالبين 10 / 297، وكشاف القناع 3 / 116، والمغني 8 / 505.
(82) بدائع الصنائع 9 / 4330، وجواهر الإكليل 1 / 269، الزرقاني على مختصر خليل 2 / 146، وروضة الطالبين 10 / 297، ومغني المحتاج 4 / 243، كشاف القناع 3 / 116.
(83) بدائع الصنائع 9 / 4334، وفتح القدير 5 / 302 - 303، وتبيين الحقائق 3 / 281 - 282.
(84) الكافي 1 / 483، جواهر الإكليل 1 / 268 - 269، والزرقاني على مختصر خليل 2 / 146 - 147، والأحكام السلطانية ص 158، والمغني 8 / 524، ونهاية المحتاج 8 / 98 - 99، وحاشية القليوبي 4 / 236.
(85) الخراج ص 189، والاختيار 4 / 136، وحاشية الخرشي على مختصر خليل 3 / 144، ومنح الجليل 1 / 757، الأحكام السلطانية للماوردي ص 142، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 153.
(86) سورة الأنعام / 156.
(87) حاشية ابن عابدين 4 / 198، والمنتقى 2 / 172، وروضة الطالبين 10 / 304، والأحكام السلطانية للماوردي ص 143، والأحكام السلطانية للفراء ص 153، كشاف القناع 3 / 117، والمحلى 7 / 562، وجامع البيان في تفسير القرآن 8 / 69، والملل والنحل - دار المعرفة ببيروت - 1402 هـ - 1 / 208 - 210.
(88) بدائع الصنائع 9 / 4329، والهداية 2 / 160، وحاشية ابن عابدين 4 / 198، وبداية المجتهد 1 / 403، والمقدمات على هامش المدونة 1 / 400، وروضة الطالبين 10 / 304، ومغني المحتاج 4 / 244، وكشاف القناع 3 / 117، والمبدع 3 / 404، والمحلى 7 / 562.
(89) سورة التوبة / 29.
(90) حديث: " أول من أعطى الجزية أهل. . . " سبق تخريجه ف / 9.
(91) حديث: " كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ. . . . " سبق تخريجه ف / 9.
(92) حديث: " ولا يفتن يهودي عن يهوديته " سبق تخريجه ف / 9.
(93) الأموال ص 40، والسنن الكبرى 9 / 187، والتلخيص الحبير 4 / 142، والمغني 8 / 499.
(94) المغني 8 / 499، ومعالم السنن 3 / 36، وروح المعاني 10 / 79، والسنن الكبرى 9 / 188، واختلاف الفقهاء ص 203.
(95) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 232.
(96) بدائع الصنائع 9 / 4329، وتبيين الحقائق 3 / 277، والهداية 2 / 160، ومجمع الأنهر 1 / 670، وحاشية ابن عابدين 4 / 198، والخراج ص 129، والمدونة 1 / 406، والمقدمات على هامش المدونة 1 / 400، والمنتقى 2 / 172، ونهاية المحتاج 8 / 82، وحاشية قليوبي 4 / 229، ومغني المحتاج 4 / 244، وكشاف القناع 3 / 117، والمبدع 3 / 405، والمغني 8 / 498، والمحلى 7 / 567.
(97) حديث: " كتب رسول الله ﷺ إلى مجوس هجر. . . . " أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (6 / 69 - 70 - ط المكتب الإسلامي) والبيهقي (9 / 192 - ط دار المعرفة) وابن زنجويه في كتاب الأموال (1 / 137 - ط مركز الملك فيصل) من حديث الحسن بن محمد، قال محقق كتاب الأموال: والحديث من مراسيل الحسن بن محمد بن علي وإسناده إليه صحيح. ا. هـ.
(98) حديث: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أخرجه مالك في الموطأ (1 / 278 - ط عيسى الحلبي) وابن أبي شيبة في مصنفه (12 / 243 - ط الدار السلفية) والبيهقي (9 / 189 - ط دار المعرفة) من حديث عبد الرحمن بن عوف. ولكنه حديث منقطع، لأنه من طريق محمد بن علي وهو لم يدرك عمر بن الخطاب.
(99) فتح الباري 7 / 70، والجامع لأحكام القرآن 8 / 111، ونيل الأوطار 8 / 64.
(100) الموطأ مع شرح الزرقاني 3 / 139، وأبو عبيد: الأموال ص 45. والبربر: قوم من أهل المغرب كالأعراب في القسوة والغلظة، والجمع برابرة وهو معرب
(101) المغني 8 / 498، والإجماع لابن المنذر ص 59.
(102) سورة التوبة / 29.
(103) أحكام القرآن لابن العربي 2 / 921، وشرح الترمذي 7 / 85، والقوانين الفقهية ص 175.
(104) أحكام القرآن لابن العربي 2 / 921، وشرح سنن الترمذي 7 / 85، والجامع لأحكام القرآن، 8 / 110، ومعالم السنن 3 / 36، والمغني 8 / 499، والطبري: اختلاف الفقهاء ص 203.
(105) بدائع الصنائع 9 / 4330، وفتح القدير 5 / 291، وحاشية ابن عابدين 4 / 198، ومجمع الأنهر 1 / 670.
(106) الخراج ص 122، والمراجع السابقة.
(107) الجامع لأحكام القرآن 1 / 435.
(108) الأحكام السلطانية ص 143، وروضة الطالبين 10 / 305، والغاية القصوى في دراية الفتوى - دار النصر للطباعة الإسلامية بالقاهرة 2 / 956، ومغني المحتاج 4 / 244.
(109) المغني 8 / 496، وكشاف القناع 3 / 117، والمبدع 3 / 404.
(110) روضة الطالبين 10 / 305، ومغني المحتاج 4 / 244، وكفاية الأخيار 2 / 133، والمبدع 3 / 405، وكشاف القناع 3 / 118، والمغني 8 / 500، والقوانين الفقهية ص 175، والمحلى 7 / 563.
(111) سورة التوبة / 29.
(112) أحكام القرآن لألكيا الهراس 4 / 40.
(113) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . . " سبق تخريجه ف / 11.
(114) الغاية القصوى 2 / 955، وأحكام القرآن لابن العربي 2 / 919.
(115) بدائع الصنائع 9 / 4329، وتبيين الحقائق 3 / 277، وحاشية ابن عابدين 4 / 198، ومجمع الأنهر 1 / 670، والمغني 8 / 500، والجامع لأحكام القرآن 8 / 110، والمنتقى 2 / 173.
(116) سورة التوبة / 5.
(117) سورة التوبة / 5.
(118) ابن التركماني: الجوهر النقي على السنن الكبرى 9 / 187.
(119) الأموال لأبي عبيد ص 43، واختلاف الفقهاء للطبري ص 200.
(120) سورة الفتح / 16.
(121) العناية على الهداية مع فتح القدير 5 / 292، ومجمع الزوائد 5 / 332، والأموال ص 197.
(122) المدونة 1 / 406، والمنتقى 2 / 173، ومنح الجليل 1 / 757، والجامع لأحكام القرآن 8 / 110، أحكام أهل الذمة 1 / 6.
(123) حديث: " اغزوا باسم الله. . . وإذا لقيت عدوك. . . . " سبق تخريجه ف / 10.
(124) مواهب الجليل 3 / 381، وبلغة السالك 1 / 366، وجواهر الإكليل 1 / 266، والمقدمات على هامش المدونة 1 / 400، وبداية المجتهد 1 / 404.
(125) الكافي 1 / 479، ومواهب الجليل 3 / 381.
(126) العيني: عمدة القاري 14 / 264، والشوكاني: نيل الأوطار 7 / 219، البهوتي: كشاف القناع 3 / 118، والشيرازي: المهذب مع المجموع 18 / 198.
(127) فتح القدير 5 / 301.
(128) تهذيب الأسماء واللغات 3 / 80.
(129) فتح القدير 5 / 301، حاشية ابن عابدين 4 / 203، الفتاوى الهندية 2 / 247، مواهب الجليل 3 / 381، منح الجليل 1 / 758، حاشية الخرشي 3 / 144، بلغة السالك 1 / 367، الزرقاني على مختصر خليل 2 / 141.
(130) حديث: أوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 170 ط السلفية) ومسلم (3 / 1257 - 1258 ط عيسى الحلبي) .
(131) حديث: " قاتل الله اليهودي والنصارى اتخذوا. . . . " أخرجه مالك في الموطأ (2 / 892 ط عيسى الحلبي) مرسلا. وأصله في الصحيحين بنحوه من حديث عائشة.
(132) حديث: " كان آخر ما عهد به رسول الله ﷺ لا ينزل بجزيرة العرب دينان ". رواه أحمد (6 / 275 ط الميمنية) وقال الهيثمي: (رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع ومجمع الزوائد 5 / 325 ط القدسي) .
(133) حديث: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ". أخرجه مسلم (3 / 1388 ط عيسى الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب.
(134) حاشية قليوبي 4 / 230، نهاية المحتاج 8 / 85، المغني 8 / 530، كشاف القناع 3 / 234، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 179 - 185.
(135) حديث: " أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران. . . " أخرجه أحمد (1 / 195 ط الميمنية) وقال الهيثمي: رواه أحمد بأسانيد ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما: (مجمع الزوائد 5 / 325 ط القدسي) .
(136) المهذب مع المجموع 8 / 267.
(137) السنن الكبرى للبيهقي 9 / 207.
(138) نهاية المحتاج 8 / 90.
(139) تبيين الحقائق 3 / 278، بدائع الصنائع 9 / 4330، الهداية 2 / 160، الاختيار 4 / 38، الفتاوى الهندية 2 / 244، الجوهرة النيرة 2 / 351، حاشية ابن عابدين 4 / 198، مجمع الأنهر 1 / 671، الخراج ص 122، المنتقى 2 / 176، المقدمات لابن رشد 1 / 397، حاشية الخرشي 3 / 144، البداية لابن رشد 1 / 404، القوانين الفقهية ص 175، حاشية قليوبي 4 / 2289، الأم 4 / 279، رحمة الأمة 2 / 182، المهذب مع المجموع 18 / 227، كشاف القناع 3 / 119، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 42، المبدع 3 / 408، المحلى 7 / 566.
(140) المغني 8 / 507.
(141) سورة التوبة / 29.
(142) بدائع الصنائع 9 / 4330.
(143) الأموال لأبي عبيد ص 51، الأموال لابن زنجويه 1 / 151، وقال المحقق الدكتور شاكر فياض: إسناد ابن زنجويه صحيح رجاله ثقات.
(144) الأموال لأبي عبيد ص 51 - 53.
(145) الأموال لأبي عبيد ص 54.
(146) فتوح البلدان ص 120، 154، 220.
(147) المغني 8 / 507.
(148) حاشية ابن عابدين 4 / 198، ومجمع الأنهر 1 / 671، وحاشية الدسوقي 2 / 201، والمقدمات لابن رشد 1 / 397، وحاشية الخرشي 3 / 144، والمغني 8 / 508، وكشاف القناع 3 / 121، وأحكام أهل الذمة 1 / 45.
(149) روضة الطالبين 10 / 300، ومغني المحتاج 4 / 245.
(150) البدائع 9 / 4330، وفتح القدير 5 / 293، والخراج مع شرحه الرتاج 2 / 105، وكتاب السير لمحمد بن الحسن ص 263، والفتاوى الهندية 2 / 244، ومجمع الأنهر 1 / 671، والكافي 1 / 479، مختصر خليل ص 117، وحاشية الخرشي 3 / 144، بلغة السالك 1 / 367، وروضة الطالبين 10 / 299، وحاشية قليوبي 4 / 229، والغاية القصوى 2 / 956، والأحكام السلطانية للماوردي ص 144، ونهاية المحتاج 8 / 84، وكفاية الأخيار 2 / 132، مغني المحتاج 4 / 245، والمغني 8 / 507، وكشاف القناع 3 / 119، المبدع 3 / 408، والإنصاف 4 / 222، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 42، 47.
(151) الجامع لأحكام القرآن 8 / 112، بداية المجتهد 1 / 404، وروضة الطالبين 10 / 299.
(152) بدائع الصنائع 9 / 4330، وتبيين الحقائق 3 / 278، والاختيار 4 / 138، والهداية 2 / 160، وحاشية ابن عابدين 4 / 198، والخراج لأبي يوسف ص 122 والقوانين الفقهية ص 175، والمنتقى 2 / 176، وروضة الطالبين 10 / 302، ومغني المحتاج 4 / 245 ورحمة الأمة 2 / 182، والميزان 2 / 189، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 42، وكشاف القناع 3 / 119، والإفصاح 2 / 294، الخراج لابن آدم ص 67.
(153) تبيين الحقائق 3 / 278، الهداية 2 / 164، وفتح القدير 5 / 294، والاختيار 4 / 138، والمقدمات 1 / 397، وحاشية الخرشي 3 / 144، ومنح الجليل 1 / 757، وبلغة السالك 1 / 367، وحاشية الدسوقي 2 / 201، والمهذب مع المجموع 18 / 232، وحاشية قليوبي 4 / 229، وكفاية الأخيار 2 / 133، والمغني 8 / 510، وكشاف القناع 3 / 120، والأحكام السلطانية للفراء ص 154، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 55، الإفصاح لابن هبيرة 2 / 294، ورحمة الأمة للدمشقي 2 / 182، والميزان للشعراني 2 / 184، والإجماع لابن المنذر ص 59.
(154) السنن الكبرى للبيهقي 9 / 194، عبد الرزاق: المصنف 6 / 46.
(155) الإجماع لابن المنذر ص 59، والمغني 8 / 510، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 56، وكتاب الروايتين والوجهين - 2 / 382، مكتبة المعارف بالرياض ط 1 - 1405 هـ.
(156) المغني 8 / 510.
(157) المعتمل: المتكسب.
(158) سورة البقرة / 286.
(159) السنن الكبرى 9 / 196.
(160) تبيين الحقائق 3 / 278، الهداية 2 / 160، فتح القدير 5 / 294، الاختيار 4 / 138، الفتاوى الهندية 2 / 244، حاشية ابن عابدين 4 / 197، مجمع الأنهر 1 / 672، الخراج لأبي يوسف ص 122، القوانين الفقهية ص 175، الكافي 1 / 479، حاشية الخرشي 3 / 145، منح الجليل 1 / 757، بلغة السالك 1 / 367، المغني 8 / 509، المبدع 3 / 409، الإنصاف 4 / 224، كشاف القناع 3 / 121، مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام ص 104، أحكام أهل الذمة 1 / 48، مغني المحتاج 4 / 246.
(161) المغني 8 / 509، والمبسوط 10 / 79، وفتح القدير 5 / 294.
(162) سورة البقرة / 280.
(163) سورة التوبة / 29.
(164) حديث: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا ". سبق تخريجه ف / 9.
(165) روضة الطالبين 10 / 307، المهذب مع المجموع 18 / 232، الأحكام السلطانية ص 145، مغني المحتاج 4 / 246، نهاية المحتاج 8 / 85، رحمة الأمة 2 / 180، الميزان للشعراني 2 / 185.
(166) تبيين الحقائق 3 / 278، البدائع 9 / 4331، فتح القدير 5 / 295، حاشية ابن عابدين 4 / 199، اللباب 4 / 145، مجمع الأنهر 1 / 672، بداية المجتهد 1 / 404، حاشية الدسوقي 2 / 201، الكافي لابن عبد البر 1 / 479، المنتقى 2 / 176، مواهب الجليل 3 / 381، حاشية الخرشي 3 / 142، مغني المحتاج 4 / 264، المغني 8 / 510، كشاف القناع 3 / 120، المبدع 3 / 410، الاختيارات جمع البعلي ص 319.
(167) تبيين الحقائق 3 / 278، الهداية 2 / 161، فتح القدير 5 / 294 - 295، بدائع الصنائع 9 / 4331، الخراج لأبي يوسف ص 122، الرتاج المرصد على خزانة كتاب الخراج - 2 / 99 - 101، الإرشاد ببغداد - 1975 م، والجوهرة النيرة 2 / 351، الاختيار 4 / 138.
(168) سورة التوبة / 29.
(169) روضة الطالبين 10 / 307، نهاية المحتاج 8 / 85، الأم 4 / 286، المهذب مع المجموع 18 / 232، مغني المحتاج 4 / 246، نهاية المحتاج 8 / 85، والأموال لأبي عبيد ص 58، والأموال لابن زنجويه 1 / 163.
(170) سورة التوبة / 29.
(171) البدائع 9 / 4331، فتح القدير 5 / 293، حاشية ابن عابدين 4 / 201، مجمع الأنهر 1 / 671، الاختيار 4 / 138، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 49، كشاف القناع 3 / 120، الإنصاف 4 / 222، مغني المحتاج 4 / 246، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 96.
(172) الكافي لابن عبد البر 1 / 479، حاشية الزرقاني على مختصر خليل 2 / 141، الشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي 2 / 201، منح الجليل 1 / 757، بلغة السالك 1 / 367، الخراج لأبي يوسف ص 123، الهداية 2 / 160، فتح القدير 5 / 293، الاختيار 4 / 138.
(173) الاختيار 4 / 138، الأموال لابن زنجويه 1 / 163 - 164.
(174) الخراج لأبي يوسف 144، والأموال لأبي عبيد 1 / 46 ط حجازي.
(175) سورة التوبة / 29.
(176) الأم 4 / 279، روضة الطالبين 10 / 307، المهذب مع المجموع 18 / 232، نهاية المحتاج 8 / 85، مغني المحتاج 4 / 246.
(177) المهذب مع المجموع 18 / 136، كشاف القناع 3 / 125.
(178) فتح القدير 5 / 288، تبيين الحقائق 3 / 276، الهداية 2 / 159، الاختيار 4 / 137، بدائع الصنائع 9 / 4331.
(179) نصب الراية 2 / 363، السنن الكبرى 9 / 216، الخراج لأبي يوسف ص 120، والأموال لأبي عبيد ص 40، والأموال لابن زنجويه 1 / 131.
(180) نصب الراية 3 / 447، الأموال لأبي عبيد ص 56، الأموال لابن زنجويه 1 / 160، والسنن الكبرى 9 / 196.
(181) المبسوط 10 / 78، البدائع 9 / 4332.
(182) العناية على الهداية 5 / 290، أحكام القرآن للجصاص 3 / 97، فتح القدير 5 / 290.
(183) بدائع الصنائع 9 / 4332، فتح القدير 5 / 219، الخراج لأبي يوسف ص 123 - 124.
(184) فتح القدير 5 / 291، الاختيار 4 / 137، وحاشية ابن عابدين 4 / 197.
(185) القوانين الفقهية ص 175، بداية المجتهد 1 / 404، المقدمات لابن رشد 1 / 395، حاشية الخرشي 3 / 145، بلغة السالك 1 / 367، حاشية الدسوقي 2 / 201، الموطأ مع تنوير الحوالك 1 / 264، والمنتقى 2 / 173.
(186) حاشية الدسوقي 2 / 202، بلغة السالك 1 / 367.
(187) روضة الطالبين 10 / 311، الغاية القصوى 2 / 957، حاشية قليوبي 4 / 233، نهاية المحتاج 8 / 87 - 88، مغني المحتاج 4 / 248، الأحكام السلطانية ص 144، المهذب مع المجموع 18 / 212، حاشية البجيرمي 4 / 272، سبل السلام 4 / 69، الأم 4 / 179.
(188) الأم 4 / 179، السنن الكبرى 9 / 195، الخراج لابن آدم ص 73، المنثور في القواعد 1 / 309. وحديث: " أن النبي ﷺ ضرب على نصراني بمكة يقال. . . ". أخرجه البيهقي (9 / 195 ط دار المعرفة) من طريق أبي الحويرث معاوية بن عبد الرحمن وهو صدوق سيء الحفظ (التقريب ص 351 ط دار الرشيد) وقد أرسله.
(189) سورة التوبة / 29.
(190) صحيح البخاري 4 / 62.
(191) المغني 8 / 502، كشاف القناع 3 / 121، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 27، المبدع 3 / 411، المذهب الأحمد ص 210، الإنصاف 4 / 227، كتاب الرواتين والوجهين 2 / 382، الأموال لأبي عبيد ص 57.
(192) البدائع 9 / 4330، القوانين الفقهية ص 175، جواهر الإكليل 1 / 266، نهاية المحتاج 8 / 87، المغني 8 / 500.
(193) بداية المجتهد 1 / 405، المقدمات لابن رشد 1 / 397، المنتقى 2 / 176، حاشية الخرشي 3 / 145، منح الجليل 1 / 758، المهذب مع المجموع 18 / 218، رحمة الأمة 2 / 181، الميزان 2 / 185، الإفصاح 2 / 294، المغني 8 / 504، المبدع 3 / 410، المذهب الأحمد ص 210، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 39، كشاف القناع 3 / 121، الإنصاف 4 / 229.
(194) حديث: " بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين. . . . " أخرجه البخاري (6 / 257 - 258 ط السلفية) من حديث عمر بن عوف.
(195) الأموال لأبي عبيد 381، الأموال لابن زنجويه 2 / 505 وإسناد ابن زنجويه صحيح.
(196) المغني 8 / 504، المنتقى 2 / 176، المقدمات 1 / 397، المهذب مع المجموع 18 / 219.
(197) فتح القدير 5 / 298، البدائع 9 / 4331، الفتاوى الهندية 2 / 244، حاشية ابن عابدين 4 / 196، مجمع الأنهر 1 / 672، والاختيار 4 / 137.
(198) سورة التوبة / 29.
(199) سورة البقرة / 222.
(200) أحكام القرآن للجصاص 3 / 100.
(201) سبق تخريج الحديث. فقرة / 10.
(202) الاختيار 4 / 137، فتح القدير 5 / 298، العناية على الهداية على هامش فتح القدير 5 / 298.
(203) الاختيار 4 / 139، مواهب الجليل 3 / 382، روضة الطالبين 10 / 313، المبدع 3 / 412، الإنصاف 4 / 229، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 99.
(204) الجامع لأحكام القرآن 8 / 115، المذهب الأحمد ص 211، الاختيارات الفقهية لابن تيمية جمع البعلي ص 319، الإنصاف 4 / 252.
(205) الجامع لأحكام القرآن 18 / 14.
(206) حديث: " ما أعطيكم ولا أمنعكم وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 217 - ط السلفية) .
(207) سورة النساء / 6.
(208) الخراج لأبي يوسف ص 36، والاختيار 4 / 145، الجامع لأحكام القرآن 18 / 14، الأحكام السلطانية للماوردي ص 16، الأحكام السلطانية للفراء ص 28.
(209) بدائع الصنائع 2 / 884، مواهب الجليل 2 / 364، مغني المحتاج 4 / 132.
(210) حديث: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء. . . " أخرجه البخاري (6 / 495 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1471 - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(211) نيل الأوطار 7 / 194.
(212) حديث: أنها ستكون بعدي أثره وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك. . . " أخرجه مسلم (3 / 1472 - ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
(213) حديث: " إن أمر عليكم عبد مجدع، أسود، يقودكم. . . " أخرجه مسلم (3 / 1468 - ط عيسى الحلبي) .
(214) القوانين الفقهية ص 393.
(215) البدائع 9 / 4402، كتاب السير ص 229، القوانين الفقهية ص 394، الأم 4 / 220، مغني المحتاج 4 / 133 الأحكام السلطانية للفراء ص 55، الإنصاف 10 / 318.
(216) حاشية القليوبي 4 / 234.
(217) المدونة 1 / 244، مواهب الجليل 2 / 364، الفروق 4 / 171.
(218) المبدع 9 / 144، الأحكام السلطانية للماوردي ص 63، الأحكام السلطانية للفراء ص 58.
(219) الأم 4 / 127، والأموال ص 59، وابن زنجويه في الأموال 1 / 164، والخراج ص 125.
(220) انظر: الاختيار 4 / 139، حاشية ابن عابدين 4 / 201، المنتقى 2 / 17، حاشية الخرشي 3 / 145، روضة الطالبين 10 / 315، مغني المحتاج 4 / 249، كفاية الأخيار 2 / 135، كشاف القناع 3 / 123، المبدع 3 / 412، الإنصاف 4 / 229، نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص 107، معالم القربى ص 99، منح الجليل 1 / 759، جامع البيان 10 / 77 - 78، زاد المسير 3 / 421.
(221) انظر: الخراج لأبي يوسف ص 122، الرتاج للرحبي 2 / 98، المنتقى للباجي 2 / 175، ونهاية المحتاج للرملي 8 / 87، والمغني لابن قدامة 8 / 504، زاد المعاد لابن القيم 2 / 90، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 29، وكشاف القناع للبهوتي 3 / 122، والمبدع لابن مفلح 3 / 411.
(222) الحديث سبق تخريجه.
(223) الأموال لأبي عبيد ص 63.
(224) حديث: صالح أهل نجران. . . " أخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (2 / 449 - ط مركز الملك فيصل) . مرسلا وضعفه المحقق للإرسال، ولأن في سنده عبيد الله بن أبي حميد وهو متروك (التقريب ص 370 - ط دار الرشيد) .
(225) الأموال لأبي عبيد ص 63.
(226) المرجع السابق ص 62 - 63.
(227) الخراج لأبي يوسف ص 122، وكتاب السير لمحمد بن الحسن ص 263، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 61، والمغني 8 / 521.
(228) الأموال لأبي عبيد ص 70.
(229) المغني 8 / 521.
(230) مغني المحتاج 4 / 253.
(231) حديث: " إن الله جل ثناؤه حرم الخمر وثمنها. . . " أخرجه أبو داود (3 / 756 - ط عزت عبيد الدعاس) والبيهقي (6 / 12 - ط دار المعرفة) . والدارقطني (3 / 7 - ط دار المحاسن) من حديث أبي هريرة. وحسن إسناده الأرناؤوط (جامع الأصول 1 / 450 - ط مكتبة دار البيان) . وله شواهد ذكرها الهيثمي في مجموع الزوائد (87 - 88 - ط دار الكتاب العربي) .
(232) حديث: " إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه " أخرجه أحمد (1 / 236 - ط دار المعارف) من حديث ابن عباس وصحح إسناده أحمد شاكر.
(233) مغني المتحاج 4 / 253.
(234) أي: استيفائه.
(235) الأموال لأبي عبيد ص 61، الأموال لابن زنجويه 1 / 167، وترى اللجنة أن ظاهر كلام الفقهاء إن الجزية تؤخذ في مواعيدها لكن يجوز تأخير المعسر إلى اليسار كما تقدم.
(236) الهداية 4 / 143، وتبيين الحقائق 3 / 236، والمهذب 2 / 252.
(237) المهذب مع المجموع 18 / 236، وكشاف القناع 3 / 126، المبدع 3 / 415، اختلاف الفقهاء للطبري ص 232، وتاريخ الأمم والملوك للطبري 4 / 18، الخراج لأبي يوسف ص 127.
(238) حديث: " لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي " أخرجه أبو داود (4 / 10 - ط عزت عبيد دعاس) . والترمذي (3 / 614 ط مصطفى الحلبي) وقال: حديث حسن صحيح.
(239) حديث: " فهلا جلس في بيت أبيه. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 220 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1463 - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي حميد الساعدي.
(240) معالم السنن للخطأبي 3 / 8.
(241) الخراج لأبي يوسف ص 111، 113، وانظر أيضا مصطلح (جباية) .
(242) الطريقة الأولى تقدمت في (ف / 59) .
(243) ابن الأثير النهاية في غريب الحديث 4 / 10.
(244) الرتاج 2 / 3 - 4، والخراج ص 124.
(245) تبيين الحقائق 3 / 278، بدائع الصنائع 9 / 4332، والخراج لأبي يوسف ص 122، والقوانين الفقهية ص 176، وبداية المجتهد 1 / 405، حاشية الدسوقي 2 / 202، والكافي لابن عبد البر 1 / 479، وروضة الطالبين 10 / 312، ومغني المحتاج 4 / 249، ورحمة الأمة للدمشقي 2 / 181، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 57، وكشاف القناع 3 / 122، والمذهب الأحمد لابن الجوزي ص 210، والمبدع 3 / 412.
(246) حديث: " ليس على المسلم جزية " أخرجه أبو داود (3 / 438 - ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (3 / 18 - ط مصطفى الحلبي) من حديث ابن عباس. ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه أعله بقابوس (نصب الراية 3 / 453 - ط المجلس العلمي) .
(247) الإجماع لابن المنذر ص 59.
(248) البدائع 9 / 4332.
(249) أحكام القرآن للجصاص 3 / 102.
(250) تبيين الحقائق 3 / 278، والهداية 2 / 161، وفتح القدير 5 / 295، وبدائع الصنائع 9 / 4332، وحاشية ابن عابدين 4 / 200، ومجمع الأنهر 1 / 672، والاختيار 4 / 138، وبداية المجتهد 1 / 405، والقوانين الفقهية ص 176، وحاشية الدسوقي 2 / 202، والكافي لابن عبد البر 1 / 479، والمقدمات على هامش المدونة لابن رشد 1 / 400، والمنتقى للباجي 2 / 175، والمبدع 3 / 412، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 57، وكشاف القناع 3 / 122، والإنصاف 4 / 228، والمذهب الأحمد ص 210.
(251) سورة التوبة / 29.
(252) سورة الأنفال / 38.
(253) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص 114.
(254) اختلاف الفقهاء للطبري ص 201.
(255) أحكام القرآن للجصاص 3 / 101، والأموال لأبي عبيد ص 66 - 68، والأموال لابن زنجويه 1 / 173، والموطأ بشرح السيوطي 1 / 265.
(256) بدائع الصنائع 9 / 4332، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 101، وفتح القدير 5 / 296، والاختيار 4 / 138، والمنتقى 2 / 176.
(257) حاشية قليوبي 4 / 232، والأم 4 / 286، والمهذب مع المجموع 18 / 219، رحمة الأمة 2 / 181، ونهاية المحتاج 8 / 88، ومغني المحتاج 4 / 249، والأحكام السلطانية للماوردي ص 145، والخراج لأبي يوسف ص 122، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 100، واختلاف الفقهاء للطبري ص 212.
(258) العناية شرح الهداية على هامش فتح القدير 5 / 295، ونهاية المحتاج للرملي 8 / 87.
(259) تبيين الحقائق 3 / 278، والهداية 2 / 161، وفتح القدير 5 / 295، والبدائع 9 / 4332، والخراج لأبي يوسف ص 123، وحاشية الدسوقي 2 / 202، والمنتقى للباجي 2 / 176، ومنح الجليل 1 / 759.
(260) البدائع للكاساني 9 / 4332، والاختيار 4 / 138، والمنتقى للباجي 2 / 176.
(261) روضة الطالبين 10 / 312، والأحكام السلطانية للماوردي ص 145، ومغني المحتاج 4 / 249، وحاشية القليوبي 4 / 232، ورحمة الأمة 2 / 181، والميزان للشعراني 2 / 185، والمغني 8 / 11، والمبدع 3 / 412، وكشاف القناع 3 / 123، والإنصاف 4 / 228، والمذهب الأحمد لابن الجوزي ص 210.
(262) الأموال لأبي عبيد ص 68 - 69، الأموال لابن زنجويه 1 / 178، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 60.
(263) حاشية الدسوقي 2 / 202، والمنتقى للباجي 2 / 176، ومنح الجليل 1 / 759، وروضة الطالبين 10 / 312، ورحمة الأمة للدمشقي 2 / 181، وأحكام القرآن لإليكا الهراسي 4 / 49، والمغني 8 / 512، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 61، والمبدع 3 / 412، وكشاف القناع 3 / 122، والخراج لأبي يوسف ص 123، والسير لمحمد بن الحسن ص 263.
(264) روضة الطالبين 10 / 312، والمغني 8 / 512، وكشاف القناع 3 / 122، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 61.
(265) الهداية 2 / 161، وفتح القدير 5 / 297، والبدائع 9 / 433، وحاشية ابن عابدين 4 / 200، وتبيين الحقائق 3 / 279.
(266) تبيين الحقائق 3 / 279، والبدائع 9 / 4333، والاختيار 4 / 139.
(267) الجامع لأحكام القرآن 3 / 373.
(268) بدائع الصنائع 9 / 4331، وتبيين الحقائق 3 / 278، والخراج لأبي يوسف ص 122، وحاشية الخرشي 3 / 145، بلغة السالك 1 / 367 - 368، ومنح الجليل 1 / 758، وحاشية الدسوقي 2 / 202.
(269) الأحكام السلطانية للماوردي ص 145، وروضة الطالبين 10 / 308، ونهاية المحتاج 8 / 88، والأم 4 / 279، ومغني المحتاج 4 / 246، وحاشية القليوبي 4 / 232، والمحلى 7 / 566.
(270) سورة البقرة / 280.
(271) كشاف القناع 3 / 122.
(272) تبيين الحقائق 3 / 278، والاختيار 3 / 142، وحاشية الدسوقي 2 / 202، وحاشية الخرشي 3 / 144، ومنح الجليل 1 / 759، والجامع لأحكام القرآن 8 / 112، وروضة الطالبين 10 / 307، ومغني المحتاج 4 / 346، وكشاف القناع 3 / 122.
(273) فتح القدير 5 / 295، وحاشية الخرشي 3 / 144، ومنح الجليل 1 / 759، وشرح المحلي على المنهاج 4 / 229، وكشاف القناع 3 / 122.
(274) حاشية ابن عابدين 4 / 200، والاختيار 4 / 138، شرح المحلي 4 / 230، والشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي 2 / 201، ومنح الجليل 1 / 757، الخراج لأبي يوسف ص 123، والأحكام السلطانية للماوردي ص 145، وكشاف القناع 3 / 122.
(275) البدائع 9 / 4402، والقوانين الفقهية ص 176، والفروق للقرافي 3 / 14 - 15، والمهذب للشيرازي 18 / 251، وبشرح المجموع الطبعة المصرية، مطالب أولي النهى 2 / 602، 603، والكافي لابن قدامة 3 / 364.
(276) فتوح البلدان ص 143، قال في النهاية المقلسون: هم الذين يلعبون بين يدي الأمير إذا وصل البلد، والواحد: مقلس. (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 4 / 100) ط. دار الفكر ببيروت.
(277) تفليس (بفتح التاء وسكون الفاء) : بلد بأرمينية الأولى. (معجم البلدان لياقوت 2 / 35 - 36) .
(278) فتوح البلدان للبلاذري ص 283 - 284.
(279) الفروق 3 / 14.
(280) حاشية الشلبي على شرح كنز الدقائق مع تبيين الحقائق 3 / 278، الأم 4 / 279، وكشاف القناع 3 / 125، والمنتقى 3 / 179.
(281) حديث: " إنا لا نستعين بمشرك " أخرجه أبو داود (3 / 172 - ط عزت عبيد الدعاس) وابن ماجه (2 / 945 - ط عيسى الحلبي) ، من حديث عائشة. وأصله في مسلم (3 / 1449 - 1450 - ط عيسى الحلبي) من حديثها كذلك.
(282) تبيين الحقائق 3 / 283، والخراج لأبي يوسف ص 124، وبدائع الصنائع 2 / 959، وحاشية ابن عابدين 4 / 217، الهداية 2 / 164، والاختيار 4 / 141، ومجمع الأنهر 1 / 677، وبداية المجتهد 1 / 407، الأم 4 / 140، والأحكام السلطانية للماوردي ص 144 وروضة الطالبين 6 / 354، ورحمة الأمة للدمشقي 2 / 179، وكفاية الأخيار للحصني 2 / 32.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 149/ 15