الأعلى
كلمة (الأعلى) اسمُ تفضيل من العُلُوِّ، وهو الارتفاع، وهو اسمٌ من...
حق مالي واجب معين، في مال معين، لأصناف مخصوصة، في وقت مخصوص . ومن أمثلته أداؤها فوراً على من وجبت عليه بشروطها . ومن شواهده قوله تَعَالَى : ﭽﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﭼالبقرة :٤٣ .
الزَّكاةُ: النَّماءُ والزِّيادَةُ والبَرَكَةُ، يُقال: زَكا المالُ يَزْكُو زَكاءً، أيْ: زادَ ونَما، وأَرْضٌ زَكِيَّةٌ: مُبارَكَةٌ طَيِّبَةٌ، وأَصْلُ الزَّكاةِ: الزِّيادَةُ، وقِيل: الطَّهارَةُ والنَّقاءُ، ومنه سُمِّيَ المالُ الذي يُخْرَجُ لِلْفُقَراءِ: زَكاةٌ؛ لأنَّ فيه تَطْهِيرًا لِلْمالِ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ مِن حَقِّ غَيْرِه، وتَنْمِيَةً وإِصْلاحًا لَهُ، وتأْتي الزَّكاةُ أيضًا بِمعنى الصَّلاحِ والاسْتِقامَةُ، ورَجُلٌ زَكِيٌّ، أيْ: صالِحٌ، ومِن مَعانِيها أيضًا: صَفْوَةُ الشَّيْءِ وخالِصُهُ والصَّدَقَة والمَدْحُ والحَلالُ والحُسْنُ والصِّيانَةُ.
يَرِد مُصْطلَح (زَكاة) في الفقه في كتاب الحُدودِ، باب: حَدّ الرِدَّةِ. ويُطْلَق في العَقيدَةِ، باب: تَوْحِيد الأُلُوهِيَّةِ، وفي كتاب الجامع للآداب، باب: تزكِيَة النُّفوس، ويُرادُ بِه: تَطْهيرُ النَّفْسِ مِن الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصي.
زكا
حق مالي واجب معين، في مال معين، لأصناف مخصوصة، في وقت مخصوص.
* العين : (5/394)
* تهذيب اللغة : (10/319)
* الفائق في غريب الحديث والأثر : (2/119)
* المحكم والمحيط الأعظم : (7/94)
* تاج العروس : (38/220)
* النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب : (1/139)
* العناية شرح الهداية : (1/481)
* حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : (1/431)
* شرح حدود ابن عرفة : (ص 71)
* فتح الباري شرح صحيح البخاري : (3/62)
* معجم مقاليد العلوم في التعريفات والرسوم : (ص 51)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (23/226) -
التَّعْرِيفُ:
1 - الزَّكَاةُ لُغَةً: النَّمَاءُ وَالرِّيعُ وَالزِّيَادَةُ، مِنْ زَكَا يَزْكُو زَكَاةً وَزَكَاءً، وَمِنْهُ قَوْل عَلِيٍّ ﵁: الْعِلْمُ يَزْكُو بِالإِْنْفَاقِ.
وَالزَّكَاةُ أَيْضًا الصَّلاَحُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} (1) . قَال الْفَرَّاءُ: أَيْ صَلاَحًا، وَقَال تَعَالَى: {وَلَوْلاَ فَضْل اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} (2) أَيْ مَا صَلُحَ مِنْكُمْ {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} (3) أَيْ يُصْلِحُ مَنْ يَشَاءُ. وَقِيل لِمَا يُخْرَجُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي الْمَال " زَكَاةٌ "، لأَِنَّهُ تَطْهِيرٌ لِلْمَال مِمَّا فِيهِ مِنْ حَقٍّ، وَتَثْمِيرٌ لَهُ، وَإِصْلاَحٌ وَنَمَاءٌ بِالإِْخْلاَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَزَكَاةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لَلأَْبْدَانِ. (4)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ عَلَى أَدَاءِ حَقٍّ يَجِبُ فِي أَمْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ، عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهِ الْحَوْل وَالنِّصَابُ. وَتُطْلَقُ الزَّكَاةُ أَيْضًا عَلَى الْمَال الْمُخْرَجِ نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: عَزَل زَكَاةَ مَالِهِ، وَالسَّاعِي يَقْبِضُ الزَّكَاةَ. وَيُقَال: زَكَّى مَالَهُ أَيْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ، وَالْمُزَكِّي: مَنْ يُخْرِجُ عَنْ مَالِهِ الزَّكَاةَ. وَالْمُزَكِّي أَيْضًا: مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ جَمْعِ الزَّكَاةِ. (5)
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ الزَّكَاةَ تُطْلَقُ عَلَى الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ، وَالنَّفَقَةِ وَالْحَقِّ، وَالْعَفْوِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعْرِيفَهَا فِي الشَّرْعِ (6) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّدَقَةُ:
2 - الصَّدَقَةُ: تُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ: الأَْوَّل: مَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ الْمَال قَاصِدًا بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَشْمَل مَا كَانَ وَاجِبًا وَهُوَ الزَّكَاةُ، وَمَا كَانَ تَطَوُّعًا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الزَّكَاةِ، أَيْ فِي الْحَقِّ الْوَاجِبِ خَاصَّةً، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (7) . وَالْمُصَدِّقُ - بِفَتْحِ الصَّادِ مُخَفَّفَةً - هُوَ السَّاعِي الَّذِي يَأْخُذُ الْحَقَّ الْوَاجِبَ فِي الأَْنْعَامِ، يُقَال: جَاءَ السَّاعِي فَصَدَقَ الْقَوْمَ، أَيْ أَخَذَ مِنْهُمْ زَكَاةَ أَنْعَامِهِمْ.
وَالْمُتَصَدِّقُ وَالْمُصَّدِّقُ - بِتَشْدِيدِ الصَّادِ - هُوَ مُعْطِي الصَّدَقَةِ (8) .
ب - الْعَطِيَّةُ:
3 - الْعَطِيَّةُ: هِيَ مَا أَعْطَاهُ الإِْنْسَانُ مِنْ مَالِهِ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُرِيدُ بِهِ التَّوَدُّدَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
4 - الزَّكَاةُ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الإِْسْلاَمِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ. وَقَدْ دَل عَلَى وُجُوبِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (9) . وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} (10) وَقَوْلُهُ: {وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} (11) . وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ (12)
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ وَذَكَرَ مِنْهَا إِيتَاءَ الزَّكَاةِ (13) وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرْسِل السُّعَاةَ لِيَقْبِضُوا الصَّدَقَاتِ، وَأَرْسَل مُعَاذًا إِلَى أَهْل الْيَمَنِ، وَقَال لَهُ: أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (14) . وَقَال ﷺ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّل لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُول: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ (15) . وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ عَلَى وُجُوبِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى قِتَال مَانِعِيهَا.
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَال عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِل النَّاسَ وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (16) .
فَقَال أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لأَُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال. وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا قَال عُمَرُ: فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ (17) .
أَطْوَارُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ:
5 - إِيتَاءُ الزَّكَاةِ كَانَ مَشْرُوعًا فِي مِلَل الأَْنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْل الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} (18) .
وَشُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ إِيتَاءُ الصَّدَقَةِ لِلْفُقَرَاءِ، مُنْذُ الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (19) وَبَعْضُ الآْيَاتِ الْمَكِّيَّةِ جَعَلَتْ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَال الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا مَعْلُومًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ} (20) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: اخْتُلِفَ فِي أَوَّل فَرْضِ الزَّكَاةِ فَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَادَّعَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ فَرْضَهَا كَانَ قَبْل الْهِجْرَةِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْل جَعْفَرٍ لِلنَّجَاشِيِّ: وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هَذِهِ الزَّكَاةَ الْمَخْصُوصَةَ ذَاتَ النِّصَابِ وَالْحَوْل.
قَال: وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ إِنَّمَا فُرِضَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ؛ لأَِنَّ الآْيَةَ الدَّالَّةَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ مَدَنِيَّةٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَال: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاةُ، ثُمَّ نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الزَّكَاةِ فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ (21) .
فَضْل إِيتَاءِ الزَّكَاةِ:
6 - يَظْهَرُ فَضْل الزَّكَاةِ مِنْ أَوْجُهٍ:
1 - اقْتِرَانُهَا بِالصَّلاَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَيْثُمَا وَرَدَ الأَْمْرُ بِالصَّلاَةِ اقْتَرَنَ بِهِ الأَْمْرُ بِالزَّكَاةِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} (22) . وَمِنْ هُنَا قَال أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاةِ: وَاَللَّهِ لأَُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.
2 - أَنَّهَا ثَالِثُ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ (23) . 3 - أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ فَرِيضَةٌ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ لأَِنَّهَا تَطَوُّعِيَّةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ (24) .
أَمَّا فَضْل إِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَيَأْتِي فِي مَبَاحِثِ: (صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) .
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الزَّكَاةِ:
7 - أ - أَنَّ الصَّدَقَةَ وَإِنْفَاقَ الْمَال فِي سَبِيل اللَّهِ يُطَهِّرَانِ النَّفْسَ مِنَ الشُّحِّ وَالْبُخْل، وَسَيْطَرَةِ حُبِّ الْمَال عَلَى مَشَاعِرِ الإِْنْسَانِ، وَيُزَكِّيهِ بِتَوْلِيدِ مَشَاعِرِ الْمُوَادَّةِ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي إِقَالَةِ الْعَثَرَاتِ، وَدَفْعِ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى.
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (25) ، وَفِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ، فَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الصَّدَقَاتِ حَدًّا أَدْنَى أَلْزَمَ الْعِبَادَ بِهِ، وَبَيَّنَ مَقَادِيرَهُ، قَال الدَّهْلَوِيُّ: إِذْ لَوْلاَ التَّقْدِيرُ لَفَرَّطَ الْمُفْرِطُ وَلاَعْتَدَى الْمُعْتَدِي. (26) ب - الزَّكَاةُ تَدْفَعُ أَصْحَابَ الأَْمْوَال الْمَكْنُوزَةِ دَفْعًا إِلَى إِخْرَاجِهَا لِتَشْتَرِكَ فِي زِيَادَةِ الْحَرَكَةِ الاِقْتِصَادِيَّةِ، يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ. (27)
ج - الزَّكَاةُ تَسُدُّ حَاجَةَ جِهَاتِ الْمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ وَبِذَلِكَ تَنْتَفِي الْمَفَاسِدُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ وَالْخُلُقِيَّةُ النَّاشِئَةُ عَنْ بَقَاءِ هَذِهِ الْحَاجَاتِ دُونَ كِفَايَةٍ.
أَحْكَامُ مَانِعِ الزَّكَاةِ:
إِثْمُ مَانِعِ الزَّكَاةِ:
8 - مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَدِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا هُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ عُقُوبَتَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلاَّ أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَل صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرَ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلاَ جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ (28) .
الْعُقُوبَةُ لِمَانِعِ الزَّكَاةِ:
9 - مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَهُوَ فِي قَبْضَةِ الإِْمَامِ تُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (29) وَمِنْ حَقِّهَا الزَّكَاةُ، قَال أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ: الزَّكَاةُ حَقُّ الْمَال " وَقَال ﵁: وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ. وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ إِذَا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا لاَ يُؤْخَذُ مَعَهَا مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ يُؤْخَذُ شَطْرُ مَالِهِ عُقُوبَةً لَهُ، مَعَ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فِي كُل سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي كُل أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لاَ تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لاَ يَحِل لآِل مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ (30) .
وَيُسْتَدَل لِقَوْل الْجُمْهُورِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ (31) .
وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَأْخُذُوا نِصْفَ أَمْوَال الأَْعْرَابِ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ.
فَأَمَّا مَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ قَبْضَةِ الإِْمَامِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، فَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُ؛ لأَِنَّ الصَّحَابَةَ قَاتَلُوا الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ أَدَائِهَا، فَإِنْ ظَفِرَ بِهِ أَخَذَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لَكِنْ مَنَعَهَا بُخْلاً أَوْ تَأَوُّلاً، وَلاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَلِذَا فَإِنْ مَاتَ فِي قِتَالِهِ عَلَيْهَا وَرِثَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ وَلاَ يُورَثُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا قَاتَل مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ قَالُوا: نُؤَدِّيهَا، قَال: لاَ أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَكُمْ فِي النَّارِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ. وَلَمْ يُنْقَل إِنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَدَل عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ مُنْكِرًا لِوُجُوبِهَا، فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً وَمِثْلُهُ يَجْهَل ذَلِكَ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ، أَوْ لأَِنَّهُ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الأَْمْصَارِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ وُجُوبَهَا وَلاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلاَدِ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فَيُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَيَكُونُ مُرْتَدًّا، وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ، لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. (32)
مَنْ تَجِبُ فِي مَالِهِ الزَّكَاةُ:
10 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَالِغَ الْعَاقِل الْمُسْلِمَ الْحُرَّ الْعَالِمَ بِكَوْنِ الزَّكَاةِ فَرِيضَةً، رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً تَجِبُ فِي مَالِهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَتَمَّتِ الشُّرُوطُ فِي الْمَال.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَمَا يَلِي:
أ - الزَّكَاةُ فِي مَال الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ:
11 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَال كُلٍّ مِنَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَبِهِ قَال ابْنُ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٌ، وَرَبِيعَةُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ (33) وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ؛ لأَِنَّ الْيَتِيمَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، إِذْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَبَرَّعَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ بِشَيْءٍ؛ وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ تُرَادُ لِثَوَابِ الْمُزَكِّي وَمُوَاسَاةِ الْفَقِيرِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ مِنْ أَهْل الثَّوَابِ وَأَهْل الْمُوَاسَاةِ عَلَى مَا قَال الشِّيرَازِيُّ، وَبِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَال، فَأَشْبَهَ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ. وَقَال الدَّرْدِيرُ: إِنَّمَا وَجَبَتْ فِي مَالِهِمَا لأَِنَّهَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ.
وَيَتَوَلَّى الْوَلِيُّ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِهِمَا؛ لأَِنَّ الْوَلِيَّ يَقُومُ مَقَامَهُمَا فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْحُقُوقِ، كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهَا زَكَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْوَلِيُّ وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالْمَجْنُونِ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ، إِخْرَاجُ زَكَاةِ مَا مَضَى.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَلاَ تُخْرَجُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، أَوْ يُفِيقَ الْمَجْنُونُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ الأَْدَاءِ، قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: احْصِ مَا يَجِبُ فِي مَال الْيَتِيمِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِذَا بَلَغَ فَأَعْلِمْهُ، فَإِنْ شَاءَ زَكَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُزَكِّ، أَيْ لاَ إِثْمَ عَلَى الْوَلِيِّ بَعْدَئِذٍ إِنْ لَمْ يُزَكِّ الصَّبِيُّ. وَذَهَبَ ابْنُ شُبْرُمَةَ إِلَى أَنَّ أَمْوَالَهُ الظَّاهِرَةَ مِنْ نَعَمٍ وَزَرْعٍ وَثَمَرٍ يُزَكَّى، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَلاَ.
وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لاَ يُزَكِّي حَتَّى يُصَلِّيَ وَيَصُومَ، وَقَال أَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لاَ زَكَاةَ فِي مَال الصَّبِيِّ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَجِبُ فِي مَال الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي زُرُوعِهِمَا وَثِمَارِهِمَا، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُمَا.
وَاسْتُدِل لِهَذَا الْقَوْل بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَىعَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ (34) .
وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلاَ تَتَأَدَّى إِلاَّ بِالاِخْتِيَارِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الاِبْتِلاَءِ، وَلاَ اخْتِيَارَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ الْعَقْل، وَقِيَاسًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الذِّمِّيِّ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِهِمَا لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى مُؤْنَةِ الأَْرْضِ، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ تَابِعٌ (35) . وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذَا زَكَاةُ مَال الْجَنِينِ مِنْ إِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ، ذَكَرَ فِيهِ النَّوَوِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ طَرِيقَيْنِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ، قَال: وَبِذَلِكَ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لأَِنَّ الْجَنِينَ لاَ يُتَيَقَّنُ حَيَاتُهُ وَلاَ يَوْثُقُ بِهَا، فَلاَ يَحْصُل تَمَامُ الْمِلْكِ وَاسْتِقْرَارُهُ، قَال: فَعَلَى هَذَا يَبْتَدِئُ حَوْل مَالِهِ مِنْ حِينِ يَنْفَصِل. (36)
ب - الزَّكَاةُ فِي مَال الْكَافِرِ:
12 - لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَال الْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ اتِّفَاقًا، حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ وَلأَِنَّهَا وَجَبَتْ طُهْرَةً لِلْمُزَكِّي، وَالْكَافِرُ لاَ طُهْرَةَ لَهُ مَا دَامَ عَلَى كُفْرِهِ.
وَأَخَذَ عُمَرُ ﵁ الزَّكَاةَ مُضَاعَفَةً مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عِنْدَمَا رَفَضُوا دَفْعَ الْجِزْيَةِ وَرَضُوا بِدَفْعِ الزَّكَاةِ (37) .
وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ؛ لأَِنَّهُ فِي حَقِيقَتِهِ جِزْيَةٌ، وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَهُوَ قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمُرْتَدُّ، فَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ فِي إِسْلاَمِهِ، وَذَلِكَ إِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل عَلَى النِّصَابِ لاَ يَسْقُطُ فِي قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ حَقُّ مَالٍ فَلاَ يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالدَّيْنِ، فَيَأْخُذُهُ الإِْمَامُ مِنْ مَالِهِ كَمَا يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ، فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ الزَّكَاةُ الَّتِي وَجَبَتْ فِي مَال الْمُرْتَدِّ قَبْل الرِّدَّةِ، لأَِنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةَ عِنْدَ الأَْدَاءِ، وَنِيَّتُهُ الْعِبَادَةَ وَهُوَ كَافِرٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَتَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالصَّلاَةِ، حَتَّى مَا كَانَ مِنْهَا زَكَاةَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ. (38) وَأَمَّا إِذَا ارْتَدَّ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل عَلَى النِّصَابِ فَلاَ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مِلْكَهُ لِمَالِهِ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ تَبَيَّنَ بَقَاءُ مِلْكِهِ وَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلاَّ فَلاَ. (39)
ج - مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ:
13 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الزَّكَاةِ مَفْرُوضَةً لَيْسَ شَرْطًا لِوُجُوبِهَا، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَرْبِيِّ إِذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ سَوَائِمُ وَمَكَثَ هُنَاكَ سِنِينَ وَلاَ عِلْمَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَيُخَاطَبُ بِأَدَائِهَا إِذَا خَرَجَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الزَّكَاةِ فَرِيضَةً شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَرْبِيِّ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ. (40)
د - مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الأَْدَاءِ:
14 - ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنَ الأَْدَاءِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَلَوْ حَال الْحَوْل ثُمَّ تَلِفَ الْمَال قَبْل أَنْ يَتَمَكَّنَ صَاحِبُهُ مِنَ الأَْدَاءِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَقَدْ قَال مَالِكٌ: إِنَّ الْمَالِكَ لَوْ أَتْلَفَ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل قَبْل إِمْكَانِ الأَْدَاءِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ أَدَائِهَا كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنَ الأَْدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا لِوُجُوبِهَا، لِمَفْهُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (41) . فَمَفْهُومُهُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ إِذَا حَال الْحَوْل، وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ، فَيَثْبُتُ وُجُوبُهَا فِي الذِّمَّةِ مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِ الأَْدَاءِ، كَثُبُوتِ الدُّيُونِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ. (42)
الزَّكَاةُ فِي الْمَال الْعَامِّ (أَمْوَال بَيْتِ الْمَال) :
14 م - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَال الْفَيْءِ، وَخُمُسَ الْغَنِيمَةِ، وَكُل مَا هُوَ تَحْتَ يَدِ الإِْمَامِ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى الصَّرْفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لاَ زَكَاةَ فِيهِ. (43)
وَلَمْ نَجِدْ لَدَى غَيْرِهِمْ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مُرَاعَاتِهَا فِي التَّطْبِيقِ، إِذْ لَمْ يُعْهَدْ عِلْمًا وَلاَ عَمَلاً أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنَ الأَْمْوَال الْعَامَّةِ.
الزَّكَاةُ فِي الأَْمْوَال الْمُشْتَرَكَةِ وَالأَْمْوَال الْمُخْتَلِفَةِ وَالأَْمْوَال الْمُتَفَرِّقَةِ:
15 - الَّذِي يُكَلَّفُ بِالزَّكَاةِ هُوَ الشَّخْصُ الْمُسْلِمُ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مَا يَمْلِكُهُ نِصَابًا وَحَال عَلَيْهِ الْحَوْل وَتَمَّتِ الشُّرُوطُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَ الْمَال شَرِكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَكَانَ الْمَال نِصَابًا فَأَكْثَرَ فَلاَ زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُهُ نِصَابًا، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَيْءٌ، وَيُسْتَثْنَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ - وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ - السَّائِمَةُ الْمُشْتَرَكَةُ فَإِنَّهَا تُعَامَل مُعَامَلَةَ مَال رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَفِي النِّصَابِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَا السَّائِمَةُ الْمُخْتَلِطَةُ - أَيِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ حَقُّ كُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ فِيهَا لَكِنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي الْمَرْعَى وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَرَافِقِ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الْمَال الْمُشْتَرَكَ وَالْمَال الْمُخْتَلِطَ يُعَامَل مُعَامَلَةَ مَال رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي النِّصَابِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَجَّحَ الْعَمَل بِهَا بَعْضُهُمْ كَابْنِ عَقِيلٍ وَالآْجُرِّيِّ. (44) وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (45) . وَلِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ وَالْخِلاَفِ فِيهِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (خُلْطَة) .
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَال فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إِنْ كَانَ مَال الرَّجُل مُفَرَّقًا بَيْن بَلَدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَوَاشِي فَلاَ أَثَرَ لِتَفَرُّقِهِ، بَل يُزَكَّى زَكَاةَ مَالٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَوَاشِي وَكَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةُ قَصْرٍ فَأَكْثَرُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَجَّحَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ كُل مَالٍ مِنْهَا يُزَكَّى مُنْفَرِدًا عَمَّا سِوَاهُ، فَإِنْ كَانَ كِلاَ الْمَالَيْنِ نِصَابًا زَكَّاهُمَا كَنِصَابَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالآْخَرُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ زَكَّى مَا تَمَّ نِصَابًا دُونَ الآْخَرِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْل عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ اجْتِمَاعُ مَال الْجَمَاعَةِ حَال الْخُلْطَةِ فِي مَرَافِقِ الْمِلْكِ وَمَقَاصِدِهِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ حَتَّى جَعَلَهُ كَمَالٍ وَاحِدٍ وَجَبَ تَأْثِيرُ الاِفْتِرَاقِ الْفَاحِشِ فِي الْمَال الْوَاحِدِ حَتَّى يَجْعَلَهُ كَمَالَيْنِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلأَِنَّ كُل مَالٍ تُخْرَجُ زَكَاتُهُ بِبَلَدِهِ. (46)
شُرُوطُ الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ:
16 - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ شُرُوطٌ:
1 - كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ.
2 - وَكَوْنُ مَمْلُوكِيَّتِهِ مُطْلَقَةً (أَيْ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا رَقَبَةً وَيَدًا) .
3 - وَكَوْنُهُ نَامِيًا.
4 - وَأَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَاتِ الأَْصْلِيَّةِ.
5 - حَوَلاَنُ الْحَوْل.
6 - وَبُلُوغُهُ نِصَابًا، وَالنِّصَابُ فِي كُل نَوْعٍ مِنَ الْمَال بِحَسَبِهِ.
7 - وَأَنْ يَسْلَمَ مِنْ وُجُودِ الْمَانِعِ، وَالْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَالِكِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ.
17 - الشَّرْطُ الأَْوَّل: كَوْنُ الْمَال مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ:
فَلاَ زَكَاةَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَجِبُ فِي سَوَائِمِ الْوَقْفِ، وَالْخَيْل الْمُسَبَّلَةِ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ.
قَالُوا: لأَِنَّ فِي الزَّكَاةِ تَمْلِيكًا، وَالتَّمْلِيكُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لاَ يُتَصَوَّرُ، قَالُوا: وَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالإِْحْرَازِ، فَزَال مِلْكُ الْمُسْلِمِ عَنْهُ. (47)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ زَكَاةَ فِي الْمُوصَى بِهِ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ. وَتَجِبُ فِي الْمَوْقُوفِ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَسَاجِدَ، أَوْ بَنِي تَمِيمٍ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُمْ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ، فَلَوْ وَقَفَ نُقُودًا لِلسَّلَفِ يُزَكِّيهَا الْوَاقِفُ أَوِ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهَا مِنْهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مِلْكِهَا، أَوْ زَكَّاهَا إِنْ كَانَتْ نِصَابًا، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَتَسَلَّفْهَا أَحَدٌ، فَإِنْ تَسَلَّفَهَا أَحَدٌ زُكِّيَتْ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ. (48)
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ، أَوْ كَانَ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لاَ يَتَعَيَّنُ لَهُ مَالِكٌ لاَ زَكَاةَ فِيهِ. وَكَذَا النَّقْدُ الْمُوصَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، أَوْ لِيُشْتَرَى بِهِ وَقْفٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، بِخِلاَفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ: لاَ تَجِبُ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ يَنْتَقِل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لاَ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. (49)
18 - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِلْكِيَّةُ الْمَال مُطْلَقَةً:
وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُمْ بِالْمِلْكِ التَّامِّ: وَهُوَ مَا كَانَ فِي يَدِ مَالِكِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ.
وَالْمِلْكُ النَّاقِصُ يَكُونُ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَال مُعَيَّنَةٍ، مِنْهَا:
1 - مَال الضِّمَارِ: وَهُوَ كُل مَالٍ مَالِكُهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ لِكَوْنِ يَدِهِ لَيْسَتْ عَلَيْهِ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، كَالْبَعِيرِ الضَّال، وَالْمَال الْمَفْقُودِ، وَالْمَال السَّاقِطِ فِي الْبَحْرِ، وَالْمَال الَّذِي أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مُصَادَرَةً، وَالدَّيْنِ الْمَجْحُودِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَال الْمَغْصُوبِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى أَخْذِهِ، وَالْمَسْرُوقِ الَّذِي لاَ يَدْرِي مَنْ سَرَقَهُ، وَالْمَال الْمَدْفُونِ فِي الصَّحْرَاءِ إِذَا خَفِيَ عَلَى الْمَالِكِ مَكَانُهُ، فَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الْبَيْتِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَيْ لأَِنَّهُ فِي مَكَانٍ مَحْدُودٍ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ فِي مَال الضِّمَارِ زَكَاةٌ
وَلأَِنَّ الْمَال إِذَا لَمْ يَكُنْ الاِنْتِفَاعُ بِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ مَقْدُورًا لاَ يَكُونُ الْمَالِكُ بِهِ غَنِيًّا. قَالُوا:
وَهَذَا بِخِلاَفِ ابْنِ السَّبِيل (أَيِ الْمُسَافِرِ عَنْ وَطَنِهِ) فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِهِ؛ لأَِنَّ مَالِكَهُ يَقْدِرُ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَكَذَا الدَّيْنُ الْمُقَرُّ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَى مَلِيءٍ (50) . وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْمَال الضَّائِعَ وَنَحْوَهُ كَالْمَدْفُونِ فِي صَحْرَاءَ إِذَا ضَل صَاحِبُهُ عَنْهُ أَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لاَ يُحَاطُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُزَكَّى لِعَامٍ وَاحِدٍ إِذَا وَجَدَهُ صَاحِبُهُ وَلَوْ بَقِيَ غَائِبًا عَنْهُ سِنِينَ (51) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَال الضَّائِعِ وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ دَفْعُهَا حَتَّى يَعُودَ الْمَال. فَإِنْ عَادَ يُخْرِجُهَا صَاحِبُهُ عَنِ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ كُلِّهَا؛ لأَِنَّ السَّبَبَ الْمِلْكُ، وَهُوَ ثَابِتٌ. قَالُوا: لَكِنْ لَوْ تَلِفَ الْمَال، أَوْ ذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ. وَكَذَا عِنْدَهُمُ الْمَال الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ لاِنْقِطَاعِ خَبَرِهِ، أَوِ انْقِطَاعِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ (52) .
وَالْمَال الْمَوْرُوثُ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ إِلاَّ بَعْدَ قَبْضِهِ، يَسْتَقْبِل بِهِ الْوَارِثُ حَوْلاً، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَقَامَ سِنِينَ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَارِثُ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. (53)
الزَّكَاةُ فِي مَال الأَْسِيرِ، وَالْمَسْجُونِ وَنَحْوِهِ:
19 - مَنْ كَانَ مَأْسُورًا أَوْ مَسْجُونًا قَدْ حِيل بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ، ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا نَفَذَ، وَكَذَا لَوْ وَكَّل فِي مَالِهِ نَفَذَتِ الْوَكَالَةُ. (54)
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ كَوْنَ الرَّجُل مَفْقُودًا أَوْ أَسِيرًا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ فِي حَقِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِ الْبَاطِنَةِ، لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مَغْلُوبًا عَلَى عَدَمِ التَّنْمِيَةِ فَيَكُونُ مَالُهُ حِينَئِذٍ كَالْمَال الضَّائِعِ، وَلِذَا يُزَكِّيهَا إِذَا أُطْلِقَ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَالأَْمْوَال الضَّائِعَةِ. وَفِي قَوْل الأُْجْهُورِيِّ وَالزَّرْقَانِيِّ: لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا أَصْلاً. وَفِي قَوْل الْبُنَانِيِّ: لاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنِ الأَْسِيرِ وَالْمَفْقُودِ، بَل تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمَا كُل عَامٍ، لَكِنْ لاَ يَجِبُ الإِْخْرَاجُ مِنْ مَالِهِمَا بَل يَتَوَقَّفُ مَخَافَةَ حُدُوثِ الْمَوْتِ. (55)
أَمَّا الْمَال الظَّاهِرُ فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْفَقْدَ وَالأَْسْرَ لاَ يُسْقِطَانِ زَكَاتَهُ؛ لأَِنَّهُمَا مَحْمُولاَنِ عَلَى الْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِهِمَا الظَّاهِرِ وَتُجْزِئُ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ نِيَّةَ الْمُخْرِجِ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ. (56)
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
زَكَاةُ الدَّيْنِ:
20 - الدَّيْنُ مَمْلُوكٌ لِلدَّائِنِ، وَلَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ صَاحِبِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ: فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَعِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ، فَلَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ، كَعُرُوضِ الْقَنِيَّةِ (وَهِيَ الْعُرُوض الَّتِي تُقْتَنَى لأَِجْل الاِنْتِفَاعِ الشَّخْصِيِّ) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْحَال قِسْمَانِ: دَيْنٌ حَالٌّ مَرْجُوُّ الأَْدَاءِ، وَدَيْنٌ حَالٌّ غَيْرُ مَرْجُوِّ الأَْدَاءِ.
21 - فَالدَّيْنُ الْحَال الْمَرْجُوُّ الأَْدَاءِ: هُوَ مَا كَانَ عَلَى مُقِرٍّ بِهِ بَاذِلٍ لَهُ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ: أَنَّ زَكَاتَهُ تَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ كُل عَامٍ لأَِنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ لَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِكُل مَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل: أَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الإِْخْرَاجُ قَبْل قَبْضِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْحَال، وَلَيْسَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَالٍ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ. عَلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي يَقْدِرُ صَاحِبُهَا أَنْ يَأْخُذَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، بَل يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا عِنْدَ الْحَوْل. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الأَْظْهَرِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الدَّيْنِ الْمَرْجُوِّ الأَْدَاءِ فِي نِهَايَةِ كُل حَوْلٍ، كَالْمَال الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِوَالتَّصَرُّفِ فِيهِ. (57)
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ الدَّيْنَ أَنْوَاعًا: فَبَعْضُ الدُّيُونِ يُزَكَّى كُل عَامٍ وَهِيَ دَيْنُ التَّاجِرِ الْمُدِيرِ عَنْ ثَمَنِ بِضَاعَةٍ تِجَارِيَّةٍ بَاعَهَا، وَبَعْضُهَا يُزَكَّى لِحَوْلٍ مِنْ أَصْلِهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ قَبْضِهِ وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْمَدِينِ سِنِينَ، وَهُوَ مَا أَقْرَضَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ نَقْدٍ، وَكَذَا ثَمَنُ بِضَاعَةٍ بَاعَهَا مُحْتَكِرٌ، وَبَعْضُ الدُّيُونِ لاَ زَكَاةَ فِيهِ، وَهُوَ مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنْ نَحْوِ هِبَةٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ عِوَضِ جِنَايَةٍ. (58)
22 - وَأَمَّا الدَّيْنُ غَيْرُ الْمَرْجُوِّ الأَْدَاءِ، فَهُوَ مَا كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ جَاحِدٍ أَوْ مُمَاطِلٍ، وَفِيهِ مَذَاهِبُ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْل قَتَادَةَ وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلٌ مُقَابِلٌ لِلأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ تَمَامِ الْمِلْكِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ هُوَ الأَْظْهَرُ: أَنَّهُ يُزَكِّيهِ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي الدَّيْنِ الْمَظْنُونِ " إِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُزَكِّهِ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ يُزَكِّيهِ إِذَا قَبَضَهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الْمَدِينِ أَعْوَامًا. وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ وَاللَّيْثِ، وَالأَْوْزَاعِيِّ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَا كَانَ مِنَ الدَّيْنِ مَاشِيَةً فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الزَّكَاةِ فِي الْمَاشِيَةِ عِنْدَهُمُ السَّوْمُ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لاَ يَتَّصِفُ بِالسَّوْمِ. (59)
الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل:
23 - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ قَبْضِهِ فِي الْحَال فَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ إِذَا قَبَضَهُ عَنْ جَمِيعِ السَّنَوَاتِ السَّابِقَةِ.
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ زَكَاتِهِ عِنْدَ الْحَوْل وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ. (60)
وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤَجَّل وَالْحَال.
أَقْسَامُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
24 - ذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ الدُّيُونَ كُلَّهَا نَوْعٌ وَاحِدٌ، فَكُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا مِنْهَا زَكَّاهُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ نِصَابًا أَوْ بَلَغَ بِضَمِّهِ إِلَى مَا عِنْدَهُ نِصَابًا. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: الدَّيْنُ الْقَوِيُّ: وَهُوَ مَا كَانَ بَدَل مَالٍ زَكَوِيٍّ، كَقَرْضِ نَقْدٍ، أَوْ ثَمَنِ مَال سَائِمَةٍ، أَوْ عَرَضِ تِجَارَةٍ. فَهَذَا كُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا مِنْهُ زَكَّاهُ وَلَوْ قَلِيلاً (مَعَ مُلاَحَظَةِ مَذْهَبِهِ فِي الْوَقْصِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَلاَ زَكَاةَ فِي الْمَقْبُوضِ مِنْ دَيْنِ دَرَاهِمَ مَثَلاً إِلاَّ إِذَا بَلَغَتْ 40 دِرْهَمًا وَيَكُونُ فِيهَا دِرْهَمٌ) وَحَوْلُهُ حَوْل أَصْلِهِ؛ لأَِنَّ أَصْلَهُ زَكَوِيٌّ فَيُبْنَى عَلَى حَوْل أَصْلِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
الثَّانِي: الدَّيْنُ الضَّعِيفُ: وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَنَ مَبِيعٍ وَلاَ بَدَلاً لِقَرْضِ نَقْدٍ، وَمِثَالُهُ الْمَهْرُ وَالدِّيَةُ وَبَدَل الْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ، فَهَذَا مَتَى قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ غَيْرُهُ قَدِ انْعَقَدَ حَوْلُهُ يُزَكِّيهِ مَعَهُ كَالْمَال الْمُسْتَفَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهِ نِصَابٌ فَإِنَّهُ لاَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِلاَّ إِذَا قَبَضَ مِنْهُ نِصَابًا وَحَال عَلَيْهِ الْحَوْل عِنْدَهُ مُنْذُ قَبْضِهِ؛ لأَِنَّهُ بِقَبْضِهِ أَصْبَحَ مَالاً زَكَوِيًّا.
الثَّالِثُ: الدَّيْنُ الْمُتَوَسِّطُ: وَهُوَ مَا كَانَ ثَمَنَ عَرَضِ قُنْيَةٍ مِمَّا لاَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَثَمَنِ دَارِهِ أَوْ مَتَاعِهِ الْمُسْتَغْرَقِ بِالْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ.
فَفِي رِوَايَةٍ، يُعْتَبَرُ مَالاً زَكَوِيًّا مِنْ حِينِ بَاعَ مَا بَاعَهُ فَتَثْبُتُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى مِنَ الْوَقْتِ، وَلاَ يَجِبُ الأَْدَاءُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَتِمَّ مَا يَقْبِضُهُ مِنْهُ نِصَابًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لاَ يَبْتَدِئُ حَوْلُهُ إِلاَّمِنْ حِينِ يَقْبِضُ مِنْهُ نِصَابًا، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ أَصْبَحَ زَكَوِيًّا، فَصَارَ كَالْحَادِثِ ابْتِدَاءً. (61)
الأُْجُورُ الْمَقْبُوضَةُ سَلَفًا:
25 - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَنَقَلَهُ الْكَاسَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْل الْبُخَارِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الأُْجْرَةَ الْمُعَجَّلَةَ لِسِنِينَ إِذَا حَال عَلَيْهَا الْحَوْل تَجِبُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ زَكَاتُهَا كُلِّهَا، لأَِنَّهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ. بِدَلِيل جَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا يَلْحَقُهُ دَيْنٌ بَعْدَ الْحَوْل بِالْفَسْخِ الطَّارِئِ. (62)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ زَكَاةَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فِيمَا قَبَضَهُ مُقَدَّمًا إِلاَّ بِتَمَامِ مِلْكِهِ، فَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ ثَلاَثَ سِنِينَ بِسِتِّينَ دِينَارًا، كُل سَنَةٍ بِعِشْرِينَ، وَقَبَضَ السِّتِّينَ مُعَجَّلَةً وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، فَإِذَا مَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَوْلٌ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ أُجْرَةُ السَّنَةِ الأُْولَى لَمْ يَتَحَقَّقْ مِلْكُهُ لَهَا إِلاَّ بِانْقِضَائِهَا؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ بِمَثَابَةِ الْوَدِيعَةِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا حَوْلاً كَامِلاً، فَإِذَا مَرَّ الْحَوْل الثَّانِي زَكَّى عِشْرِينَ، وَإِذَا مَرَّ الثَّالِثُ زَكَّى أَرْبَعِينَ إِلاَّ مَا أَنْقَصَتْهُ الزَّكَاةُ، فَإِذَا مَرَّ الرَّابِعُ زَكَّى الْجَمِيعَ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ تَجِبُ إِلاَّ زَكَاةُ مَا اسْتَقَرَّ؛ لأَِنَّ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ، فَتَجِبُ زَكَاةُ الْعِشْرِينَ الأُْولَى بِتَمَامِ الْحَوْل الأَْوَّل، لأَِنَّ الْغَيْبَ كَشَفَ أَنَّهُ مَلَكَهَا مِنْ أَوَّل الْحَوْل. وَإِذَا تَمَّ الْحَوْل الثَّانِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ وَهِيَ الَّتِي زَكَّاهَا فِي آخِرِ السَّنَةِ الأُْولَى، وَزَكَاةُ عِشْرِينَ لِسَنَتَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا مِلْكُهُ الآْنَ، وَهَكَذَا. (63)
وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
زَكَاةُ الثَّمَنِ الْمَقْبُوضِ عَنْ بَضَائِعَ لَمْ يَجْرِ تَسْلِيمُهَا:
26 - إِذَا اشْتَرَى مَالاً بِنِصَابِ دَرَاهِمَ، أَوْ أَسْلَمَ نِصَابًا فِي شَيْءٍ فَحَال الْحَوْل قَبْل أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، أَوْ يَقْبِضَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ، وَالْعَقْدُ بَاقٍ لَمْ يَجْرِ فَسْخُهُ، قَال الْحَنَابِلَةُ: زَكَاةُ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِيهِ. ثُمَّ لَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ لِتَلَفِ الْمَبِيعُ، أَوْ تَعَذَّرَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ، وَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلاً.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِمَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الْبِضَاعَةَ الْمُشْتَرَاةَ إِذَا حَال عَلَيْهَا الْحَوْل مِنْ حِينِ لُزُومِ الْعَقْدِ تَجِبُ زَكَاتُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا. (64)
27 - الشَّرْطُ الثَّالِثُ: النَّمَاءُ:
وَوَجْهُ اشْتِرَاطِهِ عَلَى مَا قَال ابْنُ الْهُمَامِ، أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِيَّةِ الزَّكَاةِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى الاِبْتِلاَءِ مُوَاسَاةُ الْفُقَرَاءِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَصِيرُ بِهِ الْمُزَكِّي فَقِيرًا، بِأَنْ يُعْطِيَ مِنْ فَضْل مَالِهِ قَلِيلاً مِنْ كَثِيرٍ، وَالإِْيجَابُ فِي الْمَال الَّذِي لاَ نَمَاءَ لَهُ يُؤَدِّي إِلَى خِلاَفِ ذَلِكَ مَعَ تَكَرُّرِ السِّنِينَ. (65)
قَالُوا: وَالنَّمَاءُ مُتَحَقِّقٌ فِي السَّوَائِمِ بِالدَّرِّ وَالنَّسْل، وَفِي الأَْمْوَال الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ، وَالأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ الْعُشْرِيَّةِ، وَسَائِرِ الأَْمْوَال الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ النَّمَاءِ بِالْفِعْل بَل تَكْفِي الْقُدْرَةُ عَلَى الاِسْتِنْمَاءِ بِكَوْنِ الْمَال فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ نَائِبِهِ.
وَبِهَذَا الشَّرْطِ خَرَجَتِ الثِّيَابُ الَّتِي لاَ تُرَادُ لِتِجَارَةٍ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا أَوْ لاَ، وَأَثَاثُ الْمَنْزِل، وَالْحَوَانِيتُ، وَالْعَقَارَاتُ، وَالْكُتُبُ لأَِهْلِهَا أَوْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَخَرَجَتِ الأَْنْعَامُ الَّتِي لَمْ تُعَدَّ لِلدَّرِّ وَالنَّسْل، بَل كَانَتْ مُعَدَّةً لِلْحَرْثِ، أَوِ الرُّكُوبِ، أَوِ اللَّحْمِ. (66)
وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا النَّمَاءُ بِالْفِعْل؛ لأَِنَّهُمَا لِلنَّمَاءِ خِلْقَةٌ، (67) فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِمَا، نَوَى التِّجَارَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلاً، أَوْ نَوَى النَّفَقَةَ.
قَالُوا: وَفَقْدُ النَّمَاءِ سَبَبٌ آخَرُ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَال الضِّمَارِ بِأَنْوَاعِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ نَمَاءَ إِلاَّ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَمَال الضِّمَارِ لاَ قُدْرَةَ عَلَيْهِ. (68)
وَهَذَا الشَّرْطُ يُصَرِّحُ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُرَاعِيهِ غَيْرُهُمْ فِي تَعْلِيلاَتِهِمْ دُونَ تَصْرِيحٍ بِهِ.
28 - الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَاجَاتِ الأَْصْلِيَّةِ:
وَهَذَا الشَّرْطُ يَذْكُرُهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ قَالُوا: لاَ زَكَاةَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ الْمُقْتَنَاةِ لأَِهْلِهَا وَغَيْرِ أَهْلِهَا وَلَوْ كَانَتْ تُسَاوِي نُصُبًا، وَكَذَا دَارُ السُّكْنَى وَأَثَاثُ الْمَنْزِل وَدَوَابُّ الرُّكُوبِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَالُوا: لأَِنَّ الْمَشْغُول بِالْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ كَالْمَعْدُومِ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ مَلَكٍ بِمَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْهَلاَكَ تَحْقِيقًا كَثِيَابِهِ، أَوْ تَقْدِيرًا كَدِينِهِ.
وَقَدْ جَعَل ابْنُ مَلَكٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ نِصَابُ دَرَاهِمَ أَمْسَكَهَا بِنِيَّةِ صَرْفِهَا إِلَى الْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا إِذَا حَال عَلَيْهَا الْحَوْل عِنْدَهُ، لَكِنِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ، بِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي النَّقْدِ كَيْفَمَا أَمْسَكَهُ لِلنَّمَاءِ أَوْ لِلنَّفَقَةِ، وَنَقَلَهُ عَنِ الْمِعْرَاجِ وَالْبَدَائِعِ. (69)
وَلَمْ يَذْكُرْ أَيٌّ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ هَذَا الشَّرْطَ مُسْتَقِلًّا، وَلَعَلَّهُ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ أَوْجَبَهَا الشَّرْعُ فِي أَجْنَاسٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمَال إِذَا حَال الْحَوْل عَلَى نِصَابٍ كَامِلٍ مِنْهَا، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَاسْتِغْنَاءً بِشَرْطِ النَّمَاءِ. وَالنَّتِيجَةُ وَاحِدَةٌ.
29 - الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْحَوْل:
الْمُرَادُ بِالْحَوْل أَنْ يَتِمَّ عَلَى الْمَال بِيَدِ صَاحِبِهِ سَنَةً كَامِلَةً قَمَرِيَّةً، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ مَالٌ آخَرُ بَلَغَ نِصَابًا قَدِ انْعَقَدَ حَوْلُهُ، وَكَانَ الْمَالاَنِ مِمَّا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ، فَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، أَنَّ الثَّانِيَ يُزَكَّى مَعَ الأَْوَّل عِنْدَ تَمَامِ حَوْل الأَْوَّل، (70) كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ تَفْصِيلاً.
وَدَلِيل اعْتِبَارِ الْحَوْل قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (71) . وَيُسْتَثْنَى مِنِ اشْتِرَاطِ الْحَوْل فِي الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ الْخَارِجُ مِنَ الأَْرْضِ مِنَ الْغِلاَل الزِّرَاعِيَّةِ، وَالْمَعَادِنُ، وَالرِّكَازُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَحُل الْحَوْل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الزُّرُوعِ {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (72) وَلأَِنَّهَا نَمَاءٌ بِنَفْسِهَا فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الْحَوْل، إِذْ أَنَّهَا تَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى النَّقْصِ، بِخِلاَفِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْل فَهُوَ مُرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ فِي النَّوْعَيْنِ فِي مَوْضِعِهِ. وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ مَا أُرْصِدَ لِلنَّمَاءِ اعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْل، لِيَكُونَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنَ النَّمَاءِ لأَِنَّهُ أَيْسَرُ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَمْ يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ النَّمَاءِ؛ لأَِنَّهُ لاَ ضَابِطَ لَهُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ، فَاعْتُبِرَ الْحَوْل. (73)
الْمَال الْمُسْتَفَادُ أَثْنَاءَ الْحَوْل:
30 - إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ مَالٌ فَاسْتَفَادَ مَالاً زَكَوِيًّا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ وَلاَ يَنْعَقِدُ حَوْلُهُ، فَإِنْ تَمَّ عِنْدَهُ نِصَابٌ انْعَقَدَ الْحَوْل مِنْ يَوْمَ تَمَّ النِّصَابُ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِنْ بَقِيَ إِلَى تَمَامِ الْحَوْل.
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ، وَقَبْل أَنْ يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل اسْتَفَادَ مَالاً مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ النِّصَابِ أَوْ مِمَّا يُضَمُّ إِلَيْهِ، فَلَهُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ نَمَاءِ الْمَال الأَْوَّل. كَرِبْحِ التِّجَارَةِ، وَنِتَاجِ السَّائِمَةِ، فَهَذَا يُزَكَّى مَعَ الأَْصْل عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْل. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا، لأَِنَّهُ تَبَعٌ لِلنِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ، فَأَشْبَهَ النَّمَاءَ الْمُتَّصِل.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَال الَّذِي عِنْدَهُ، كَأَنْ يَكُونَ مَالُهُ إِبِلاً فَيَسْتَفِيدُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يُزَكَّى عِنْدَ حَوْل الأَْصْل. بَل يَنْعَقِدُ حَوْلُهُ يَوْمَ اسْتِفَادَتِهِ إِنْ كَانَ نِصَابًا، اتِّفَاقًا، مَا عَدَا قَوْلاً شَاذًّا أَنَّهُ يُزَكِّيهِ حِينَ يَسْتَفِيدُهُ.
وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى هَذَا الْقَوْل أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلاَ قَال بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفُتْيَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَفِيدَ مَالاً مِنْ جِنْسِ نِصَابٍ عِنْدَهُ قَدِ انْعَقَدَ حَوْلُهُ وَلَيْسَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ نَمَاءِ الْمَال الأَْوَّل. كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ مِثْقَالاً ذَهَبًا مَلَكَهَا فِي أَوَّل الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ يَسْتَفِيدُ أَلْفَ مِثْقَالٍ فِي أَوَّل ذِي الْحِجَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ يُضَمُّ إِلَى الأَْوَّل فِي النِّصَابِ دُونَ الْحَوْل، فَيُزَكِّي الأَْوَّل عِنْدَ حَوْلِهِ أَيْ فِي أَوَّل الْمُحَرَّمِ فِي الْمِثَال الْمُتَقَدِّمِ، وَيُزَكِّي الثَّانِيَ لِحَوْلِهِ أَيْ فِي أَوَّل ذِي الْحِجَّةِ وَلَوْ كَانَ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، لأَِنَّهُ بَلَغَ بِضَمِّهِ إِلَى الأَْوَّل نِصَابًا. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (74) . وَبِقَوْلِهِ: مَنِ اسْتَفَادَ مَالاً فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل عِنْدَ رَبِّهِ (75) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَضُمُّ كُل مَا يَأْتِي فِي الْحَوْل إِلَى النِّصَابِ الَّذِي عِنْدَهُ فَيُزَكِّيهِمَا جَمِيعًا عِنْدَ تَمَامِ حَوْل الأَْوَّل، قَالُوا: لأَِنَّهُ يُضَمُّ إِلَى جِنْسِهِ فِي النِّصَابِ فَوَجَبَ ضَمُّهُ إِلَيْهِ فِي الْحَوْل كَالنِّصَابِ، وَلأَِنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ، وَالْحَوْل شَرْطٌ، فَإِذَا ضُمَّ فِي النِّصَابِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ، فَضَمُّهُ إِلَيْهِ فِي الْحَوْل الَّذِي هُوَ شَرْطٌ أَوْلَى؛ وَلأَِنَّ إِفْرَادَ كُل مَالٍ يُسْتَفَادُ بِحَوْلٍ يُفْضِي إِلَى تَشْقِيصِ الْوَاجِبِ فِي السَّائِمَةِ، وَاخْتِلاَفِ أَوْقَاتِ الْوَاجِبِ، وَالْحَاجَةِ إِلَى ضَبْطِ مَوَاقِيتِ التَّمَلُّكِ، وَوُجُوبِ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي لاَ يُتَمَكَّنُ مِنْ إِخْرَاجِهِ، وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ الْحَوْل لِلتَّيْسِيرِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (76) وَقِيَاسًا عَلَى نِتَاجِ السَّائِمَةِ وَرِبْحِ التِّجَارَةِ. وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مَا كَانَ ثَمَنَ مَالٍ قَدْ زُكِّيَ فَلاَ يُضَمُّ، لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى الثَّنْيِ (77) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّائِمَةِ وَبَيْنَ النُّقُودِ، فَقَالُوا فِي السَّائِمَةِ كَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، قَالُوا: لأَِنَّ زَكَاةَ السَّائِمَةِ مَوْكُولَةٌ إِلَى السَّاعِي، فَلَوْ لَمْ تُضَمَّ لأََدَّى ذَلِكَ إِلَى خُرُوجِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، بِخِلاَفِ الأَْثْمَانِ فَلاَ تُضَمُّ، فَإِنَّهَا مَوْكُولَةٌ إِلَى أَرْبَابِهَا. (78)
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَبْلُغَ الْمَال نِصَابًا:
31 - وَالنِّصَابُ مِقْدَارُ الْمَال الَّذِي لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَقَل مِنْهُ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ أَجْنَاسِ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ، فَنِصَابُ الإِْبِل خَمْسٌ مِنْهَا، وَنِصَابُ الْبَقَرِ ثَلاَثُونَ. وَنِصَابُ الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ، وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً، وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَنِصَابُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ.
وَنِصَابُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ مُقَدَّرٌ بِنِصَابِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ. وَفِي بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ تَفْرِيعَاتٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهِ مِمَّا يَلِي مِنْ هَذَا الْبَحْثِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَاضِحَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْمُوَاسَاةُ، بَل تَجِبُ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ إِعَانَتُهُ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأَْغْنِيَاءِ لِتُرَدَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَجَعَل الشَّرْعُ النِّصَابَ أَدْنَى حَدِّ الْغِنَى؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَاتِ أَنَّ مَنْ مَلَكَهُ فَهُوَ غَنِيٌّ إِلَى تَمَامِ سَنَتِهِ.
الْوَقْتُ الَّذِي يُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّصَابِ فِيهِ:
32 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ، إِلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وُجُودُ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْل مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَلَوْ نَقَصَ فِي بَعْضِهِ وَلَوْ يَسِيرًا انْقَطَعَ الْحَوْل فَلَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ فِي آخِرِهِ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَمَاتَتْ فِي الْحَوْل وَاحِدَةٌ ثُمَّ وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ انْقَطَعَ الْحَوْل. فَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ وَالنِّتَاجُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَنْقَطِعْ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ النِّتَاجُ عَلَى الْمَوْتِ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ حَدِيثِ لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (79) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ طَرَفَا الْحَوْل، فَإِنْ تَمَّ النِّصَابُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَلَوْ نَقَصَ الْمَال عَنِ النِّصَابِ فِي أَثْنَائِهِ، مَا لَمْ يَنْعَدِمِ الْمَال كُلِّيَّةً، فَإِنِ انْعَدَمَ لَمْ يَنْعَقِدِ الْحَوْل إِلاَّ عِنْدَ تَمَامِ النِّصَابِ، وَسَوَاءٌ انْعَدَمَ لِتَلَفِهِ، أَوْ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلزَّكَاةِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ نِصَابُ سَائِمَةٍ فَجَعَلَهَا فِي الْحَوْل عَلُوفَةً.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا وُجِدَ النِّصَابُ لِحَوْلٍ كَامِلٍ إِلاَّ أَنَّهُ نَقَصَ نَقْصًا يَسِيرًا كَسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ. (80) وَلَوْ زَال مِلْكُ الْمَالِكِ لِلنِّصَابِ فِي الْحَوْل بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ عَادَ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْل لاِنْقِطَاعِ الْحَوْل الأَْوَّل بِمَا فَعَلَهُ، (81) لَكِنْ إِنْ فَعَل ذَلِكَ حِيلَةً فَفِي انْقِطَاعِ الْحَوْل خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مَا سَبَقَ تَحْتَ عِنْوَانِ (الْحِيَل لإِِسْقَاطِهَا) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَحُول الْحَوْل عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ أَوْ مِلْكِ أَصْلِهِ، فَالأَْوَّل كَمَا لَوْ كَانَ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ شَاةً تَمَامَ الْحَوْل، وَالثَّانِي كَمَا لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ شَاةً مِنْ أَوَّل الْحَوْل فَحَمَلَتْ وَوَلَدَتْ فَتَمَّتْ بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي النَّوْعَيْنِ عِنْدَ حَوْل الأَْصْل.
وَمِثَالُهُ أَيْضًا، أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ دِينَارُ ذَهَبٍ فَيَشْتَرِي بِهِ سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ فَيَبِيعُهَا بِعِشْرِينَ دِينَارًا قَبْل تَمَامِ الْحَوْل، فَفِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَمَا يَحُول الْحَوْل عَلَى مِلْكِهِ لِلدِّينَارِ، وَاَلَّذِي يُضَمُّ إِلَى أَصْلِهِ فَيَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ هُوَ نِتَاجُ السَّائِمَةِ وَرِبْحُ التِّجَارَةِ، بِخِلاَفِ الْمَال الْمُسْتَفَادِ بِطَرِيقٍ آخَرَ كَالْعَطِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِل بِهَا حَوْلَهَا (82)
. الشَّرْطُ السَّابِعُ: الْفَرَاغُ مِنَ الدَّيْنِ:
33 - وَهَذَا الشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الدَّيْنَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
فَإِنْ زَادَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْمَالِكِ عَمَّا بِيَدِهِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ بَعْدَمَا يَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ (83) .
وَقَوْلِهِ: أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ (84) . وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَمَعَهُ أَلْفٌ فَلَيْسَ غَنِيًّا، وَلِقَوْل عُثْمَانَ ﵁: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ وَلْيُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ.
وَلاَ يُعْتَبَرُ الدَّيْنُ مَانِعًا إِلاَّ إِنِ اسْتَقَرَّ فِي الذِّمَّةِ قَبْل وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَأَمَّا إِنْ وَجَبَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَمْ تَسْقُطْ؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ، فَلاَ يُسْقِطُهَا مَا لَحِقَهُ مِنَ الدَّيْنِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَحَمَّادٌ، وَرَبِيعَةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أَصْلاً؛ لأَِنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا مَلَكَ نِصَابًا حَوْلاً وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِ لإِِطْلاَقِ الأَْدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَال الْمَمْلُوكِ (85) . الأَْمْوَال الَّتِي يَمْنَعُ الدَّيْنُ زَكَاتَهَا وَاَلَّتِي لاَ يَمْنَعُ:
34 - أَمَّا الأَْمْوَال الْبَاطِنَةُ وَهِيَ النُّقُودُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ.
وَأَمَّا الأَْمْوَال الظَّاهِرَةُ وَهِيَ السَّائِمَةُ وَالْحُبُوبُ وَالثِّمَارُ وَالْمَعَادِنُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا، رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: لأَِنَّ الْمُصَدِّقَ إِذَا جَاءَ فَوَجَدَ إِبِلاً أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يَسْأَل: أَيُّ شَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهَا مِنَ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ الْمَال - يَعْنِي الأَْثْمَانَ - هَكَذَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالظَّاهِرَةِ آكَدُ؛ لِظُهُورِهَا وَتَعَلُّقِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ بِهَا؛ وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى حِفْظِهَا أَوْفَرُ، فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِيهَا آكُدُ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الدَّيْنَ الَّذِي اسْتَدَانَهُ الْمُزَكِّي لِلإِْنْفَاقِ عَلَى الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُهُ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَأَهْلِهِ يُزَكِّي مَا بَقِيَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ وَفِي السَّوَائِمِ، أَمَّا مَا وَجَبَ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ فَلاَ يَمْنَعُهُ الدَّيْنُ، كَمَا لاَ يَمْنَعُ الْخَرَاجَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ مُؤْنَةُالأَْرْضِ، وَلِذَا يَجِبَانِ فِي الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَأَرْضِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَاللَّيْثِ وَالنَّخَعِيِّ (86) .
الدُّيُونُ الَّتِي تَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ:
35 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ هُوَ مَا كَانَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا لِلَّهِ كَزَكَاةٍ وَخَرَاجٍ، أَوْ كَانَ لِلْعِبَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلاً، وَلَوْ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّل لِلْفِرَاقِ، أَوْ نَفَقَةً لِزَوْجَتِهِ، أَوْ لِقَرِيبٍ لَزِمَتْهُ بِقَضَاءٍ أَوْ تَرَاضٍ، وَكَذَا عِنْدَهُمْ دَيْنُ الْكَفَالَةِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْكَفِيل مُحْتَاجٌ إِلَى مَا بِيَدِهِ لِيَقْضِيَ عَنْهُ دَفْعًا لِلْمُلاَزَمَةِ أَوِ الْحَبْسِ.
أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَلاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، قَالُوا: كَدَيْنِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْحَجِّ، وَمِثْلُهَا الأُْضْحِيَةُ، وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ، وَدَيْنُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ. (87)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ وَلَوْ كَانَ دَيْنَ زَكَاةٍ، أَوْ زَكَاةَ فِطْرٍ، أَوْ كَانَ لِلْعِبَادِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلاً، أَوْ كَانَ مَهْرَ زَوْجَةٍ أَوْ نَفَقَةَ زَوْجَةٍ مُطْلَقًا، أَوْ نَفَقَةَ وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ إِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِهَا الْقَاضِي.
وَاخْتَلَفَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي مِثْل دَيْنِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ فَاخْتَارَ مِنْهَا خَلِيلٌ وَابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ لِعَدَمِ الْمُطَالِبِ مِنَ الْعِبَادِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَتَّابٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ لأَِنَّ الإِْمَامَ يُطَالِبُ الْمُمْتَنِعَ بِإِخْرَاجِ مَا عَلَيْهِ مِنْ مِثْل هَذِهِ الدُّيُونِ. (88)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَيْنَ الآْدَمِيِّ مُطْلَقًا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَمَّا دَيْنُ اللَّهِ فَفِي قَوْلٍ: يَمْنَعُ وَفِي قَوْلٍ: لاَ (89) .
شُرُوطُ إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ بِالدَّيْنِ:
36 - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الدَّيْنَ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ فِي قَدْرِهِ مِنَ الْمَال الزَّكَوِيِّ، اشْتَرَطَ أَكْثَرُهُمْ أَنْ لاَ يَجِدَ الْمُزَكِّي مَالاً يَقْضِي مِنْهُ الدَّيْنَ سِوَى مَا وَجَبَتْ فِيهِ. فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَائِضٌ عَنْ حَاجَاتِهِ الأَْسَاسِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ، لِكَيْ يَسْلَمَ الْمَال الزَّكَوِيُّ فَيُخْرِجَ زَكَاتَهُ.
ثُمَّ قَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَعْمَل بِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ مَا يَقْضِي مِنْهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ. فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَعِنْدَهُ عُرُوضُ قُنْيَةٍ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ وَعِنْدَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، جَعَل الْعُرُوضَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ لأَِنَّهُ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَالاَنِ زَكَوِيَّانِ، لَوْ جَعَل أَحَدَهُمَا فِي مُقَابِل الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَلَوْ جَعَل الآْخَرَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، فَإِنَّهُ يَجْعَل فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ مَا هُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَتِسْعٌ مِنَ الإِْبِل، فَإِذَا جَعَلْنَا فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الأَْرْبَعَةَ مِنَ الإِْبِل الزَّائِدَةَ عَنِ النِّصَابِ لِكَوْنِ الأَْرْبَعَةِ تُسَاوِي الْمِائَةَ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا وَجَبَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، لأَِنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا مِمَّا مَعَهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ مِائَةً فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ سَقَطَتْ زَكَاةُ الدَّرَاهِمِ (90) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَل فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ فَيَمْنَعُ سُقُوطَ الزَّكَاةِ: الدَّيْنَ الْحَال الْمَرْجُوَّ، وَالأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةَ الأُْخْرَى وَلَوْ جَرَتْ تَزْكِيَتُهَا، وَأَنَّ الْعَرَضَ يُقَوَّمُ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَأَخْرَجُوا مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ، وَالْمَال الضَّائِعِ، وَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل أَوْ غَيْرِ الْمَرْجُوِّ لِعَدَمِ صَلاَحِيَّةِ جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ (91) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ - وَمِثْلُهُ حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ - أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ وَمَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ فَائِضٌ عَنْ حَاجَتِهِ الأَْسَاسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ أَنْ يَجْعَل فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الْمَال الزَّكَوِيَّ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ زَكَّاهُ وَإِلاَّ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، قَالُوا: لأَِنَّ غَيْرَ مَال الزَّكَاةِ يُسْتَحَقُّ لِلْحَوَائِجِ، وَمَال الزَّكَاةِ فَاضِلٌ عَنْهَا، فَكَانَ الصَّرْفُ إِلَيْهِ أَيْسَرَ، وَأَنْظَرَ بِأَرْبَابِ الأَْمْوَال.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالاَنِ زَكَوِيَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْعَل أَيًّا مِنْهُمَا أَوْ بَعْضَهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ وَالْخِيَارُ لَهُ. فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَعُرُوضُ تِجَارَةٍ وَسَوَائِمُ يَصْرِفُ الدَّيْنَ لأَِيْسَرِهَا قَضَاءً، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابُ بَقَرٍ وَنِصَابُ إِبِلٍ وَعَلَيْهِ شَاةٌ دَيْنًا، جَازَ جَعْلُهَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الْبَقَرِ لِئَلاَّ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّبِيعُ؛ لأَِنَّ التَّبِيعَ فَوْقَ الشَّاةِ (92) .
زَكَاةُ الْمَال الْحَرَامِ:
37 - الْمَال الْحَرَامُ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا أَوْ سَرِقَةً أَوْ رِشْوَةً أَوْ رِبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ تَمْلِيكٌ، وَغَيْرُ الْمَالِكِ لاَ يَكُونُ مِنْهُ تَمْلِيكٌ؛ وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ تُطَهِّرُ الْمُزَكِّيَ وَتُطَهِّرُ الْمَال الْمُزَكَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (93) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ (94) .
وَالْمَال الْحَرَامُ كُلُّهُ خَبَثٌ لاَ يَطْهُرُ، وَالْوَاجِبُ فِي الْمَال الْحَرَامِ رَدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ إِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُمْ وَإِلاَّ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ كُلِّهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى سَبِيل التَّخَلُّصِ مِنْهُ لاَ عَلَى سَبِيل التَّصَدُّقِ بِهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَانَ الْمَال الْخَبِيثُ نِصَابًا لاَ يَلْزَمُ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُهُ كُلِّهِ فَلاَ يُفِيدُ إِيجَابَ التَّصَدُّقِ بِبَعْضِهِ.
وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لِلدَّرْدِيرِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ فَلاَ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَالِكٍ كَغَاصِبٍ وَمُودَعٍ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إِلاَّ مَالٌ حَرَامٌ مَحْضٌ فَلاَ حَجَّ عَلَيْهِ وَلاَ زَكَاةَ، وَلاَ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: التَّصَرُّفَاتُ الْحُكْمِيَّةُ لِلْغَاصِبِ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ تَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ، وَذَلِكَ كَالْوُضُوءِ مِنْ مَاءٍ مَغْصُوبٍ وَالصَّلاَةِ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ، وَكَإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَال الْمَغْصُوبِ، وَالْحَجِّ مِنْهُ، وَالْعُقُودِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ (95) . وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمَال الْمَغْصُوبَ يَدْخُل فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَأَنِ اخْتَلَطَ بِمَالِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَاصِبِ مَالاً زَكَوِيًّا، إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الدَّيْنُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، وَالْغَاصِبُ مَدِينٌ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: مَنْ مَلَكَ أَمْوَالاً غَيْرَ طَيِّبَةٍ أَوْ غَصَبَ أَمْوَالاً وَخَلَطَهَا، مَلَكَهَا بِالْخَلْطِ وَيَصِيرُ ضَامِنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا نِصَابٌ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا لأَِنَّهُ مَدْيُونٌ وَأَمْوَال الْمَدِينِ لاَ تَنْعَقِدُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَوُجُوبُ الزَّكَاةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ سِوَاهَا، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا لاَ فِيهَا (96) .
ثُمَّ إِنَّ الْمَال الْمَغْصُوبَ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى أَخْذِهِ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمَتَى قَدَرَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ فَقِيل: لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ لأَِنَّهُ كَانَ مَحْجُوزًا عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى اسْتِنْمَائِهِ (تَنْمِيَتِهِ) فَكَانَ مِلْكُهُ نَاقِصًا، وَقِيل: عَلَيْهِ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُخْرِجُ زَكَاتَهُ وَيَعُودُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ بَابِ تَزْكِيَةِ الْغَاصِبِ لِلْمَال الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لأَِنَّهُ نَقْصٌ حَصَل فِي الْمَال وَهُوَ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ. (97) الْقِسْمُ الثَّانِي
الأَْصْنَافُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَأَنْصِبَتُهَا
وَمَقَادِيرُ الزَّكَاةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا
أَوَّلاً: زَكَاةُ الْحَيَوَانِ:
38 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْبِل وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ هِيَ مِنَ الأَْصْنَافِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ فِي مَسْأَلَةِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلزَّكَاةِ، وَفِي الْخَيْل خِلاَفٌ، وَأَمَّا الْبِغَال وَالْحَمِيرُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ فَلَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ (98) .
شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمَاشِيَةِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا تَمَامُ الْحَوْل، وَكَوْنُهَا نِصَابًا فَأَكْثَرَ، بِالإِْضَافَةِ إِلَى سَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهَا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الأَْمْوَال عَامَّةً عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ.
وَيُشْتَرَطُ هُنَا شَرْطَانِ آخَرَانِ:
39 - الأَْوَّل: السَّوْمُ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ غِذَاؤُهَا عَلَى الرَّعْيِ مِنْ نَبَاتِ الْبَرِّ، فَلَوْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ فِي الْمَعْلُوفَةِ تَتَرَاكَمُ الْمَئُونَةُ، فَيَنْعَدِمُ النَّمَاءُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: فِي كُل سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي كُل أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ (99) . وَحَدِيثِ: فِي كُل خَمْسٍ مِنَ الإِْبِل السَّائِمَةِ شَاةٌ (100) .
فَدَل بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْلُوفَةَ لاَ زَكَاةَ فِيهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السَّائِمَةَ هِيَ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرَّعْيِ فِي أَكْثَرِ الْحَوْل، فَلَوْ عَلَفَهَا صَاحِبُهَا نِصْفَ الْحَوْل أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ مَعْلُوفَةً وَلَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا لأَِنَّ الْقَلِيل تَابِعٌ لِلْكَثِيرِ؛ وَلأَِنَّ أَصْحَابَ السَّوَائِمِ لاَ يَجِدُونَ بُدًّا مِنْ أَنْ يَعْلِفُوا سَوَائِمَهُمْ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ كَأَيَّامِ الْبَرْدِ وَالثَّلْجِ (101) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ هِيَ الَّتِي تَرْعَى كُل الْحَوْل، وَكَذَا إِنْ عُلِفَتْ قَدْرًا قَلِيلاً تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلاَ ضَرَرٍ بَيِّنٍ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَإِنْ عُلِفَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا (102) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الأَْنْعَامِ غَيْرِ السَّائِمَةِ كَوُجُوبِهَا فِي السَّائِمَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً كُل الْحَوْل. قَالُوا: وَالتَّقْيِيدُ فِي الْحَدِيثِ بِالسَّائِمَةِ لأَِنَّ السَّوْمَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى مَوَاشِي الْعَرَبِ، فَهُوَ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لاَ مَفْهُومَ لَهُ. نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} (103) فَإِنَّهَا تَحْرُمُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي الْحِجْرِ (104) .
40 - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لاَ تَكُونَ عَامِلَةً، فَالإِْبِل الْمُعَدَّةُ لِلْحَمْل وَالرُّكُوبِ، وَالنَّوَاضِحُ، وَبَقَرُ الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ لاَ زَكَاةَ فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ سَائِمَةً.
هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ (105) ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: لَيْسَ فِي الْعَوَامِل وَالْحَوَامِل وَالْبَقَرِ الْمُثِيرَةِ شَيْءٌ (106) . وَالْحَوَامِل هِيَ الْمُعَدَّةُ لِحَمْل الأَْثْقَال، وَالْبَقَرُ الْمُثِيرَةُ هِيَ بَقَرُ الْحَرْثِ الَّتِي تُثِيرُ الأَْرْضَ، وَلِحَدِيثِ: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِل شَيْءٌ (107) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ الْعَمَل لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الْمَاشِيَةِ لِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فِي كُل خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ (108) .
وَلأَِنَّ اسْتِعْمَال السَّائِمَةِ زِيَادَةُ رِفْقٍ وَمَنْفَعَةٍ تَحْصُل لِلْمَالِكِ فَلاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَنْعَ الزَّكَاةِ، بَل تَأْكِيدَ إِيجَابِهَا (109) .
41 - الشَّرْطُ الثَّالِثُ: بُلُوغُ السَّاعِي إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَاعٍ فَلاَ يُشْتَرَطُ هَذَا الشَّرْطُ بَل يُكْتَفَى بِمُرُورِ الْحَوْل.
وَهَذَا الشَّرْطُ لِلْمَالِكِيَّةِ خَاصَّةً.
وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ شَيْءٌ مِنَ الْمَوَاشِي أَوْ ضَاعَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنَ الْمَالِكِ بَعْدَ الْحَوْل وَقَبْل مَجِيءِ السَّاعِي فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُزَكَّى الْبَاقِي إِنْ كَانَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلاَّ فَلاَ. وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ قَبْل بُلُوغِ السَّاعِي فَلاَ زَكَاةَ، وَيَسْتَقْبِل الْوَارِثُ حَوْلاً، وَلاَ تُجْزِئُ إِنْ أَخْرَجَهَا قَبْل وُصُول السَّاعِي.
قَالُوا: وَإِنْ سَأَل السَّاعِي رَبَّ الْمَاشِيَةِ عَنْ عَدَدِهَا فَأَخْبَرَهُ بِعَدَدِهَا فَغَابَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهَا قَدْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ بِمَوْتِ شَيْءٍ مِنْهَا - أَوْ بِذَبْحِهِ - فَالْمُعْتَبَرُ الْمَوْجُودُ.
وَإِنْ تَخَلَّفَ السَّاعِي عَنِ الْوُصُول مَعَ إِمْكَانِ وُصُولِهِ وَكَانَ تَخَلُّفُهُ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَأَخْرَجَ الْمَالِكُ الزَّكَاةَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ مُرُورِ الْحَوْل، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ بِبَيِّنَتِهِ (110) .
الزَّكَاةُ فِي الْوَحْشِيِّ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ وَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الأَْهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ:
42 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الْوَحْشِيِّ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ اسْمَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لاَ يَتَنَاوَلُهَا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ؛ وَلأَِنَّهَا لاَ تُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ وَالأُْضْحِيَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا الزَّكَاةُ، لأَِنَّ الاِسْمَ يَشْمَلُهَا فَتَدْخُل فِي الأَْخْبَارِ الْوَارِدَةِ (111) .
وَأَمَّا مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ الأَْهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْوَحْشِيَّةُ أُمَّهُ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ أَهْلِيَّةً وَالْوَحْشِيُّ أَبَاهُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ وَلَدَ الْبَهِيمَةِ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي أَحْكَامِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ زَكَاةَ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الأَْهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ مُطْلَقًا، وَمَال إِلَيْهِ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهَا نَصٌّ وَلاَ إِجْمَاعٌ وَلاَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ، فَلاَ تَتَنَاوَلُهُ نُصُوصُ الشَّرْعِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمُتَوَلِّدِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْوَحْشِيَّةُ الْفُحُول أَوِ الأُْمَّهَاتِ، كَمَا إِنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا سَامَ (112) .
أ - زَكَاةُ الإِْبِل:
43 - الإِْبِل اسْمُ جَمْعٍ لَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ مِنْ لَفْظِهِ وَوَاحِدُهُ الذَّكَرُ: جَمَلٌ، وَالأُْنْثَى: نَاقَةٌ، وَالصَّغِيرُ حُوَارٌ إِلَى سَنَةٍ، وَإِذَا فُطِمَ فَهُوَ فَصِيلٌ، وَالْبَكْرُ هُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الإِْبِل وَالأُْنْثَى بَكْرَةٌ. وَلِلْعَرَبِ تَسْمِيَاتٌ لِلإِْبِل بِحَسَبِ أَسْنَانِهَا وَرَدَ اسْتِعْمَالُهَا فِي السُّنَّةِ وَاسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ، كَابْنِ الْمَخَاضِ، وَهُوَ مَا أَتَمَّ سَنَةً وَدَخَل فِي الثَّانِيَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّ أُمَّهُ تَكُونُ غَالِبًا قَدْ حَمَلَتْ، وَالأُْنْثَى بِنْتُ مَخَاضٍ، وَابْنُ اللَّبُونِ وَهُوَ مَا أَتَمَّ سَنَتَيْنِ وَدَخَل فِي الثَّالِثَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّ أُمَّهُ تَكُونُ قَدْ وَلَدَتْ بَعْدَهُ فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ، وَالأُْنْثَى بِنْتُ لَبُونٍ، وَالْحِقُّ مَا دَخَل فِي الرَّابِعَةِ، وَالأُْنْثَى حِقَّةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْل، وَالْجَذَعُ هُوَ الَّذِي دَخَل فِي الْخَامِسَةِ؛ لأَِنَّهُ جَذَعَ أَيْ أَسْقَطَ بَعْضَ أَسْنَانِهِ، وَالأُْنْثَى جَذَعَةٌ. وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ الأَْرْبَعَةُ هِيَ الَّتِي تُؤْخَذُ الإِْنَاثُ مِنْهَا فِي الدِّيَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ الذُّكُورُ مِنْهَا كَابْنِ اللَّبُونِ (113) ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِيمَا يَلِي.
الْمَقَادِيرُ الْوَاجِبَةُ فِي زَكَاةِ الإِْبِل:
44 - بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَقَادِيرَ الْوَاجِبَةَ فِي زَكَاةِ الإِْبِل، وَهِيَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورِ فِيمَا يَلِي بِكَمَالِهِ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي الْمَسَائِل التَّالِيَةِ:
عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِل فَوْقَهَا فَلاَ يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِْبِل فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُل خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَل، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ - يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ - إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَل. فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُل أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُل خَمْسِينَ حِقَّةٌ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِْبِل فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِْبِل فَفِيهَا شَاةٌ. وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ. فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاَثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِي كُل مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُل نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا (114) .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ: مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِْبِل صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَل مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَل مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَل مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ. وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَل مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَل مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ. وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَل مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ (115) .
45 - وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنَ الإِْبِل حَسَبَ الْجَدْوَل التَّالِي:
عَدَدُ الإِْبِل
الْقَدْرُ الْوَاجِبُ
مِنْ 1 - إِلَى 4
لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ.
مِنْ 5 - 9
فِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ.
مِنْ 10 - 14
فِيهَا شَاتَانِ
مِنْ 15 - 19
فِيهَا 3 شِيَاهٍ
مِنْ 20 - 24
فِيهَا 4 شِيَاهٍ
مِنْ 25 - 35
فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ يُجْزِئُ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ) . مِنْ 36 - 45
بِنْتُ لَبُونٍ
مِنْ 46 - 60
حِقَّةٌ
مِنْ 61 - 75
فِيهَا جَذَعَةٌ
مِنْ 76 - 90
فِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ
مِنْ 91 - 120
فِيهَا حِقَّتَانِ
مِنْ 121 - 129
فِيهَا 3 بَنَاتِ لَبُونٍ
مِنْ 130 - 139
فِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ
مِنْ 140 - 149
حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ
مِنْ 150 - 159
فِيهَا 3 حِقَاقٍ
مِنْ 160 - 169
فِيهَا 4 بَنَاتِ لَبُونٍ
وَهَكَذَا فِي مَا زَادَ، فِي كُل 40 بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُل 50 حِقَّةٌ.
وَهَذَا الْجَدْوَل جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَأَوَّلُهُ إِلَى 120 مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لِتَنَاوُل حَدِيثِ أَنَسٍ لَهُ، وَعَدَمِ الاِخْتِلاَفِ فِي تَفْسِيرِهِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا بَيْنَ 121 - 129 فَقَال مَالِكٌ يَتَخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ حِقَّتَيْنِ وَثَلاَثِ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ فِيهَا حِقَّتَيْنِ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ لاَ يَتَغَيَّرُ إِلاَّ بِمِائَةٍ وَثَلاَثِينَ (116) .
46 - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفَرِيضَةَ تُسْتَأْنَفُ بَعْدَ 120، فَفِي كُل خَمْسٍ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا شَاةٌ بِالإِْضَافَةِ إِلَى الْحِقَّتَيْنِ، فَإِنْ بَلَغَ الزَّائِدُ مَا فِيهِ بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ وَجَبَتْ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الزَّائِدُ مَا فِيهِ حِقَّةٌ فَتَجِبُ، وَيُمَثِّل ذَلِكَ الْجَدْوَل التَّالِي:
عَدَدُ الإِْبِل
الْقَدْرُ الْوَاجِبُ
121 - 124
حِقَّتَانِ
125 - 129
حِقَّتَانِ وَشَاةٌ
130 - 134
حِقَّتَانِ وَشَاتَانِ
135 - 139
حِقَّتَانِ وَ 3 شِيَاهٍ
140 - 144
حِقَّتَانِ وَ 4 شِيَاهٍ
145 - 149
حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ
150 - 154
3 حِقَاقٍ
155 - 159
3 حِقَاقٍ وَشَاةٌ
160 - 164
3 حِقَاقٍ وَشَاتَانِ
165 - 169
3 حِقَاقٍ وَ 3 شِيَاهٍ
170 - 174
3 حِقَاقٍ وَ 4 شِيَاهٍ
175 - 185
3 حِقَاقٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ
186 - 195
3 حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ
196 - 199
4 حِقَاقٍ
200 - 204
4 حِقَاقٍ أَوْ 5 بَنَاتِ لَبُونٍ
205 - 209
4 حِقَاقٍ أَوْ بَنَاتِ لَبُونٍ وَشَاةٌ
وَهَكَذَا.
وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَال: قُلْتُ لأَِبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِحَزْمٍ: أَخْرِجْ لِي كِتَابَ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَأَخْرَجَ كِتَابًا فِي وَرَقَةٍ وَفِيهِ: فَإِذَا زَادَتِ الإِْبِل عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ اسْتُؤْنِفَتِ الْفَرِيضَةُ (117) .
وَفِي زَكَاةِ الإِْبِل مَسَائِل فَرْعِيَّةٌ مِنْهَا:
47 - أ - أَنَّ الَّذِي يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الإِْبِل الإِْنَاثُ دُونَ الذُّكُورِ، إِلاَّ ابْنَ اللَّبُونِ إِنْ عَدِمَ بِنْتَ الْمَخَاضِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، بِخِلاَفِ الْبَقَرِ فَتُؤْخَذُ مِنْهَا الذُّكُورُ كَمَا يَأْتِي (118) .
فَإِنْ كَانَ الْمَال كُلُّهُ ذُكُورًا أَجْزَأَ الذَّكَرُ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَلْزَمُ الْوَسَطُ وَلَوِ انْفَرَدَ الذُّكُورُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُونَ نَاقَةً وَسَطًا مِنَ السِّنِّ الْمَطْلُوبِ.
48 - ب - أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الإِْبِل إِنْ كَانَتْ أُنْثَى (جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنَ الْمَعْزِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ) أَجْزَأَتْ بِلاَ نِزَاعٍ.
وَأَمَّا الذَّكَرُ، فَيُحْتَمَل أَنْ يُجْزِئَ لِصِدْقِ اسْمِ الشَّاةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (119) . ج - إِنْ تَطَوَّعَ الْمُزَكِّي فَأَخْرَجَ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ سِنًّا أَعْلَى مِنْ السِّنِّ الْوَاجِبِ جَازَ، مِثْل أَنْ يُخْرِجَ بَدَل بِنْتِ الْمَخَاضِ بِنْتَ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً، أَوْ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا (120) .
لِمَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِمَنْ قَدَّمَ نَاقَةً عَظِيمَةً سَمِينَةً عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ: ذَاكَ الَّذِي عَلَيْكَ. فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ (121) .
- د - إِنْ أَخْرَجَ بَدَل الشَّاةِ نَاقَةً أَجْزَأَهُ، وَكَذَا عَمَّا وَجَبَ مِنَ الشِّيَاهِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ؛ لأَِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ 25، فَإِجْزَاؤُهُ عَمَّا دُونَهَا أَوْلَى.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ، لأَِنَّهُ أَخْرَجَ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ بَعِيرًا (122) .
هـ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي إِبِلِهِ سِنٌّ فَلَمْ يَكُنْ فِي إِبِلِهِ ذَلِكَ السِّنُّ فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ السِّنِّ الَّذِي فَوْقَهُ مِمَّا يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الإِْبِل، وَيَأْخُذُ مِنَ السَّاعِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ السِّنِّ الَّذِي تَحْتَهُ مِمَّا يُجْزِئُ فِي الزَّكَاةِ وَيُعْطِي السَّاعِيَ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُزَكِّيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ السِّنُّ الْوَاجِبُ، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ مَا وَجَبَ، أَوْ يَدْفَعَ السِّنَّ الأَْدْوَنَ وَزِيَادَةَ الدَّرَاهِمِ بِقَدْرِ النَّقْصِ، كَمَا لَوْ أَدَّى ثَلاَثَ شِيَاهٍ سِمَانٍ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَطٍ، أَوْ بَعْضَ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ (123) .
نِصَابُ زَكَاةِ الْبَقَرِ وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ:
51 - بَيَّنَتِ السُّنَّةُ نِصَابَ زَكَاةِ الْبَقَرِ وَالْقَدْرَ الْوَاجِبَ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَى مَسْرُوقٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، وَمِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُل أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً (124) .
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ نَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِهِ وَأَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ لاَ آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا إِلاَّ إِنْ بَلَغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا - يَعْنِي تَبِيعًا - وَأَنَّ الأَْوْقَاصَ لاَ شَيْءَ فِيهَا (125) .
52 - وَبِنَاءً عَلَى الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تُؤْخَذُ زَكَاةُ الْبَقَرِ حَسَبَ الْجَدْوَل التَّالِي:
عَدَدُ الْبَقَرِ
الْقَدْرُ الْوَاجِبُ
1 - 29
لاَ شَيْءَ فِيهَا
30 - 39
تَبِيعٌ (أَوْ تَبِيعَةٌ)
40 - 59
مُسِنَّةٌ
60 - 69
تَبِيعَانِ
70 - 79
تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ
80 - 89
تَبِيعَانِ
90 - 99
3 أَتْبِعَةٍ
100 - 109
تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ
110 - 119
تَبِيعٌ وَمُسِنَّتَانِ
120 - 129
4 أَتْبِعَةٍ أَوْ 3 مُسِنَّاتٍ.
وَهَكَذَا فِي كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي كُل أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
وَعَلَى هَذَا تَجْرِي مَذَاهِبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، مِنْهَا:
53 - أ - ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيُّ خِلاَفًا لِسَائِرِ الْفُقَهَاءِ، إِلَى أَنَّ فِي الْبَقَرِ مِنْ (5 - 24) فِي كُل خَمْسٍ شَاةٌ قِيَاسًا عَلَى زَكَاةِ الإِْبِل؛ لأَِنَّ الْبَقَرَةَ تَعْدِل نَاقَةً فِي الْهَدْيِ وَالأُْضْحِيَةِ (126) .
54 - ب - وَمِنْهَا: أَخْذُ الذَّكَرِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ:
أَمَّا التَّبِيعُ الذَّكَرُ فَيُؤْخَذُ اتِّفَاقًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّبِيعَةِ، لِلنَّصِّ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَمَّا الْمُسِنُّ الذَّكَرُ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يُؤْخَذُ إِلاَّ الْمُسِنَّةُ الأُْنْثَى لأَِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهَا (127) .
55 - ج - وَمِنْهَا فِي الأَْسْنَانِ، فَالتَّبِيعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ وَطَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمُسِنَّةُ مَا تَمَّ لَهَا سَنَتَانِ وَطَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّبِيعُ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ وَدَخَل فِي الثَّالِثَةِ، وَالْمُسِنَّةُ مَا تَمَّ لَهَا ثَلاَثُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ (128) .
56 - د - وَمِنْهَا أَنَّ الْوَقْصَ الَّذِي مِنْ (41 - 59) لاَ شَيْءَ فِيهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْل الصَّاحِبَيْنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِينَ لَيْسَ عَفْوًا، بَل يَجِبُ فِيهِ بِحِسَابِهِ، فَفِي الْوَاحِدَةِ الزَّائِدَةِ عَنِ الأَْرْبَعِينَ رُبُعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، وَفِي الثِّنْتَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، وَهَكَذَا، وَإِنَّمَا قَال هَذَا فِرَارًا مِنْ جَعْل الْوَقْصِ (129) وَهُوَ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أَوْقَاصِ زَكَاةِ الْبَقَرِ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَوْقَاصِهَا تِسْعَةٌ تِسْعَةٌ (130) .
زَكَاةُ الْغَنَمِ:
57 - زَكَاةُ الْغَنَمِ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، فَمِمَّا وَرَدَ فِيهَا حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ فِي زَكَاةِ الإِْبِل. (ف 46) .
وَبِنَاءً عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ تُؤْخَذُ زَكَاةُ الْغَنَمِ طِبْقًا لِلْجَدْوَل التَّالِي:
عَدَدُ الْغَنَمِ
الْقَدْرُ الْوَاجِبُ
1 - 39
لاَ شَيْءَ فِيهَا
40 - 120
شَاةٌ
121 - 200
شَاتَانِ
201 - 399
3 شِيَاهٍ
400 - 499
4 شِيَاهٍ
500 - 599
5 شِيَاهٍ
وَهَكَذَا مَا زَادَ عَنْ ذَلِكَ فِي كُل مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ مَهْمَا كَانَ قَدْرُ الزَّائِدِ.
وَعَلَى هَذَا تَجْرِي مَذَاهِبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَأَوَّل هَذَا الْجَدْوَل وَآخِرُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
58 - وَاخْتُلِفَ فِيهِ فِيمَا بَيْنَ (300 - 399) فَقَدْ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ فِيهِ أَرْبَعَ شِيَاهٍ لاَ ثَلاَثَةً، ثُمَّ لاَ يَتَغَيَّرُ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ إِلَى (500) فَيَكُونُ فِيهَا خَمْسُ شِيَاهٍ كَقَوْل الْجُمْهُورِ، وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ جَعَل الثَّلاَثَمِائَةِ حَدًّا لِمَا تَجِبُ فِيهِ الشِّيَاهُ الثَّلاَثَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْفَرْضُ عِنْدَهَا فَيَجِبُ أَرْبَعَةٌ (131) .
وَفِي زَكَاةِ الْغَنَمِ مَسَائِل خَاصَّةٌ بِهَا.
59 - أ - مِنْهَا أَنَّ الشَّاةَ تَصْدُقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ الذَّكَرِ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ، وَلأَِنَّ الشَّاةَ إِذَا أُمِرَ بِهَا مُطْلَقًا أَجْزَأَ فِيهَا الذَّكَرُ كَالأُْضْحِيَةِ وَالْهَدْيِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْغَنَمَ إِنْ كَانَتْ إِنَاثًا كُلَّهَا أَوْ كَانَ فِيهَا ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ فَيَتَعَيَّنُ إِخْرَاجُ الإِْنَاثِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الذَّكَرِ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَ فِي النِّصَابِ شَيْءٌ مِنَ الإِْنَاثِ (132) . ب - الَّذِي يُؤْخَذُ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ هُوَ الثَّنِيَّةُ، وَالثَّنِيُّ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ - خِلاَفًا لِمَا عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ - مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ فَمَا زَادَ، فَتُجْزِئُ اتِّفَاقًا، فَإِنْ كَانَتْ أَقَل مِنْ ذَلِكَ لَمْ تُجْزِئْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الضَّأْنِ أَوِ الْمَعْزِ، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَال لِلسَّاعِي: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وَلاَ تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجَذَعَةَ - وَهِيَ مَا تَمَّ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ - إِنْ كَانَتْ مِنَ الضَّأْنِ - لاَ مِنَ الْمَعْزِ - تُجْزِئُ فِي الزَّكَاةِ، وَقَال الصَّاحِبَانِ: يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْجَذَعُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي سِنِّ الْجَذَعِ نَحْوًا مِنِ اخْتِلاَفِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيهِ، وَقَال مَالِكٌ: تُجْزِئُ الْجَذَعَةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنَ الضَّأْنِ أَوِ الْمَعْزِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي سِنِّ الْجَذَعِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: أَدْنَاهُ سَنَةٌ، وَقِيل: عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَقِيل: ثَمَانِيَةٌ، وَقِيل: سِتَّةٌ (133) .
مَسَائِل عَامَّةٌ فِي زَكَاةِ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ:
61 - أ - كُل جِنْسٍ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ يَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ، فَالإِْبِل نَوْعَانِ: الْعِرَابُ وَهِيَ الإِْبِل الْعَرَبِيَّةُ، وَهِيَ ذَاتُ سَنَامٍ وَاحِدٍ، وَالْبَخَاتِيُّ (جَمْعُ بُخْتِيَّةٍ) وَهِيَ إِبِل الْعَجَمِ وَالتُّرْكِ، وَهِيَ ذَاتُ سَنَامَيْنِ.
وَالْبَقَرُ نَوْعَانِ: الْبَقَرُ الْمُعْتَادُ، وَالْجَوَامِيسُ.
وَالْغَنَمُ: إِمَّا ضَأْنٌ، وَهِيَ ذَوَاتُ الصُّوفِ، وَاحِدَتُهَا ضَأْنَةٌ، وَإِمَّا مَعْزٌ، وَهِيَ ذَوَاتُ الشَّعْرِ، وَاحِدَتُهَا عَنْزٌ، وَالذَّكَرُ تَيْسٌ، وَيُقَال لِلذَّكَرِ وَالأُْنْثَى مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ: شَاةٌ.
وَالْمَقَادِيرُ الْوَاجِبَةُ فِي الْجَدَاوِل السَّابِقَةِ تَشْمَل مِنْ كُل جِنْسٍ نَوْعَيْهِ، وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ إِجْمَاعًا.
أَمَّا مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ.
62 - ب - فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ فَزَكَاتُهُ مِنْهُ تُجْزِئُهُ اتِّفَاقًا، أَمَّا إِنْ أَخْرَجَ عَنِ الإِْبِل الْعِرَابِ مَثَلاً بُخْتِيَّةً بِقِيمَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَجَائِزٌ أَيْضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنْ لاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ رِعَايَةُ الْقِيمَةِ.
وَقِيل: لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْوَاجِبُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي عِنْدَهُ (134) . 63 - ج - أَمَّا إِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ:
فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَإِسْحَاقُ: إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ تَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْ أَكْثَرِهِمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجِبُ الْوَسَطُ أَيْ أَعْلَى الأَْدْنَى، أَوْ أَدْنَى الأَْعْلَى، وَإِذَا عُلِمَ الْوَاجِبُ فَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ شَيْءٍ بِقِيمَتِهِ سَوَاءٌ مِنَ النَّوْعِ الآْخَرِ أَوْ غَيْرِهِ (135)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُؤْخَذُ مِنْ كُل نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ، فَلَوْ كَانَتْ إِبِلُهُ كُلُّهَا مُهْرِيَّةً أَوْ أَرْحَبِيَّةً أُخِذَ الْفَرْضُ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل؛ لأَِنَّهَا أَنْوَاعٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَتُؤْخَذُ زَكَاةُ كُل نَوْعٍ مِنْهُ، كَأَنْوَاعِ الثَّمَرَةِ وَالْحُبُوبِ، قَالُوا: فَلَوْ أَخَذَ عَنِ الضَّأْنِ مَعْزًا، أَوْ عَكْسَهُ جَازَ فِي الأَْصَحِّ بِشَرْطِ رِعَايَةِ الْقِيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُؤْخَذُ الضَّأْنُ عَنِ الْمَعْزِ دُونَ الْعَكْسِ، وَعِرَابُ الْبَقَرِ عَنِ الْجَوَامِيسِ دُونَ الْعَكْسِ؛ لأَِنَّ الضَّأْنَ وَالْعِرَابَ أَشْرَفُ (136) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ وَجَبَتْ وَاحِدَةٌ فِي نَوْعَيْنِ فَمِنَ الأَْكْثَرِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا خُيِّرَ السَّاعِي، وَإِنْ وَجَبَ ثِنَتَانِ أَخَذَ مِنْ كُل نَوْعٍ وَاحِدَةً إِنْ تَسَاوَيَا، فَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الأَْقَل إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ: كَوْنُهُ نِصَابًا لَوِ انْفَرَدَ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ وَقْصٍ. وَإِذَا زَادَتْ عَنْ ذَلِكَ وَأَمْكَنَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُل نَوْعٍ بِانْفِرَادِهِ أُخِذَ مِنْهُ، وَمَا لَمْ يُمْكِنْ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْخُذُ مِنَ الأَْكْثَرِ، وَيُخَيَّرُ السَّاعِي عِنْدَ التَّسَاوِي فَفِي 340 مِنَ الضَّأْنِ وَ 160 مِنَ الْمَعْزِ يُؤْخَذُ ثَلاَثٌ مِنَ الضَّأْنِ عَنْ ثَلاَثِمِائَةِ ضَأْنَةٍ، وَوَاحِدَةٌ مِنَ الْمَعْزِ عَنِ الْمِائَةِ، وَتُؤْخَذُ عَنْزٌ وَاحِدَةٌ عَنِ الأَْرْبَعِينَ ضَأْنَةً وَالسِّتِّينَ مِنَ الْمَعْزِ؛ لأَِنَّ الْمَعْزَ أَكْثَرُ فَإِنْ كَانَتْ 350 مِنَ الضَّأْنِ وَ 150 مِنَ الْمَعْزِ خُيِّرَ السَّاعِي فِي الْمِائَةِ الْمُجْتَمَعَةِ بَيْنَ ضَأْنَةٍ وَعَنْزٍ (137) .
صِفَةُ الْمَأْخُوذِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ:
64 - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ فِي الزَّكَاةِ مِنَ الْوَسَطِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِْيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُل عَامٍ، لاَ يُعْطِي الْهَرِمَةَ، وَلاَ الدَّرِنَةَ، وَلاَ الْمَرِيضَةَ، وَلاَ الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ (138) . الْحَدِيثَ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَتَجَنَّبَ السَّاعِي طَلَبَ خِيَارِ الْمَال، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْمَالِكُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِلسَّاعِي: إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ (139) .
قَال عُمَرُ ﵁ لِسَاعِيهِ: لاَ تَأْخُذِ الرُّبَى، وَلاَ الْمَاخِضَ، وَلاَ الأَْكُولَةَ، وَلاَ فَحْل الْغَنَمِ وَالرُّبَى هِيَ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْوِلاَدَةِ؛ لأَِنَّهَا تُرَبِّي وَلَدَهَا. وَالْمَاخِضُ الْحَامِل، وَالأَْكُولَةُ الَّتِي تَأْكُل كَثِيرًا؛ لأَِنَّهَا تَكُونُ أَسْمَنَ، وَفَحْل الْغَنَمِ هُوَ الْمُعَدُّ لِلضِّرَابِ.
فَإِنْ كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُل كُلُّهَا خِيَارًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَقِيل: يَأْخُذُ السَّاعِي مِنْ أَوْسَطِ الْمَوْجُودِ، وَقِيل: يُكَلَّفُ شِرَاءَ الْوَسَطِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ.
الأَْمْرُ الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْ شِرَارِ الْمَال، وَمِنْهُ الْمَعِيبَةُ، وَالْهَرِمَةُ، وَالْمَرِيضَةُ، لَكِنْ إِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مَعِيبَةً أَوْ هَرِمَةً أَوْ مَرِيضَةً، فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْوَاجِبِ مِنْهَا، وَقِيل: يُكَلَّفُ شِرَاءَ صَحِيحَةٍ أَخْذًا بِظَاهِرِ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ، وَقِيل: يُخْرِجُ صَحِيحَةً مَعَ مُرَاعَاةِ الْقِيمَةِ (140) . زَكَاةُ الْخَيْل:
65 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخَيْل الَّتِي لَيْسَتْ لِلتِّجَارَةِ لاَ زَكَاةَ فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ سَائِمَةً وَاتُّخِذَتْ لِلنَّمَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَامِلَةً أَوْ غَيْرَ عَامِلَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلاَمِهِ صَدَقَةٌ (141) وَقَوْلِهِ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْل وَالرَّقِيقِ (142) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّ الْخَيْل إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ فِي ذُكُورِهَا مُنْفَرِدَةً زَكَاةٌ، لأَِنَّهَا لاَ تَتَنَاسَل، وَكَذَلِكَ فِي الإِْنَاثِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الإِْنَاثِ الْمُنْفَرِدَاتِ زَكَاةٌ لأَِنَّهَا تَتَنَاسَل بِالْفَحْل الْمُسْتَعَارِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهَا تَجِبُ فِي الذُّكُورِ الْمُنْفَرِدَاتِ أَيْضًا.
وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَيْل: هِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَال فِي الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلاَ فِي ظُهُورِهَا (143) فَحَقُّ ظُهُورِهَا الْعَارِيَّةُ، وَحَقُّ رِقَابِهَا الزَّكَاةُ، وَبِمَا وَرَدَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أُمَيَّةَ اشْتَرَى مِنْ أَهْل الْيَمَنِ فَرَسًا أُنْثَى بِمِائَةِ قَلُوصٍ، فَنَدِمَ الْبَائِعُ، فَلَحِقَ بِعُمَرَ، فَقَال: غَصَبَنِي يَعْلَى وَأَخُوهُ فَرَسًا لِي، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنِ الْحَقْ بِي، فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَال: إِنَّ الْخَيْل لَتَبْلُغُ هَذَا عِنْدَكُمْ؟ ، مَا عَلِمْتُ أَنَّ فَرَسًا يَبْلُغُ هَذَا. فَنَأْخُذُ عَنْ كُل أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَلاَ نَأْخُذُ مِنَ الْخَيْل شَيْئًا؟ ، خُذْ مِنْ كُل فَرَسٍ دِينَارًا. فَقَرَّرَ عَلَى الْخَيْل دِينَارًا دِينَارًا. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ يُصَدِّقُ الْخَيْل، أَيْ يَأْخُذُ زَكَاةً مِنْهَا، ثُمَّ قَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَاءَ الْمُزَكِّي أَعْطَى عَنْ كُل فَرَسٍ دِينَارًا، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَ خَيْلَهُ وَأَعْطَى عَنْ كُل مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ (144) .
زَكَاةُ سَائِرِ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ:
66 - ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ، مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، فَلَيْسَ فِي الْبِغَال وَالْحَمِيرِ وَغَيْرِهَا زَكَاةٌ (145) . وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنِ الْخَيْل فَقَال: هِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ. . . الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ، ثُمَّ سُئِل عَنِ الْحَمِيرِ، فَقَال: لَمْ يَنْزِل عَلَيَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآْيَةُ الْفَاذَّةُ: {فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} (146) .
ثَانِيًا: زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُمُلاَتِ الْمَعْدِنِيَّةِ وَالْوَرَقِيَّةِ
67 - أ - زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاجِبَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} (147) . مَعَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ (148) . وَقَوْلِهِ: مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقًّا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ. . . الْحَدِيثَ. (149)
فَالْعَذَابُ الْمَذْكُورُ فِي الآْيَةِ لِلْكَنْزِ مُطْلَقًا بَيَّنَ الْحَدِيثَ أَنَّهُ لِمَنْ مَنَعَ زَكَاةَ النَّقْدَيْنِ، فَتَقَيَّدَ بِهِ.
مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
68 - تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا تَمَّتِ الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ لِلزَّكَاةِ الْمُتَقَدِّمُ بَيَانُهَا مِنَ الْحَوْل وَالنِّصَابِ وَغَيْرِهِمَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ الْمَضْرُوبُ مِنْهَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ (وَقَدْ يُسَمَّى الْعَيْنَ، وَالْمَسْكُوكَ) ، وَفِي التِّبْرِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَضْرُوبِ، وَالسَّبَائِكِ، وَفِي الْمَصُوغِ مِنْهَا عَلَى شَكْل آنِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ شَيْئَانِ:
الأَْوَّل: الْحُلِيُّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّذِي يَعُدُّهُ مَالِكُهُ لاِسْتِعْمَالِهِ فِي التَّحَلِّي اسْتِعْمَالاً مُبَاحًا. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلَوْ لإِِعَارَةٍ أَوْ إِجَارَةٍ، فَلاَ يَكُونُ فِيهِ زَكَاةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقْتَنَى لِلاِسْتِعْمَال كَالْمَلاَبِسِ الْخَاصَّةِ، وَكَالْبَقَرِ الْعَوَامِل.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ مُقَابِلٌ لِلأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ، كَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (150) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْقَوْل فِي وُجُوبِهَا وَبَيَانِ الأَْدِلَّةِ فِي مُصْطَلَحِ (حُلِيّ)
أَمَّا الْمَقَادِيرُ الْوَاجِبَةُ وَالنِّصَابُ فَتَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْبَحْثِ.
الثَّانِي: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الْمُسْتَخْرَجَانِ مِنَ الْمَعَادِنِ (مِنْ بَاطِنِ الأَْرْضِ) ، فَيَجِبُ فِيهِمَا الزَّكَاةُ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِخْرَاجِ إِذَا بَلَغَ الْمُسْتَخْرَجُ نِصَابًا بِدُونِ اشْتِرَاطِ حَوْلٍ، وَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
نِصَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ فِيهِمَا:
69 - نِصَابُ الذَّهَبِ: نِصَابُ الذَّهَبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً، فَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَقَل مِنْهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِمَالِكِهَا فِضَّةٌ أَوْ عُرُوضُ تِجَارَةٍ يَكْمُل بِهِمَا النِّصَابُ عِنْدَ مَنْ قَال ذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَلَمْ يُنْقَل خِلاَفٌ فِي ذَلِكَ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النِّصَابَ أَرْبَعُونَ مِثْقَالاً (151) .
وَمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَالزُّهْرِيِّ وَسُلَيْمَانِ بْنِ حَرْبٍ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ أَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ مُعْتَبَرٌ بِالْفِضَّةِ، فَمَا كَانَ مِنَ الذَّهَبِ قِيمَتُهُ 200 دِرْهَمٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، سَوَاءٌ كَانَ أَقَل مِنْ (152) مِثْقَالاً أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، قَالُوا: لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْدِيرٌ فِي نِصَابِ الذَّهَبِ، فَيُحْمَل نِصَابُهُ عَلَى نِصَابِ الْفِضَّةِ (153) .
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ فِي أَقَل مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالاً مِنَ الذَّهَبِ، وَلاَ فِي أَقَل مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ (154) .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُل عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنَ الأَْرْبَعِينَ دِينَارًا (155) .
نِصَابُ الْفِضَّةِ:
70 - يُقَال لِلْفِضَّةِ الْمَضْرُوبَةِ (وَرِقٌ) (وَرِقَّةٌ) ، وَقِيل: تُسَمَّى بِذَلِكَ مَضْرُوبَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ (156) ، وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ (157) بِالإِْجْمَاعِ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ (158) وَالأُْوقِيَّةُ 40 (أَرْبَعُونَ) دِرْهَمًا، وَفِي كِتَابِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ وَفِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا (159) .
ثُمَّ الدِّرْهَمُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الدِّرْهَمُ الشَّرْعِيُّ، وَمَا زَادَ عَنْهُ أَوْ نَقَصَ فَبِالْوَزْنِ.
وَقِيل عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ كُل أَهْل بَلَدٍ دَرَاهِمُهُمْ بِالْعَدَدِ (160) .
النِّصَابُ فِي الْمَغْشُوشِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
71 - الْمَغْشُوشُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَهُوَ الْمَسْبُوكُ مَعَ غَيْرِهِ.
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا، لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ (161) .
فَإِذَا بَلَغَهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ خَالِصًا أَوْ أَخْرَجَ مِنَ الْمَغْشُوشِ مَا يَعْلَمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى خَالِصٍ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ مَعَ مُرَاعَاةِ دَرَجَةِ الْجَوْدَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْوَرِقِ الْمَضْرُوبِ الْفِضَّةَ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْفِضَّةِ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَأَنَّهُ كُلُّهُ فِضَّةً، وَلاَ تُزَكَّى زَكَاةَ الْعُرُوضِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَعَدَّهَا لِلتِّجَارَةِ، قَالُوا: لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ لاَ تَخْلُو مِنْ قَلِيل الْغِشِّ، لأَِنَّهَا لاَ تَنْطَبِعُ إِلاَّ بِهِ، وَالْغَلَبَةُ أَنْ تَزِيدَ الْفِضَّةُ عَلَى النِّصْفِ. أَمَّا إِنْ كَانَ الْغِشُّ غَالِبًا فَلاَ يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْفِضَّةِ بَل حُكْمُ الْعُرُوضِ، فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا إِلاَّ إِنْ نَوَاهَا لِلتِّجَارَةِ، وَبَلَغَتْ نِصَابًا بِالْقِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ يُخَلِّصُ مِنْهَا فِضَّةً تَبْلُغُ نِصَابًا وَجَبَتْ زَكَاتُهَا، وَإِلاَّ فَلاَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَغْشُوشَةُ رَائِجَةً كَرَوَاجِ غَيْرِ الْمَغْشُوشَةِ فَإِنَّهَا تُعَامَل مِثْل الْكَامِلَةِ سَوَاءً، فَتَكُونُ فِيهَا الزَّكَاةُ إِنْ بَلَغَ وَزْنُهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْغِشِّ نِصَابًا، أَمَّا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ رَائِجَةٍ فَالْعِبْرَةُ بِمَا فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّصْفِيَةِ، فَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا زُكِّيَ وَإِلاَّ فَلاَ (162) .
وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ فِيمَا كَانَ الْغِشُّ فِيهِ نُحَاسًا أَوْ غَيْرَهُ، أَمَّا الذَّهَبُ الْمَغْشُوشُ بِالْفِضَّةِ فَيُعْتَبَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كُل جِنْسٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا زُكِّيَ الْجَمِيعُ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ الآْخَرُ نِصَابًا، وَكَذَا إِنْ كَانَا بِضَمِّ أَحَدِهِمَا إِلَى الآْخَرِ يَكْمُل مِنْهُمَا نِصَابٌ، كَأَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ نِصَابِ ذَهَبٍ وَرُبُعُ نِصَابِ فِضَّةٍ، وَإِلاَّ فَلاَ زَكَاةَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ بَلَغَ الذَّهَبُ الْمَخْلُوطُ بِالْفِضَّةِ نِصَابَ الذَّهَبِ فَفِيهِ زَكَاةُ الذَّهَبِ، وَإِنْ بَلَغَتِ الْفِضَّةُ نِصَابَ الْفِضَّةِ فَفِيهَا زَكَاةُ الْفِضَّةِ إِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْفِضَّةِ، أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلذَّهَبِ فَهُوَ كُلُّهُ ذَهَبٌ، لأَِنَّهُ أَعَزُّ وَأَغْلَى قِيمَةً (163) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
الْقَدْرُ الْوَاجِبُ:
72 - تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِمَّا وَجَبَتْ فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِنِسْبَةِ رُبُعِ الْعُشْرِ (5. 2)
وَهَكَذَا بِالإِْجْمَاعِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْصِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الصَّاحِبَانِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ وَقْصَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ (210) دَرَاهِمَ فَفِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي الزَّائِدِ بِحِسَابِهِ، وَهُوَ فِي الْمِثَال رُبُعُ دِرْهَمٍ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ (164) . وَلأَِنَّ الْوَقْصَ فِي السَّائِمَةِ لِتَجَنُّبِ التَّشْقِيصِ، وَلاَ يَضُرُّ فِي النَّقْدَيْنِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى النِّصَابِ عَفْوٌ لاَ شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ خُمُسَ نِصَابٍ. فَإِذَا بَلَغَ الزَّائِدُ فِي الْفِضَّةِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ فِيهَا دِرْهَمٌ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِي الزَّائِدِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَهَكَذَا، وَكَذَا فِي الذَّهَبِ لاَ شَيْءَ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْعِشْرِينَ مِثْقَالاً حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ مَثَاقِيل (165) . وَاحْتَجَّ لَهُ ابْنُ الْهُمَامِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا لَيْسَ فِيمَا دُونَ الأَْرْبَعِينَ صَدَقَةٌ (166) .
وَحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ لاَ يَأْخُذَ مِنَ الْكُسُورِ شَيْئًا (167) . ب - الزَّكَاةُ فِي الْفُلُوسِ:
73 - الْفُلُوسُ مَا صُنِعَ مِنَ النُّقُودِ مِنْ مَعْدِنٍ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفُلُوسَ إِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا رَائِجَةً أَوْ سِلَعًا لِلتِّجَارَةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا، وَإِلاَّ فَلاَ (168) .
وَحُكْمُ الْفُلُوسِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حُكْمُ الْعُرُوضِ. نَقَل الْبُنَانِيِّ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَال الْحَوْل عَلَى فُلُوسٍ عِنْدَهُ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُدِيرًا فَيُقَوِّمَهَا كَالْعُرُوضِ. قَالُوا: وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا (أَيْ فُلُوسًا) عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْعُرُوضِ، وَالْعُرُوضُ يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا بِالْقِيمَةِ دَنَانِيرَ مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ (169) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتِ الْفُلُوسُ لِلنَّفَقَةِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، كَعُرُوضِ الْقُنْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ كَاَلَّتِي عِنْدَ الصَّيَارِفَةِ تُزَكَّى زَكَاةَ الْقِيمَةِ، كَسَائِرِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَلاَ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا بَل تُخْرَجُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْعُرُوضِ (170) .
زَكَاةُ الْمَوَادِّ الثَّمِينَةِ الأُْخْرَى:
74 - لاَ زَكَاةَ فِي الْمَوَادِّ الثَّمِينَةِ الْمُقْتَنَاةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَذَلِكَ كَالْجَوَاهِرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْفَيْرُوزِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا مَا صُنِعَ مِنَ التُّحَفِ الثَّمِينَةِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ حَسُنَتْ صَنْعَتُهَا وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ فَفِيهَا الزَّكَاةُ عَلَى مَا يَأْتِي (171) .
ج - زَكَاةُ الأَْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ (وَرَقِ النَّوْطِ) :
75 - إِنَّ مِمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الأَْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ وَاجِبَةٌ، نَظَرًا لأَِنَّهَا عَامَّةُ أَمْوَال النَّاسِ وَرُءُوسُ أَمْوَال التِّجَارَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَغَالِبُ الْمُدَّخَرَاتِ، فَلَوْ قِيل بِعَدَمِ الزَّكَاةِ فِيهَا لأََدَّى إِلَى ضَيَاعِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ} (172) وَلاَ سِيَّمَا أَنَّهَا أَصْبَحَتْ عُمْلَةً نَقْدِيَّةً مُتَوَاضَعًا عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، وَيَنْبَغِي تَقْدِيرُ النِّصَابِ فِيهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (173) .
ضَمُّ الذَّهَبِ إِلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ، وَضَمُّ عُرُوضِ التِّجَارَةِ إِلَيْهِمَا:
76 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل الثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ) إِلَى أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِثْقَالاً مِنَ الذَّهَبِ، وَمِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِمَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا نِصَابٌ، وَمِنَ الآْخَرِ مَالاً يَبْلُغُ النِّصَابَ يُزَكَّيَانِ جَمِيعًا، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ نَفْعَهُمَا مُتَّحِدٌ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمَا ثَمَنَانِ، فَمِنْهُمَا الْقِيَمُ وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَيُتَّخَذَانِ لِلتَّحَلِّي.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل أَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ فِي أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَكْمُل وَحْدَهُ نِصَابًا، لِعُمُومِ حَدِيثِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ (174) .
وَالْقَائِلُونَ بِالضَّمِّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الضَّمَّ يَكُونُ بِالأَْجْزَاءِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِثْقَالاً ذَهَبًا، وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا لَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ الأَْوَّل نِصَابٌ، وَالثَّانِيَ 25 نِصَابٌ، فَيَكْمُل مِنْهُمَا نِصَابٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثُلُثُ نِصَابٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَثُلُثَانِ مِنَ الآْخَرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ بِالتَّقْوِيمِ فِي أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، أَيْ يُضَمُّ الأَْكْثَرُ إِلَى الأَْقَل، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ نِصْفُ نِصَابِ فِضَّةٍ، وَرُبُعُ نِصَابِ ذَهَبٍ تُسَاوِي قِيمَتُهُ نِصْفَ نِصَابِ فِضَّةٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
أَمَّا الْعُرُوض فَتُضَمُّ قِيمَتُهَا إِلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ وَيَكْمُل بِهَا نِصَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا (175) . وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْعُمْلَةُ النَّقْدِيَّةُ الْمُتَدَاوَلَةُ.
ثَالِثًا: زَكَاةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ:
77 - التِّجَارَةُ تَقْلِيبُ الْمَال بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِغَرَضِ تَحْصِيل الرِّبْحِ (176) .
وَالْعَرْضُ بِسُكُونِ الرَّاءِ، هُوَ كُل مَالٍ سِوَى النَّقْدَيْنِ، قَال الْجَوْهَرِيُّ: الْعَرْضُ الْمَتَاعُ، وَكُل شَيْءٍ فَهُوَ عَرْضٌ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهُمَا عَيْنٌ، وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُرُوض الأَْمْتِعَةُ الَّتِي لاَ يَدْخُلُهَا كَيْلٌ وَلاَ وَزْنٌ وَلاَ يَكُونُ حَيَوَانًا وَلاَ عَقَارًا. أَمَّا الْعَرَضُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهُوَ شَامِلٌ لِكُل أَنْوَاعِ الْمَال، قَل أَوْ كَثُرَ، قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتَاعِ الدُّنْيَا عَرَضٌ (177) . وَفِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ (178) .
وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ جَمْعُ الْعَرْضِ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَهِيَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ كُل مَا أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ سَوَاءٌ مِنْ جِنْسٍ تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ كَالإِْبِل وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ، أَوْ لاَ، كَالثِّيَابِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَال (179) .
حُكْمُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ:
78 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ هُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (180)
وَبِحَدِيثِ سَمُرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّ لِلْبَيْعِ (181) . وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: فِي الإِْبِل صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهَا (182) وَقَال حَمَاسٌ: مَرَّ بِي عُمَرُ فَقَال: أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فَقُلْتُ: مَا لِي إِلاَّ جِعَابُ أُدْمٍ. فَقَال: قَوِّمْهَا ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا. وَلأَِنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلنَّمَاءِ بِإِعْدَادِ صَاحِبِهَا فَأَشْبَهَتِ الْمُعَدَّ لِذَلِكَ خِلْقَةً كَالسَّوَائِمِ وَالنَّقْدَيْنِ.
شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَكُونَ لِزَكَاتِهَا سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ كَوْنِهَا عُرُوضَ تِجَارَةٍ:
أ - السَّوَائِمُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ:
79 - فَلَوْ كَانَ لَدَيْهِ سَوَائِمُ لِلتِّجَارَةِ بَلَغَتْ نِصَابًا، فَلاَ تَجْتَمِعُ زَكَاتَانِ إِجْمَاعًا، لِحَدِيثِ: لاَ ثَنْيَ فِي الصَّدَقَةِ (183) بَل يَكُونُ فِيهَا زَكَاةُ الْعَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، كَأَنْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل لِلتِّجَارَةِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَل مِنْ خَمْسٍ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ فَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا مِنَ الأَْثْمَانِ وَجَبَتْ فِيهَا زَكَاةُ الْقِيمَةِ.
وَإِنَّمَا قَدَّمُوا زَكَاةَ الْعَيْنِ عَلَى زَكَاةِ التِّجَارَةِ لأَِنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ أَقْوَى ثُبُوتًا لاِنْعِقَادِ الإِْجْمَاعِ عَلَيْهَا، وَاخْتِصَاصِ الْعَيْنِ بِهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تُزَكَّى زَكَاةَ التِّجَارَةِ لأَِنَّهَا أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ؛ لأَِنَّهَا تَجِبُ فِيمَا زَادَ بِالْحِسَابِ، لَكِنْ قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ نِصَابَ سَائِمَةٍ وَلَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهُ نِصَابًا مِنَ الأَْثْمَانِ فَلاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ، بَل تَجِبُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ، كَمَنْ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل لِلتِّجَارَةِ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا شَاةٌ.
وَنَظِيرُ هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ غَلَّةُ مَال التِّجَارَةِ، كَأَنْ يَكُونَ ثَمَرًا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلتِّجَارَةِ (184) .
ب - الْحُلِيُّ وَالْمَصْنُوعَاتُ الذَّهَبِيَّةُ وَالْفِضِّيَّةُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ:
80 - أَمَّا الْمَصُوغَاتُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ إِنْ كَانَتْ أَقَل مِنْ نِصَابٍ بِالْوَزْنِ، وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهَا عَنْ نِصَابٍ بِسَبَبِ الْجَوْدَةِ أَوِ الصَّنْعَةِ، وَيُزَكَّى عَلَى أَسَاسِ الْقِيمَةِ الشَّامِلَةِ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُرَصَّعَةِ (185) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ لاَ تُقَوَّمُ لِعَدَمِ الاِعْتِدَادِ بِهَا شَرْعًا، أَمَّا الصَّنْعَةُ الْمُبَاحَةُ فَتَدْخُل فِي التَّقْوِيمِ إِنْ كَانَ الْحُلِيُّ لِلتِّجَارَةِ، وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ بِالْقِيمَةِ كَسَائِرِ أَمْوَال التِّجَارَةِ، وَيُقَوَّمُ بِنَقْدٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَ بِفِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ، إِنْ كَانَ تَقْوِيمُهُ بِنَقْدٍ آخَرَ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ نَقَصَ عَنْ نِصَابِهِ، كَخَوَاتِمَ فِضَّةٍ لِتِجَارَةٍ زِنَتُهَا (مِائَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا) وَقِيمَتُهَا (عِشْرُونَ) مِثْقَالاً ذَهَبًا، فَيُزَكِّيهَا بِرُبُعِ عُشْرِ قِيمَتِهَا، فَإِنْ كَانَ وَزْنُهَا (مِائَتَيْ) دِرْهَمٍ، وَقِيمَتُهَا تِسْعَةَ عَشَرَ مِثْقَالاً وَجَبَ أَنْ لاَ تُقَوَّمَ، وَأَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهَا (186) .
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ عَابِدِينَ أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْحُلِيِّ وَالْمَصْنُوعِ مِنَ النَّقْدَيْنِ بِالْوَزْنِ مِنْ حَيْثُ النِّصَابُ وَمِنْ حَيْثُ قَدْرُ الْمُخْرَجِ، وَعِنْدَ زُفَرَ الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الأَْنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (187) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَصُوغِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّذِي لِلتِّجَارَةِ هَل يُزَكَّى زَكَاةَ الْعَيْنِ أَوْ زَكَاةَ الْقِيمَةِ قَوْلاَنِ (188) .
ج - الأَْرَاضِي الزِّرَاعِيَّةُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا:
81 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَلاَ يَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَةِ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ قَدْ زَرَعَ الأَْرْضَ الْعُشْرِيَّةَ فِعْلاً وَوَجَبَ فِيهَا الْعُشْرُ؛ لِئَلاَّ يَجْتَمِعَ حَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَالٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا تَجِبُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ فِيهَا لِعَدَمِ وُجُوبِ الْعُشْرِ، فَلَمْ يُوجَدِ الْمَانِعُ، بِخِلاَفِ الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهَا وَلَوْ عُطِّلَتْ أَيْ لأَِنَّهُ كَالأُْجْرَةِ (189) .
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيَجِبُ زَكَاةُ رَقَبَةِ الأَْرْضِ كَسَائِرِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِكُل حَالٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي كَيْفِيَّةِ تَزْكِيَةِ الْغَلَّةِ.
فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ النَّاتِجَ مِنَ الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ لاَ زَكَاةَ فِي قِيمَتِهِ فِي عَامِهِ اتِّفَاقًا إِنْ كَانَتْ قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ زَكَاةُ النَّبَاتِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ لِنَقْصِهِ عَنْ نِصَابِ الزَّرْعِ أَوِ الثَّمَرِ، تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَكَذَا فِي عَامِهِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ (190) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يُزَكَّى الْجَمِيعُ زَكَاةَ الْقِيمَةِ، لأَِنَّهُ كُلَّهُ مَال تِجَارَةٍ، فَتَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، كَالسَّائِمَةِ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيُزَكَّى التِّبْنُ أَيْضًا وَالأَْغْصَانُ وَالأَْوْرَاقُ وَغَيْرُهَا إِنْ كَانَ لَهَا قِيمَةٌ، كَسَائِرِ مَال التِّجَارَةِ (191) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي الْعُشْرِيَّةِ الْعُشْرُ وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ، لأَِنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ فِي الْقِيمَةِ، وَالْعُشْرَ فِي الْخَارِجِ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ وَلأَِنَّ زَكَاةَ الْعُشْرِ فِي الْغَلَّةِ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهَا رُبُعُ الْعُشْرِ، وَمِنْ هُنَا فَارَقَتْ عِنْدَهُمْ زَكَاةَ السَّائِمَةِ الْمُتَّجَرِ بِهَا، فَإِنَّ زَكَاةَ السَّوْمِ أَقَل مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ (192) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: تَمَلُّكُ الْعَرْضِ بِمُعَاوَضَةٍ:
82 - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَمَلَّكَ الْعَرْضَ بِمُعَاوَضَةٍ كَشِرَاءٍ بِنَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَهْرًا أَوْ عِوَضَ خُلْعٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَمُحَمَّدٍ، فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ بِهِبَةٍ أَوِ احْتِطَابٍ أَوِ اسْتِرْدَادٍ بِعَيْبٍ وَاسْتِغْلاَل أَرْضِهِ بِالزِّرَاعَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ.
قَالُوا: لأَِنَّ التِّجَارَةَ كَسْبُ الْمَال بِبَدَلٍ هُوَ مَالٌ، وَقَبُول الْهِبَةِ مَثَلاً اكْتِسَابٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ أَصْلاً.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّ الْمَهْرَ وَعِوَضَ الْخُلْعِ لاَ يُزَكَّيَانِ زَكَاةَ التِّجَارَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ: الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَفْعَالِهِ، كَالاِحْتِطَابِ وَقَبُول الْهِبَةِ، فَإِنْ دَخَل فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، كَالْمَوْرُوثِ، أَوْ مُضِيِّ حَوْل التَّعْرِيفِ فِي اللُّقَطَةِ، فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يُعْتَبَرُ أَنْ يَمْلِكَ الْعَرْضَ بِفِعْلِهِ، وَلاَ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، بَل أَيُّ عَرْضٍ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ كَانَ لَهَا (193) ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّ لِلْبَيْعِ (194) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: نِيَّةُ التِّجَارَةِ:
83 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي زَكَاةِ مَال التِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَوَى عِنْدَ شِرَائِهِ أَوْ تَمَلُّكِهِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ، وَالنِّيَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ هِيَ مَا كَانَتْ مُقَارِنَةً لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ؛ لأَِنَّ التِّجَارَةَ عَمَلٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ مَعَ الْعَمَل، فَلَوْ مَلَكَهُ لِلْقُنْيَةِ ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لَهَا، وَلَوْ مَلَكَ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ نَوَاهُ لِلْقُنْيَةِ وَأَنْ لاَ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ صَارَ لِلْقُنْيَةِ، وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلزَّكَاةِ وَلَوْ عَادَ فَنَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لأَِنَّ تَرْكَ التِّجَارَةِ، مِنْ قَبِيل التُّرُوكِ، وَالتَّرْكُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالنِّيَّةِ كَالصَّوْمِ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَلأَِنَّ النِّيَّةَ سَبَبٌ ضَعِيفٌ تَنْقُل إِلَى الأَْصْل وَلاَ تَنْقُل عَنْهُ، وَالأَْصْل فِي الْعُرُوضِ الْقُنْيَةُ. وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: لَمَّا لَمْ تَكُنِ الْعُرُوض لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةً فَلاَ تَصِيرُ لَهَا إِلاَّ بِقَصْدِهَا فِيهِ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِمَّا يَحْتَاجُ لِلنِّيَّةِ مَا يَشْتَرِيهِ الْمُضَارِبُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ بِمَال الْمُضَارَبَةِ غَيْرَ الْمُتَاجَرَةِ بِهِ.
وَلَوْ أَنَّهُ آجَرَ دَارَهُ الْمُشْتَرَاةَ لِلتِّجَارَةِ بِعَرْضٍ، فَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَكُونُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إِلاَّ بِنِيَّتِهَا، وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ لِلتِّجَارَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلَوْ قَرَنَ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ نِيَّةَ اسْتِغْلاَل الْعَرْضِ، بِأَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ شِرَائِهِ أَنْ يُكْرِيَهُ وَإِنْ وَجَدَ رِبْحًا بَاعَهُ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُرَجَّحِ عِنْدَهُمْ، وَكَذَا لَوْ نَوَى مَعَ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ بِأَنْ يَنْوِيَ الاِنْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ أَوْ سُكْنَى الْمَنْزِل ثُمَّ إِنْ وَجَدَ رِبْحًا بَاعَهُ.
قَالُوا: فَإِنْ مَلَكَهُ لِلْقُنْيَةِ فَقَطْ، أَوْ لِلْغَلَّةِ فَقَطْ أَوْ لَهُمَا، أَوْ بِلاَ نِيَّةٍ أَصْلاً فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ (195) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: بُلُوغُ النِّصَابِ:
84 - وَنِصَابُ الْعُرُوضِ بِالْقِيمَةِ، وَيُقَوَّمُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَلاَ زَكَاةَ فِي مَا يَمْلِكُهُ الإِْنْسَانُ مِنَ الْعُرُوضِ إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَقَل مِنْ نِصَابِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ نِصَابٌ أَوْ تَكْمِلَةُ نِصَابٍ.
وَتُضَمُّ الْعُرُوضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تُقَوَّمُ بِهِ عُرُوضُ التِّجَارَةِ: بِالذَّهَبِ أَمْ بِالْفِضَّةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ، إِلَى أَنَّهَا تُقَوَّمُ بِالأَْحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ كَانَ إِذَا قَوَّمَهَا بِأَحَدِهِمَا لاَ تَبْلُغُ نِصَابًا وَبِالآْخَرِ تَبْلُغُ نِصَابًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّقْوِيمُ بِمَا يَبْلُغُ نِصَابًا.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ فِيمَا يُقَوِّمُ بِهِ لأَِنَّ الثَّمَنَيْنِ فِي تَقْدِيرِ قِيَمِ الأَْشْيَاءِ بِهِمَا سَوَاءٌ (196) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ: يُقَوِّمُهَا بِمَا اشْتَرَى بِهِ مِنَ النَّقْدَيْنِ، وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ قَوَّمَهَا بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي الْبَلَدِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يُقَوِّمُهَا بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ عَلَى كُل حَالٍ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ.
وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَعَرُّضًا لِمَا تُقَوَّمُ بِهِ السِّلَعُ، مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا لاَ زَكَاةَ فِيهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ نِصَابًا
. نَقْصُ قِيمَةِ التِّجَارَةِ فِي الْحَوْل عَنِ النِّصَابِ:
85 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْقَوْل الْمَنْصُوصِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ الْقِيمَةُ فِي آخِرِ الْحَوْل، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعُرُوضِ فِي أَوَّل الْحَوْل أَقَل مِنْ نِصَابٍ ثُمَّ بَلَغَتْ فِي آخِرِ الْحَوْل نِصَابًا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَهَذَا خِلاَفًا لِزَكَاةِ الْعَيْنِ فَلاَ بُدَّ فِيهَا عِنْدَهُمْ مِنْ وُجُودِ النِّصَابِ فِي الْحَوْل كُلِّهِ. قَالُوا: لأَِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُرُوضِ بِالْقِيمَةِ، وَيَعْسُرُ مُرَاعَاتُهَا كُل وَقْتٍ لاِضْطِرَابِ الأَْسْعَارِ ارْتِفَاعًا وَانْخِفَاضًا فَاكْتُفِيَ بِاعْتِبَارِهَا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: فَلَوْ تَمَّ الْحَوْل وَقِيمَةُ الْعَرْضِ أَقَل مِنْ نِصَابٍ فَإِنَّهُ يَبْطُل الْحَوْل الأَْوَّل وَيَبْتَدِئُ حَوْلٌ جَدِيدٌ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: الْمُعْتَبَرُ طَرَفَا الْحَوْل، لأَِنَّ التَّقْوِيمَ يَشُقُّ فِي جَمِيعِ الْحَوْل فَاعْتُبِرَ أَوَّلُهُ لِلاِنْعِقَادِ وَتَحَقُّقِ الْغِنَى، وَآخِرُهُ لِلْوُجُوبِ، وَلَوِ انْعَدَمَ بِهَلاَكِ الْكُل فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل بَطَل حُكْمُ الْحَوْل.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: الْمُعْتَبَرُ كُل الْحَوْل كَمَا فِي النَّقْدَيْنِ، فَلَوْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَرْضِ مِنْ حِينَ مَلَكَهُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ فَلاَ يَنْعَقِدُ الْحَوْل عَلَيْهِ حَتَّى تَتِمَّ قِيمَتُهُ نِصَابًا، وَالزِّيَادَةُ مُعْتَبَرَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ بِارْتِفَاعِ الأَْسْعَارِ، أَوْ بِنَمَاءِ الْعَرْضِ، أَوْ بِأَنْ بَاعَهَا بِنِصَابٍ، أَوْ مَلَكَ عَرْضًا آخَرَ أَوْ أَثْمَانًا كَمَّل بِهَا النِّصَابَ (197) . الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْحَوْل:
86 - وَالْمُرَادُ أَنْ يَحُول الْحَوْل عَلَى عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فَمَا لَمْ يَحُل عَلَيْهَا الْحَوْل فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَهَذَا إِنْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، أَوْ بِمُعَاوَضَةٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ كَالْخُلْعِ، عِنْدَ مَنْ قَال بِذَلِكَ، أَوِ اشْتَرَاهَا بِعَرْضِ قُنْيَةٌ، أَمَّا إِنِ اشْتَرَاهَا بِمَالٍ مِنَ الأَْثْمَانِ أَوْ بِعَرْضِ تِجَارَةٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يَبْنِي حَوْل الثَّانِي عَلَى حَوْل الأَْوَّل؛ لأَِنَّ مَال التِّجَارَةِ تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِقِيمَتِهِ، وَقِيمَتُهُ هِيَ الأَْثْمَانُ نَفْسُهَا؛ وَلأَِنَّ النَّمَاءَ فِي التِّجَارَةِ يَكُونُ بِالتَّقْلِيبِ.
فَإِنْ أَبْدَل عَرْضَ التِّجَارَةِ بِعَرْضِ قُنْيَةٍ أَوْ بِسَائِمَةٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا التِّجَارَةَ فَإِنَّ حَوْل زَكَاةِ التِّجَارَةِ يَنْقَطِعُ.
وَرِبْحَ التِّجَارَةِ فِي الْحَوْل يُضَمُّ إِلَى الأَْصْل فَيُزَكِّي الأَْصْل وَالرِّبْحَ عِنْدَ آخِرِ الْحَوْل (198) . فَإِذَا حَال الْحَوْل وَجَبَ عَلَى الْمَالِكِ تَقْوِيمُ عُرُوضِهِ وَإِخْرَاجُ زَكَاتِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلِمَالِكٍ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْمُحْتَكِرِ لِتِجَارَتِهِ وَالْمُدِيرِ لَهَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الشَّرْطِ التَّالِي.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: تَقْوِيمُ السِّلَعِ:
87 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ التَّاجِرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَكِرًا أَوْ مُدِيرًا، وَالْمُحْتَكِرُ هُوَ الَّذِي يَرْصُدُ بِسِلَعِهِ الأَْسْوَاقَ وَارْتِفَاعَ الأَْسْعَارِ، وَالْمُدِيرُ هُوَ مَنْ يَبِيعُ بِالسِّعْرِ الْحَاضِرِ ثُمَّ يُخْلِفُهُ بِغَيْرِهِ وَهَكَذَا، كَالْبَقَّال وَنَحْوِهِ.
فَالْمُحْتَكِرُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَبْلُغُ نِصَابًا، وَلَوْ فِي مَرَّاتٍ، وَبَعْدَ أَنْ يَكْمُل مَا بَاعَ بِهِ نِصَابًا يُزَكِّيهِ وَيُزَكِّي مَا بَاعَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ قَل، فَلَوْ أَقَامَ الْعَرْضُ عِنْدَهُ سِنِينَ فَلَمْ يَبِعْ ثُمَّ بَاعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ إِلاَّ زَكَاةُ عَامٍ وَاحِدٍ يُزَكِّي ذَلِكَ الْمَال الَّذِي يَقْبِضُهُ. أَمَّا الْمُدِيرُ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَ بِشَيْءٍ وَلَوْ قَل، كَدِرْهَمٍ، وَعَلَى الْمُدِيرِ الَّذِي بَاعَ وَلَوْ بِدِرْهَمٍ أَنْ يُقَوِّمَ عُرُوضَ تِجَارَتِهِ آخِرَ كُل حَوْلٍ وَيُزَكِّيَ الْقِيمَةَ، كَمَا يُزَكِّي النَّقْدَ. وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْمُدِيرِ وَالْمُحْتَكِرِ لأَِنَّ الزَّكَاةَ شُرِعَتْ فِي الأَْمْوَال النَّامِيَةِ، فَلَوْ زَكَّى السِّلْعَةَ كُل عَامٍ - وَقَدْ تَكُونُ كَاسِدَةً - نَقَصَتْ عَنْ شِرَائِهَا، فَيَتَضَرَّرُ، فَإِذَا زُكِّيَتْ عِنْدَ الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَتْ رَبِحَتْ فَالرِّبْحُ كَانَ كَامِنًا فِيهَا فَيُخْرِجُ زَكَاتَهُ؛ وَلأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَالٍ مِنْ مَالٍ آخَرَ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ تَقْوِيمَ السِّلَعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ لِلتَّاجِرِ الْمُدِيرِ خَاصَّةً دُونَ التَّاجِرِ الْمُحْتَكِرِ، وَأَنَّ الْمُحْتَكِرَ لَيْسَ عَلَيْهِ لِكُل حَوْلٍ زَكَاةٌ فِيمَا احْتَكَرَهُ بَل يُزَكِّيهِ لِعَامٍ وَاحِدٍ عِنْدَ بَيْعِهِ وَقَبْضِ ثَمَنِهِ.
أَمَّا عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ الْمُحْتَكِرَ كَغَيْرِهِ، عَلَيْهِلِكُل حَوْلٍ زَكَاةٌ (199) .
كَيْفِيَّةُ التَّقْوِيمِ وَالْحِسَابِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ:
أ - مَا يُقَوَّمُ مِنَ السِّلَعِ وَمَا لاَ يُقَوَّمُ:
88 - الَّذِي يُقَوَّمُ مِنَ الْعُرُوضِ هُوَ مَا يُرَادُ بَيْعُهُ دُونَ مَا لاَ يُعَدُّ لِلْبَيْعِ، فَالرُّفُوفُ الَّتِي يَضَعُ عَلَيْهَا السِّلَعَ لاَ زَكَاةَ فِيهَا.
وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَاجِرَ الدَّوَابِّ إِنِ اشْتَرَى لَهَا مَقَاوِدَ أَوْ بَرَاذِعَ، فَإِنْ كَانَ يَبِيعُ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ مَعَهَا فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَتْ لِحِفْظِ الدَّوَابِّ بِهَا فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْعَطَّارُ لَوِ اشْتَرَى قَوَارِيرَ، فَمَا كَانَ مِنَ الْقَوَارِيرِ لِحِفْظِ الْعِطْرِ عِنْدَ التَّاجِرِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَمَا كَانَ يُوضَعُ فِيهَا الْعِطْرُ لِلْمُشْتَرِي فَفِيهَا الزَّكَاةُ.
وَمَوَادُّ الْوَقُودِ كَالْحَطَبِ، وَنَحْوِهِ، وَمَوَادُّ التَّنْظِيفِ كَالصَّابُونِ وَنَحْوِهِ الَّتِي أَعَدَّهَا الصَّانِعُ لِيَسْتَهْلِكَهَا فِي صِنَاعَتِهِ لاَ لِيَبِيعَهَا فَلاَ زَكَاةَ فِيمَا لَدَيْهِ مِنْهَا، وَالْمَوَادُّ الَّتِي لِتَغْذِيَةِ دَوَابِّ التِّجَارَةِ لاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ (200) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الأَْوَانِي الَّتِي تُدَارُ فِيهَا الْبَضَائِعُ، وَلاَ الآْلاَتِ الَّتِي تُصْنَعُ بِهَا السِّلَعُ، وَالإِْبِل الَّتِي تَحْمِلُهَا، إِلاَّ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمَوَادَّ الَّتِي لِلصِّبَاغَةِ أَوِ الدِّبَاغَةِ، وَالدُّهْنِ لِلْجُلُودِ، فِيهَا الزَّكَاةُ، بِخِلاَفِ الْمِلْحِ لِلْعَجِينِ أَوِ الصَّابُونِ لِلْغَسْل فَلاَ زَكَاةَ فِيهِمَا لِهَلاَكِ الْعَيْنِ، وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ نَحْوَ ذَلِكَ (201) .
ب - تَقْوِيمُ الصَّنْعَةِ فِي الْمَوَادِّ الَّتِي يُقَوِّمُ صَاحِبُهَا بِتَصْنِيعِهَا:
89 - الْمَوَادُّ الْخَامُ الَّتِي اشْتَرَاهَا الْمَالِكُ وَقَامَ بِتَصْنِيعِهَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَى الْحَال الَّتِي اشْتَرَاهَا عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، أَيْ قَبْل تَصْنِيعِهَا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ، عَلَى قَوْل مَنْ يَشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ أَنْ يَمْلِكَهَا بِمُعَاوَضَةٍ؛ لأَِنَّ هَذَا قَدْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ بَل بِفِعْلِهِ. وَنَصُّ الْبُنَانِيِّ " الْحُكْمُ أَنَّ الصُّنَّاعَ يُزَكُّونَ مَا حَال عَلَى أَصْلِهِ الْحَوْل مِنْ مَصْنُوعَاتِهِمْ إِذَا كَانَ نِصَابًا وَلاَ يُقَوِّمُونَ صِنَاعَتَهُمْ " قَال ابْنُ لُبٍّ: لأَِنَّهَا فَوَائِدُ كَسْبِهِمْ اسْتَفَادُوهَا وَقْتَ بَيْعِهِمْ (202) .
السِّعْرُ الَّذِي تُقَوَّمُ بِهِ السِّلَعُ:
90 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ عُرُوضَ التِّجَارَةِ يُقَوِّمُهَا الْمَالِكُ عَلَى أَسَاسِ سِعْرِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَال، وَلَيْسَ الَّذِي فِيهِ الْمَالِكُ، أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَهُ بِالْمَال عِلاَقَةٌ، وَلَوْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ الأَْمْصَارِ (203) .
وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوُجُوبِ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّهُ فِي الأَْصْل بِالْخِيَارِ بَيْنَ الإِْخْرَاجِ مِنَ الْعَيْنِ وَأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَيُجْبَرُ الْمُصَدِّقُ عَلَى قَبُولِهَا، فَيَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَهُوَ وَقْتُ الْوُجُوبِ.
وَقَال الصَّاحِبَانِ: الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الأَْدَاءِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُمَا جُزْءٌ مِنَ الْعَيْنِ، وَلَهُ وِلاَيَةُ مَنْعِهَا إِلَى الْقِيمَةِ، فَتُعْتَبَرُ يَوْمَ الْمَنْعِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ (204) .
زِيَادَةُ سِعْرِ الْبَيْعِ عَنِ السِّعْرِ الْمُقَدَّرِ:
91 - إِنْ قَوَّمَ سِلْعَةً لأَِجْل الزَّكَاةِ وَأَخْرَجَهَا عَلَى أَسَاسِ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَاعَهَا زَادَ ثَمَنُهَا عَلَى الْقِيمَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ بَل هِيَ مُلْغَاةٌ؛ لاِحْتِمَال ارْتِفَاعِ سِعْرِ السُّوقِ، أَوْ لِرَغْبَةِ الْمُشْتَرِي، أَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غَلِطَ فِي التَّقْوِيمِ فَإِنَّهَا لاَ تُلْغَى لِظُهُورِ الْخَطَأِ قَطْعًا.
وَكَذَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَنِ التَّقْوِيمِ لاَ زَكَاةَ فِيهَا عَنِ الْحَوْل السَّابِقِ (205) .
التَّقْوِيمُ لِلسِّلَعِ الْبَائِرَةِ:
92 - مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي التَّقْوِيمِ، بَيْنَ السِّلَعِ الْبَائِرَةِ وَغَيْرِهَا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ السِّلَعَ الَّتِي لَدَى التَّاجِرِ الْمُدِيرِ إِذَا بَارَتْ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهَا فِي التَّقْوِيمِ وَيُؤَدِّي زَكَاتَهَا كُل عَامٍ إِذَا تَمَّتِ الشُّرُوطُ؛ لأَِنَّ بَوَارَهَا لاَ يَنْقُلُهَا لِلْقُنْيَةِ وَلاَ لِلاِحْتِكَارِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ. وَذَهَبَ ابْنُ نَافِعٍ وَسَحْنُونٌ إِلَى أَنَّ السِّلَعَ إِذَا بَارَتْ تَنْتَقِل لِلاِحْتِكَارِ، وَخَصَّ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ الْخِلاَفَ بِمَا إِذَا بَارَ الأَْقَل، أَمَّا إِذَا بَارَ النِّصْفُ أَوِ الأَْكْثَرُ فَلاَ يُقَوَّمُ اتِّفَاقًا عِنْدَهُمْ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لاَ زَكَاةَ فِيهَا إِلاَّ إِذَا بَاعَ قَدْرَ نِصَابٍ فَيُزَكِّيهِ، ثُمَّ كُلَّمَا بَاعَ شَيْئًا زَكَّاهُ كَمَا تَقَدَّمَ (206) .
التَّقْوِيمُ لِلسِّلَعِ الْمُشْتَرَاةِ الَّتِي لَمْ يَدْفَعِ التَّاجِرُ ثَمَنَهَا:
93 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّاجِرَ الْمُدِيرَ لاَ يُقَوِّمُ - لأَِجْل الزَّكَاةِ - مِنْ سِلَعِهِ إِلاَّ مَا دَفَعَ ثَمَنَهُ، أَوْ حَال عَلَيْهِ الْحَوْل عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ، وَحُكْمُهُ فِي مَا لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ حُكْمُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِيَدِهِ مَالٌ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ وَلَمْ يَحُل عَلَيْهِ الْحَوْل عِنْدَهُ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ زَكَاةِ مَا حَال حَوْلُهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ بِسَبَبِ دَيْنِ ثَمَنِ هَذَا الْعَرْضِ الَّذِي لَمْ يَحُل حَوْلُهُ عِنْدَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَتِهِ (207) . تَقْوِيمُ دَيْنِ التَّاجِرِ النَّاشِئِ عَنِ التِّجَارَةِ:
94 - مَا كَانَ لِلتَّاجِرِ مِنَ الدَّيْنِ الْمَرْجُوِّ إِنْ كَانَ سِلَعًا عَيْنِيَّةً - أَيْ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ - فَإِنَّهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ مُدِيرًا - لاَ مُحْتَكِرًا - يُقَوِّمُهُ بِنَقْدٍ حَالٍّ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ طَعَامَ سَلَمٍ، وَلاَ يَضُرُّ تَقْوِيمُهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا لَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ إِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الْمَرْجُوُّ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَكَانَ مُؤَجَّلاً، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُهُ بِعَرْضٍ، ثُمَّ يُقَوِّمُ الْعَرْضَ بِنَقْدٍ حَالٍّ، فَيُزَكِّي تِلْكَ الْقِيمَةَ لأَِنَّهَا الَّتِي تُمْلَكُ لَوْ قَامَ عَلَى الْمَدِينِ غُرَمَاؤُهُ.
أَمَّا الدَّيْنُ غَيْرُ الْمَرْجُوِّ فَلاَ يُقَوِّمْهُ لِيُزَكِّيَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، فَإِنْ قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ (208) .
وَأَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، فَالظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل يُحْسَبُ لِلزَّكَاةِ بِكَمَالِهِ إِذَا كَانَ عَلَى مَلِيءٍ مُقِرٍّ.
إِخْرَاجُ زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ نَقْدًا أَوْ مِنْ أَعْيَانِ الْمَال:
95 - الأَْصْل فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَنْ يُخْرِجَهَا نَقْدًا بِنِسْبَةِ رُبُعِ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، لِقَوْل عُمَرَ ﵁ لِحَمَاسٍ: قَوِّمْهَا ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا.
فَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَجْزَأَ اتِّفَاقًا. وَإِنْ أَخْرَجَ عُرُوضًا عَنِ الْعُرُوضِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ.
فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى: لاَ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ بِالْقِيمَةِ، فَكَانَتِ الزَّكَاةُ مِنَ الْقِيمَةِ، كَمَا إِنَّ الْبَقَرَ لَمَّا كَانَ نِصَابُهَا مُعْتَبَرًا بِأَعْيَانِهَا، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ مِنْ أَعْيَانِهَا، وَكَذَا سَائِرُ الأَْمْوَال غَيْرِ التِّجَارَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ قَدِيمٌ: يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ الإِْخْرَاجِ مِنَ الْعَرْضِ أَوْ مِنَ الْقِيمَةِ فَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ عَرْضٍ بِقِيمَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةِ الْعُرُوضِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَلِكَ زَكَاةُ غَيْرِهَا مِنَ الأَْمْوَال حَتَّى النَّقْدَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ وَلَوْ كَانَتْ لِلسَّوْمِ لاَ لِلتِّجَارَةِ، وَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلشَّافِعِيَّةِ قَدِيمٍ: أَنَّ زَكَاةَ الْعُرُوضِ تُخْرَجُ مِنْهَا لاَ مِنْ ثَمَنِهَا، فَلَوْ أُخْرِجَ مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يُجْزِئْ (209) .
زَكَاةُ مَال التِّجَارَةِ الَّذِي بِيَدِ الْمُضَارِبِ:
96 - مَنْ أَعْطَى مَالَهُ مُضَارَبَةً لإِِنْسَانٍ فَرَبِحَ فَزَكَاةُ رَأْسِ الْمَال عَلَى رَبِّ الْمَال اتِّفَاقًا، أَمَّا الرِّبْحُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ عَلَى الْمُضَارِبِ زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ إِنْ ظَهَرَ فِي الْمَال رِبْحٌ وَتَمَّ نَصِيبُهُ نِصَابًا (210) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَال الْقِرَاضِ يُزَكِّي مِنْهُ رَبُّ الْمَال رَأْسَ مَالِهِ وَحِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ كُل عَامٍ، وَهَذَا إِنْ كَانَ تَاجِرًا مُدِيرًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ مُحْتَكِرًا وَكَانَ عَامِل الْقِرَاضِ مُدِيرًا، وَكَانَ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَال رَبِّ الْمَال الأَْكْثَرَ، وَمَا بِيَدِ رَبِّهِ الْمُحْتَكِرِ الأَْقَل.
وَأَمَّا الْعَامِل فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ إِلاَّ بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ فَيُزَكِّيهَا إِذَا قَبَضَهَا لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ (211) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْمَال وَرِبْحَهُ كُلَّهَا عَلَى صَاحِبِ الْمَال، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَال الْقِرَاضِ حُسِبَتْ مِنَ الرِّبْحِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ مَئُونَةِ الْمَال وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَال مِلْكُهُ، وَلاَ يَمْلِكُ الْعَامِل شَيْئًا وَلَوْ ظَهَرَ فِي الْمَال رِبْحٌ حَتَّى تَتِمَّ الْقِسْمَةُ.
هَذَا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْعَامِل لاَ يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ، أَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ عَلَى الْعَامِل زَكَاةَ حِصَّتِهِ (212) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الْمَال زَكَاةَ الْمَال كُلِّهِ مَا عَدَا نَصِيبَ الْعَامِل؛ لأَِنَّ نَصِيبَ الْعَامِل لَيْسَ لِرَبِّ الْمَال وَلاَ تَجِبُ عَلَى الإِْنْسَانِ زَكَاةُ مَال غَيْرِهِ. وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمَال لأَِنَّهُ مِنْ مَئُونَتِهِ، وَتُحْسَبُ مِنَ الرِّبْحِ؛ لأَِنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَال. وَأَمَّا الْعَامِل فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي نَصِيبِهِ مَا لَمْ يَقْتَسِمَا، فَإِذَا اقْتَسَمَا اسْتَأْنَفَ الْعَامِل حَوْلاً مِنْ حِينَئِذٍ. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَحْتَسِبُ مِنْ حِينِ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ (213) .
رَابِعًا: زَكَاةُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ:
مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ أَجْنَاسِ النَّبَاتِ:
97 - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ فِي التَّمْرِ (ثَمَرِ النَّخْل) وَالْعِنَبِ (ثَمَرِ الْكَرْمِ) مِنَ الثِّمَارِ، وَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ مِنَ الزُّرُوعِ الزَّكَاةَ إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهَا. وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ مَرْفُوعًا: الزَّكَاةُ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ (214) وَفِي لَفْظٍ الْعُشْرُ فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ (215) وَمِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: إِنَّمَا سَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الأَْرْبَعَةِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ (216) وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ ﵃ أَجْمَعِينَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ لاَ يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الأَْرْبَعَةِ: الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ (217) .
98 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَا عَدَا هَذِهِ الأَْصْنَافَ الأَْرْبَعَةَ:
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُل مَا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ اسْتِنْمَاءُ الأَْرْضِ، مِنَ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالأَْبَازِيرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ اسْتِغْلاَل الأَْرْضِ، دُونَ مَا لاَ يُقْصَدُ بِهِ ذَلِكَ
عَادَةً كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ (أَيِ الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ بِخِلاَفِ قَصَبِ السُّكَّرِ) وَالتِّبْنِ وَشَجَرِ الْقُطْنِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَبَذْرِ الْبِطِّيخِ وَالْبُذُورِ الَّتِي لِلأَْدْوِيَةِ كَالْحُلْبَةِ وَالشُّونِيزِ، لَكِنْ لَوْ قَصَدَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَشْغَل أَرْضَهُ بِهَا لأَِجْل الاِسْتِنْمَاءِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْقَصْدِ.
وَاحْتُجَّ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ (218) . فَإِنَّهُ عَامٌّ فَيُؤْخَذُ عَلَى عُمُومِهِ، وَلأَِنَّهُ يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الأَْرْضِ وَاسْتِغْلاَلُهَا فَأَشْبَهَ الْحَبَّ.
وَذَهَبَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَجِبُ إِلاَّ فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ حَوْلاً (219) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ، فَأَمَّا الثِّمَارُ فَلاَ يُؤْخَذُ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ مِنْهَا زَكَاةٌ غَيْرُ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ، وَأَمَّا الْحُبُوبُ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالأُْرْزِ وَالْعَلَسِ، وَمِنَ الْقَطَانِيِّ السَّبْعَةِ الْحِمَّصِ وَالْفُول وَالْعَدَسِ وَاللُّوبِيَا وَالتُّرْمُسِ وَالْجُلُبَّانِ وَالْبَسِيلَةِ، وَذَوَاتِ الزُّيُوتِ الأَْرْبَعِ الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ وَالْقُرْطُمِ وَحَبِّ الْفُجْل. فَهِيَ كُلُّهَا عِشْرُونَ جِنْسًا، لاَ يُؤْخَذُ مِنْ شَيْءٍ سِوَاهَا زَكَاةٌ (220) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ إِلاَّ مَا كَانَ قُوتًا. وَالْقُوتُ هُوَ مَا بِهِ يَعِيشُ الْبَدَنُ غَالِبًا دُونَ مَا يُؤْكَل تَنَعُّمًا أَوْ تَدَاوِيًا، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنَ الثِّمَارِ فِي الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ خَاصَّةً، وَمِنَ الْحُبُوبِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالأُْرْزِ وَالْعَدَسِ وَسَائِرِ مَا يُقْتَاتُ اخْتِيَارًا كَالذُّرَةِ وَالْحِمَّصِ وَالْبَاقِلاَءِ، وَلاَ تَجِبُ فِي السِّمْسِمِ وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالرُّمَّانِ وَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهَا وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالْقُرْطُمِ (221) .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُل مَا اسْتَنْبَتَهُ الآْدَمِيُّونَ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَكَانَ مِمَّا يَجْمَعُ وَصْفَيْنِ: الْكَيْل، وَالْيُبْسُ مَعَ الْبَقَاءِ (أَيْ إِمْكَانِيَّةِ الاِدِّخَارِ) وَهَذَا يَشْمَل أَنْوَاعًا سَبْعَةً:
الأَْوَّل: مَا كَانَ قُوتًا كَالأُْرْزِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ.
الثَّانِي: الْقُطْنِيَّاتُ كَالْفُول وَالْعَدَسِ وَالْحِمَّصِ وَالْمَاشِّ وَاللُّوبِيَا.
الثَّالِثُ: الأَْبَازِيرُ، كَالْكُسْفَرَةِ وَالْكَمُّونِ وَالْكَرَاوْيَا.
الرَّابِعُ: الْبُذُورُ، وَبَذْرُ الْخِيَارِ، وَبَذْرُ الْبِطِّيخِ، وَبَذْرُ الْقِثَّاءِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يُؤْكَل، أَوْ لاَ يُؤْكَل كَبُذُورِ الْكَتَّانِ وَبُذُورِ الْقُطْنِ وَبُذُورِ الرَّيَاحِينِ.
الْخَامِسُ: حَبُّ الْبُقُول كَالرَّشَادِ وَحَبِّ الْفُجْل وَالْقُرْطُمِ وَالْحُلْبَةِ وَالْخَرْدَل. السَّادِسُ: الثِّمَارُ الَّتِي تُجَفَّفُ، وَتُدَّخَرُ كَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ.
السَّابِعُ: مَا لَمْ يَكُنْ حَبًّا وَلاَ ثَمَرًا لَكِنَّهُ يُكَال وَيُدَّخَرُ كَسَعْتَرٍ وَسُمَّاقٍ، أَوْ وَرَقِ شَجَرٍ يُقْصَدُ كَالسِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ وَالآْسِ.
قَالُوا: وَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَالْخُضَارِ كُلِّهَا، وَكَثِمَارِ التُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالتِّينِ وَالتُّوتِ وَالْمَوْزِ وَالرُّمَّانِ وَالْبُرْتُقَال وَبَقِيَّةِ الْفَوَاكِهِ، وَلاَ فِي الْجَوْزِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لأَِنَّهُ مَعْدُودٌ، وَلاَ تَجِبُ فِي الْقَصَبِ وَلاَ فِي الْبُقُول كَالْفُجْل وَالْبَصَل وَالْكُرَّاثِ، وَلاَ فِي نَحْوِ الْقُطْنِ وَالْقُنَّبِ وَالْكَتَّانِ وَالْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِ جَرِيدِ النَّخْل وَخُوصِهِ وَلِيفِهِ (222) . وَفِي الزَّيْتُونِ عِنْدَهُمُ اخْتِلاَفٌ يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَاحْتَجَّ الْحَنَابِلَةُ لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلاَ حَبٍّ صَدَقَةٌ (223) فَدَل عَلَى اعْتِبَارِ الْكَيْل، وَأَمَّا الاِدِّخَارُ فَلأَِنَّ غَيْرَ الْمُدَّخَرِ لاَ تَكْمُل فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ مَآلاً (224) .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي شَيْءٍ غَيْرِ هَذِهِ الأَْجْنَاسِ الأَْرْبَعَةِ، لأَِنَّ النَّصَّ بِهَا وَرَدَ؛ وَلأَِنَّهَا غَالِبُ الأَْقْوَاتِ وَلاَ يُسَاوِيهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَفِي كَثْرَةِ نَفْعِهَا شَيْءٌ غَيْرُهَا، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا شَيْءٌ (225) .
وَاحْتَجَّ مَنْ عَدَا أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ (226) وَعَلَى انْتِفَائِهَا فِي نَحْوِ الرُّمَّانِ وَالتُّفَّاحِ مِنَ الثِّمَارِ بِمَا وَرَدَ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ وَكَانَ عَامِلاً لِعُمَرَ عَلَى الطَّائِفِ: أَنَّ قِبَلَهُ حِيطَانًا فِيهَا مِنَ الفرسك (الْخَوْخِ) وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ غَلَّةِ الْكُرُومِ أَضْعَافًا فَكَتَبَ يَسْتَأْمِرُ فِي الْعُشْرِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهَا عُشْرٌ، وَقَال: هِيَ مِنَ الْعُفَاةِ كُلِّهَا وَلَيْسَ فِيهَا عُشْرٌ (227) .
الزَّكَاةُ فِي الزَّيْتُونِ:
99 - تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الزَّيْتُونِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (228) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الزَّيْتُونَ فِي أَوَّل الآْيَةِ. وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ ادِّخَارُ غَلَّتِهِ فَأَشْبَهَ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ لأَِنَّهُ لاَ يُدَّخَرُ يَابِسًا، فَهُوَ كَالْخَضْرَاوَاتِ (229) .
شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ:
100 - لاَ يُشْتَرَطُ الْحَوْل فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ اتِّفَاقًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (230) وَلأَِنَّ الْخَارِجَ نَمَاءٌ فِي ذَاتِهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَوْرًا كَالْمَعْدِنِ، بِخِلاَفِ سَائِرِ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ فَإِنَّمَا اشْتُرِطَ فِيهَا الْحَوْل لِيُمْكِنَ فِيهِ الاِسْتِثْمَارُ (231) .
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا يَلِي:
الشَّرْطُ الأَْوَّل النِّصَابُ: وَنِصَابُهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ (232) عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَبِهِ قَال صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَا يُوسَقُ، لِمَا فِي حَدِيثِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلاَ حَبٍّ صَدَقَةٌ (233) وَالْوَسْقُ لُغَةً: حِمْل الْبَعِيرِ، وَهُوَ فِي الْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ وَنَحْوِهِمَا سِتُّونَ صَاعًا (234) بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ (وَيُنْظَرُ تَحْرِيرُ مِقْدَارِ الصَّاعِ فِي مُصْطَلَحِ: مَقَادِيرُ) فَالنِّصَابُ ثَلاَثُمِائَةِ صَاعٍ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُشْتَرَطُ نِصَابٌ لِزَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ بَل هِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ مَا لَمْ يَكُنْ أَقَل مِنْ نِصْفِ صَاعٍ (235) .
النِّصَابُ فِيمَا لاَ يُكَال:
101 - ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ مَا لاَ يُوسَقُ فَنِصَابُهُ بِالْقِيمَةِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ أَدْنَى نِصَابٍ مِمَّا يُوسَقُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلاَّ فَلاَ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ نِصَابَهُ خَمْسَةُ أَمْثَال مَا يُقَدَّرُ بِهِ، فَفِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ، وَفِي الْعَسَل خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ، وَفِي السُّكَّرِ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ (236) .
وَفِي النِّصَابِ مَسَائِل:
أ - مَا يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ لِتَكْمِيل النِّصَابِ:
102 - تُضَمُّ أَنْوَاعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِتَكْمِيل النِّصَابِ، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا لأَِنَّهَا كُلَّهَا تَمْرٌ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كُل نَوْعٍ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ شَقَّ أُخْرِجَ مِنَ الْوَسَطِ. . وَيُضَمُّ الْجَيِّدُ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ إِلَى الرَّدِيءِ مِنْهُ وَلاَ يُكَمَّل جِنْسٌ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَلاَ يُضَمُّ التَّمْرُ إِلَى الزَّبِيبِ وَلاَ أَيٌّ مِنْهُمَا إِلَى الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ.
إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الأَْشْيَاءِ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ أَوْ أَنْوَاعٌ، كَالْعَلَسِ وَكَانَ قُوتُ صَنْعَاءَ الْيَمَنِ، فَقَدْ قِيل: هُوَ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يُكَمَّل نِصَابًا وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَابْنِ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيل: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ، فَيُضَمُّ إِلَيْهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَوْل مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ، وَالْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ أَجْنَاسٌ ثَلاَثَةٌ لاَ يُضَمُّ أَحَدُهَا إِلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَمْحَ جِنْسٌ وَأَنَّ الشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ نَوْعَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الثَّلاَثَةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ يُكَمَّل النِّصَابُ مِنْهَا جَمِيعًا. بِخِلاَفِ الأُْرْزِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ فَهِيَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَذَلِكَ الْقَطَانِيُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهِيَ سَبْعَةُ أَصْنَافٍ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ تُضَمُّ الْقَطَانِيُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (237) . ضَمُّ غَلَّةِ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ:
103 - لاَ تُضَمُّ ثَمَرَةُ عَامٍ إِلَى ثَمَرَةِ عَامٍ آخَرَ وَلاَ الْحَاصِل مِنَ الْحَبِّ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ فَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ بَيْنَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، فَأَمَّا الزَّرْعُ فَيُضَمُّ مَا زُرِعَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، كَالذُّرَةِ تُزْرَعُ فِي الرَّبِيعِ وَفِي الْخَرِيفِ، وَأَمَّا الثَّمَرُ إِذَا اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ فَلاَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوِ اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ لاِخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ وَاخْتِلاَفِ بِلاَدِهِ حَرَارَةً وَبُرُودَةً، وَكَمَا لَوْ أَطْلَعَ النَّخْل فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ فَلاَ يُضَمُّ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: إِنْ أَطْلَعَ الثَّانِي بَعْدَ جِدَادِ الأَْوَّل فَلاَ يُضَمُّ وَإِلاَّ فَيُضَمُّ (238) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِلضَّمِّ أَنْ يُزْرَعَ أَحَدُهَا قَبْل اسْتِحْقَاقِ حَصَادِ الآْخَرِ وَهُوَ وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَبْقَى مِنْ حَبِّ الأَْوَّل إِلَى اسْتِحْقَاقِ حَصَادِ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يُحْصَدْ مَا يَكْمُل بِهِ النِّصَابُ، أَمَّا لَوْ أُكِل الأَْوَّل قَبْل وَقْتِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الثَّانِي، فَلاَ يُضَمُّ الثَّانِي لِلأَْوَّل بَل إِنْ كَانَ الثَّانِي نِصَابًا زُكِّيَ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَكَذَا يُضَمُّ زَرْعٌ ثَانٍ إِلَى أَوَّلٍ، وَثَانٍ إِلَى ثَالِثٍ، إِنْ كَانَ فِيهِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يُخْرِجْ زَكَاةَ الأَْوَّلَيْنِ حَتَّى يَحْصُدَ الثَّالِثَ. وَحَيْثُ ضَمَّ أَصْنَافًا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ كُل صِنْفٍ بِحَسَبِهِ.
وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الْقَوْل أَنَّ زَرْعَ الْعَامِ الْوَاحِدِ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ إِذَا اتَّفَقَ الْجِنْسُ، وَكَذَا ثَمَرَةُ الْعَامِ، سَوَاءٌ كَانَ الأَْصْل مِمَّا يَحْمِل مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ كَالذُّرَةِ، أَوْ لاَ (239) .
104 - وَالْمُعْتَبَرُ فِي قَدْرِ النِّصَابِ اتِّحَادُ الْمَالِكِ، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ مُشْتَرَكًا، أَوْ مُخْتَلِطًا فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَا يَمْلِكُهُ الْمُزَكِّي مِنْهُ وَحْدَهُ نِصَابًا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَال الْمُشْتَرَكَ وَالْمُخْتَلِطَ يُزَكَّى زَكَاةَ مَالٍ وَاحِدٍ فَإِنْ بَلَغَ مَجْمُوعُهُ نِصَابًا زُكِّيَ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (خُلْطَة) .
وَلاَ تَرِدُ هَذِهِ التَّفْرِيعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّ النِّصَابَ هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَل تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ فِي قَلِيل الزُّرُوعِ وَكَثِيرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
ب - نِصَابُ مَا لَهُ قِشْرٌ، وَمَا يَنْقُصُ كَيْلُهُ بِالْيُبْسِ:
105 - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الأَْوْسُقُ الْخَمْسَةُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ، وَبَعْدَ الْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ فَلَوْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ مِنَ الْعِنَبِ لاَ يَجِيءُ مِنْهَا بَعْدَ الْجَفَافِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنَ الزَّبِيبِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا زَكَاةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْجَفَافَ هُوَ وَقْتُ وُجُوبِ الإِْخْرَاجِ، فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ بِحَال الثِّمَارِ وَقْتَ الْوُجُوبِ.
وَالْمُرَادُ بِتَصْفِيَةِ الْحَبِّ فَصْلُهُ مِنَ التِّبْنِ وَمِنَ الْقِشْرِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل مَعَهُ.
وَهَذَا إِنْ كَانَ الْحَبُّ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ. أَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَصْلُحُ ادِّخَارُهُ إِلاَّ فِي قِشْرِهِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل مَعَهُ كَالْعَلَسِ، وَهُوَ حَبٌّ شَبِيهٌ بِالْحِنْطَةِ، وَالأُْرْزِ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ إِذْ يُخَزِّنُونَهُ بِقِشْرِهِ، فَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْقَوْل بِأَنَّ نِصَابَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ اعْتِبَارًا لِقِشْرِهِ الَّذِي ادِّخَارُهُ فِيهِ أَصْلَحُ لَهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يُعْتَبَرُ مَا يَكُونُ صَافِيهِ نِصَابًا، وَيُؤْخَذُ الْوَاجِبُ مِنْهُ بِالْقِشْرِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بَل يُحْسَبُ فِي النِّصَابِ قِشْرُ الأُْرْزِ وَالْعَلَسِ الَّذِي يُخَزَّنَانِ بِهِ كَقِشْرِ الشَّعِيرِ فَلَوْ كَانَ الأُْرْزُ مَقْشُورًا أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ فَإِنْ كَانَ بِقِشْرِهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ زُكِّيَ، وَإِنْ كَانَ أَقَل فَلاَ زَكَاةَ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْوَاجِبَ مَقْشُورًا أَوْ غَيْرَ مَقْشُورٍ، وَأَمَّا الْقِشْرُ الَّذِي لاَ يُخَزَّنُ الْحَبُّ بِهِ كَقِشْرِ الْفُول الأَْعْلَى فَيَحْتَسِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ مُقَدَّرَ الْجَفَافِ (240) .
وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ وَالثَّمَرِ:
106 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ عَرَفَةَ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ، وَطِيبِ الثَّمَرِ وَالأَْمْنِ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ، وَالْمُرَادُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ طِيبُهُ وَاسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ السَّقْيِ، وَإِنْ بَقِيَ فِي الأَْرْضِ لِتَمَامِ طِيبِهِ، وَطِيبُ الثَّمَرِ نَحْوُ أَنْ يُزْهِيَ الْبُسْرُ، أَوْ تَظْهَرَ الْحَلاَوَةُ فِي الْعِنَبِ. قَالُوا: لأَِنَّ الْحَبَّ بِاشْتِدَادِهِ يَكُونُ طَعَامًا حَقِيقَةً وَهُوَ قَبْل ذَلِكَ بَقْلٌ، وَالثَّمَرَ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ بَلَحٌ وَحِصْرِمٌ، وَبَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهِ ثَمَرَةٌ كَامِلَةٌ، وَلأَِنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْخَرْصِ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا انْعِقَادُ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْخْرَاجُ إِلاَّ بَعْدَ الْيُبْسِ وَالْجَفَافِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْل ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل ابْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالْيُبْسِ وَاسْتِحْقَاقِ الْحَصَادِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِحَصَادِ الثَّمَرَةِ وَجَعْلِهَا فِي الْجَرِينِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَثْبُتُ الْوُجُوبُ بِبُدُوِّ الصَّلاَحِ فِي الثَّمَرِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي الزَّرْعِ، وَيَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِجَعْل الثَّمَرَةِ أَوِ الزَّرْعِ فِي الْجَرِينِ أَوِ الْبَيْدَرِ، فَلَوْ تَلِفَ قَبْل اسْتِقْرَارِ الْحُبُوبِ بِجَائِحَةٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا عَلَى مَا قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى عَنْهُ، أَمَّا قَبْل ثُبُوتِ الْوُجُوبِ فَلَوْ بِيعَ النَّخْل أَوِ الأَْرْضُ فَلاَ زَكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، وَلَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْلالْوُجُوبِ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْوَرَثَةِ إِنْ بَقِيَ إِلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ وَبَلَغَ نَصِيبُ الْوَارِثِ نِصَابًا، وَكَذَا إِنْ أَوْصَى بِهَا وَمَاتَ قَبْل الْوُجُوبِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَلَوْ أَكَل مِنَ الثَّمَرَةِ قَبْل الْوُجُوبِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ مَا أَكَل، وَلَوْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بِمَا أَكَل فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا بَعْدَ الْوُجُوبِ فَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ وَإِنْ بَاعَ أَوْ أَوْصَى بِهَا، وَلاَ شَيْءَ عَلَى مَنْ مَلَكَهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ مِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَى مَنْ حَصَل عَلَى نِصَابٍ مِنْ لِقَاطِ السُّنْبُل أَوْ أُجْرَةِ الْحَصَادِ، أَوْ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الْحَبِّ أَوِ الْعَفْصِ وَالأُْشْنَانِ وَنَحْوِهَا لأَِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ (241) .
مَنْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ فِي حَال اخْتِلاَفِ مَالِكِ الْغَلَّةِ عَنْ مَالِكِ الأَْرْضِ:
107 - إِنْ كَانَ مَالِكُ الزَّرْعِ عِنْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ هُوَ مَالِكُ الأَْرْضِ، فَالأَْمْرُ وَاضِحٌ، فَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ. أَمَّا إِنْ كَانَ مَالِكُ الزَّرْعِ غَيْرَ مَالِكِ الأَْرْضِ فَلِذَلِكَ صُوَرٌ:
أ - الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ:
108 - أَرْضُ الصُّلْحِ الَّتِي أُقِرَّتْ بِأَيْدِي أَصْحَابِهَا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ وَلَنَا عَلَيْهَا الْخَرَاجُ، مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ خَرَاجُهَا، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي غَلَّتِهَا الزَّكَاةُ، فَإِنِ اشْتَرَاهَا مِنَ الذِّمِّيِّ مُسْلِمٌ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ الَّتِي مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ وَحِيزَتْ لِبَيْتِ الْمَال فَهَذِهِ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ بَقِيَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ عَلَى دِينِهِ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ بَاعَهَا لِمُسْلِمٍ؛ لأَِنَّهُ خَرَاجٌ بِمَعْنَى الأُْجْرَةِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل يَجِبُ فِي غَلَّتِهَا إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مُسْلِمًا الزَّكَاةُ أَيْضًا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْخَرَاجَ يُؤَدَّى أَوَّلاً، ثُمَّ يُزَكَّى مَا بَقِيَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي غَلَّةِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْخَرَاجَ مَئُونَةُ الأَْرْضِ، وَالْعُشْرُ فِيهِ مَعْنَى الْمَئُونَةِ، فَلاَ يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ (242) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (خَرَاج) .
ب - الأَْرْضُ الْمُسْتَعَارَةُ وَالْمُسْتَأْجَرَةُ:
109 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ) إِلَى أَنَّ مَنِ اسْتَعَارَ أَرْضًا أَوِ اسْتَأْجَرَهَا فَزَرَعَهَا، فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ لأَِنَّ الْغَلَّةَ مِلْكُهُ، وَالْعِبْرَةُ فِي الزَّكَاةِ بِمِلْكِيَّةِ الثَّمَرَةِ لاَ بِمِلْكِيَّةِ الأَْرْضِ أَوِ الشَّجَرِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ لأَِنَّ الأَْرْضَ كَمَا تُسْتَنْمَى بِالزِّرَاعَةِ تُسْتَنْمَى بِالإِْجَارَةِ (243) .
ج - الأَْرْضُ الَّتِي تُسْتَغَل بِالْمُزَارَعَةِ أَوِ الْمُسَاقَاةِ:
110 - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِ وَالْعَامِل كُلٌّ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِنَ الْغَلَّةِ إِنْ بَلَغَ نَصِيبُهُ نِصَابًا، وَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْهُمَا أَقَل مِنْ نِصَابٍ فَلاَ عُشْرَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ أَرْضٍ غَيْرِهَا مَا يُكَمِّل بِهِ النِّصَابَ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لاَ تَجْعَل الْخُلْطَةَ مُؤَثِّرَةً فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ.
أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَجْعَل الْخُلْطَةَ مُؤَثِّرَةً فِيهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ غَلَّةُ الأَْرْضِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ يَكُونُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عُشْرُ نَصِيبِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لاَ عُشْرَ عَلَيْهِ، كَالذِّمِّيِّ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْعُشْرُ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ عِنْدَهُ فَاسِدَةٌ، فَالْخَارِجُ مِنْهَا لَهُ، تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا (244) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَائِطِ (الْبُسْتَانِ) الْمُسَاقَى عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَرَةِ إِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا، أَوْ كَانَ لِرَبِّ الْحَائِطِ مَا إِنْ ضَمَّهُ إِلَيْهَا بَلَغَتْ نِصَابًا، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ تُشْتَرَطَ الزَّكَاةُ فِي حَظِّ رَبِّ الْحَائِطِ أَوِ الْعَامِل؛ لأَِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ سَاقَاهُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا فَشَأْنُ الزَّكَاةِ أَنْ يُبْدَأَ بِهَا ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ.
وَقَال اللَّخْمِيُّ نَقْلاً عَنْ مَالِكٍ: إِنَّ الْمُسَاقَاةَ تُزَكَّى عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْحَائِطِ فَيَجِبُ ضَمُّهَا إِلَى مَالِهِ مِنْ ثَمَرٍ غَيْرِهَا، وَيُزَكِّي جَمِيعَهَا وَلَوْ كَانَ الْعَامِل مِمَّنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَتَسْقُطُ إِنْ كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ مِمَّنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ وَالْعَامِل مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (245) .
د - الأَْرْضُ الْمَغْصُوبَةُ:
111 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَزَرَعَهَا إِنْ لَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ فَلاَ عُشْرَ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ، وَإِنْ نَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ كَانَ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ.
وَقَال قَاضِي خَانْ: أَرْضٌ خَرَاجُهَا وَظِيفَةٌ اغْتَصَبَهَا غَاصِبٌ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ جَاحِدًا وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْمَالِكِ إِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا الْغَاصِبُ فَلاَ خَرَاجَ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ زَرَعَهَا الْغَاصِبُ وَلَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ، فَالْخَرَاجُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُقِرًّا بِالْغَصْبِ أَوْ كَانَ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ وَلَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ، وَإِنْ نَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ قَل النُّقْصَانُ أَوْ كَثُرَ، كَأَنَّهُ آجَرَهَا مِنَ الْغَاصِبِ بِضَمَانِ النُّقْصَانِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُنْظَرُ إِلَى الْخَرَاجِ وَالنُّقْصَانِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَكْثَرَ مِنَ الْخَرَاجِ، فَمِقْدَارُ الْخَرَاجِ يُؤَدِّيهِ الْغَاصِبُ إِلَى السُّلْطَانِ وَيَدْفَعُ الْفَضْل إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ أَكْثَرَ يَدْفَعُ الْكُل إِلَى السُّلْطَانِ، وَمِنْ نَصِّهِمْ هَذَا فِي الْخَرَاجِ يُفْهَمُ مُرَادُهُمْ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْعُشْرِ (246) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّخْل إِذَا غُصِبَتْ ثُمَّ رُدَّتْ بَعْدَ أَعْوَامٍ مَعَ ثَمَرَتِهَا، فَإِنَّهَا تُزَكَّى لِكُل عَامٍ بِلاَ خِلاَفٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ زُكِّيَتْ أَيْ يُزَكَّى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِذَا رَدَّ الْغَاصِبُ جَمِيعَهَا. فَإِنْ رَدَّ بَعْضَ ثِمَارِهَا وَكَانَ حَصَل فِي كُل سَنَةٍ نِصَابٌ وَلَمْ يَرُدَّ جَمِيعَهُ بَل رَدَّ مِنْهُ قَدْرَ نِصَابٍ فَأَكْثَرَ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ قُسِمَ عَلَى سِنِينَ الْغَصْبِ لَمْ يَبْلُغْ كُل سَنَةٍ نِصَابًا فَفِي زَكَاتِهِ قَوْلاَنِ (247) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ زَكَاةَ الزَّرْعِ عَلَى مَالِكِ الأَْرْضِ إِنْ تَمَلَّكَ الزَّرْعَ قَبْل وَقْتِ الْحَصَادِ وَبَعْدَ اشْتِدَادِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِمِثْل بَذْرِهِ وَعِوَضِ لَوَاحِقِهِ، فَيَسْتَنِدُ مِلْكُهُ إِلَى أَوَّل زَرْعِهِ. أَمَّا إِنْ حَصَدَ الْغَاصِبُ الزَّرْعَ بِأَنْ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ رَبُّهَا قَبْل حَصَادِهِ، فَزَكَاةُ الزَّرْعِ عَلَى الْغَاصِبِ لاِسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (248) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
زَكَاةُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ الْمَأْخُوذَيْنِ مِنَ الأَْرْضِ الْمُبَاحَةِ:
112 - مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَْرْضِ الْمُبَاحَةِ مَا فِي جِنْسِهِ الزَّكَاةُ، وَبَلَغَ نِصَابًا. فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ. قَال الْحَنَابِلَةُ: لَكِنْ لَوْ زَرَعَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ ثَمَرَ الْجِبَال وَالْمَفَاوِزِ فِيهِ الْعُشْرُ، إِنْ حَمَاهُ الإِْمَامُ أَيْ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ وَالْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ وَلَمْ يُعَالِجْهُ أَحَدٌ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ النَّمَاءُ، وَقَدْ حَصَل بِأَخْذِهِ (249) .
خَرْصُ الثِّمَارِ إِذَا بَدَا صَلاَحُهَا:
113 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ إِذَا بَدَا صَلاَحُ الثِّمَارِ أَنْ يُرْسِل سَاعِيًا يَخْرُصُهَا - أَيْ يُقَدِّرُ كَمْ سَيَكُونُ مِقْدَارُهَا بَعْدَ الْجَفَافِ - لِيَعْرِفَ قَدْرَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَأَهْل اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ، وَلِلتَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْل الثِّمَارِ لِيُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رُطَبًا ثُمَّ يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ بِحِسَابِ الْخَرْصِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ عِنْدَ جَفَافِ الثَّمَرِ.
وَلِمَعْرِفَةِ مُؤَهِّلاَتِ الْخَارِصِ، وَمَا يُرَاعِيهِ عِنْدَ الْخَرْصِ، وَمَعْرِفَةِ مَا يُخْرَصُ مِنَ الْغِلاَل وَمَا لاَ يُخْرَصُ، وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْخَرْصِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (خَرْص) .
الْحِيَل لإِِسْقَاطِ الزَّكَاةِ:
114 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّحَيُّل لإِِسْقَاطِ الزَّكَاةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ فَعَل مَا تَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ عَنْهُ وَلَوْ بِنِيَّةِ الْفِرَارِ مِنْهَا سَقَطَتْ، وَمَثَّل لَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِمَنْ وَهَبَ النِّصَابَ قَبْل الْحَوْل بِيَوْمٍ، ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ الْحَوْل، وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ أَثْنَاءَ الْحَوْل ثُمَّ رَجَعَ أَثْنَاءَ الْحَوْل لاِنْقِطَاعِ الْحَوْل بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ وَهَبَ النِّصَابَ لاِبْنِهِ، أَوِ اسْتَبْدَل نِصَابَ السَّائِمَةِ بِآخَرَ.
ثُمَّ قَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنِ الْوُجُوبِ، لاَ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لأَِنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ وَإِبْطَال حَقِّهِمْ مَآلاً. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْفِرَارُ مَكْرُوهٌ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: حَرَامٌ وَلاَ تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُفِي الْبَاطِنِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ - وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى تَحْرِيمِ التَّحَيُّل لإِِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ فُعِل لَمْ تَسْقُطْ، كَمَنْ أَبْدَل النِّصَابَ مِنَ الْمَاشِيَةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ، أَوْ أَتْلَفَ أَوِ اسْتَهْلَكَ جُزْءًا مِنَ النِّصَابِ عِنْدَ قُرْبِ الْحَوْل. . وَلَوْ فَعَل ذَلِكَ فِي أَوَّل الْحَوْل لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَظِنَّةِ الْفِرَارِ مِنَ الزَّكَاةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَلَمِ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَقَوْلِهِ فِيهَا: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} (250) فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحَيُّلِهِمْ لإِِسْقَاطِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ، فَتُؤْخَذُ مُعَاقَبَةً لِلْمُحْتَال بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ مِيرَاثِ الْقَاتِل، وَتَوْرِيثِ الْمُطَلَّقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الْمَالِكِيَّةُ هُوَ زَكَاةُ الْمُبْدَل، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاةُ الْبَدَل إِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ لأَِنَّهَا لَمْ تَجِبْ (251) .
قَدْرُ الْمَأْخُوذِ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ:
115 - يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عُشْرُ الْخَارِجِ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ. فَالْعُشْرُ اتِّفَاقًا فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، كَاَلَّذِي يَشْرَبُ بِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ بِمَاءِ الأَْنْهَارِ سَيْحًا، أَوْ بِالسَّوَاقِي دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ غَرْفًا أَوْ بِآلَةٍ، أَوْ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَهُوَ مَا يُزْرَعُ فِي الأَْرْضِ الَّتِي مَاؤُهَا قَرِيبٌ مِنْ وَجْهِهَا تَصِل إِلَيْهِ عُرُوقُ الشَّجَرِ فَيَسْتَغْنِي عَنِ السَّقْيِ.
وَيَجِبُ فِيمَا يُسْقَى بِكُلْفَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ، سَوَاءٌ سَقَتْهُ النَّوَاضِحُ أَوْ سُقِيَ بِالدَّوَالِي، أَوِ السَّوَانِي أَوِ الدَّوَالِيبِ أَوِ النَّوَاعِيرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَا لَوْ مَدَّ مِنَ النَّهْرِ سَاقِيَةً إِلَى أَرْضِهِ فَإِذَا بَلَغَهَا الْمَاءُ احْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ بِالْغَرْفِ أَوْ بِآلَةٍ. وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنْ يُحْتَاجَ فِي رَفْعِ الْمَاءِ إِلَى وَجْهِ الأَْرْضِ إِلَى آلَةٍ أَوْ عَمَلٍ.
وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ (252) وَالْحِكْمَةُ فِي تَقْلِيل الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيمَا فِيهِ عَمَلٌ أَنَّ لِلْكُلْفَةِ أَثَرًا فِي تَقْلِيل النَّمَاءِ.
وَلَوِ احْتَاجَتِ الأَْرْضُ إِلَى سَاقٍ يَسْقِيهَا بِمَاءِ الأَْنْهَارِ أَوِ الأَْمْطَارِ، وَيُحَوِّل الْمَاءَ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ، أَوِ احْتَاجَتْ إِلَى عَمَل سَوَاقٍ أَوْ حَفْرِ أَنْهَارٍ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَقْلِيل النِّصَابِ. وَإِنْ سُقِيَتِ الأَْرْضُ نِصْفَ الْوَقْتِ بِكُلْفَةٍ وَنِصْفَهَا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ فَالزَّكَاةُ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ سُقِيَتْ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى اعْتِبَارِ الأَْكْثَرِ، وَيَسْقُطُ حُكْمُ الأَْقَل، وَقِيل: يُعْتَبَرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِقِسْطِهِ (253) .
مَا يُطْرَحُ مِنَ الْخَارِجِ قَبْل أَخْذِ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ:
116 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ يُؤْخَذُ مِنْ كُل الْخَارِجِ، فَلاَ يُطْرَحُ مِنْهُ الْبَذْرُ الَّذِي بَذَرَهُ وَلاَ أُجْرَةُ الْعُمَّال أَوْ كَرْيُ الأَْنْهَارِ أَوْ أُجْرَةُ الْحَافِظِ وَنَحْوُ ذَلِكَ بَل يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْكُل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ، وَلَوْ رُفِعَتِ الْمُؤْنَةُ لَكَانَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِ الْمِقْدَارِ، وَاسْتَظْهَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ الْوَاجِبَ إِنْ كَانَ جُزْءًا مِنَ الْخَارِجِ فَإِنَّهُ يُجْعَل كَالْهَالِكِ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْبَاقِي (254) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّرْعِ إِنْ كَانَتْ دَيْنًا يُسْقِطُهَا مَالِكُهُ مِنْهُ قَبْل احْتِسَابِ الْعُشْرِ، قَال أَحْمَدُ: مَنِ اسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ وَاسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ، احْتَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ دُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ. قَالُوا: وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ، فَالْحَاصِل فِي مُقَابَلَتِهِ يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُل، وَهَذَا بِخِلاَفِ سَائِرِ الدُّيُونِ فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ مِنَ الْحَاصِل لأَِنَّهُ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (255) .
وَشَبِيهٌ بِمُؤْنَةِ الزَّرْعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خَرَاجُ الأَْرْضِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الْغَلَّةِ قَبْل احْتِسَابِ الزَّكَاةِ فِيهَا.
وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
مَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ فِعْلُهُ قَبْل إِخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ:
117 - يُؤْخَذُ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنَ الْغَلَّةِ بَعْدَ التَّجْفِيفِ فِي الثِّمَارِ وَالتَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ؛ لأَِنَّهُ أَوَانُ الْكَمَال وَحَال الاِدِّخَارِ، وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الثَّمَرَةِ إِلَى حِينِ الإِْخْرَاجِ لاَزِمَةٌ لِرَبِّ الْمَال، لأَِنَّهُ فِي حَقِّ الْغَلَّةِ، كَالْحِفْظِ فِي حَقِّ الْمَاشِيَةِ، وَلاَ يَحِقُّ لِلسَّاعِي أَخْذُهُ رَطْبًا.
وَلَوْ أَخْرَجَ رَبُّ الْمَال الْعُشْرَ رَطْبًا لَمْ يُجْزِئْهُ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحْوَالٌ:
مِنْهَا: أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل كَمَالِهَا خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، أَوْ إِلَى قَطْعِ بَعْضِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَمِثْل ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهَا رَطْبَةً أَنْفَعَ وَأَصْلَحَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مِمَّا لاَ يَجِفُّ بَل يُؤْكَل رَطْبًا كَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْفُول وَنَحْوِهَا، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ مَا يُزَكَّى الاِدِّخَارُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يُدَّخَرُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَفِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ: يَجُوزُ أَخْذُ حَقِّ الْفُقَرَاءِ رَطْبًا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا رَبُّ الْمَال فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ قَدْرِ الزَّكَاةِ مِنَ الْجِنْسِ جَافًّا إِنْ شَاءَ رَبُّ الْمَال.
وَقِيل: يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الْعُشْرُ جَافًّا وَلَوْ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ (256) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عُشْرُ الثَّمَنِ إِنْ بِيعَ وَإِلاَّ فَالْقِيمَةُ.
وَالزَّيْتُونُ عِنْدَ مَنْ قَال تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، إِنْ كَانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي يُعْصَرُ مِنْهُ الزَّيْتُ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ عَصْرِهِ، وَلَوْ كَانَ زَيْتُهُ قَلِيلاً؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُدَّخَرُ فَهُوَ بِمَثَابَةِ التَّجْفِيفِ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ. وَإِنْ كَانَ يُدَّخَرُ حَبًّا، فَيُؤْخَذُ عُشْرُهُ حَبًّا إِذَا بَلَغَ الْحَبُّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَال مَالِكٌ: إِذَا بَلَغَ الزَّيْتُونُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَ الْخُمُسُ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ الْعُشْرُ مِنْهُ حَبًّا عَلَى كُل حَالٍ (257) . زَكَاةُ الْعَسَل وَالْمُنْتَجَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ:
118 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَسَل تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَل مِنْ عَشْرِ قِرْبَاتٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا (258) . وَوَرَدَ أَنَّ أَبَا سَيَّارَةَ الْمُتَعِيَّ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ لِي نَحْلاً، قَال: أَدِّ الْعُشْرَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: احْمِهَا لِي. فَحَمَاهَا لَهُ (259) . وَأَخَذَ عُمَرُ مِنَ الْعَسَل الْعُشْرَ (260) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَسَل لاَ زَكَاةَ فِيهِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَل خَبَرٌ يَثْبُتُ.
ثُمَّ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَمْرَانِ:
الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَكُونَ النَّحْل فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجِيَّةَ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ، وَلاَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي: إِنْ كَانَ النَّحْل فِي أَرْضِ مَفَازَةٍ أَوْ جَبَلٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ إِلاَّ إِنْ حَفِظَهُ الإِْمَامُ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ زَكَاةَ إِلاَّ إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَمْلُوكَةً (261) .
نِصَابُ الْعَسَل:
(118 م) - قَال الْحَنَابِلَةُ: نِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ (وَالْفَرْقُ مِكْيَالٌ يَسَعُ 16 رِطْلاً عِرَاقِيًّا مِنَ الْقَمْحِ) .
وَقِيل: عِنْدَهُمُ النِّصَابُ أَلْفُ رِطْلٍ. وَقَال مُحَمَّدٌ: خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ (262) .
أَمَّا مَا عَدَا الْعَسَل فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الْحَرِيرِ وَدُودَةِ الْقَزِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَأَضَافَ صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: الصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَاللَّبَنُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِمَّا لاَ زَكَاةَ فِيهِ أَيْضًا: الْمِسْكَ وَنَحْوَهُ مِنَ الطِّيبِ (263) .
زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ غَيْرِ النَّبَاتِ:
119 - قَدْ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ غَيْرَ النَّبَاتِ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمَعَادِنِ الَّتِي تَنْطَبِعُ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالزِّئْبَقِ أَوْ لاَ تَنْطَبِعُ كَالنِّفْطِ وَالْقَارِ وَالْفَحْمِ وَغَيْرِهَا. وَكُل ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَخْلُوقًا فِي الأَْرْضِ بِفِعْل اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَكُونُ مِمَّا وَضَعَهُ فِيهَا الآْدَمِيُّونَ كَالْكُنُوزِ الَّتِي يَضَعُهَا أَهْلُهَا فِي الأَْرْضِ ثُمَّ يَبِيدُونَ وَتَبْقَى فِيهَا. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ اسْمَ (الرِّكَازِ) شَامِلٌ لِكُل ذَلِكَ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ اسْمَ الرِّكَازِ خَاصٌّ بِمَا هُوَ مَرْكُوزٌ فِي الأَْرْضِ خِلْقَةً، وَيُؤْخَذُ الْخُمُسُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رُبُعُ الْعُشْرِ عَلَى اخْتِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُؤْخَذُ أَهُوَ زَكَاةٌ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهَا أَمْ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ (264) .
وَلِمَعْرِفَةِ كُل ذَلِكَ تُنْظَرُ الْمُصْطَلَحَاتُ: (رِكَاز، كَنْز، مَعْدِن) .
زَكَاةُ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْبِحَارِ:
120 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَخْرَجَ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ وَالْمَرْجَانِ وَنَحْوِهَا لاَ شَيْءَ فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خُمُسٍ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَلْقَاهُ الْبَحْرُ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَلأَِنَّهُ قَدْ كَانَ يُسْتَخْرَجُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ سُنَّةٌ عَنْهُ وَلاَ عَنْهُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ: فِيهِ الزَّكَاةُ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْخَارِجَ مِنْ مَعْدِنِ الْبَرِّ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال فِي الْعَنْبَرِ: إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَفِيهِ الْخُمُسِ، وَكَتَبَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي عَنْبَرَةٍ وَجَدَهَا عَلَى سَاحِل الْبَحْرِ فَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ، فَأَشَارُوا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا الْخُمُسَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْعَنْبَرِ الْخُمُسَ. وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَامِلَهُ بِعُمَانَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ السَّمَكِ الزَّكَاةَ إِذَا بَلَغَ ثَمَنُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (265) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا خَرَجَ مِنَ الْبَحْرِ كَعَنْبَرٍ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ وَلاَ يُخَمَّسُ كَالصَّيْدِ، فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَإِنْ كَانَ لِجَاهِلِيٍّ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَرِكَازٌ، وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلُقَطَةٌ (266) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ:
121 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إِمَّا أَنْ يُخْرِجَهَا بِإِعْطَائِهَا مُبَاشَرَةً إِلَى الْفُقَرَاءِ وَسَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى الإِْمَامِ لِيَصْرِفَهَا فِي مَصَارِفِهَا. وَنَذْكُرُ هُنَا الأَْحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالإِْخْرَاجِ وَخَاصَّةً الإِْخْرَاجَ الْمُبَاشِرَ إِلَى الْفُقَرَاءِ.
النِّيَّةُ عِنْدَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ:
122 - الزَّكَاةُ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الْعِبَادَاتِ، كَالصَّلاَةِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِيهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَرُوِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا لأَِنَّهَا دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (267) . وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ الْمَال لِلَّهِ يَكُونُ فَرْضًا وَيَكُونُ نَفْلاً، فَافْتَقَرَتِ الْفَرِيضَةُ إِلَى النِّيَّةِ لِتَمْيِيزِهَا عَنِ النَّفْل، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلاَةِ.
وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الزَّكَاةِ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ هُوَ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَنْ يَقْصِدَ أَنَّهَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِمَا (268) . وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ النَّاوِي مُكَلَّفًا؛ لأَِنَّهَا فَرِيضَةٌ (269) . وَيَنْوِي عِنْدَ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ أَوْ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، أَوْ قَبْل الدَّفْعِ بِقَلِيلٍ. فَإِنْ نَوَى بَعْدَ الدَّفْعِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالشَّرْطُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلأَْدَاءِ وَلَوْ حُكْمًا، كَمَا لَوْ دَفَعَ بِلاَ نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى وَالْمَال لاَ يَزَال قَائِمًا فِي مِلْكِ الْفَقِيرِ بِخِلاَفِ مَا إِذَا نَوَى بَعْدَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْفَقِيرُ أَوْ بَاعَهُ فَلاَ تُجْزِئُ عَنِ الزَّكَاةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَزَل الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ وَنَوَى عِنْدَ الْعَزْل أَنَّهَا زَكَاةٌ كَفَى ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ الدَّفْعِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ الدَّفْعَ يَتَفَرَّقُ، فَيَتَحَرَّجُ بِاسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ عِنْدَ كُل دَفْعٍ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، لِلْحَرَجِ (270) .
وَإِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى وَكِيلِهِ نَاوِيًا أَنَّهَا زَكَاةٌ كَفَى ذَلِكَ، وَالأَْفْضَل أَنْ يَنْوِيَ الْوَكِيل أَيْضًا عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ أَيْضًا وَلاَ تَكْفِي نِيَّةُ الْوَكِيل وَحْدَهُ (271) .
وَلَوْ دَفَعَ الإِْنْسَانُ كُل مَالِهِ إِلَى الْفُقَرَاءِ تَطَوُّعًا بَعْدَ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ، بَل تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ فِي هَذِهِ الْحَال اسْتِحْسَانًا لأَِنَّهُ لَمَّا أَدَّى الْكُل زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَ الْجُزْءِ الْمُؤَدَّى وَسَائِرِ الأَْجْزَاءِ، وَبِأَدَاءِ الْكُل لِلَّهِ تَعَالَى تَحَقَّقَ أَدَاءُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ (272) .
وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَال الْمُخْرَجِ عَنْهُ، لَكِنْ لَوْ عَيَّنَهُ تَعَيَّنَ.
فَلَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَنَوَى عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ سَلاَمَتَهُ جَازَ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاؤُهُ ثُمَّ إِنْ تَبَيَّنَتْ سَلاَمَتُهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ تَلَفُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَصْرِفَ الزَّكَاةَ إِلَى مَالٍ آخَرَ، وَإِنْ نَوَى عَنْ مَالَيِ الْغَائِبِ أَوِ الْحَاضِرِ، فَتَبَيَّنَ تَلَفُ الْغَائِبِ أَجْزَأَتْ عَنِ الْحَاضِرِ، وَإِنْ نَوَى بِالْمُخْرَجِ أَنْ يَكُونَ زَكَاةَ الْمَال الْمَوْرُوثِ الَّذِي يَشُكُّ فِي مَوْتِ مُورَثِهِ لَمْ تُجْزِئْهُ، لأَِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ وَالأَْصْل عَدَمُ الْمَوْتِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ آخِذِ الزَّكَاةِ أَنَّهَا زَكَاةٌ (273) .
النِّيَّةُ عِنْدَ أَخْذِ السُّلْطَانِ الزَّكَاةَ:
123 - إِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ أَوْ نُوَّابُهُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَائِهَا قَهْرًا، وَبِمَنْزِلَةِ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا مَنْ غَيَّبَ مَالَهُ لِئَلاَّ تُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَالأَْسِيرُ، وَمَنْ يَتَعَذَّرُ الْوُصُول إِلَيْهِ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْمُنْتَهَى، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا وَنَوَى عِنْدَ الأَْخْذَ أَوْ عِنْدَ التَّفْرِيقِ، أَجْزَأَتْ عَنِ الْمُمْتَنِعِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لأَِنَّ تَعَذُّرَ النِّيَّةِ فِي حَقِّهِ أَسْقَطَ وُجُوبَهَا عَنْهُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَالسُّلْطَانُ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَالِكِ.
وَأَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل بِإِجْزَائِهَا، وَظَاهِرُهُ إِجْزَاؤُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَخَذَهَا السُّلْطَانُ أَجْزَأَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ سَوَاءٌ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، لأَِنَّ أَخْذَ الإِْمَامِ لَهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَسْمِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، لأَِنَّهُ وَكِيل الْفُقَرَاءِ؛ وَلأَِنَّ لِلسُّلْطَانِ وِلاَيَةً عَامَّةً، وَبِدَلِيل أَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَمَا أَخَذَهَا، أَوْ لأََخَذَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، حَتَّى يَنْفَدَ مَالُهُ.
وَفِي قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَخَذَهَا الإِْمَامُ قَهْرًا أَجْزَأَتْ ظَاهِرًا، فَلاَ يُطَالَبُ بِهَا، وَلاَ تُجْزِئُ بَاطِنًا، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلاَ تُجْزِئُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَالصَّلاَةِ، وَأَخْذُ الإِْمَامِ لَهَا يُسْقِطُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا لاَ غَيْرُ (274) .
تَعْجِيل الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ:
124 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ، إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُزَكِّي تَعْجِيل إِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ قَبْل مِيعَادِ وُجُوبِهَا، لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي تَعْجِيل صَدَقَتِهِ قَبْل أَنْ تَحِل، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. (275) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاسِ عَامَ الأَْوَّل لِلْعَامِ (276) . إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: يَجُوزُ التَّعْجِيل لِعَامٍ وَاحِدٍ وَلاَ يَجُوزُ لِعَامَيْنِ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الثَّانِي لَمْ يَنْعَقِدْ حَوْلُهَا.
وَاشْتَرَطُوا لِجَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَوْجُودًا، فَلاَ يَجُوزُ تَعْجِيل الزَّكَاةِ قَبْل وُجُودِ النِّصَابِ، بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ النِّصَابَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالْحَوْل شَرْطُهَا وَلاَ يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ قَبْل سَبَبِهِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ قَبْل شَرْطِهِ، كَإِخْرَاجِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْل الْحِنْثِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْل بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْل الزُّهُوقِ.
وَتَوَسَّعَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَالِكًا لِنِصَابٍ وَاحِدٍ جَازَ أَنْ يُعَجِّل زَكَاةَ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ لأَِنَّ اللاَّحِقَ تَابِعٌ لِلْحَاصِل. وَالشَّافِعِيَّةُ أَجَازُوا ذَلِكَ فِي مَال التِّجَارَةِ لأَِنَّ النِّصَابَ فِيهَا عِنْدَهُمْ مُشْتَرَطٌ فِي آخِرِ الْحَوْل فَقَطْ لاَ فِي أَوَّلِهِ وَلاَ فِي أَثْنَائِهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ مَلَكَ نِصَابًا فَقَدَّمَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ مَا قَدْ يَسْتَفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يُجْزِئُهُ عِنْدَهُمْ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قَدَّمَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ مَا قَدْ يَنْتِجُ مِنْهُ، أَوْ يَرْبَحُهُ مِنْهُ، أَجْزَأَهُ لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِمَا هُوَ مَالِكُهُ الآْنَ (277) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثِّمَارِ أَوِ الزُّرُوعِ قَبْل الْوُجُوبِ، بِأَنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ. وَكَذَا لاَ تُجْزِئُ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ إِنْ قَدَّمَهَا وَكَانَ هُنَاكَ سَاعٍ يَأْتِي لِقَبْضِهَا فَأَخْرَجَهَا قَبْل قُدُومِهِ. أَمَّا زَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا سَاعٍ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا فِي حُدُودِ شَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ أَكْثَرَ، وَهَذَا عَلَى سَبِيل الرُّخْصَةِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ (278) وَالأَْصْل عَدَمُ الإِْجْزَاءِ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مَوْقُوتَةٌ بِالْحَوْل.
تَأْخِيرُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا:
125 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ مَتَى وَجَبَتْ، وَجَبَتِ الْمُبَادَرَةُ بِإِخْرَاجِهَا عَلَى الْفَوْرِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ الْخَشْيَةِ مِنْ ضَرَرٍ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَمَتَى تَحَقَّقَ وُجُوبُهَا تَوَجَّهَ الأَْمْرُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا، وَالأَْمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ عِنْدَهُمْ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَجَازَ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ فَتَنْتَفِي الْعُقُوبَةُ عَلَى التَّرْكِ؛ وَلأَِنَّ حَاجَةَ الْفُقَرَاءِ نَاجِزَةٌ، وَحَقَّهُمْ فِي الزَّكَاةِ ثَابِتٌ، فَيَكُونُ تَأْخِيرُهَا مَنْعًا لِحَقِّهِمْ فِي وَقْتِهِ. وَسُئِل أَحْمَدُ: إِذَا ابْتَدَأَ فِي إِخْرَاجِهَا فَجَعَل يُخْرِجُهَا أَوَّلاً فَأَوَّلاً؟ قَال: لاَ، بَل يُخْرِجُهَا كُلُّهَا إِذَا حَال الْحَوْل. وَقَال: لاَ يُجْرِي عَلَى أَقَارِبِهِ مِنَ الزَّكَاةِ كُل شَهْرٍ، أَيْ مَعَ التَّأْخِيرِ.
ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ. وَمِمَّا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ: أَنْ يَكُونَ الْمَال غَائِبًا فَيُمْهَل إِلَى مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ إِحْضَارُهُ، وَأَنْ يَكُونَ بِإِخْرَاجِهَا أَمْرٌ مُهِمٌّ دِينِيٌّ أَوْ دُنْيَوِيٌّ، وَأَنْ يَنْتَظِرَ بِإِخْرَاجِهَا صَالِحًا أَوْ جَارًا.
وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ فِي تَعْجِيل الإِْخْرَاجِ، مِثْل مَنْ يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل قَبْل مَجِيءِ السَّاعِي، وَيَخْشَى إِنْ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ أَخَذَهَا السَّاعِي مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى.
وَكَذَا إِنْ خَشِيَ فِي إِخْرَاجِهَا ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ لَهُ سِوَاهَا، لأَِنَّ مِثْل ذَلِكَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ دَيْنِ الآْدَمِيِّ لأَِجْلِهِ، فَدَيْنُ اللَّهِ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَاضِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَا حَضَرَ مِنْ مَالِهِ وَمَا غَابَ دُونَ تَأْخِيرٍمُطْلَقًا، وَلَوْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ، بِخِلاَفِ الْمُسَافِرِ فَلَهُ التَّأْخِيرُ إِنْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ أَوِ الْحَاجَةُ لِصَرْفِ مَا مَعَهُ فِي نَفَقَتِهِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ مَشَايِخِهِمْ أَنَّ افْتِرَاضَ الزَّكَاةِ عُمْرِيٌّ، أَيْ عَلَى التَّرَاخِي فَفِي أَيِّ وَقْتٍ أَدَّى يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْوَقْتُ لِلْوُجُوبِ، وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُؤَدِّ يَأْثَمُ إِذَا مَاتَ. وَاسْتَدَل لَهُ الْجَصَّاصُ بِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إِذَا هَلَكَ نِصَابُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ لاَ يَضْمَنُ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ لَضَمِنَ، كَمَنْ أَخَّرَ صَوْمَ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ (279) .
حُكْمُ مَنْ تَرَكَ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ حَتَّى مَاتَ:
126 - مَنْ تَرَكَ الزَّكَاةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِخْرَاجِهَا، حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِإِخْرَاجِهَا أَثِمَ إِجْمَاعًا.
ثُمَّ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ لَمْ يُؤَدِّهَا فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةِ، وَمِنْهَا الْحَجُّ وَالْكَفَّارَاتُ، وَيَجِبُ إِخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ، وَتُخْرَجُ مِنْ كُل مَالِهِ لأَِنَّهَا دَيْنٌ لِلَّهِ، فَتُعَامَل مُعَامَلَةَ الدَّيْنِ، وَلاَ تُزَاحِمُ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الثُّلُثَ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الدَّيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمَال، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ.
ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اجْتَمَعَ دَيْنُ اللَّهِ مَعَ دَيْنِ الآْدَمِيِّ يُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ لِحَدِيثِ دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (280) . وَقِيل: يُقَدَّمُ دَيْنُ الآْدَمِيِّ، وَقِيل: يَسْتَوِيَانِ.
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ إِلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنَ الثُّلُثِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا وَلاَ يُجَاوَزُ بِهَا الثُّلُثَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ يَجِبُ إِخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى بِهَا فَهِيَ وَصِيَّةٌ تُزَاحِمُ سَائِرَ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا سَقَطَتْ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَسَقَطَتْ بِمَوْتِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا الْوَرَثَةُ فَهِيَ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ مِنْهُمْ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عُشْرُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ لأَِنَّهُ عِنْدَهُمْ فِي مَعْنَى مَئُونَةِ الأَْرْضِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَل يَسْقُطُ أَيْضًا. ثُمَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُخْرَجُ زَكَاةٌ فَرَّطَ فِيهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا، أَمَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ إِقْرَارِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى بَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا فَهِيَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِلاَّ فَلاَ تُخْرَجُ أَصْلاً.
وَأَمَّا زَكَاةُ عَامِ مَوْتِهِ فَإِنِ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَال (281) .
تَرَاكُمُ الزَّكَاةِ لِسِنِينَ:
127 - إِذَا أَتَى عَلَى الْمُكَلَّفِ بِالزَّكَاةِ سُنُونَ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ فِيهَا وَقَدْ تَمَّتْ شُرُوطُ الْوُجُوبِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ اتِّفَاقًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ عَنْ كُل السِّنِينَ الَّتِي مَضَتْ وَلَمْ يُخْرِجْ زَكَاتَهُ فِيهَا.
وَلَكِنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ هَل يُسْقِطُ مِنَ الْمَال قَدْرَ زَكَاتِهِ لِلسَّنَةِ الأُْولَى وَيُزَكِّي فِي الثَّانِيَةِ مَا عَدَاهُ، وَهَكَذَا فِي الثَّالِثَةِ وَمَا بَعْدَهَا، أَمْ يُزَكِّي كُل الْمَال لِكُل السِّنِينَ؟ .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَائِدَةُ الْخِلاَفِ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ فَحَال عَلَى مَالِهِ حَوْلاَنِ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لِمَا مَضَى، وَلاَ تَنْقَضِي عَنْهُ الزَّكَاةُ فِي الْحَوْل الثَّانِي، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ لَمْ تَنْقُصِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ أَحْوَالٌ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عَلَيْهَا ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ، فَعَلَيْهِ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ وَنِصْفٌ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ النِّصَابِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْهُ احْتُمِل أَنْ تَسْقُطَ الزَّكَاةُ فِي قَدْرِهَا؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، وَكَانَ النِّصَابُ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ فَحَالَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهَا تَعَلَّقَتِ الزَّكَاةُ فِي الْحَوْل الأَْوَّل مِنَ النِّصَابِ بِقَدْرِهَا، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا لاَ زِيَادَةَ عَلَيْهِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ فِيمَا بَعْدَ الْحَوْل الأَْوَّل؛ لأَِنَّ النِّصَابَ نَقَصَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ عَزَل قَدْرَ فَرْضِ الْحَوْل الأَْوَّل، وَعَلَيْهِ زَكَاةُ مَا بَقِيَ. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ (282) .
حُكْمُ مَنْ شَكَّ هَل أَدَّى الزَّكَاةَ أَمْ لَمْ يُؤَدِّهَا:
128 - تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَنَفِيَّةُ: فَقَالُوا: إِنَّ مَنْ شَكَّ هَل أَدَّى زَكَاتَهُ أَوْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ بِخِلاَفِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ أَنَّهُ هَل صَلَّى أَمْ لاَ، لاَ يُعِيدُ. قَالُوا: لأَِنَّ وَقْتَ الزَّكَاةِ لاَ آخِرَ لَهُ، بَل هُوَ الْعُمُرُ، فَالشَّكُّ فِيهَا كَالشَّكِّ فِي الصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ (283) .
وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى تَقْتَضِي مِثْل ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ.
(صُوَرُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ:
129 - الزَّكَاةُ إِمَّا أَنْ تُخْرَجَ مِنْ أَعْيَانِ الْمَال وَهُوَ الأَْصْل فِي غَيْرِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ التِّجَارِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَإِمَّا أَنْ تُخْرَجَ الْقِيمَةُ.
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، وَلاَ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ الْعُرُوضِ عِنْدَهُمْ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْجَوَازِ.
وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ الذَّهَبِ عَنِ الْفِضَّةِ بِالْقِيمَةِ وَعَكْسُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَجَّحَهَا ابْنُ قُدَامَةَ.
وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ الثَّمَنِيَّةُ، وَالتَّوَسُّل بِهَا إِلَى الْمَقَاصِدِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْجِنْسَيْنِ جَمِيعًا، وَمِنْ هُنَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الأَْجْنَاسِ، فَإِنَّ لِكُل جِنْسٍ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا بِهِ لاَ يَحْصُل بِالْجِنْسِ الآْخَرِ. وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ الْقِيمَةِ هُنَا قَدْ يَكُونُ أَرْفَقَ بِالآْخِذِ وَالْمُعْطِي. وَقَدْ يَنْدَرِئُ بِهِ الضَّرَرُ عَنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الدَّنَانِيرِ مِنْهَا شَقَّ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ أَقَل مِنْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا ذَهَبًا إِخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ دِينَارٍ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قَطْعِهِ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ مُشَارَكَةِ الْفَقِيرِ لَهُ فِيهِ، وَفِي كُل ذَلِكَ ضَرَرٌ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَعَلَى هَذَا لاَ يَجُوزُ الإِْبْدَال فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُ فِيهِ الْفَقِيرَ ضَرَرٌ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ جَوَازَ إِخْرَاجِ الْفُلُوسِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (284) .
130 - وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ كَزَكَاةِ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَإِخْرَاجِ زَكَاةِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ عَنْ غَيْرِهِمَا أَوِ الْعَكْسِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ عَلَى مَذَاهِبَ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَهِيَ الْمَذْهَبُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل نَحْوَ إِخْرَاجِ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ، وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (285) فَتَكُونُ الشَّاةُ الْمَذْكُورَةُ وَالدَّرَاهِمُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الْمَأْمُورَ بِهَا، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا فِي حَدِيثِ كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ هَذِهِ الصَّدَقَةُ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى، وَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِْبِل بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ (286) وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَيْنَهَا.
وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَال خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِْبِل، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ (287) .
قَالُوا: وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ فُرِضَتْ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَحَاجَاتُهُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَوَّعَ الْوَاجِبُ لِيَتَنَوَّعَ مَا يَصِل إِلَيْهِ، وَوَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَال، وَيَحْصُل ذَلِكَ بِالْمُوَاسَاةِ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ (288) . وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ قُرْبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَسَبِيلُهُ الاِتِّبَاعُ، وَلَوْ جَازَتِ الْقِيمَةُ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل الثَّوْرِيِّ إِلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْقِيمَةِ جَائِزٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ، وَيُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل شِرَاءِ الإِْنْسَانِ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِإِجْزَاءِ الْقِيمَةِ، بِمَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا قَال لأَِهْل الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضِ ثِيَابٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَال عَطَاءٌ: " كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَأْخُذُ الْعُرُوضَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَيْ عَنْهَا؛ وَلأَِنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا سَدُّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ، وَذَلِكَ مَعْنًى مَعْقُولٌ؛ وَلأَِنَّ حَاجَاتِهِ مُخْتَلِفَةٌ، وَبِالْقِيمَةِ يُحَصِّل مَا شَاءَ مِنْ حَاجَاتِهِ. وَقِيَاسًا عَلَى الْجِزْيَةِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ مُجْزِئَةٌ فِيهَا اتِّفَاقًا، وَالْغَرَضُ مِنْهَا كِفَايَةُ الْمُقَاتِلَةِ، وَمِنَ الزَّكَاةِ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِْبِل صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَل مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا
(289) .
قَال ابْنُ الْهُمَامِ: فَانْتَقَل إِلَى الْقِيمَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ، فَعَلِمْنَا أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خُصُوصَ عَيْنِ السِّنِّ الْمُعَيَّنِ وَإِلاَّ لَسَقَطَ إِنْ تَعَذَّرَ، أَوْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيَدْفَعَهُ.
ثُمَّ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ فَدَفَعَهَا أَجْزَأَتْ، قَوْلاً وَاحِدًا.
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ تُجْزِئُ الْقِيَمُ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، مِثْل مَنْ يَبِيعُ عِنَبَهُ وَرُطَبَهُ قَبْل الْيُبْسِ. قَال: وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ صَرِيحًا، فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ وَجَوَّزَهُ فِي مَوَاضِعَ لِلْحَاجَةِ (290) .
الإِْخْرَاجُ بِإِسْقَاطِ الْمُزَكِّي دَيْنَهُ عَنْ مُسْتَحِقٍّ لِلزَّكَاةِ:
131 - لاَ يَجُوزُ لِلدَّائِنِ أَنْ يُسْقِطَ دَيْنَهُ عَنْ مَدِينِهِ الْفَقِيرِ الْمُعْسِرِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ وَيَحْسِبَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا أَشْهَبَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل أَبِي عُبَيْدٍ.
وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الزَّكَاةَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَى نَفْعِ نَفْسِهِ أَوْ إِحْيَاءِ مَالِهِ، وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ: إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ زَكَاتَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ عَنْ دَيْنِهِ جَازَ، فَكَذَا هَذَا.
فَإِنْ دَفَعَ الدَّائِنُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى مَدِينِهِ فَرَدَّهَا الْمَدِينُ إِلَيْهِ سَدَادًا لِدَيْنِهِ، أَوِ اسْتَقْرَضَ الْمَدِينُ مَا يَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ فَدَفَعَهُ إِلَى الدَّائِنِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِ وَاحْتَسَبَهُ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيلَةً، أَوْ تَوَاطُؤًا، أَوْ قَصْدًا لإِِحْيَاءِ مَالِهِ، جَازَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيل الْحِيلَةِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَجَازَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ وَاتِّفَاقٍ، بَل بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
لَكِنْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ جَمِيعَ الدَّيْنِ إِلَى الْمَدِينِ الْفَقِيرِ سَقَطَتْ زَكَاةُ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ (291) .
احْتِسَابُ الْمَكْسِ وَنَحْوِهِ عَنِ الزَّكَاةِ:
132 - قَال السَّرَخْسِيُّ الْحَنَفِيُّ: إِذَا نَوَى أَنْ يَكُونَ الْمَكْسُ زَكَاةً فَالصَّحِيحُ - أَيْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّهُ لاَ يَقَعُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ (292) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَفْتَى الشَّيْخُ عُلَيْشٌ فِيمَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا مِنَ الأَْنْعَامِ، فَجَعَل عَلَيْهِ الْحَاكِمُ نَقْدًا مَعْلُومًا كُل سَنَةٍ، يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ، فَلاَ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الزَّكَاةَ، وَإِنْ نَوَاهَا لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَقَال: أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ وَالْحَطَّابُ (293) .
وَفِي الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ: اتَّفَقَ الأَْصْحَابُ أَنَّ الْخَرَاجَ الْمَأْخُوذَ ظُلْمًا لاَ يَقُومُ مَقَامَ الْعُشْرِ، فَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَل الْعُشْرِ فَهُوَ كَأَخْذِ الْقِيمَةِ، وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ خِلاَفٌ، وَالصَّحِيحُ السُّقُوطُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الْعُشْرِ أَخْرَجَ الْبَاقِيَ.
وَأَفْتَى ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ بِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنَ التَّاجِرِ مِنَ الْمَكْسِ لاَ يُحْسَبُ عَنْهُ زَكَاةً، وَلَوْ نَوَى بِهِ الزَّكَاةَ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ لَمْ يَأْخُذْهُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ (294) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا يُجْزِئُ وَالأُْخْرَى لاَ يُجْزِئُ، قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهِيَ الأَْصَحُّ؛ لأَِنَّهُ أَخَذَهَا غَصْبًا (295) . وَفِي فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَا يَأْخُذُهُ وُلاَةُ الأُْمُورِ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الزَّكَاةِ (296) . مَا يَنْبَغِي لِمُخْرِجِ الزَّكَاةِ مُرَاعَاتُهُ فِي الإِْخْرَاجِ:
133 - أ - يُسْتَحَبُّ لِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُ الْجَيِّدِ مِنْ مَالِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّهِ الْوَسَطُ، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} (297) وَقَوْلِهِ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (298) .
134 - ب - إِظْهَارُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَإِعْلاَنُهُ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَل اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُل عَلاَنِيَتَهَا، يُقَال: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَجَعَل صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ عَلاَنِيَتَهَا أَفْضَل مِنْ سِرِّهَا، يُقَال: بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، قَال: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل فِي الأَْشْيَاءِ كُلِّهَا.
وَقَال الطَّبَرِيُّ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ إِظْهَارَ الْوَاجِبِ أَفْضَل. اهـ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (299) فَهُوَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، نَظِيرُهَا الصَّلاَةُ، تَطَوُّعُهَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَل، وَفَرِيضَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل (300) . ج - الْحَذَرُ مِنَ الْمَنِّ وَالرِّيَاءِ وَالأَْذَى، وَهَذِهِ الأُْمُورُ مُحَرَّمَةٌ فِي كُل مَا يُخْرَجُ مِنَ الْمَال مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُحْبِطُ الأَْجْرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى} (301) . وَمِنْ هُنَا اسْتَحَبَّ الْمَالِكِيَّةُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يُخْرِجُهَا خَوْفَ قَصْدِ الْمَحْمَدَةِ (302) .
ج - اخْتِيَارُ الْمُزَكِّي مَنْ يُعْطِيهِ الزَّكَاةَ:
136 - إِعْطَاءُ الْمُسْتَحِقِّينَ الزَّكَاةَ لَيْسَ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفَضْل، بَل يَتَمَايَزُ.
فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُزَكِّي إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ أَيِ الْمُحْتَاجِ، عَلَى غَيْرِهِ، بِأَنْ يُزَادَ فِي إِعْطَائِهِ مِنْهَا دُونَ عُمُومِ الأَْصْنَافِ (303) .
د - أَنْ لاَ يُخْبِرَ الْمُزَكِّي الْفَقِيرَ أَنَّهَا زَكَاةٌ:
137 - قِيل لأَِحْمَدَ: يَدْفَعُ الرَّجُل زَكَاتَهُ إِلَى الرَّجُل، فَيَقُول: هَذَا مِنَ الزَّكَاةِ، أَوْ يَسْكُتُ؟ قَال: وَلِمَ يُبَكِّتْهُ بِهَذَا الْقَوْل؟ يُعْطِيهِ وَيَسْكُتُ، مَا حَاجَتُهُ إِلَى أَنْ يُقَرِّعَهُ؟ وَهَذَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَبِهِ صَرَّحَ اللَّقَانِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (304) ، قَال: لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الْفَقِيرِ.
وَقَال ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ بُدَّ أَنْ يَقُول بِلِسَانِهِ شَيْئًا، كَالْهِبَةِ، قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. قَال: وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّ وَلَمْ يَقُل هِيَ زَكَاةٌ، وَلاَ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ أَصْلاً فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ وَتَقَعُ زَكَاةً. لَكِنْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَعْطَاهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ فَبَانَ الآْخِذُ غَنِيًّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ (305) .
التَّوْكِيل فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ:
138 - يَجُوزُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي أَدَاءِ زَكَاتِهِ، سَوَاءٌ فِي إِيصَالِهَا لِلإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ فِي أَدَائِهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، سَوَاءٌ عَيَّنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ فَوَّضَ تَعْيِينَهُ إِلَى الْوَكِيل.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْمُزَكِّي الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ أَفْضَل مِنَ التَّوْكِيل؛ لأَِنَّهُ بِفِعْل نَفْسِهِ أَوْثَقُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: التَّوْكِيل أَفْضَل خَشْيَةَ قَصْدِ الْمَحْمَدَةِ، وَيَجِبُ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ الْقَصْدَ، أَوْ يَجْهَل الْمُسْتَحِقِّينَ. قَالُوا: وَلَيْسَ لِلْوَكِيل صَرْفُهَا لِقَرِيبِ الْمُزَكِّي الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ كُرِهَ.
ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْوَكِيل بَالِغًا عَاقِلاً، جَازَ التَّفْوِيضُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيل، إِلاَّ إِنْ نَوَى الْمُوَكِّل وَعَيَّنَ لَهُ مَنْ يُعْطِيهِ الْمَال (306) .
تَلَفُ الْمَال كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ:
139 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يُخْرِجْهَا ثُمَّ ضَاعَ الْمَال كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْل الْمُزَكِّي فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَلِفَ الْمَال سَقَطَتِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ فَيَسْقُطُ بِهَلاَكِ مَحَلِّهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ هَلاَكُهُ بَعْدَ طَلَبِ السَّاعِي فَقِيل: يَضْمَنُ، وَقِيل: لاَ يَضْمَنُ.
قَالُوا: وَإِذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَال يَسْقُطُ مِنَ الزَّكَاةِ بِقَدْرِهِ أَيْ بِنِسْبَةِ مَا هَلَكَ.
وَقَالُوا: إِنْ تَلِفَ مِنْ مَال الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْل مَا كَانَ بِهِ الْبَاقِي أَقَل مِنْ نِصَابٍ قَبْل إِمْكَانِ الأَْدَاءِ بِلاَ تَفْرِيطٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ أَمْكَنَ الأَْدَاءُ وَفَرَّطَ ضَمِنَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ ضَيَاعُهُ بِتَفْرِيطِهِ فِي حِفْظِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ كُل الْمَال، وَكَذَا إِنْ فَرَّطَ فِي الإِْخْرَاجِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، بِأَنْ وَجَدَ الْمُسْتَحِقَّ، سَوَاءٌ طَلَبَ الزَّكَاةَ أَمْ لَمْ يَطْلُبْهَا، لِتَقْصِيرِهِ بِحَبْسِ الْحَقِّ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَّطَ زَكَّى الْبَاقِيَ فَقَطْ بِقِسْطِهِ، وَلَوْ كَانَ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الإِْبِل فَتَلِفَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُ قَبْل التَّمَكُّنِ فَفِي الْبَاقِي 5 / 4 شَاةٍ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الثَّانِي.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ الْبَاقِي أَقَل مِنْ نِصَابٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ كُل الْمَال، حَتَّى لَوْ ضَاعَ كُلُّهُ بَعْدَ الْحَوْل فَالزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ لاَ تَسْقُطُ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ، لأَِنَّهَا حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ وَمَنْ مَعَهُمْ لَمْ يَصِل إِلَيْهِمْ، كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ (307) .
تَلَفُ الزَّكَاةِ بَعْدَ عَزْلِهَا:
140 - لَوْ عَزَل الزَّكَاةَ وَنَوَى أَنَّهَا زَكَاةُ مَالِهِ فَتَلِفَتْ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ صُورَةَ مَا لَوْ عَزَل الزَّكَاةَ فَتَلِفَ الْمَال وَبَقِيَتِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا وَلاَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَال (308) .
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: جَمْعُ الإِْمَامِ وَنُوَّابِهِ لِلزَّكَاةِ:
141 - لِلإِْمَامِ حَقُّ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمَال الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ (عَلَى خِلاَفٍ فِي بَعْضِ الأَْمْوَال يَأْتِي بَيَانُهُ) . وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَانِ بَعْدَهُ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِنْ كُل الأَْمْوَال، إِلَى أَنْ فَوَّضَ عُثْمَانُ ﵁ فِي خِلاَفَتِهِ أَدَاءَ الزَّكَاةِ عَنِ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ إِلَى مُلاَّكِهَا، كَمَا يَأْتِي (309) .
وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (310) وَقَوْل أَبِي بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ لأَِخْذِ الصَّدَقَاتِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَبْعَثُونَ السُّعَاةَ، وَلأَِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ الْمَال وَلاَ يَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْخَل. وَالْوُجُوبُ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْمَالِكِيَّةِ (311) ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} .
وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا لِلإِْمَامِ فِي عَدَمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ جَمِيعِ الأَْمْوَال أَوْ مِنْ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، إِنَّمَا هُوَ إِذَا عَلِمَ الإِْمَامُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ أَخْرَجُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، أَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّ إِنْسَانًا مِنَ النَّاسِ أَوْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ لاَ يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ فَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ وَلَوْ قَهْرًا، كَمَا تَقَدَّمَ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَةَ لِحِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ هَدْمٌ لِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ (312) .
حُكْمُ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ الْعَادِل:
142 - الْمُرَادُ بِالإِْمَامِ الْعَادِل هُنَا مَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ بِحَقِّهَا، وَيُعْطِيهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، وَلَوْ كَانَ جَائِرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ.
وَمَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى الإِْمَامِ الْعَادِل جَازَ، وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ اتِّفَاقًا.
وَلَوْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ دَفْعُهَا إِلَى الإِْمَامِ وَتَفْرِيقُهَا بِنَفْسِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ الْقَدِيمُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ الزُّرُوعُ، وَالْمَوَاشِي، وَالْمَعَادِنِ، وَنَحْوِهَا، وَبَيْنَ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالتِّجَارَاتُ.
فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَيَجِبُ دَفْعُهَا إِلَى الإِْمَامِ، لأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ طَالَبَهُمْ بِالزَّكَاةِ وَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهَا، وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى هَذَا، فَلَيْسَ لِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُهَا بِنَفْسِهِ، حَتَّى لَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا كَذَلِكَ لَمْ تُجْزِئْهُ.
وَلأَِنَّ مَا لِلإِْمَامِ قَبْضُهُ بِحُكْمِ الْوِلاَيَةِ لاَ يَجُوزُ دَفْعُهُ إِلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ. وَأَمَّا زَكَاةُ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلإِْمَامِ طَلَبُهَا، وَحَقُّهُ ثَابِتٌ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ كُل مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، لِلآْيَةِ. وَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ ﵁ أَنَّهُ فَوَّضَ إِلَى الْمُلاَّكِ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ، فَهُمْ نُوَّابُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لاَ يُسْقِطُ طَلَبَ الإِْمَامِ أَصْلاً، وَلِهَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَهْل بَلْدَةٍ لاَ يُؤَدُّونَ زَكَاتَهُمْ طَالَبَهُمْ بِهَا. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَطْلُبْهَا لَمْ يَجِبِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ (313) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: زَكَاةُ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ مُفَوَّضَةٌ لأَِرْبَابِهَا، فَلِرَبِّ الْمَال أَنْ يُوصِلَهَا إِلَى الْفُقَرَاءِ وَسَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِنَفْسِهِ (314) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْجَدِيدُ الْمُعْتَمَدُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّ الدَّفْعَ إِلَى الإِْمَامِ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَلَى السَّوَاءِ، فَيَجُوزُ لِلْمَالِكِ صَرْفُهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ مُبَاشَرَةً، قِيَاسًا لِلظَّاهِرَةِ عَلَى الْبَاطِنَةِ، وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِيصَال الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ الْجَائِزِ تَصَرُّفُهُ، فَيُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إِلَى غَرِيمِهِ مُبَاشَرَةً، وَأَخْذُ الإِْمَامِ لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ جَازَ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل رُشْدٍ.
ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ: الصَّرْفُ إِلَى الإِْمَامِ أَفْضَل مِنْ تَفْرِيقِهَا بِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمُسْتَحِقِّينَ، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، وَبِهِ يَبْرَأُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (315) .
ثُمَّ قَال الْحَنَابِلَةُ: تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ، أَوْلَى وَأَفْضَل مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ، لأَِنَّهُ إِيصَالٌ لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَيَسْلَمُ عَنْ خَطَرِ الْخِيَانَةِ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ عُمَّالِهِ؛ وَلأَِنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَفِيهِ تَوْفِيرٌ لأَِجْرِ الْعِمَالَةِ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إِعْطَاءِ مَحَاوِيجِ أَقْرِبَائِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ، وَصِلَتِهِمْ بِهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فَالأَْفْضَل لَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي، لِئَلاَّ يَمْنَعَهُ الشُّحُّ مِنْ إِخْرَاجِهَا.
أَمَّا لَوْ طَلَبَ الإِْمَامُ الْعَادِل الزَّكَاةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَال ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَالْخِلاَفُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ جَمْعَ زَكَاةِ الْمَال الْبَاطِنِ لاَ يُبِيحُ مَعْصِيَتَهُ فِي ذَلِكَ إِنْ طَلَبَهُ، لأَِنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَأَمْرُ الإِْمَامِ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ كَحُكْمِ الْقَاضِي، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الإِْمَامَ الْعَدْل إِنْ طَلَبَهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ إِخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ (316) . دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الأَْئِمَّةِ الْجَائِرِينَ، وَإِلَى الْبُغَاةِ:
143 - إِنْ أَخَذَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ الزَّكَاةَ قَهْرًا أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا.
وَكَذَا إِنْ أَكْرَهَ الإِْمَامُ الْمُزَكِّيَ فَخَافَ الضَّرَرَ إِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الاِمْتِنَاعِ عَنْ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ، أَوْ عَلَى إِخْفَاءِ مَالِهِ، أَوْ إِنْكَارِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ حِينَئِذٍ، وَأَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ عَنْ دَافِعِهَا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَخَذَ الْخَوَارِجُ وَالسَّلاَطِينُ الْجَائِرُونَ زَكَاةَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ كَزَكَاةِ السَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ، فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي مَصَارِفِهِ الْمَشْرُوعَةِ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَى الْمُزَكِّي، وَإِلاَّ فَعَلَى الْمُزَكِّي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِعَادَةُ إِخْرَاجِهَا. وَفِي حَالَةِ كَوْنِ الآْخِذِ لَهَا الْبُغَاةَ لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُطَالِبَ أَصْحَابَ الأَْمْوَال بِهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَحْمِهِمْ مِنَ الْبُغَاةِ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ، وَيُفْتَى الْبُغَاةُ بِأَنْ يُعِيدُوا مَا أَخَذُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَأَمَّا الأَْمْوَال الْبَاطِنَةُ فَلاَ يَصِحُّ دَفْعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ (317) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ دَفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ اخْتِيَارًا، فَدَفَعَهَا السُّلْطَانُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ تُجْزِئْهُ. فَإِنْ طَلَبَهَا الْجَائِرُ فَعَلَى رَبِّهَا جَحْدُهَا وَالْهَرَبُ بِهَا مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ أَكْرَهَهُ جَازَ.
وَهَذَا إِنْ كَانَ جَائِرًا فِي أَخْذِهَا أَوْ صَرْفِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ عَادِلاً فِيهَا وَجَائِرًا فِي غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ (318) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ، فَصَرْفُهَا إِلَيْهِ أَفْضَل، وَكَذَا زَكَاةُ الْمَال الظَّاهِرِ سَوَاءٌ لَمْ يَطْلُبْهَا أَوْ طَلَبَهَا، وَفِي التُّحْفَةِ إِنْ طَلَبَهَا وَجَبَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ (319) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ وَالْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إِذَا غَلَبُوا عَلَى الْبَلَدِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ.
وَيَبْرَأُ الْمُزَكِّي بِدَفْعِهَا إِلَيْهِمْ، سَوَاءٌ صَرَفَهَا الإِْمَامُ فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لاَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ (320) .
إِرْسَال الْجُبَاةِ وَالسُّعَاةِ لِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَصَرْفِهَا:
144 - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُرْسِل السُّعَاةَ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوَلِّي الْعُمَّال ذَلِكَ وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الأَْمْوَال، فَقَدِ اسْتَعْمَل عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَيْهَا، وَوَرَدَ أَنَّهُ اسْتَعْمَل ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ (321) .
وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يُرْسِلُونَ سُعَاتِهِمْ لِقَبْضِهَا.
وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي مَا يَلِي:
1 - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ يَسْتَعْمِل عَلَيْهَا كَافِرًا لأَِنَّهَا وِلاَيَةٌ، وَفِيهَا تَعْظِيمٌ لِلْوَالِي.
2 - وَأَنْ يَكُونَ عَدْلاً، أَيْ ثِقَةً مَأْمُونًا، لاَ يَخُونُ وَلاَ يَجُورُ فِي الْجَمْعِ، وَلاَ يُحَابِي فِي الْقِسْمَةِ.
3 - وَأَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي أُمُورِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ وَمَا لاَ يُؤْخَذُ، وَمُحْتَاجٌ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ وَقَائِعِ الزَّكَاةِ.
4 - وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَمَل وَضَبْطِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ.
5 - وَأَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَمَعْنَى اشْتِرَاطِهِ هُنَا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلأَْخْذِ مِنْهَا مُقَابِل عَمَلِهِ فِيهَا، فَلَوْ عَمِل بِلاَ أَجْرٍ أَوْ أُعْطِيَ أَجْرَهُ مِنْ مَال الْفَيْءِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ، وَ (ر: آل، جِبَايَة) .
وَالسُّعَاةُ عَلَى الزَّكَاةِ أَنْوَاعٌ فَمِنْهُمُ الْجَابِي: وَهُوَ الْقَابِضُ لِلزَّكَاةِ، وَالْمُفَرِّقُ: وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَالْحَاشِرُ: وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الأَْمْوَال لِتُؤْخَذَ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ، وَالْكَاتِبُ لَهَا (322) .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ، أَوْ كَانَ الإِْمَامُ لاَ يُرْسِل السُّعَاةَ لِجَبْيِ الزَّكَاةِ فَيَجِبُ عَلَى أَهْل الأَْمْوَال إِخْرَاجُهَا وَتَفْرِيقُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل الْحَقِّ فِيهَا وَالإِْمَامُ نَائِبٌ (323) .
مَوْعِدُ إِرْسَال السُّعَاةِ:
145 - الأَْمْوَال قِسْمَانِ: فَمَا كَانَ مِنْهَا لاَ يُشْتَرَطُ لِزَكَاتِهِ الْحَوْل كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ، فَهَذَا يُرْسِل الإِْمَامُ سُعَاتَهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا، فَفِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا بِحَيْثُ يَصِلُهُمْ وَقْتَ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْخَرْصِ، أَمَّا الْخَارِصُ فَيُرْسَل عِنْدَ بَدْءِ ظُهُورِ الصَّلاَحِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: خَرْص) .
وَمَا كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْل كَالْمَوَاشِي: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ شَهْرًا مُعَيَّنًا مِنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ يُرْسِل إِلَيْهِمْ فِيهِ السَّاعِيَ كُل عَامٍ (324) . حُقُوقُ الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ:
146 - الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ حَقَّهُ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي السَّاعِي.
وَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، كَأَنْ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، أَوْ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ غَالِبًا كَالرَّاعِي وَالْحَارِسِ وَالسَّائِقِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُعْطَى الرَّاعِي وَالْحَارِسُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الزَّكَاةِ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَامِلِينَ (325) .
وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ الأَْجْرِ الَّذِي يُعْطِيهِ إِيَّاهُ الإِْمَامُ، لِمَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى يَقُول: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا (326) فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (327) .
وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَهْل الأَْمْوَال بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ بِسَبَبِ وِلاَيَتِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ لَمْ يَحِل لَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ وَيَسْتَأْثِرَ بِهِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَْزْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَال: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَال: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ - أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ - ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ - اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ، ثَلاَثًا (328) .
دُعَاءُ السَّاعِي لِلْمُزَكِّي:
147 - إِذَا أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَالِكِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَل عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (329) وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل أَبِي أَوْفَى (330) . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ ذَلِكَ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ. وَيَقُول: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ. وَإِنْ شَاءَ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَدْعُو بِالصَّلاَةِ عَلَى آل الْمُزَكِّي، بَل يَدْعُو بِغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ خَاصَّةٌ بِالأَْنْبِيَاءِ (331) .
مَا يَصْنَعُ السَّاعِي بِالْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ:
148 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ السَّاعِي جَائِرًا فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ أَوْ صَرْفِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُ مَنِ امْتَنَعَ أَوْ أَخْفَى مَالَهُ أَوْ غَلَبَ بِهِ؛ لأَِنَّ الْمُمْتَنِعَ أَوِ الْمُخْفِيَ يَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورًا. أَمَّا إِنْ كَانَ السَّاعِي عَادِلاً فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَوِ الْمُخْفِي، وَيُعَزِّرُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا فَعَلَهُ شُبْهَةٌ مُعْتَبَرَةٌ (332) .
وَلَوْ خَرَجَ عَلَى الإِْمَامِ قَوْمٌ فَلَمْ يَقْدِرِ السَّاعِي عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ حَتَّى مَضَتْ أَعْوَامٌ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِمْ، يُؤْخَذُونَ بِزَكَاةِ مَا وُجِدَ مَعَهُمْ حَال الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ لِمَاضِي الأَْعْوَامِ وَلِعَامِ الْقُدْرَةِ، وَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا يُصَدَّقُونَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ لِمَنْعِهَا لاَ يُصَدَّقُونَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (333) .
مَا يَصْنَعُ السَّاعِي عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْحَوْل عَلَى الْمُلاَّكِ (334) :
149 - قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا وَصَل السَّاعِي إِلَى أَرْبَابِ الأَْمْوَال، فَإِنْ كَانَ حَوْل صَاحِبِ الْمَال قَدْ تَمَّ أَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَإِنْ كَانَ حَوْل بَعْضِهِمْ لَمْ يَتِمَّ سَأَلَهُ السَّاعِي تَعْجِيل الزَّكَاةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَالِكِ إِجَابَتُهُ، فَإِنْ عَجَّلَهَا بِرِضَاهُ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجْبُرْهُ، ثُمَّ إِنْ رَأَى السَّاعِي الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوَكِّل مَنْ يَأْخُذُهَا عِنْدَ حُلُولِهَا وَيُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِهَا فَعَل. وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَخِّرَهَا لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل فَعَل، وَيَكْتُبُهَا كَيْ لاَ يَنْسَاهَا أَوْ يَمُوتَ فَلاَ يَعْلَمَهَا السَّاعِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَرْجِعَ فِي وَقْتِ حُلُولِهَا لِيَأْخُذَهَا فَعَل، وَإِنْ وَثِقَ بِصَاحِبِ الْمَال جَازَ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ تَفْرِيقَهَا (335) .
وَتَقَدَّمَ أَنَّ وُصُول السَّاعِي شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ، فَهُوَ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ يَوْمَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ (336) .
حِفْظُ الزَّكَاةِ:
150 - عَلَى السَّاعِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَال الزَّكَاةِ. وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى مُسْتَحَقِّيهِ، أَوْ يُوصِلَهُ إِلَى الإِْمَامِ إِنْ فَضَل مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ فِي سَبِيل ذَلِكَ أَنْ يَتَّخِذَ حَارِسًا أَوْ رَاعِيًا وَنَحْوَهُمَا.
وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ وَسَائِل الْحِفْظِ وَسْمُ بَهَائِمِ الصَّدَقَةِ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا؛ وَلِئَلاَّ تَضِيعَ، وَيَسِمُهَا بِالنَّارِ بِعَلاَمَةٍ خَاصَّةٍ، كَأَنْ تَكُونَ عَلاَمَةُ الْوَسْمِ (لِلَّهِ) لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: وَافَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَبِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِل الصَّدَقَةِ (337) وَلآِثَارٍ وَرَدَتْ مِنْ فِعْل عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (338) .
بَيْتُ مَال الزَّكَاةِ:
151 - عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ بَيْتًا لأَِمْوَال الزَّكَاةِ تُحْفَظُ فِيهِ وَتُضْبَطُ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ صَرْفِهَا لأَِهْلِهَا (339) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: بَيْتُ الْمَال ".
تَصَرُّفَاتُ السَّاعِي فِي الزَّكَاةِ:
152 - إِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ يُفَرِّقُهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا مِنْ أَهْل الْبَلَدِ الَّتِي جَمَعَهَا فِيهَا إِنْ كَانَ الإِْمَامُ أَذِنَ لَهُ فِي تَفْرِيقِهَا، فَلاَ يَنْقُلُهَا إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا فُقَرَاءُ الْبَلَدِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال لَهُ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلاَ آخِذَ جِزْيَةٍ وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّ فِي فُقَرَائِهِمْ. فَقَال مُعَاذٌ: أَنَا مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي. (340) فَلَوْ نَقَلَهَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَال فَفِيهِ خِلاَفٌ يَأْتِي.
وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ أَحَدُ أَصْنَافِ أَهْل الزَّكَاةِ، كَمَا لَوْ كَانَ غَارِمًا أَوْ فَقِيرًا. وَلاَ يَأْخُذُ إِلاَّ مَا أَعْطَاهُ الإِْمَامُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ يَقْسِمُ فَلاَ يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ.
153 - وَإِذَا تَلِفَ مِنْ مَال الزَّكَاةِ شَيْءٌ فِي يَدِ الإِْمَامِ أَوِ السَّاعِي ضَمِنَهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ بِأَنْ قَصَّرَ فِي حِفْظِهِ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَمْكَنَهُ التَّفْرِيقُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَل حَتَّى تَلِفَتْ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْ (341) .
قَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ وَالسَّاعِي وَكُل مَنْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ أَمْرُ تَفْرِيقِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ، وَأَقْدَارِ حَاجَاتِهِمْ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ أَوْ مَعَهَا، لِيُعَجِّل حُقُوقَهُمْ، وَلِيَأْمَنَ هَلاَكَ الْمَال عِنْدَهُ (342) .
وَتُصْرَفُ الزَّكَاةُ فِي الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَلاَ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلاَّ لِمَنْ جَمَعَ شُرُوطَ الاِسْتِحْقَاقِ، وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيل.
154 - وَإِذَا أَخَذَ الإِْمَامُ أَوِ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيْعِهَا لِمَصْلَحَةٍ، مِنْ كُلْفَةٍ فِي نَقْلِهَا، أَوْ مَرَضِ الْبَهِيمَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ جَازَ، أَمَّا إِذَا بَاعَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إِنْ تَلِفَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ أَهْل الزَّكَاةِ أَهْل رُشْدٍ لاَ وِلاَيَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَالِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ.
وَفِي احْتِمَالٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ ذَلِكَ، لِمَا وَرَدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي إِبِل الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَل عَنْهَا، فَقَال الْمُصَدِّقُ: إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، فَسَكَتَ (343) قَال أَبُو عُبَيْدٍ: الرَّجْعَةُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا أَوْ غَيْرَهَا (344) .
نَصْبُ الْعَشَّارِينَ:
155 - يَنْصِبُ الإِْمَامُ عَلَى الْمَعَابِرِ فِي طُرُقِ الأَْسْفَارِ عَشَّارِينَ لِلْجِبَايَةِ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ بِالْمَال مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الذِّمَّةِ وَأَهْل الْحَرْبِ إِذَا أَتَوْا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، فَيَأْخُذُ مِنْ أَهْل الإِْسْلاَمِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْعُشْرَ. وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَأَهْل الْحَرْبِ فَيْءٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجِزْيَةِ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (عُشْر) .
أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ أَهْل الإِْسْلاَمِ فَهُوَ زَكَاةٌ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمَال وَإِنْ كَانَ فِي الأَْصْل مَالاً بَاطِنًا لَكِنَّهُ لَمَّا انْتَقَل صَاحِبُهُ بِهِ فِي الْبِلاَدِ أَصْبَحَ فِي حُكْمِ الْمَال الظَّاهِرِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَابِدِينَ، وَلِذَا كَانَتْ وِلاَيَةُ قَبْضِ زَكَاتِهِ إِلَى الإِْمَامِ، كَالسَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَحْلِيفِ مَنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ إِنْ أَنْكَرَ تَمَامَ الْحَوْل عَلَى مَا بِيَدِهِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، فَإِنْ حَلَفَ فَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَكَذَا إِنْ قَال أَدَّيْتُهَا إِلَى عَاشِرٍ آخَرَ وَأَخْرَجَ بَرَاءَةً (إيصَالاً رَسْمِيًّا بِهَا) ، وَكَذَا إِنْ قَال أَدَّيْتُهَا بِنَفْسِي إِلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا مَعَهُ نِصَابًا فَأَكْثَرَ حَتَّى يَجِبَ الأَْخْذُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ وَلَهُ فِي الْمِصْرِ مَا يَكْمُل بِهِ النِّصَابُ فَلاَ وِلاَيَةَلِلْعَاشِرِ عَلَى الأَْخْذِ مِنْهُ؛ لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَاشِرِ مَا يُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنْ يَأْمَنَ الْمُسَافِرُونَ بِحِمَايَتِهِ مِنَ اللُّصُوصِ (345) .
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَصَارِفُ الزَّكَاةِ:
156 - مَصَارِفُ الزَّكَاةِ مَحْصُورَةٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ.
وَالأَْصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (346) .
وَ " إِنَّمَا " الَّتِي صُدِّرَتْ بِهَا الآْيَةُ أَدَاةُ حَصْرٍ، فَلاَ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ لأَِحَدٍ أَوْ فِي وَجْهٍ غَيْرِ دَاخِلٍ فِي هَذِهِ الأَْصْنَافِ، وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلاَ غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةً، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَْجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ (347) . وَمَنْ كَانَ دَاخِلاً فِي هَذِهِ الأَْصْنَافِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ مِنَ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِأَنْ تَنْطَبِقَ عَلَيْهِ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ تَأْتِي بَعْدَ بَيَانِ الأَْصْنَافِ.
بَيَانُ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ:
الصِّنْفَانِ الأَْوَّل وَالثَّانِي: الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ:
157 - الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ هُمْ أَهْل الْحَاجَةِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ، وَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ (الْفُقَرَاءِ) وَانْفَرَدَ دَخَل فِيهِمُ (الْمَسَاكِينُ) ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ، وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي كَلاَمٍ وَاحِدٍ، كَمَا فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، تَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنًى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيُّهُمَا أَشَدُّ حَاجَةً، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنَ الْمِسْكِينِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ ذِكْرَهُمْ فِي الآْيَةِ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّهُمْ أَهَمُّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} (348) . فَأَثْبَتَ لَهُمْ وَصْفَ الْمَسْكَنَةِ مَعَ كَوْنِهِمْ يَمْلِكُونَ سَفِينَةً وَيُحَصِّلُونَ نَوْلاً، وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِالاِشْتِقَاقِ، فَالْفَقِيرُ لُغَةً: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ مَنْ نُزِعَتْ بَعْضُ فَقَارِ صُلْبِهِ، فَانْقَطَعَ ظَهْرُهُ، وَالْمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِنَ السُّكُونِ، وَمَنْ كُسِرَ صُلْبُهُ أَشَدُّ حَالاً مِنَ السَّاكِنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنَ الْفَقِيرِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (349) . وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ لِشِدَّةِ جُوعِهِ، وَبِأَنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ قَالُوا ذَلِكَ، مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ وَثَعْلَبٌ وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَبِالاِشْتِقَاقِ أَيْضًا، فَهُوَ مِنَ السُّكُونِ، كَأَنَّهُ عَجَزَ عَنِ الْحَرَكَةِ فَلاَ يَبْرَحُ.
وَنَقَل الدُّسُوقِيُّ قَوْلاً أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْ لاَ يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا أَوْ يَمْلِكُ أَقَل مِنْ قُوتِ الْعَامِ (350) .
158 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ كُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ:
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْفَقِيرُ مَنْ لاَ مَال لَهُ وَلاَ كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ، كَمَنْ حَاجَتُهُ عَشَرَةٌ فَلاَ يَجِدُ شَيْئًا أَصْلاً، أَوْ يَقْدِرُ بِمَالِهِ وَكَسْبِهِ وَمَا يَأْتِيهِ مِنْ غَلَّةٍ وَغَيْرِهَا عَلَى أَقَل مِنْ نِصْفِ كِفَايَتِهِ. فَإِنْ كَانَ يَجِدُ النِّصْفَ أَوْ أَكْثَرَ وَلاَ يَجِدُ كُل الْعَشَرَةِ فَمِسْكِينٌ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: الْمِسْكِينُ مَنْ لاَ يَجِدُ شَيْئًا أَصْلاً فَيَحْتَاجُ لِلْمَسْأَلَةِ وَتَحِل لَهُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الْفَقِيرِ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْفَقِيرُ مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ وَهُوَ مَا دُونَ النِّصَابِ، فَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا مِنْ أَيِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ فَهُوَ غَنِيٌّ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِنْ مَلَكَ أَقَل مِنْ نِصَابٍ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا غَيْرَ نَامٍ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا مُنِعَ، كَمَنْ عِنْدَهُ ثِيَابٌ تُسَاوِي نِصَابًا لاَ يَحْتَاجُهَا، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَلَوْ بَلَغَتْ قِيمَةُ مَا يَمْلِكُهُ نُصُبًا فَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنَهُ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكَاةِ إِنْ كَانَتْ مُسْتَغْرَقَةً بِالْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ كَمَنْ عِنْدَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلتَّدْرِيسِ، أَوْ آلاَتُ حِرْفَةٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْفَقِيرُ مَنْ يَمْلِكُ شَيْئًا لاَ يَكْفِيهِ لِقُوتِ عَامِهِ (351) .
الْغِنَى الْمَانِعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَوِ الْمَسْكَنَةِ:
159 - الأَْصْل أَنَّ الْغَنِيَّ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهَذَا اتِّفَاقِيٌّ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ (352) .
وَلَكِنِ اخْتُلِفَ فِي الْغِنَى الْمَانِعِ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ: فَقَال الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَدَّمَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِنَّ الأَْمْرَ مُعْتَبَرٌ بِالْكِفَايَةِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنَ الأَْثْمَانِ أَوْ غَيْرِهَا مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي مَنْ يُمَوِّنُهُ فَهُوَ غَنِيٌّ لاَ تَحِل لَهُ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ وَلَوْ كَانَ مَا عِنْدَهُ يَبْلُغُ نُصُبًا زَكَوِيَّةً، وَعَلَى هَذَا، فَلاَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلزَّكَاةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ الْغِنَى الْمُوجِبُ لِلزَّكَاةِ، فَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الزَّكَاةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (353) .
وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ أَيِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ كَانَ فَهُوَ غَنِيٌّ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَوْ كَانَ مَا عِنْدَهُ لاَ يَكْفِيهِ لِعَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا كَامِلاً فَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ، فَيَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَيْهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: إِنْ وَجَدَ كِفَايَتَهُ، فَهُوَ غَنِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَكَانَ لَدَيْهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ خَاصَّةً، فَهُوَ غَنِيٌّ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ لاَ تَكْفِيهِ، لِحَدِيثِ مَنْ سَأَل النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ. قَالُوا يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَال: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ (354) . وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الأَْثْمَانِ وَغَيْرِهَا اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ (355) .
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:
إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِمَنْ لاَ يَمْلِكُ مَالاً وَلَهُ مَوْرِدُ رِزْقٍ:
160 - مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَوْ لَهُ مَالٌ لاَ يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلاَّ أَنَّ مَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مَلِيئًا مِنْ نَحْوِ وَالِدٍ لاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ، وَكَذَا لاَ تُعْطَى الزَّوْجَةُ لاِسْتِغْنَائِهَا بِإِنْفَاقِ زَوْجِهَا عَلَيْهَا. وَمَنْ لَهُ مُرَتَّبٌ يَكْفِيهِ لَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ. وَكَذَا مَنْ كَانَ لَهُ صَنْعَةٌ تَكْفِيهِ وَإِنْ كَانَ لاَ يَمْلِكُ فِي الْحَال مَالاً.
فَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ يَأْتِيهِ مِنْهُ أَقَل مِنْ كِفَايَتِهِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ تَمَامَ الْكِفَايَةِ (356) .
وَنَقَل النَّوَوِيُّ أَنَّ مَنْ لَهُ ضَيْعَةٌ تَغُل بَعْضَ كِفَايَتِهِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ بَيْعُهَا لِتَحِل لَهُ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ آلاَتُ الْمُحْتَرَفِينَ وَكَسْبُ الْعَالِمِ (357) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ دَخْلٌ سَنَوِيٌّ أَوْ شَهْرِيٌّ أَوْ يَوْمِيٌّ مِنْ عَقَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، إِنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا زَكَوِيًّا، وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَلَدِ الَّذِي أَبُوهُ غَنِيٌّ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا فَقِيرًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعَدُّ غَنِيًّا بِيَسَارِ أَبِيهِ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، أَمَّا الْوَلَدُ الصَّغِيرُ الَّذِي أَبُوهُ غَنِيٌّ فَلاَ تُدْفَعُ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ لأَِنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِيَسَارِ أَبِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ فِي عِيَال أَبِيهِ أَمْ لاَ. وَكَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى رَجُلٍ فَقِيرٍ لَهُ ابْنٌ مُوسِرٌ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ الأَْبُ فِي عِيَال الاِبْنِ الْمُوسِرِ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْفَقِيرَةُ إِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهَا مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهَا لاَ تُعَدُّ غَنِيَّةً بِيَسَارِ زَوْجِهَا، وَبِقَدْرِ النَّفَقَةِ لاَ تَصِيرُ مُوسِرَةً، وَاسْتِيجَابُهَا النَّفَقَةَ بِمَنْزِلَةِ الأُْجْرَةِ (358) .
وَمَنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا بِأَنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَيَجُوزُ لِلْمُتَبَرِّعِ بِنَفَقَتِهِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، لِدُخُولِهِ فِي أَصْنَافِ الزَّكَاةِ، وَعَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ يُخْرِجُهُ مِنَ الْعُمُومِ (359) . إِعْطَاءُ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ الْقَادِرَيْنِ عَلَى الْكَسْبِ:
161 - مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَادِرًا عَلَى كَسْبِ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ، أَوْ تَمَامِ الْكِفَايَةِ، لَمْ يَحِل لَهُ الأَْخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلاَ يَحِل لِلْمُزَكِّي إِعْطَاؤُهُ مِنْهَا، وَلاَ تُجْزِئُهُ لَوْ أَعْطَاهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَالِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ فِي الصَّدَقَةِ: لاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (360) . وَفِي لَفْظٍ لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ (361) .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا، لأَِنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ، وَهُمَا مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ؛ وَلأَِنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ لاَ يُوقَفُ عَلَيْهَا، فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى دَلِيلِهَا، وَهُوَ فَقْدُ النِّصَابِ. وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا، وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ الصَّدَقَاتِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ يَسْأَلاَنِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَال: إِنَّهُ لاَ حَقَّ لَكُمَا فِيهِ وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا (362) . لأَِنَّهُ أَجَازَ إِعْطَاءَهُمَا، وَقَوْلُهُ: لاَ حَقَّ لَكُمَا فِيهِ مَعْنَاهُ لاَ حَقَّ لَكُمَا فِي السُّؤَال (363) .
وَمِثْلُهُ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، إِلاَّ أَنَّ الْحَدَّ الأَْدْنَى الَّذِي يَمْنَعُ الاِسْتِحْقَاقَ عِنْدَهُمْ هُوَ مِلْكُ الْكِفَايَةِ لاَ مِلْكُ النِّصَابِ، كَمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (364) .
إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ كَسْبٌ وَامْتَنَعَ عَنْهُ مَالُهُ أَوْ كَسْبُهُ:
162 - مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ مِنَ الزَّكَاةِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا أَوْ كَانَ دَيْنًا مُؤَجَّلاً، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ إِعْطَائِهِ مَا يَكْفِيهِ إِلَى أَنْ يَصِل إِلَى مَالِهِ أَوْ يَحِل الأَْجَل (365) .
وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ إِنْ شَغَلَهُ عَنِ الْكَسْبِ طَلَبُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ إِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِخِلاَفِ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ. وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ نَجِيبًا يُرْجَى نَفْعُ الْمُسْلِمِينَ بِتَفَقُّهِهِ.
وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى كَسْبٍ لَكِنَّ ذَلِكَ الْكَسْبَ لاَ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ يَلِيقُ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ مِنَ الزَّكَاةِ (366) .
جِنْسُ الْكِفَايَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ:
163 - الْكِفَايَةُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ لِلْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَسْكَنِ وَسَائِرِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْحَال مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ، لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ وَلِمَنْ هُوَ فِي نَفَقَتِهِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّ مَال الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ فِيهِ سَعَةٌ يَجُوزُ الإِْعَانَةُ بِهِ لِمَنْ أَرَادَ الزَّوَاجَ (367) .
الْقَدْرُ الَّذِي يُعْطَاهُ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مِنَ الزَّكَاةِ:
164 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ أَهْل الْحَاجَةِ الْمُسْتَحِقَّ لِلزَّكَاةِ بِالْفَقْرِ أَوِ الْمَسْكَنَةِ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ الْكِفَايَةَ أَوْ تَمَامَهَا لَهُ وَلِمَنْ يَعُولُهُ عَامًا كَامِلاً، وَلاَ يُزَادُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا حَدَّدُوا الْعَامَ لأَِنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ كُل عَامٍ غَالِبًا، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّخَرَ لأَِهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ (368) . وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَكْفِيهِ يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ نُصُبًا. وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ أَوْ يَحْصُل لَهُ بَعْضُ الْكِفَايَةِ أُعْطِيَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ لِعَامٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَنْصُوصٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ يُعْطَيَانِ مَا يُخْرِجُهُمَا مِنَ الْفَاقَةِ إِلَى الْغِنَى وَهُوَ مَا تَحْصُل بِهِ الْكِفَايَةُ عَلَى الدَّوَامِ، لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ مَرْفُوعًا إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَال: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ. . (369) الْحَدِيثَ.
قَالُوا: فَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الاِحْتِرَافُ أُعْطِيَ مَا يَشْتَرِي بِهِ أَدَوَاتِ حِرْفَتِهِ قَلَّتْ قِيمَتُهَا أَوْ كَثُرَتْ بِحَيْثُ يَحْصُل لَهُ مِنْ رِبْحِهِ مَا يَفِي بِكِفَايَتِهِ غَالِبًا تَقْرِيبًا، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا أُعْطِيَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الضِّيَاعِ يُشْتَرَى لَهُ ضَيْعَةٌ تَكْفِيهِ غَلَّتُهَا عَلَى الدَّوَامِ. قَال بَعْضُهُمْ: يَشْتَرِيهَا لَهُ الإِْمَامُ وَيُلْزِمُهُ بِعَدَمِ إِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ لاَ يَمْلِكُ نِصَابًا زَكَوِيًّا كَامِلاً يَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ أَقَل مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ تَمَامُهَا. وَيُكْرَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَال زُفَرُ لاَ يَجُوزُ تَمَامُ الْمِائَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرُ.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ وَلاَ دَيْنَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَالْمَدِينُ يُعْطَى لِدَيْنِهِ وَلَوْ فَوْقَ الْمِائَتَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي الْغَارِمِينَ (370) .
إِثْبَاتُ الْفَقْرِ:
165 - إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ صَحِيحٌ قَوِيٌّ أَنَّهُ لاَ يَجِدُ مَكْسَبًا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَال، وَيُقْبَل قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا (371) لَكِنْ مَنْ عُلِمَ كَذِبُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالاً وَطَلَبَ مِنَ الزَّكَاةِ لأَِجْلِهِمْ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْعِيَال، وَلاَ تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَا مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْيَسَارِ لاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ، لَكِنِ إِنِ ادَّعَى أَنَّ مَالَهُ تَلِفَ أَوْ فُقِدَ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي عَدَدِ الْبَيِّنَةِ، فَقِيل: لاَ بُدَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَال لَهُ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا. ثُمَّ قَال: يَا قَبِيصَةُ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لأَِحَدِ ثَلاَثَةٍ. . . وَذَكَرَ مِنْهُمْ: رَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ (372) .
وَقِيل عِنْدَهُمْ: يُقْبَل قَوْل اثْنَيْنِ فَقَطْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، لاَ فِي الإِْعْطَاءِ دُونَ مَسْأَلَةٍ (373) .
الصِّنْفُ الثَّالِثُ: الْعَامِلُونَ عَلَى الزَّكَاةِ:
166 - يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ مِنْهَا. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل الَّذِي يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ شُرُوطٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَأْخُذُ مِنَ الْعَامِلِينَ مِنَ الزَّكَاةِ الْفَقْرُ؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ بِعَمَلِهِ لاَ لِفَقْرِهِ.
وَقَدْ قَال النَّبِيُّ: لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ. . فَذَكَرَ مِنْهُمُ الْعَامِل عَلَيْهَا (374) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَدْفَعُ إِلَى الْعَامِل بِقَدْرِ عَمَلِهِ فَيُعْطِيهِ مَا يَسَعُهُ وَيَسَعُ أَعْوَانَهُ غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالثَّمَنِ، وَلاَ يُزَادُ عَلَى نِصْفِ الزَّكَاةِ الَّتِي يَجْمَعُهَا وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ أَكْثَرَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِل إجَارَةً صَحِيحَةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، إِمَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْطَى الْعَامِل مِنَ الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ زَادَ أَجْرُهُ عَلَى الثَّمَنِ أَتَمَّ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَقِيل مِنْ بَاقِي السِّهَامِ.
وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَجْرَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال.
وَلَهُ أَنْ يَبْعَثَهُ بِغَيْرِ إجَارَةٍ ثُمَّ يُعْطِيَهُ أَجْرَ الْمِثْل.
وَإِنْ تَوَلَّى الإِْمَامُ، أَوْ وَالِي الإِْقْلِيمِ أَوِ الْقَاضِي مِنْ قِبَل الإِْمَامِ أَوْ نَحْوِهِمْ أَخْذَ الزَّكَاةِ وَقِسْمَتَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال وَعَمَلُهُ عَامٌّ (375) . الصِّنْفُ الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ:
167 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِنْفِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بَاقٍ لَمْ يَسْقُطْ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ سَهْمَهُمُ انْقَطَعَ لِعِزِّ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يُعْطَوْنَ الآْنَ، لَكِنْ إِنِ احْتِيجَ لاِسْتِئْلاَفِهِمْ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ أُعْطُوا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَعَل مَعْنَى قَوْل أَحْمَدَ: انْقَطَعَ سَهْمُهُمْ، أَيْ لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِي الْغَالِبِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الأَْئِمَّةَ لاَ يُعْطُونَهُمُ الْيَوْمَ شَيْئًا، فَأَمَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَى إِعْطَائِهِمْ جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ، فَلاَ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى سُقُوطِ سَهْمِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ (376) لِمَا وَرَدَ أَنَّ الأَْقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ جَاءَا يَطْلُبَانِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَرْضًا، فَكَتَبَ لَهُمَا بِذَلِكَ، فَمَرَّا عَلَى عُمَرَ، فَرَأَى الْكِتَابَ فَمَزَّقَهُ، وَقَال: هَذَا شَيْءٌ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعْطِيكُمُوهُ لِيَتَأَلَّفَكُمْ، وَالآْنَ قَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الإِْسْلاَمَ وَأَغْنَى عَنْكُمْ، فَإِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَإِلاَّ فَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، فَرَجَعَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالاَ، مَا نَدْرِي: الْخَلِيفَةُ أَنْتَ أَمْ عُمَرُ؟ فَقَال: هُوَ إِنْ شَاءَ، وَوَافَقَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ (377) .
168 - ثُمَّ اخْتَلَفُوا:
فَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ كُفَّارٌ يُعْطَوْنَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الإِْسْلاَمِ لأَِجْل أَنْ يُعِينُوا الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ لاَ تُعْطَى الزَّكَاةُ لِمَنْ أَسْلَمَ فِعْلاً. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْطَى مِنْ هَذَا السَّهْمِ لِكَافِرٍ أَصْلاً، لأَِنَّ الزَّكَاةَ لاَ تُعْطَى لِكَافِرٍ، لِلْحَدِيثِ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (378) بَل تُعْطَى لِمَنْ أَسْلَمَ فِعْلاً، وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ الإِْعْطَاءُ مِنَ الزَّكَاةِ لِلْمُؤَلَّفِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَعِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَقْوَالٌ بِمِثْل هَذَا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ضَرْبَانِ: كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ، وَهُمْ جَمِيعًا السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَضْرُبٍ:
1 - سَادَةٌ مُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ أَسْلَمُوا وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ فَيُعْطَوْنَ تَثْبِيتًا لَهُمْ.
2 - قَوْمٌ لَهُمْ شَرَفٌ وَرِيَاسَةٌ أَسْلَمُوا وَيُعْطَوْنَ لِتَرْغِيبِ نُظَرَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ لِيُسْلِمُوا.
3 - صِنْفٌ يُرَادُ بِتَأَلُّفِهِمْ أَنْ يُجَاهِدُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَحْمُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
4 - صِنْفٌ يُرَادُ بِإِعْطَائِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ أَنْ يَجْبُوا الزَّكَاةَ مِمَّنْ لاَ يُعْطِيهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ الْكُفَّارَ فَجَعَلَهُمْ ضَرْبَيْنِ:
1 - مَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُ فَيُعْطَى لِتَمِيل نَفْسُهُ إِلَى الإِْسْلاَمِ.
2 - مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ وَيُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ كَفُّ شَرِّهِ وَكَفُّ غَيْرِهِ مَعَهُ (379) .
الصِّنْفُ الْخَامِسُ: فِي الرِّقَابِ:
169 - وَهُمْ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: الأَْوَّل: الْمُكَاتَبُونَ الْمُسْلِمُونَ: فَيَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الصَّرْفُ مِنَ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ، إعَانَةً لَهُمْ عَلَى فَكِّ رِقَابِهِمْ وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَالِكٌ، كَمَا لَمْ يُجِزْ صَرْفَ شَيْءٍ مِنَ الزَّكَاةِ فِي إِعْتَاقِ مَنِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ حُرِّيَّةٍ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ، كَالتَّدْبِيرِ وَالاِسْتِيلاَدِ وَالتَّبْعِيضِ.
فَعَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ: إِنَّمَا يُعَانُ الْمُكَاتَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ لِبَعْضِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ شَيْئًا أَصْلاً دُفِعَ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْوَفَاءِ.
الثَّانِي: إِعْتَاقُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الصَّرْفِ مِنَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ بِيَدِ الإِْمَامِ أَوِ السَّاعِي جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ رَقَبَةً أَوْ رِقَابًا فَيُعْتِقَهُمْ، وَوَلاَؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَا إِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ بِيَدِ رَبِّ الْمَال فَأَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً تَامَّةً مِنْهَا، فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِعُمُومِ الآْيَةِ {وَفِي الرِّقَابِ} (380) وَيَكُونُ وَلاَؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا رَجَعَ مِنَ الْوَلاَءِ رَدٌّ فِي مِثْلِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَى بِمَا تَرَكَهُ الْمُعْتَقُ وَلاَ وَارِثَ لَهُ رِقَابٌ تَعْتِقُ. وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ: الْوَلاَءُ لِلْمُعْتِقِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّهُ لاَ يَعْتِقُ مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ كَدَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الْقِنِّ، وَالْقِنُّ لاَ تُدْفَعُ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ وَلأَِنَّهُ دَفْعٌ إِلَى السَّيِّدِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّ الْعِتْقَ إِسْقَاطُ مِلْكٍ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، لَكِنْ إِنْ أَعَانَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي إِعْتَاقِ رَقَبَةٍ جَازَ عِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل مِنَ الْحَنَابِلَةِ (381) .
الثَّالِثُ: أَنْ يَفْتَدِيَ بِالزَّكَاةِ أَسِيرًا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِجَوَازِ هَذَا النَّوْعِ؛ لأَِنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنَ الأَْسْرِ، فَيَدْخُل فِي الآْيَةِ بَل هُوَ أَوْلَى مِنْ فَكِّ رَقَبَةِ مَنْ بِأَيْدِينَا. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِمَنْعِهِ (382) .
الصِّنْفُ السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ:
وَالْغَارِمُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ:
الضَّرْبُ الأَْوَّل:
مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَيُشْتَرَطُ لإِِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَلِي:
1 - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا.
2 - أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ: بِجَوَازِ إِعْطَاءِ مَدِينِ آل الْبَيْتِ مِنْهَا.
3 - وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ لاَ يَكُونَ قَدِ اسْتَدَانَ لِيَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ، كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَتَوَسَّعَ فِي الإِْنْفَاقِ بِالدَّيْنِ لأَِجْل أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا، بِخِلاَفِ فَقِيرٍ اسْتَدَانَ لِلضَّرُورَةِ نَاوِيًا الأَْخْذَ مِنْهَا (383) .
4 - وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِمَّا يُحْبَسُ فِيهِ، فَيَدْخُل فِيهِ دَيْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ، وَالدَّيْنُ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَخَرَجَ دَيْنُ الْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ. 5 - أَنْ لاَ يَكُونَ دَيْنُهُ فِي مَعْصِيَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، كَأَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ خَمْرٍ، أَوْ قِمَارٍ، أَوْ زِنًا، لَكِنْ إِنْ تَابَ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَقِيل: لاَ. وَرَجَّحَ الْمَالِكِيَّةُ الأَْوَّل، وَعَدَّ الشَّافِعِيَّةُ الإِْسْرَافَ فِي النَّفَقَةِ مِنْ بَابِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُ الإِْعْطَاءَ مِنَ الزَّكَاةِ.
6 - أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا، صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ الشَّافِعِيَّةُ، قَالُوا: إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً فَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الأَْجَل تِلْكَ السَّنَةَ أُعْطِيَ، وَإِلاَّ فَلاَ يُعْطَى مِنْ صَدَقَاتِ تِلْكَ السَّنَةِ.
7 - أَنْ لاَ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى السَّدَادِ مِنْ مَالٍ عِنْدَهُ زَكَوِيٍّ أَوْ غَيْرِ زَكَوِيٍّ زَائِدٍ عَنْ كِفَايَتِهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا تُسَاوِي مِائَةً وَعَلَيْهِ مِائَةٌ، وَتَكْفِيهِ دَارٌ بِخَمْسِينَ فَلاَ يُعْطَى حَتَّى تُبَاعَ، وَيَدْفَعَ الزَّائِدَ فِي دَيْنِهِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَلَوْ وَجَدَ مَا يَقْضِي بِهِ بَعْضَ الدَّيْنِ أُعْطِيَ الْبَقِيَّةَ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ زَمَنٍ بِالاِكْتِسَابِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي جَوَازِ إِعْطَائِهِ مِنْهَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْغَارِمُ لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ:
171 - الأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ قَبِيصَةَ الْمَرْفُوعُ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ. فَذَكَرَ مِنْهُمْ وَرَجُلٍ تَحَمَّل حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّيُمْسِكُ (384) فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْغَارِمِينَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا؛ لأَِنَّهُ لَوِ اُشْتُرِطَ الْفَقْرُ فِيهِ لَقَلَّتِ الرَّغْبَةُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ أَوْ حَيَّيْنِ فِتْنَةٌ، يَكُونُ فِيهَا قَتْل نَفْسٍ أَوْ إِتْلاَفُ مَالٍ، فَيَتَحَمَّلُهُ لأَِجْل الإِْصْلاَحِ بَيْنَهُمْ، فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ لِتَسْدِيدِ حَمَالَتِهِ، وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ الإِْعْطَاءَ بِمَا قَبْل الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ، مَا لَمْ يَكُنْ أَدَّى الْحَمَالَةَ مِنْ دَيْنٍ اسْتَدَانَهُ؛ لأَِنَّ الْغُرْمَ يَبْقَى.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُعْطَى الْمُتَحَمِّل مِنَ الزَّكَاةِ إِلاَّ إِنْ كَانَ لاَ يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلاً عَنْ دَيْنِهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَدِينِينَ (385) .
وَلَمْ يُصَرِّحِ الْمَالِكِيَّةُ بِحُكْمِ هَذَا الضَّرْبِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ:
الْغَارِمُ بِسَبَبِ دَيْنِ ضَمَانٍ وَهَذَا الضَّرْبُ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ مُعْسِرَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا فَفِي إِعْطَاءِ الضَّامِنِ مِنَ الزَّكَاةِ خِلاَفٌ عِنْدَهُمْ وَتَفْصِيلٌ.
الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ:
171 م - إِنْ مَاتَ الْمَدِينُ وَلاَ وَفَاءَ فِي تَرِكَتِهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَدَادُ دَيْنِهِ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُوَفَّى دَيْنُهُ مِنْهَا وَلَوْ مَاتَ، قَال بَعْضُهُمْ: هُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ لِلْيَأْسِ مِنْ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ عَنْهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (386) .
وَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَيِّتِ تَفْصِيلاً.
الصِّنْفُ السَّابِعُ: فِي سَبِيل اللَّهِ.
وَهَذَا الصِّنْفُ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ.
172 - الضَّرْبُ الأَْوَّل: الْغُزَاةُ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، وَاَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الدِّيوَانِ، بَل هُمْ مُتَطَوِّعُونَ لِلْجِهَادِ. وَهَذَا الضَّرْبُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ قَدْرَ مَا يَتَجَهَّزُونَ بِهِ لِلْغَزْوِ مِنْ مَرْكَبٍ وَسِلاَحٍ وَنَفَقَةٍ وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْغَازِي لِغَزْوِهِ مُدَّةَ الْغَزْوِ وَإِنْ طَالَتْ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْغَازِي أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، بَل يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْغَنِيِّ لِذَلِكَ، لأَِنَّهُ لاَ يَأْخُذُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، بَل لِحَاجَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْفَقْرُ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْغَازِي غَنِيًّا، وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِنْفِ الْفُقَرَاءِ فَلاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ، وَإِلاَّ فَيُعْطَى، وَإِنْ كَانَ كَاسِبًا؛ لأَِنَّ الْكَسْبَ يُقْعِدُهُ عَنِ الْجِهَادِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْغَازِي مُنْقَطِعُ الْحَاجِّ لاَ مُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْغَازِي أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، لِكَوْنِهِ مُسْلِمًا ذَكَرًا بَالِغًا قَادِرًا، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ آل الْبَيْتِ.
وَأَمَّا جُنُودُ الْجَيْشِ الَّذِينَ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الدِّيوَانِ فَلاَ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنِ امْتَنَعَ إِعْطَاؤُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِضَعْفِهِ، يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ (387) .
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَصَالِحُ الْحَرْبِ
173 - وَهَذَا الضَّرْبُ ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّرْفُ مِنَ الزَّكَاةِ فِي مَصَالِحِ الْجِهَادِ الأُْخْرَى غَيْرِ إِعْطَاءِ الْغُزَاةِ، نَحْوِ بِنَاءِ أَسْوَارٍ لِلْبَلَدِ لِحِفْظِهَا مِنْ غَزْوِ الْعَدُوِّ، وَنَحْوِ بِنَاءِ الْمَرَاكِبِ الْحَرْبِيَّةِ، وَإِعْطَاءِ جَاسُوسٍ يَتَجَسَّسُ لَنَا عَلَى الْعَدُوِّ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَأَجَازَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يُشْتَرَى مِنَ الزَّكَاةِ السِّلاَحُ وَآلاَتُ الْحَرْبِ وَتُجْعَل وَقْفًا يَسْتَعْمِلُهَا الْغُزَاةُ ثُمَّ يَرُدُّونَهَا، وَلَمْ يُجِزْهُ الْحَنَابِلَةُ. وَظَاهِرُ صَنِيعِ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ - إِذْ قَصَرُوا سَهْمَ سَبِيل اللَّهِ عَلَى الْغُزَاةِ، أَوِ الْغُزَاةِ وَالْحُجَّاجِ، أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ مِنْهُ فِي هَذَا الضَّرْبِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لاَ تَمْلِيكَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ تَمْلِيكٌ لِغَيْرِ أَهْل الزَّكَاةِ، أَوْ كَمَا قَال أَحْمَدُ: لأَِنَّهُ لَمْ يُؤْتِ الزَّكَاةَ لأَِحَدٍ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِيتَائِهَا (388) .
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْحُجَّاجُ:
174 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ فِي الْحَجِّ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ سَبِيل اللَّهِ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ مُطْلَقٌ، وَهُوَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ الأَْكْثَرَ مِمَّا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قُصِدَ بِهِ الْجِهَادُ، فَتُحْمَل الآْيَةُ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، إِلَى أَنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيُصْرَفُ فِيهِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَعَل نَاقَتَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ، فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تَحُجَّ، فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: فَهَلاَّ خَرَجْتِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيل اللَّهِ (389) فَعَلَى هَذَا الْقَوْل لاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ سِوَاهَا، وَلاَ يُعْطَى إِلاَّ لِحَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ حَتَّى فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ.
وَيُنْقَل عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَصْرِفَ فِي سَبِيل اللَّهِ هُوَ لِمُنْقَطِعِ الْحُجَّاجِ (390) .
إِلاَّ أَنَّ مُرِيدَ الْحَجِّ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ كَمَا يَأْتِي.
الصِّنْفُ الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيل:
سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلاَزَمَتِهِ الطَّرِيقَ، إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي وَطَنِهِ لِيَأْوِيَ إِلَى سَكَنٍ.
وَهَذَا الصِّنْفُ ضَرْبَانِ:
175 - الضَّرْبُ الأَْوَّل: الْمُتَغَرِّبُ عَنْ وَطَنِهِ الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ مَا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى بَلَدِهِ:
وَهَذَا الضَّرْبُ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الزَّكَاةِ، فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، إِلاَّ فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُعْطَى؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ نَقْل الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِهَا. وَلاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِشُرُوطٍ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، مِنْ غَيْرِ آل الْبَيْتِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ بِيَدِهِ فِي الْحَال مَالٌ يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الْوُصُول إِلَى بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مُؤَجَّلٌ أَوْ عَلَى غَائِبٍ، أَوْ مُعْسِرٍ، أَوْ جَاحِدٍ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الأَْخْذَ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَكُونَ سَفَرُهُ لِمَعْصِيَةٍ، صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِطَاعَةٍ وَاجِبَةٍ كَحَجِّ الْفَرْضِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٍ كَزِيَارَةِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أَوْ كَانَ سَفَرُهُ لِمُبَاحٍ كَالْمَعَاشَاتِ وَالتِّجَارَاتِ، فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِمَعْصِيَةٍ لَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُ مِنْهَا لأَِنَّهُ إعَانَةٌ عَلَيْهَا، مَا لَمْ يَتُبْ، وَإِنْ كَانَ لِلنُّزْهَةِ فَقَطْ فَفِيهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَقْوَاهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَى هَذَا السَّفَرِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ خَاصَّةً: أَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يُقْرِضُهُ إِنْ كَانَ بِبَلَدِهِ غَنِيًّا.
وَلاَ يُعْطَى أَهْل هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَكْفِيهِ لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ قَاصِدًا بَلَدًا آخَرَ يُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَيْهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى بَلَدِهِ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ جَلَسَ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنَ الزَّكَاةِ نُزِعَتْ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا بِبَلَدِهِ، وَإِنْ فَضَل مَعَهُ فَضْلٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ نُزِعَ مِنْهُ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
ثُمَّ قَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَىالسَّدَادِ فَالأَْوْلَى لَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَلاَ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ (391) .
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ وَيُرِيدُ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرًا:
176 - فَهَذَا الضَّرْبُ مَنَعَ الْجُمْهُورُ إِعْطَاءَهُ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ إِعْطَاءَهُ لِذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي مَعْصِيَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ إِعْطَاءُ مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُنْشِئُ مِنْهُ سَفَرَ الْحَجِّ مَا لاَ يَحُجُّ بِهِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يَرَوْنَ جَوَازَ الإِْعْطَاءِ فِي هَذَا الضَّرْبِ، إِلاَّ أَنَّ مَنْ كَانَ بِبَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ بِيَدِهِ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ وَلَهُ مَالٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، لاَ يَصِل إِلَيْهِ، رَأَوْا أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِابْنِ السَّبِيل (392) .
أَصْنَافُ الَّذِينَ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ:
177 - 1 - آل النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لأَِنَّ الزَّكَاةَ وَالصَّدَقَةَ مُحَرَّمَتَانِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِمْ فِي (393) .
2 - الأَْغْنِيَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَنْ هُمْ فِي صِنْفِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: خَمْسَةٌ لاَ يُعْطَوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ: الْفَقِيرُ، وَالْمِسْكِينُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَابْنُ السَّبِيل، وَخَمْسَةٌ يَأْخُذُونَ مَعَ الْغِنَى: الْعَامِل، وَالْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ، وَالْغَازِي، وَالْغَارِمُ لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَابْنُ السَّبِيل الَّذِي لَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ.
وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْغَازِي وَالْغَارِمِ لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَرَأَوْا أَنَّهُمْ لاَ يَأْخُذُونَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ (394) .
3 - الْكُفَّارُ وَلَوْ كَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ: لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ. نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (395) وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِعْطَاءَهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ إِنْ عَمِلُوا عَلَى الزَّكَاةِ.
وَيُسْتَثْنَى الْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ أَيْضًا عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَوْضِعِهِ (396) .
وَيَشْمَل الْكَافِرُ هُنَا الْكَافِرَ الأَْصْلِيَّ وَالْمُرْتَدَّ، وَمَنْ كَانَ مُتَسَمِّيًا بِالإِْسْلاَمِ وَأَتَى بِمُكَفِّرٍ نَحْوِ الاِسْتِخْفَافِ بِالْقُرْآنِ، أَوْ سَبِّ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ، أَوْ دِينِ الإِْسْلاَمِ، فَهُوَ كَافِرٌ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ اتِّفَاقًا، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رِدَّة) . كُل مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ الْمُزَكِّي أَوِ انْتَسَبَ إِلَى الْمُزَكِّي بِالْوِلاَدَةِ.
وَيَشْمَل ذَلِكَ أُصُولَهُ وَهُمْ أَبَوَاهُ وَأَجْدَادُهُ، وَجَدَّاتُهُ، وَارِثِينَ كَانُوا أَوْ لاَ، وَكَذَا أَوْلاَدُهُ وَأَوْلاَدُ أَوْلاَدِهِ، وَإِنْ نَزَلُوا، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّ مَنَافِعَ الأَْمْلاَكِ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا سَائِرُ الأَْقَارِبِ، وَهُمُ الْحَوَاشِي كَالإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ وَالأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ، وَأَوْلاَدِهِمْ، فَلاَ يَمْتَنِعُ إِعْطَاؤُهُمْ زَكَاتَهُ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ فِي عِيَالِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (397) وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّ الأَْقَارِبَ الَّذِينَ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمُ الْمُزَكِّيَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ، وَاَلَّذِينَ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الأَْبُ وَالأُْمُّ دُونَ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، وَالاِبْنُ وَالْبِنْتُ دُونَ أَوْلاَدِهِمَا، وَاللاَّزِمُ نَفَقَةُ الاِبْنِ مَا دَامَ فِي حَدِّ الصِّغَرِ، وَالْبِنْتُ إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ وَيَدْخُل بِهَا زَوْجُهَا. وَاَلَّذِينَ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الأُْصُول وَالْفُرُوعُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ: يُفَرَّقُ فِي غَيْرِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ بَيْنَ الْمَوْرُوثِ مِنْهُمْ وَغَيْرِ الْمَوْرُوثِ، فَغَيْرُ الْمَوْرُوثِ يُجْزِئُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَالْمَوْرُوثُ لاَ يُجْزِئُ، وَعَلَى الْوَارِثِ نَفَقَتُهُ إِنْ كَانَ الْمَوْرُوثُ فَقِيرًا فَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنِ الزَّكَاةِ، إِذْ لَوْ أَعْطَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ لَعَادَ نَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَيُشْتَرَط هُنَا شُرُوطُ الإِْرْثِ وَمِنْهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْوَارِثُ مَحْجُوبًا عَنِ الْمِيرَاثِ وَقْتَ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ (398)
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَنْ فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ عَلَى الْمُزَكِّي، فَلاَ يُجْزِئُ إِعْطَاؤُهُ الزَّكَاةَ، لأَِنَّهُ أَدَاءُ وَاجِبٍ فِي وَاجِبٍ آخَرَ، عَلَى أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ وَزَوْجَةِ ابْنِهِ وَزَوْجِ ابْنَتِهِ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ الإِْعْطَاءَ الْمَمْنُوعَ بِسَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، أَمَّا لَوْ أَعْطَى وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ أَوِ الْمُكَاتَبِينَ أَوِ الْغَارِمِينَ أَوِ الْغُزَاةِ فَلاَ بَأْسَ. وَقَالُوا أَيْضًا: إِنْ كَانَ لاَ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ جَازَ إِعْطَاؤُهُ. دَفْعُ الزَّوْجِ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ وَعَكْسُهُ:
178 - لاَ يُجْزِئُ الرَّجُل إِعْطَاءُ زَكَاةِ مَالِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: هُوَ إِجْمَاعٌ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مُشْتَرَكَةٌ، وَقَال الْجُمْهُورُ: لأَِنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ، فَيَكُونُ كَالدَّافِعِ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَحَل الْمَنْعِ إِعْطَاؤُهَا الزَّكَاةَ لِتُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَأَمَّا لَوْ أَعْطَاهَا مَا تَدْفَعُهُ فِي دَيْنِهَا، أَوْ لِتُنْفِقَهُ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَلاَ بَأْسَ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمَمْنُوعَ إِعْطَاؤُهَا مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ، أَمَّا مِنْ سَهْمٍ آخَرَ هِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لَهُ فَلاَ بَأْسَ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ كَلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
وَأَمَّا إِعْطَاءُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا زَكَاةَ مَالِهَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِحَدِيثِ زَيْنَبَ زَوْجَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَفِيهِ أَنَّهَا هِيَ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى سَأَلَتَا النَّبِيَّ ﷺ: هَل تُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِمَا؟ فَقَال: لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ (399) . وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلأَِنَّهُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الزَّوْجِ، وَلِعُمُومِ آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، إِذْ لَيْسَ فِي الزَّوْجِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ يَمْنَعُ إِعْطَاءَهُ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا زَكَاتَهَا وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلاَقِهِ الْبَائِنِ وَلَوْ بِثَلاَثِ طَلَقَاتٍ؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مُشْتَرَكَةٌ، فَهِيَ تَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الزَّكَاةِ الَّتِي تُعْطِيهَا لِزَوْجِهَا؛ وَلأَِنَّ الزَّوْجَ لاَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَال امْرَأَتِهِ، وَلاَ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ لَهَا.
وَقَال مَالِكٌ: لاَ تُعْطِي الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا زَكَاةَ مَالِهَا. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مَعْنَى كَلاَمِهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ مُرَادَهُ عَدَمُ الإِْجْزَاءِ، وَقَال آخَرُونَ: بِإِجْزَائِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ (400) .
6 - الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ:
179 - ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى كَافِرٍ (401) أَنَّ فِي إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِلْعَاصِي خِلاَفًا، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تُعْطَى لأَِهْل الْمَعَاصِي إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُعْطِي أَنَّهُمْ يَصْرِفُونَهَا فِي الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تُجْزِئْهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَفِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَال تَجُوزُ، وَتُجْزِئُ (402) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَتَحَرَّى بِزَكَاتِهِ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ أَهْل الدِّينِ الْمُتَّبِعِينَ لِلشَّرِيعَةِ، فَمَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ وَالاِسْتِتَابَةَ فَكَيْفَ يُعَانُ عَلَى ذَلِكَ؟ ، وَقَال: مَنْ كَانَ لاَ يُصَلِّي يُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ، فَإِنْ قَال: أَنَا أُصَلِّي، أُعْطِيَ، وَإِلاَّ لَمْ يُعْطَ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يُعْطَى مَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالنِّفَاقِ (403) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِْسْلاَمِ مِنْ أَهْل الْبِدَعِ إِنْ كَانُوا مِنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ بِدْعَتُهُمْ مُكَفِّرَةً مُخْرِجَةً لَهُمْ عَنِ الإِْسْلاَمِ (404) . عَلَى أَنَّ الأَْوْلَى تَقْدِيمُ أَهْل الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ فِي الاِعْتِقَادِ، وَالْعَمَل عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ عِنْدَ الإِْعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِحَدِيثِ: لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُل طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ (405) . 7 - الْمَيِّتُ:
180 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَالنَّخَعِيُّ: إِلَى أَنَّهُ لاَ تُعْطَى الزَّكَاةُ فِي تَجْهِيزِ مَيِّتٍ عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّ رُكْنَ الزَّكَاةِ تَمْلِيكُهَا لِمَصْرِفِهَا، فَإِنَّ الْمَيِّتَ لاَ يَمْلِكُ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الزَّكَاةِ التَّمْلِيكُ، قَالُوا: وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى بِهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً؛ لأَِنَّ قَضَاءَ دَيْنِ الْغَيْرِ بِهَا لاَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ إِيَّاهَا، قَال أَحْمَدُ: لاَ يُقْضَى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَيُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْحَيِّ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَنَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَعَنِ اخْتِيَارِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يُقْضَى مِنَ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً إِنْ تَمَّتْ فِيهِ شُرُوطُ الْغَارِمِ، قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بَل هُوَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِ الْحَيِّ فِي أَخْذِهِ مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ لاَ يُرْجَى قَضَاؤُهُ بِخِلاَفِ الْحَيِّ، وَاحْتَجَّ النَّوَوِيُّ لِهَذَا الْقَوْل بِعُمُومِ الْغَارِمِينَ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَبِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ كَدَيْنِ الْحَيِّ (406) .
8 - جِهَاتُ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ:
181 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ فِي جِهَاتِ الْخَيْرِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَلاَ تُنْشَأُ بِهَا طَرِيقٌ، وَلاَ يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ وَلاَ قَنْطَرَةٌ، وَلاَ تُشَقُّ بِهَا تُرْعَةٌ، وَلاَ يُعْمَل بِهَا سِقَايَةٌ، وَلاَ يُوَسَّعُ بِهَا عَلَى الأَْصْنَافِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَقْل خِلاَفٍ عَنْ مُعَيَّنٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ تَمْلِيكَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ وَنَحْوَهُ لاَ يُمْلَكُ، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الزَّكَاةِ التَّمْلِيكَ.
وَالثَّانِي:
الْحَصْرُ الَّذِي فِي الآْيَةِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ وَنَحْوَهَا لَيْسَتْ مِنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ جَعَل الزَّكَاةَ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ (407) .
وَلاَ يَثْبُتُ مِمَّا نُقِل عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ سِيرِينَ خِلاَفُ ذَلِكَ (408) .
مَا يُرَاعَى فِي قِسْمَةِ الزَّكَاةِ بَيْنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ:
أ - تَعْمِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الأَْصْنَافِ:
182 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَعْمِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الأَْصْنَافِ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يُؤَدِّيهَا إِلَيْهَا رَبَّ الْمَال أَوِ السَّاعِيَ أَوِ الإِْمَامَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَال كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً، بَل يَجُوزُ أَنْ تُعْطَى لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى لِشَخْصٍ وَاحِدٍ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي أَيِّ صِنْفٍ وَضَعْتَهُ أَجْزَأَكَ.
183 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (409) قَالُوا: وَالْفُقَرَاءُ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْنَافِ أَهْل الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةِ، وَبِوَقَائِعَ أَعْطَى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ الزَّكَاةَ لِفَرْدٍ وَاحِدٍ أَوْ أَفْرَادٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ أَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيَّ صَدَقَةَ قَوْمِهِ (410) . وَقَال لِقَبِيصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا (411) . قَالُوا: وَاللاَّمُ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ بِمَعْنَى " أَوْ "، أَوْ هِيَ لِبَيَانِ الْمَصَارِفِ، أَوْ هِيَ لِلاِخْتِصَاصِ، وَمَعْنَى الاِخْتِصَاصِ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْهُمْ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ لاَ يُنْدَبُ إِلاَّ أَنْ يُقْصَدَ الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلاَفِ، وَكَذَا اسْتَحَبَّ الْحَنَابِلَةُ التَّعْمِيمَ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ (412) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل عِكْرِمَةَ، إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَعْمِيمُ الأَْصْنَافِ، وَإِعْطَاءُ كُل صِنْفٍ مِنْهُمُ الثُّمُنَ مِنَ الزَّكَاةِ الْمُتَجَمِّعَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِآيَةِ الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الزَّكَاةَ إِلَيْهِمْ فَاللاَّمُ لِلتَّمْلِيكِ، وَأَشْرَكَ بَيْنَهُمْ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ، فَدَل عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ لَوْ قَال رَبُّ الْمَال: هَذَا الْمَال لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ وَوَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ، فَكَذَا هَذَا، وَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ وَجَبَ التَّعْمِيمُ وَالتَّسْوِيَةُ.
وَتَفْصِيل مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الْقَسْمِ إِنْ قَسَمَ الإِْمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامِلٌ بِأَنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، أَوْ حَمَل أَصْحَابُ الأَْمْوَال زَكَاتَهُمْ إِلَى الإِْمَامِ، فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةِ أَصْنَافٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ، وَيَسْتَوْعِبُ الإِْمَامُ مِنَ الزَّكَوَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُل صِنْفٍ وُجُوبًا، إِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ، وَوَفَى بِهِمُ الْمَال. وَإِلاَّ فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلاَثَةٍ مِنْ كُل صِنْفٍ؛ لأَِنَّ الآْيَةَ ذَكَرَتِ الأَْصْنَافَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ.
قَالُوا: وَيَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَوِ السَّاعِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ، وَقَدْرِ حَاجَاتِهِمْ، وَاسْتِحْقَاقِهِمْ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ الزَّكَوَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَوْ مَعَهُ لِيَتَعَجَّل وُصُول حَقِّهِمْ إِلَيْهِمْ.
قَالُوا: وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَْصْنَافِ، وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ، وَلاَ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَفْرَادِ كُل صِنْفٍ إِنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، بَل يَجُوزُ تَفْضِيل بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، أَمَّا إِنْ قَسَمَ الإِْمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيل مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ، فَإِنْ فَقَدَ بَعْضَ الأَْصْنَافِ أَعْطَى سَهْمَهُ لِلأَْصْنَافِ الْبَاقِيَةِ، وَكَذَا إِنِ اكْتَفَى بَعْضُ الأَْصْنَافِ وَفَضَل شَيْءٌ، فَإِنِ اكْتَفَى جَمِيعُ أَفْرَادِ الأَْصْنَافِ جَمِيعًا بِالْبَلَدِ، جَازَ النَّقْل إِلَى أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِ عَلَى الأَْظْهَرِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَقَال النَّخَعِيُّ: إِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ قَلِيلَةً جَازَ صَرْفُهَا إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِلاَّ وَجَبَ اسْتِيعَابُ الأَْصْنَافِ، وَقَالاَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ: إِنْ أَخْرَجَهَا الإِْمَامُ وَجَبَ اسْتِيعَابُ الأَْصْنَافِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا الْمَالِكُ جَازَ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ (413) .
التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَصَارِفِ:
184 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ يُبْدَأُ بِهِ قَبْل غَيْرِهِ فِي الإِْعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ عَنْ عَمَلِهِ، وَغَيْرُهُ يَأْخُذُ عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَإِنْ كَانَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ وَهُوَ ثُمُنُ الزَّكَاةِ قَدْرَ حَقِّهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ زَادَ عَنْ حَقِّهِ رُدَّ الْفَاضِل عَلَى سَائِرِ السِّهَامِ، وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ حَقِّهِ تُمِّمَ لَهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَقِيل: مِنْ بَاقِي السِّهَامِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعَامِل يُقَدَّمُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى سَائِرِ الأَْصْنَافِ، أَيْ مِنْ مَجْمُوعِ الزَّكَاةِ.
أَمَّا مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُقْسَمُ بَيْنَ بَاقِي الأَْصْنَافِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَنَظَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْحَاجَةِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُقَدَّمُ الْمَدِينُ عَلَى الْفَقِيرِ لأَِنَّ حَاجَةَ الْمَدِينِ أَشَدُّ، وَرَاعَى الْحَنَفِيَّةُ أُمُورًا أُخْرَى تَأْتِي فِي نَقْل الزَّكَاةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يُزَادَ فِي إِعْطَائِهِ مِنْهَا.
وَنَظَرَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ فَقَالُوا: يُقَدَّمُ الأَْحْوَجُ فَالأَْحْوَجُ اسْتِحْبَابًا، فَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ الأَْقْرَبُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ فِي الْجِوَارِ وَأَكْثَرَ دِينًا، وَكَيْفَ فَرَّقَهَا جَازَ، بَعْدَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الأَْصْنَافِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى (414) . نَقْل الزَّكَاةِ:
185 - إِذَا فَاضَتِ الزَّكَاةُ فِي بَلَدٍ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِهَا جَازَ نَقْلُهَا اتِّفَاقًا، بَل يَجِبُ، وَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا نَقْل الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِنَّمَا تُفَرَّقُ صَدَقَةُ كُل أَهْل بَلَدٍ فِيهِمْ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (415) . وَلأَِنَّ فِيهِ رِعَايَةَ حَقِّ الْجِوَارِ، وَالْمُعْتَبَرُ بَلَدُ الْمَال، لاَ بَلَدُ الْمُزَكِّي.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَنْقُلَهَا الْمُزَكِّي إِلَى قَرَابَتِهِ، لِمَا فِي إيصَال الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ. قَالُوا: وَيُقَدَّمُ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ.
وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْ أَهْل بَلَدِهِ، وَكَذَا لأَِصْلَحَ، أَوْ أَوْرَعَ، أَوْ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ إِلَى طَالِبِ عِلْمٍ (416) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْل الزَّكَاةِ إِلَى مَا يَزِيدُ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاذٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَقَال: لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلاَ آخِذَ جِزْيَةٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَقَال مُعَاذٌ: مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنِّي.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُتِيَ بِزَكَاةٍ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الشَّامِ فَرَدَّهَا إِلَى خُرَاسَانَ.
قَالُوا: وَالْمُعْتَبَرُ بَلَدُ الْمَال، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الْمَال، وَفِي النَّقْدِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الْمَالِكُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِمَّنْ هُوَ فِي الْبَلَدِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ النَّقْل مِنْهَا وَلَوْ نُقِل أَكْثَرُهَا.
186 - ثُمَّ إِنْ نُقِلَتِ الزَّكَاةُ حَيْثُ لاَ مُسَوِّغَ لِنَقْلِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، إِلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَقَلَهَا لِمِثْل مَنْ فِي بَلَدِهِ فِي الْحَاجَةِ فَتُجْزِئُهُ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَإِنْ نَقَلَهَا لأَِدْوَنَ مِنْهُمْ فِي الْحَاجَةِ لَمْ تُجْزِئْهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ وَالدَّرْدِيرُ، وَقَال الدُّسُوقِيُّ: نَقَل الْمَوَّاقُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الإِْجْزَاءُ بِكُل حَالٍ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: لاَ تُجْزِئُهُ بِكُل حَالٍ.
وَحَيْثُ نُقِلَتِ الزَّكَاةُ فَأُجْرَةُ النَّقْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لاَ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَكُونُ عَلَى الْمُزَكِّي (417) . حُكْمُ مَنْ أُعْطِيَ مِنَ الزَّكَاةِ لِوَصْفٍ فَزَال الْوَصْفُ وَهِيَ فِي يَدِهِ:
187 - مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ مَنْ يَأْخُذُ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا فَلاَ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ إِنْ كَانَ فِيهِ سَبَبُ الاِسْتِحْقَاقِ بِشُرُوطِهِ عِنْدَ الأَْخْذِ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: الْمِسْكِينُ، وَالْفَقِيرُ، وَالْعَامِل، وَالْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى، فَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ إِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ فِي وَجْهِهِ، أَوْ تَأَدَّى الْغَرَضُ مِنْ بَابٍ آخَرَ، أَوْ زَال الْوَصْفُ وَالزَّكَاةُ فِي يَدِهِ، وَهُمْ أَيْضًا أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ، عَلَى خِلاَفٍ فِي بَعْضِهَا:
1 - الْمُكَاتَبُ، فَيُسْتَرَدُّ مِنَ الْمُعْطَى مَا أَخَذَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَعْتِقَ، أَوْ عَجَزَ عَنِ الْوَفَاءِ فَلَمْ يَعْتِقْ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَكُونُ مَا أَخَذَهُ لِسَيِّدِهِ وَيَحِل لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يُسْتَرَدُّ، وَلاَ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، بَل يُنْفِقُ فِي الْمُكَاتَبِينَ (418) .
وَلاَ تَرِدُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَ صَرْفَ الزَّكَاةِ لِلْمُكَاتَبِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.
2 - الْغَارِمُ: فَإِنِ اسْتَغْنَى الْمَدِينُ الَّذِي أَخَذَ الزَّكَاةَ قَبْل دَفْعِهَا فِي دَيْنِهِ تُنْزَعُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ أُبْرِئَ مِنَ الدَّيْنِ، أَوْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، أَوْ قَضَاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا (419) .
3 - الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ: وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ لِلْغَزْوِ ثُمَّ جَلَسَ فَلَمْ يَخْرُجْ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: لَوْ خَرَجَ لِلْغَزْوِ وَعَادَ دُونَ أَنْ يُقَاتِل مَعَ قُرْبِ الْعَدُوِّ تُؤْخَذُ مِنْهُ كَذَلِكَ.
وَحَيْثُ وَجَبَ الرَّدُّ تُنْزَعُ مِنْهُ إِنْ كَانَ بَاقِيهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَنْفَقَهَا أُتْبِعَ بِهَا، أَيْ طُولِبَ بِبَدَلِهَا إِنْ كَانَ غَنِيًّا؛ لأَِنَّهَا تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.
4 - ابْنُ السَّبِيل: وَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ، مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا بِبَلَدِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي قَوْلٍ: تَمَامُ السَّنَةِ. قَالُوا: وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ لَوْ سَافَرَ ثُمَّ عَادَ وَلَمْ يَصْرِفْ مَا أَخَذَهُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا تُنْزَعُ مِنْهُ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَإِنْ كَانَ أَنْفَقَهَا لَمْ يُطَالَبْ بِبَدَلِهَا.
وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُلْزَمُ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمَا فَضَل فِي يَدِهِ (420) . حُكْمُ مَنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا:
188 - لاَ يَحِل لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ أَخْذُهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، إِجْمَاعًا. فَإِنْ أَخَذَهَا فَلَمْ تُسْتَرَدَّ مِنْهُ فَلاَ تَطِيبُ لَهُ، بَل يَرُدُّهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا؛ لأَِنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَعَلَى دَافِعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعَرُّفِ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ، فَإِنْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ كَانَ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَأَعْطَاهُ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ، إِنْ تَبَيَّنَ الآْخِذُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَالْمُرَادُ بِالاِجْتِهَادِ النَّظَرُ فِي أَمَارَاتِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَلَوْ شَكَّ فِي كَوْنِ الآْخِذِ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ كَذَلِكَ (421) .
189 - أَمَّا إِنِ اجْتَهَدَ فَدَفَعَ لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: تُجْزِئُهُ، وَقَال آخَرُونَ: لاَ تُجْزِئُهُ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَخْتَلِفُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ.
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: إِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ، أَوْ دَفَعَ فِي ظُلْمَةٍ، فَبَانَ أَنَّ الآْخِذَ أَبُوهُ، أَوِ ابْنُهُ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَال: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَال: وَاَللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (422) .
وَلأَِنَّا لَوْ أَمَرْنَاهُ بِالإِْعَادَةِ أَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا تَكَرَّرَ خَطَؤُهُ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا أَنْ يَتَبَيَّنَ الآْخِذُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلتَّمْلِيكِ أَصْلاً، نَحْوُ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الآْخِذَ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ، فَلاَ تُجْزِئُ فِي هَذَا الْحَال.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ تُجْزِئُهُ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الآْخِذَ لَيْسَ مِنَ الْمَصَارِفِ، لِظُهُورِ خَطَئِهِ بِيَقِينٍ مَعَ إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي ثِيَابٍ فَبَانَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ (423) .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ حَالَيْنِ:
الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ الإِْمَامَ أَوْ مُقَدَّمَ الْقَاضِي أَوِ الْوَصِيَّ، فَيَجِبُ اسْتِرْدَادُهَا، لَكِنْ إِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا، أَجْزَأَتْ، لأَِنَّ اجْتِهَادَ الإِْمَامِ حُكْمٌ لاَ يَتَعَقَّبُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ رَبَّ الْمَال فَلاَ تُجْزِئُهُ، فَإِنِ اسْتَرَدَّهَا وَأَعْطَاهَا فِي وَجْهِهَا، وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ الإِْخْرَاجُ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْدَادَهَا إِنْ فَوَّتَهَا الآْخِذُ بِفِعْلِهِ، بِأَنْ أَكَلَهَا، أَوْ بَاعَهَا، أَوْ وَهَبَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
أَمَّا إِنْ فَاتَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بِأَنْ تَلِفَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، فَإِنْ كَانَ غَرَّ الدَّافِعَ بِأَنْ أَظْهَرَ لَهُ الْفَقْرَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا أَيْضًا، أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَّهُ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ (424) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ الاِسْتِرْدَادُ، وَعَلَى الآْخِذِ الرَّدُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا زَكَاةٌ أَمْ لاَ، فَإِنِ اسْتُرِدَّتْ صُرِفَتْ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاِسْتِرْدَادُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَهَا الإِْمَامُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَهَا الْمَالِكُ ضَمِنَ، وَهَذَا هُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ، وَفِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَالٌ أُخْرَى (425) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ بَانَ الآْخِذُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ هَاشِمِيًّا، أَوْ قَرَابَةً لِلْمُعْطِي مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، فَلاَ تُجْزِئُ الزَّكَاةُ عَنْ دَافِعِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، وَلاَ تَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا، فَلَمْ يَجْزِهِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، كَدُيُونِ الآْدَمِيِّينَ.
أَمَّا إِنْ كَانَ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا فَكَذَلِكَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالأُْخْرَى يُجْزِئُهُ، لِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: قَال رَجُلٌ: لأََتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ. . . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَأُتِيَ فَقِيل لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، لَعَل الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ (426) . وَلأَِنَّ حَالَهُ تَخْفَى غَالِبًا (427) .
مَنْ لَهُ حَقُّ طَلَبِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا:
190 - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ طَلَبِهِمُ الزَّكَاةَ بِالرَّغْمِ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَحِل لَهُ طَلَبُ الزَّكَاةِ هُوَ مَنْ لاَ شَيْءَ لَهُ لِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ فَيَحْتَاجُ لِلسُّؤَال لِقُوتِهِ، أَوْ مَا يُوَارِي بَدَنَهُ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِهِمُ الْمُسَمَّى مِسْكِينًا، وَكَذَا لاَ يَحِل السُّؤَال لِمَنْ لاَ يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ، أَمَّا الْفَقِيرُ وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِهِمْ مَنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ لِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، فَلاَ يَحِل لَهُ سُؤَال الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَحِل لَهُ أَخْذُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا (428) عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ: مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ أُبِيحَ لَهُ طَلَبُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: يَحْرُمُ طَلَبُهَا عَلَى مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُهُ كُل يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَل أَكْثَرَ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَإِنْ خَافَ أَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يُعْطِيهِ أُبِيحَ لَهُ السُّؤَال أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (429) .
__________
(1) سورة الكهف / 81.
(2) سورة النور / 21.
(3) سورة النور / 21.
(4) لسان العرب.
(5) العناية بهامش فتح القدير 1 / 481 ط بولاق، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 431 نشر عيسى الحلبي بالقاهرة، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 2 القاهرة، عيسى الحلبي.
(6) فتح الباري 3 / 62، القاهرة، المكتبة السلفية 1371 هـ.
(7) حديث: " ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ". أخرجه البخاري (3 / 323 - ط السلفية) .
(8) لسان العرب مادة: (صدق) .
(9) سورة النور / 56.
(10) سورة التوبة / 11.
(11) سورة التوبة / 34 - 35.
(12) حديث: " ما أديت زكاته فليس بكنز ". أخرجه الحاكم (1 / 390 - ط دائرة المعارف العثمانية) مرفوعًا بلفظ: " إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره " وصححه، وأقره الذهبي، وذكره ابن أبي حاتم في " علل الحديث " (1 / 223 - ط السلفية) بلفظ: " ما أدي زكاته فليس كنزًا " وصوب وقفه على جابر بن عبد الله.
(13) حديث: " بني الإسلام على خمس. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 49 - ط السلفية) ومسلم (1 / 45 - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
(14) حديث: " أعلمهم أن الله افترض عليهم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 261 - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
(15) حديث: " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 268 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(16) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 262 - ط السلفية) .
(17) فتح القدير 1 / 481، والمغني لابن قدامة 2 / 572 ط ثالثة، القاهرة، دار المنار 1367 هـ، وفتح الباري 3 / 262 القاهرة، المطبعة السلفية 1371 هـ.
(18) سورة الأنبياء / 73.
(19) سورة البلد / 11 - 16.
(20) سورة المعارج / 24 - 25.
(21) حديث قيس بن سعد: " أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر " أخرجه النسائي (5 / 49 - ط المكتبة التجارية) . وصححه ابن حجر في الفتح (3 / 267 - ط السلفية) . وانظر فتح الباري 3 / 266 (ك الزكاة ب1) القاهرة، المكتبة السلفية، 1373 هـ، وروضة الطالبين للنووي 10 / 206 بيروت، المكتب الإسلامي.
(22) سورة البقرة / 110.
(23) حديث: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن. . . " تقدم تخريجه ف / 4.
(24) الحديث القدسي: " ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ. . . " أخرجه البخاري (الفتح 11 / 341 - ط السلفية) .
(25) سورة التوبة / 103.
(26) حجة الله البالغة 2 / 39، 40، بيروت، دار المعرفة، بالتصوير عن ط القاهرة.
(27) حديث: " ألا من ولي يتيمًا له مال. . . " أخرجه الترمذي (3 / 14 - ط الحلبي) وضعفه، ولكن أخرج البيهقي (4 / 107 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عمر موقوفًا عليه: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ". وقال: وهذا إسناد صحيح.
(28) حديث: " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته ". أخرجه مسلم (2 / 682 - ط الحلبي) .
(29) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا. . . " تقدم تخريجه ف / 4.
(30) حديث: " في كل سائمة إبل في كل أربعين بنت لبون " أخرجه أبو داود (2 / 233 - 234 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده حسن.
(31) حديث: " ليس في المال حق سوى الزكاة ". أخرجه ابن ماجه (1 / 570 - ط الحلبي) من حديث فاطمة بنت قيس، وذكره ابن حجر في التلخيص الحبير (2 / 160 - ط شركة الطباعة الفنية) وضعف أحد رواته.
(32) المغني لابن قدامة 2 / 572 - 574، والمجموع شرح المهذب 5 / 334.
(33) حديث: " ألا من ولي يتيمًا له مال فليتجر فيه ولا يتركه. . . " أخرجه الترمذي (3 / 24 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر، وقال: وفي إسناده مقال، لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث.
(34) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله. . . " أخرجه أبو داود (4 / 559 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (2 / 59 - ط دائر المعارف العثمانية) من حديث علي بن أبي طالب، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(35) المغني 2 / 622، وفتح القدير والعناية على الهداية 1 / 483 وما بعدها، وبدائع الصنائع 2 / 4، 5 القاهرة، شركة المطبوعات العلمية، 1327 هـ، والدسوقي 1 / 455، والمجموع 5 / 329 - 331.
(36) المجموع 5 / 330.
(37) وبناء على هذا قال الشافعية: لو قال قوم من الكفار: نؤدي الجزية باسم زكاة لا جزية، فللإمام إجابتهم إلى ذلك ويضعف عليهم الزكاة (شرح المنهاج 4 / 333) .
(38) فتح القدير 2 / 13، والمغني 8 / 514.
(39) المجموع 5 / 328، والمغني 3 / 50، وبدائع الصنائع 2 / 4، 65.
(40) بدائع الصنائع 2 / 4، والمجموع 5 / 337، والمغني 2 / 688.
(41) حديث: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " أخرجه أبو داود (2 / 230 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب بلفظ: " ليس في مال زكاة. . . "، وأورده ابن حجر في التلخيص (2 / 156 - ط شركة الطباعة) بلفظ الموسوعة، وقال عن إسناده: لا بأس به.
(42) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 503، والمغني 2 / 681، 682، وشرح المنهاج مع حاشية عميرة 2 / 42، ومغني المحتاج 1 / 413.
(43) مطالب أولي النهى 2 / 16، وشرح المنتهى 1 / 368.
(44) فتح القدير 1 / 496، والدسوقي 1 / 439، ونهاية المحتاج 3 / 61، والمغني 2 / 619.
(45) حديث: " لا يفرق بين مجتمع ولا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 314 - ط السلفية) من حديث أنس.
(46) شرح المنتهى 1 / 385، والمغني 2 / 617.
(47) بدائع الصنائع 2 / 9.
(48) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي 1 / 459، 485.
(49) مطالب أولي النهى 2 / 16، والمجموع 5 / 339.
(50) بدائع الصنائع 2 / 9، والمغني 3 / 48.
(51) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 457، 458.
(52) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 39، 40، والمغني 3 / 48.
(53) الدسوقي 1 / 458.
(54) المغني 3 / 50.
(55) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 481.
(56) المصدر نفسه 1 / 480.
(57) المغني 3 / 46، وشرح المنهاج 2 / 40.
(58) الدسوقي 1 / 466، والزرقاني 2 / 151، بيروت، دار الفكر، عن طبعة القاهرة.
(59) المغني 3 / 46، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي 20 / 40، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 6.
(60) المغني 3 / 47، وشرح المنهاج 2 / 40.
(61) الدر المختار وحاشية ابن عابدين 2 / 35، 36.
(62) البدائع 2 / 6، والمغني 3 / 47.
(63) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي1 / 484، والمنهاج وشرحه وحاشية القليوبي 2 / 41.
(64) المغني 3 / 47، وشرح المنهاج 2 / 39.
(65) فتح القدير 1 / 482.
(66) ابن عابدين 2 / 8، والبدائع 2 / 11.
(67) العناية 1 / 487.
(68) الهداية 2 / 490، والقوانين الفقهية 107، وكشاف القناع 2 / 167.
(69) الهداية وفتح القدير 1 / 487، والدر المختار ورد المحتار 2 / 6.
(70) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 443.
(71) حديث: " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ". تقدم تخريجه ف / 14.
(72) سورة الأنعام / 141.
(73) المغني 2 / 625، والشرح الكبير للدردير 1 / 456، 457.
(74) حديث: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ". تقدم تخريجه ف / 14.
(75) حديث: " من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى. . . " أخرجه الترمذي (3 / 17 - ط الحلبي) من حديث ابن عمر، وضعف أحد رواته، ثم رواه موقوفًا على ابن عمر. وذكر أن الموقوف أصح من المرفوع.
(76) سورة الحج / 78.
(77) الثنى بكسر ففتح: تكرار الصدقة في المال الواحد لعام واحد. وروضة الطالبين 3 / 85.
(78) المغني 2 / 626، 3 / 32، وفتح القدير 1 / 510، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 432.
(79) حديث: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " تقدم تخريجه ف / 14.
(80) المغني 2 / 629، وابن عابدين 2 / 33، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 431.
(81) شرح المنهاج 2 / 14.
(82) الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 431، 461، 462.
(83) حديث: " إذا كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه " ذكره ابن قدامة في المغني (3 / 41 - ط الرياض) ولم يعزه إلى أي من المصادر الحديثية.
(84) حديث: " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم ". لم نره في المصادر الحديثية التي بين أيدينا بهذا اللفظ، وإنما المعروف هو ما أخرجه البخاري (الفتح 3 / 261 - ط السلفية) وغيره من حديث ابن عباس " وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ".
(85) المغني 3 / 41، والدسوقي 1 / 431، وابن عابدين 2 / 4، 7، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 2 / 40.
(86) المغني 3 / 42، والفروع 2 / 331، وابن عابدين 2 / 6، والدسوقي 1 / 481، وشرح المنهاج 2 / 14.
(87) ابن عابدين 2 / 5 - 6.
(88) الدسوقي على الشرح الكبير 6 / 483.
(89) المغني 3 / 45.
(90) الدسوقي 1 / 483، وفتح القدير 5 / 506، والمغني 3 / 44.
(91) الشرح الكبير والدسوقي 1 / 484.
(92) ابن عابدين 2 / 8، والمغني 3 / 44، والفروع 2 / 332، وشرح المنتهى 1 / 385.
(93) سورة التوبة / 103.
(94) حديث: " لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غُلول ". أخرجه مسلم (1 / 204 - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
(95) ابن عابدين 2 / 25، والشرح الصغير للدردير 1 / 206، والمجموع للنووي 9 / 353، وكشاف القناع 4 / 115.
(96) ابن عابدين 2 / 25، 26.
(97) المجموع 5 / 341، وشرح منتهى الإرادات 1 / 365.
(98) الهداية على البداية مع فتح القدير 1 / 504.
(99) حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: " في كل سائمة إبل في كل أربعين بنت لبون ". أخرجه أبو داود (2 / 233 - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(100) حديث: " في كل خمس من الإبل السائمة شاة ". أخرجه الحاكم (1 / 396 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عمرو بن حزم، وصححه الإمام أحمد كما في نصب الراية (2 / 368 - ط المجلس العلمي) .
(101) الهداية وفتح القدير 1 / 509، والمغني 2 / 577.
(102) شرح المنهاج والقليوبي عليه 2 / 14.
(103) سورة النساء / 23.
(104) الدسوقي على الشرح الكبير وتقرير الشيخ عليش 1 / 432.
(105) شرح فتح القدير 1 / 509، وشرح المنهاج مع القليوبي 2 / 15، والمغني 2 / 576.
(106) حديث: " ليس في العوامل والحوامل والبقرة المثيرة شيء ". أورده ابن الهمام في شرح فتح القدير (1 / 509 - ط الميمنية) ولم يعزه لأحد، وذكره الزبيدي في عقود الجواهر المنيفة (ص 106 - ط مطبعة الشبان بمصر) بلفظ: " ليس في العوامل والحوامل صدقة "، وعزاه إلى مسند أبي حنيفة، ونقل عن ابن حجر أنه لم ير لفظة " الحوامل " في الحديث.
(107) حديث: " ليس في البقر العوامل شيء ". أخرجه أبو داود (2 / 229 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والدارقطني (2 / 103 - ط دار المحاسن) من حديث علي بن أبي طالب، واللفظ للدارقطني وصححه ابن القطان كما في نصب الراية (2 / 353 - ط المجلس العلمي) .
(108) حديث: " في كل خمس ذود شاة ". أخرجه أحمد (1 / 11 - ط الميمنية) من حديث أنس، وإسناده صحيح.
(109) الدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 432.
(110) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 443، 444، 446.
(111) المغني 2 / 594، وابن عابدين على الدر 2 / 18.
(112) ابن عابدين 2 / 18، والشرح الكبير للدردير 1 / 432، وشرح المنهاج 2 / 3، والمغني 2 / 595.
(113) المغني 2 / 579 - 581، وشرح المنهاج 2 / 4.
(114) حديث أنس: " أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 317 - 318 - ط السلفية) .
(115) حديث أنس: " من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 316 - ط السلفية) .
(116) المغني 2 / 577 - 586، وشرح المنهاج 2 / 3، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 434.
(117) العناية بهامش الهداية وفتح القدير 1 / 497، والهداية 1 / 494 - 497. وحديث: عمرو بن حزم في كتاب الصدقات تقدم ف / 5.
(118) الزرقاني 2 / 119، وروضة الطالبين 3 / 166، والفروع 2 / 370.
(119) الزرقاني 2 / 119، والمجموع 5 / 397، والمغني 2 / 578.
(120) المغني 2 / 582.
(121) حديث أبي بن كعب: " ذاك الذي عليك ". أخرجه أبو داود (2 / 241 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 399 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
(122) الزرقاني 2 / 117، وروضة الطالبين 2 / 154، والمغني 2 / 578.
(123) ابن عابدين 2 / 22.
(124) حديث: " أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كال حالم دينارًا ". أخرجه أبو داود (2 / 234 - 235 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 398 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
(125) حديث معاذ: " أمرني رسول الله أن لا آخذ فيما بين ذلك ". أخرجه أحمد (5 / 240 - ط الميمنية) وفي إسناده انقطاع بين معاذ والراوي عنه وهو يحيى بن الحكم كما في " التعجيل " لابن حجر (ص 442 - ط دائرة المعارف العثمانية) .
(126) المغني 2 / 592 - 594، والشرح الكبير 1 / 434، وشرح المنهاج 2 / 8.
(127) ابن عابدين 2 / 18، والشرح الكبير 1 / 434، وشرح المنهاج 2 / 9، والمغني 2 / 592.
(128) ابن عابدين 2 / 18، والشرح الكبير 1 / 435، وشرح المنهاج 2 / 9، والمغني 2 / 592، 593.
(129)
(130) المراجع السابقة.
(131) ابن عابدين 2 / 18، 19، والمغني 2 / 596.
(132) ابن عابدين 2 / 19، والشرح الكبير 1 / 435، والمجموع 5 / 422، والمغني 2 / 598.
(133) ابن عابدين على الدر 2 / 9، وفتح القدير 1 / 501، والشرح الكبير 1 / 435، وشرح المنهاج 2 / 9، والمغني 2 / 602.
(134) ابن عابدين 2 / 18، 19، والدسوقي 1 / 435، وشرح المنهاج 2 / 9، والمغني 2 / 583، 594، 607.
(135) ابن عابدين 2 / 18، 19، والمغني 2 / 605، 606. .
(136) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 9، والمغني 2 / 583، 594، 607.
(137) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 436.
(138) حديث: " ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان. . . " أخرجه أبو داود (2 / 240 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث غاضرة بن قيس، وفي إسناده انقطاع، ولكن وصله الطبراني في معجمه الصغير (1 / 334 - ط المكتب الإسلامي) .
(139) حديث: " إياك وكرائم أموالهم ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 357 - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
(140) المغني 2 / 600 - 603، وابن عابدين 2 / 18، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 435، وشرح المنهاج 2 / 10.
(141) حديث: " ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 327 - ط السلفية) ومسلم (2 / 676 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، ولفظ مسلم: " وعبده ".
(142) حديث: " قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق ". أخرجه الترمذي (3 / 16 - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب، ونقل عن البخاري أنه صححه.
(143) حديث: " الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 45 - 46 - ط السلفية) ومسلم (2 / 683 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(144) المغني 2 / 620، وفتح القدير 1 / 502، 503، وشرح المنهاج 2 / 3، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 435 وما بعدها.
(145) المغني 2 / 620، والمجموع 5 / 339.
(146) حديث: " سئل عن الخيل "، شطر من الحديث المتقدم في ف / 65.
(147) سورة التوبة / 34، 35.
(148) حديث: " ما أديت زكاته فليس بكنز " تقدم ف / 4.
(149) حديث: " ما من صاحب ذهب ولا فضة ". أخرجه مسلم (2 / 680 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(150) فتح القدير 1 / 524، والشرح الكبير للدردير 1 / 459، والقليوبي 2 / 22.
(151) المثقال عيار إسلامي يساوي وزن درهم وثلاثة أسباع درهم أو وزن 100 (مائة) حبة شعير (العناية 1 / 24) أو 4. 25 غرامًا، والدينار اسم للعملة الذهبية التي وزنها مثقال (انظر مصطلح: مقادير) .
(152)
(153) المغني 3 / 4، وفتح القدير 1 / 524، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 455، وشرح المنهاج 2 / 2.
(154) حديث: " ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب. . . " أخرجه الدارقطني (2 / 93 - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال ابن حجر: إسناده ضعيف، كذا في التلخيص الحبير (2 / 173 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(155) حديث: " كان يأخذ من كل عشرين دينارًا فصاعدًا ". أخرجه ابن ماجه (1 / 571 - ط الحلبي) وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 316 - ط دائرة الجنان) .
(156) المصباح مادة: (ورق) .
(157) الدرهم الشرعي الذي يقدر به نصاب يساوي 7 / 10 (سبعة أعشار مثقال) فيكون ثلاثة غرامات تقريبًا، (انظر مصطلح: مقادير) .
(158) حديث: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 323 - ط السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري.
(159) حديث: " في الرقة ربع العشر ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 318 - ط السلفية) من حديث أنس.
(160) شرح فتح القدير (1 / 524، 522، وابن عابدين 2 / 30، والمغني 3 / 2، والشرح الكبير 1 / 455.
(161) سبق تخريجه ف / 70.
(162) فتح القدير 1 / 523، والشرح الكبير والدسوقي 1 / 456، وشرح المنهاج 2 / 22، والمجموع 6 / 8، والمغني 3 / 5، وشرح المنهاج 1 / 402.
(163) فتح القدير 1 / 523، وشرح المنهاج 2 / 22، والمغني 3 / 6.
(164) حديث: " إذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك ". أخرجه أبو داود (2 / 228 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب، وصححه ابن القطان كما في نصب الراية (3 / 353 - ط المجلس العلمي) .
(165) فتح القدير 1 / 520، 521، وابن عابدين 2 / 31، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 455، وشرح المنهاج 2 / 22، والمغني 3 / 6.
(166) حديث: " ليس فيما دون الأربعين صدقة ". أورده الزيلعي في نصب الراية (2 / 367 - ط المجلس العلمي) وذكر أن عبد الحق الإشبيلي أورده في الأحكام بهذا اللفظ، وأنه لم يعزه إلى أحد، وقال الزيلعي: والموجود في كتاب عمرو بن حزم: " وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراه وهو في المستدرك للحاكم (1 / 396 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الإمام أحمد كما في نصب الراية.
(167) حديث: " أمر معاذًا أن لا يأخذ من الكسور شيئا ". أخرجه الدارقطني (2 / 93 - دار المحاسن) وأعله بضعف راو فيه وبالانقطاع بين معاذ والراوي عنه.
(168) ابن عابدين 2 / 32، والفتاوى الهندية 1 / 179.
(169) البناني بهامش الزرقاني 2 / 141، والدسوقي 1 / 419 وقد لاحظ الشيخ محمد حسنين مخلوف أن قول المالكية المذكور حين كان التعامل ينفرد بالذهب والفضة، فإن في زكاتهما ما يكفي الفقراء، أما حيث انتهى التعامل بهما أو قل، فحاجة الفقير تقتضي إلحاق الفلوس بها نظرا للفقراء. والله أعلم. (التبيان في زكاة الأثمان للش
(170) كشاف القناع 2 / 235 الرياض مكتبة النصر الحديثة، ومطالب أولي النهى 2 / 89.
(171) المجموع 6 / 6.
(172) سورة الذاريات / 19.
(173) العقود الياقوتية ص 213.
(174) حديث: " ليس فيما دون. . . " سبق تخريجه ف / 70.
(175) ابن عابدين 2 / 34، والمجموع 6 / 18، والمغني 3 / 2، 3، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 455.
(176) شرح المنهاج 2 / 27.
(177) لسان العرب.
(178) حديث: " ليس الغنى عن كثرة العرض ". أخرجه البخاري (الفتح11 / 271 - ط السلفية) ومسلم (2 / 726 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(179) شرح فتح القدير 1 / 526.
(180) سورة البقرة / 267.
(181) حديث سمرة: " كان النبي ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع ". أخرجه أبو داود (2 / 212 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال ابن حجر: في إسناده جهالة، كذا في التلخيص (2 / 179 - طبع شركة الطباعة الفنية) .
(182) حديث أبي ذر مرفوعًا: " في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقتها ". أخرجه الدارقطني (2 / 101 طبع دار المحاسن) من حديث أبي ذر وقال ابن حجر: إسناده لا بأس به، كذا في التلخيص (2 / 179 ط شركة الطباعة الفنية) .
(183) حديث: " لا ثنى في الصدقة " أخرجه ابن أبي شيبة (3 / 218 - ط الدار السلفية) من حديث فاطمة.
(184) الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 472، والمغني 3 / 34، 35، وشرح المنهاج 2 / 31، والمجموع 6 / 50.
(185) الدسوقي 1 / 472، 461.
(186) شرح منتهى الإرادات 1 / 404، 405.
(187) حاشية ابن عابدين 3 / 30.
(188) المجموع 6 / 53.
(189) ابن عابدين 2 / 10، 15.
(190) الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 475.
(191) المنهاج وشرحه والقليوبي 2 / 30، والمغني 3 / 35.
(192) شرح منتهى الإرادات 1 / 408، (وجرى فيه على قول القاضي، أما المغني فجرى على القول الثاني) .
(193) ابن عابدين 2 / 13، 14، وشرح المنهاج 2 / 29، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي 1 / 472، والمغني 3 / 31، وشرح المنتهى 1 / 407.
(194) حديث: " أمرنا النبي ﷺ أن نخرج الصدقة " تقدم تخريجه (ف / 78) .
(195) ابن عابدين 2 / 10، 13، وفتح القدير 1 / 527، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 472، 476، وشرح المنهاج 2 / 28، والمغني 3 / 31.
(196) الهداية وفتح القدير 1 / 527، وشرح المنهاج 2 / 30، وشرح منتهى الإرادات 1 / 8، والمغني 3 / 33.
(197) فتح القدير 1 / 528، وابن عابدين 2 / 33، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 473، وشرح المنهاج 2 / 28، والمغني 3 / 32.
(198) الدسوقي والشرح الكبير 1 / 473، والمغني 2 / 30.
(199) الشرح الكبير 1 / 473، 474، والمغني 2 / 30، وبداية المجتهد 1 / 260، 261 مطبعة الاستقامة، والأموال لأبي عبيد ص 426 نشر حامد الفقي، وفتاوى ابن تيمية 25 / 16.
(200) الهندية 1 / 180.
(201) شرح المنهاج 2 / 27، وتحفة المحتاج 3 / 297، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 477، والفروع 2 / 513، وشرح منتهى الإرادات 1 / 89.
(202) الدسوقي 1 / 474، والبناني على الزرقاني 2 / 7.
(203) فتح القدير 1 / 527.
(204) فتح القدير 1 / 527، وابن عابدين 2 / 31.
(205) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 475، والمجموع 6 / 67.
(206) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 474.
(207) حاشية الدسوقي 1 / 474.
(208) الدسوقي والشرح الكبير 1 / 474، والزرقاني وحاشية البناني 2 / 157.
(209) فتح القدير 1 / 537، والمغني 3 / 31، والحطاب 2 / 358، والمجموع 6 / 68، وبداية المجتهد 1 / 269 بيروت، دار المعرفة عن طبعة القاهرة.
(210) فتح القدير 1 / 531، 532.
(211) الزرقاني 2 / 160.
(212) المنهاج وشرحه 2 / 31.
(213) المغني 3 / 38، 39، والإنصاف 3 / 17 القاهرة، دار إحياء التراث العربي، بتصحيح محمد حامد الفقي.
(214) حديث: " الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب ". أخرجه الدارقطني (2 / 94 - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وضعفه ابن حجر في التلخيص (2 / 166 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(215) حديث: " العشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير ". أخرجه الدارقطني (2 / 93 - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده ضعف، ولكن ذكر ابن حجر في التلخيص (2 / 164 - ط شركة الطباعة الفنية) أن البيهقي رواه بمعناه من طرق مرسلة، ونقل عنه أنه قال: " هذه المراسيل طرقها مختلفة، وهي يؤكد بعضها بعضا ".
(216) حديث عمر: " إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة " أخرجه الدارقطني (2 / 96 - ط دار المحاسن) ، وفيه انقطاع كما في التلخيص لابن حجر (2 / 166 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(217) حديث أبي موسى ومعاذ: " أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس ". أخرجه الحاكم (1 / 401 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
(218) حديث: " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 347 - ط السلفية) من حديث ابن عمر.
(219) ابن عابدين 2 / 49، 50.
(220) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 447.
(221) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 16.
(222) المغني 2 / 690، وشرح منتهى الإرادات 1 / 388.
(223) حديث: ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة " أخرجه مسلم (2 / 674 - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد.
(224) شرح منتهى الإرادات 1 / 388.
(225) المغني 2 / 691.
(226) حديث: " ليس في الخضروات صدقة ". أخرجه الدارقطني (2 / 96 - دار المحاسن) من حديث أنس بن مالك، وضعف أحد رواته، لكن قال البيهقي في سننه (4 / 129 - ط دائرة المعارف العثمانية) بعد أن ذكر بعض طرقه: " هذه الأحاديث كلها مراسيل، إلا أنها من طرق مختلفة فبعضها يؤكد بعضًا ".
(227) شرح منتهى الإرادات 1 / 388، وشرح المنهاج 2 / 16.
(228) سورة الأنعام / 141.
(229) المغني 2 / 694، وشرح المنهاج 2 / 16، والشرح الكبير للدردير 1 / 447.
(230) سورة الأنعام / 141.
(231) المغني 6 / 696.
(232) قال الخليل: الوسق: حمل البعير، والوقر: حمل الحمار أو البغل (اللسان) وأوسق البعير ووسقه حمله.
(233) حديث: " ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة ". تقدم تخريجه ف / 98.
(234) الصاع مكيال يتسع لما مقداره 2. 170 كيلو غراما من القمح ونحوه، فنصاب القمح ونحوه 653 كيلو جرامًا (فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي 1 / 373) .
(235) ابن عابدين 2 / 49.
(236) ابن عابدين 1 / 49.
(237) شرح المنهاج 2 / 17، والمغني 2 / 696، 731، وشرح المنتهى 1 / 390، والشرح الكبير 1 / 450، 454.
(238) شرح المنهاج 2 / 18.
(239) الشرح الكبير 1 / 450، والمغني 2 / 733.
(240) شرح المنهاج 2 / 17، والمغني 2 / 698، وشرح المنتهى 1 / 393، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 450، 447، 448.
(241) الشرح الكبير 1 / 451، 454، وشرح المنهاج 2 / 20، والمغني 2 / 702، 711، وشرح المنتهى 1 / 390، 392، وابن عابدين 2 / 53.
(242) المغني 2 / 726، 727، وابن عابدين 2 / 49، وشرح منتهى الإرادات 1 / 395.
(243) الدر وابن عابدين 2 / 55، والدسوقي 1 / 447، والمغني 2 / 726.
(244) المغني 2 / 728، وابن عابدين 2 / 56.
(245) الحطاب والتاج والإكليل 5 / 380 - 381، وانظر المدونة 5 / 12.
(246) الفتاوى الهندية 1 / 187، والفتاوى الخانية بهامش الهندية 1 / 271 - 272.
(247) الخرشي 2 / 180، والدسوقي 1 / 457.
(248) شرح المنتهى 1 / 395.
(249) الدر المختار وحاشية ابن عابدين 2 / 49، والدسوقي 1 / 447، والمغني 2 / 693، وشرح المنتهى 1 / 392.
(250) سورة القلم / 19، 20.
(251) ابن عابدين 2 / 37، و2 / 21 و5 / 156، والدسوقي 1 / 437 وانظر أيضًا تقرير الشيخ عليش على حاشية الدسوقي 1 / 431، ومغني المحتاج 1 / 379، وفتح العزيز 5 / 493، وشرح المنهاج 2 / 14، والمغني 2 / 676.
(252) حديث: " فيما سقت السماء والعيون. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 347 - ط السلفية) من حديث ابن عمر.
(253) المغني 2 / 698، و699، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 449، وحاشية ابن عابدين 2 / 49 - 51، وشرح المنهاج 18، 19.
(254) ابن عابدين 2 / 51.
(255) المغني 2 / 727.
(256) المغني 2 / 712 والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 448.
(257) المغني 2 / 713.
(258) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رسول الله ﷺ كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل ". أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (ص 598 - ط نشر دار الفكر) . وأعل بالإرسال كما في التلخيص لابن حجر (2 / 168 - ط شركة الطباعة) . ولكن أورد له ما يقويه
(259) حديث أبي سيارة أنه قال: " قلت: يا رسول الله، إن لي نحلاً ". أخرجه ابن ماجه (1 / 584 - ط الحلبي) وأعله البوصيري بالانقطاع كما في الزوائد (1 / 320 - ط دار الجنان) .
(260) المغني 2 / 714، وابن عابدين 2 / 49، والأم للشافعي 2 / 33، ط بولاق 1321 هـ.
(261) فتح القدير 2 / 6، والمغني 2 / 714.
(262) المراجع السابقة.
(263) كشاف القناع 2 / 205، ومطالب أولي النهى 2 / 57، 74، والأم للشافعي 2 / 3، والهداية وفتح القدير 2 / 6.
(264) المغني 3 / 17 - 27، وابن عابدين 2 / 43 - 49، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 486 - 492، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 2 / 25.
(265) المغني 3 / 27، والأموال لأبي عبيد ص346، والأم للشافعي 2 / 33، وفتح القدير 1 / 542.
(266) الشرح الكبير 1 / 492.
(267) حديث: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 9 - ط السلفية) . ومسلم (3 / 1515 - 1516 - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.
(268) ابن عابدين 2 / 4، والمغني 2 / 638، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 500، وشرح المنهاج 2 / 43.
(269) شرح منتهى الإرادات 1 / 419.
(270) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 500، وشرح المنهاج 2 / 43، وابن عابدين 2 / 11.
(271) شرح المنهاج 2 / 43، وابن عابدين 2 / 11، وفتح القدير 1 / 493.
(272) المغني 2 / 639، وابن عابدين 2 / 12.
(273) المغني 2 / 640، وشرح المنهاج 2 / 43.
(274) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 43، والمغني 2 / 640، 641، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 503.
(275) حديث: " أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته ". أخرجه الترمذي (3 / 54 - ط الحلبي) والحاكم (3 / 332 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث علي بن أبي طالب، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(276) حديث: " إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام ". أخرجه الترمذي (3 / 54 - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده جهالة الراوي عن علي، ولكن قوى متنه ابن حجر لطرقه كما في فتح الباري (3 / 334 - ط السلفية) .
(277) المغني 2 / 629، 631، وفتح القدير 1 / 517، 518، وشرح المنهاج 2 / 44، 45.
(278) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 501، 502، و431، وبداية المجتهد 1 / 266.
(279) المغني 2 / 684، والشرح الكبير 1 / 500، 504، وابن عابدين 2 / 13، وشرح المنهاج والقليوبي 2 / 42.
(280) حديث: " دين الله أحق أن يقضى ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 192 - ط السلفية) ومسلم (2 / 804 - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(281) ابن عابدين 2 / 28، 54 و5 / 415 القاهرة، مطبعة بولاق، والدسوقي مع الشرح الكبير 4 / 441، والمجموع 5 / 335، والمغني 2 / 683، وشرح المنهاج 2 / 41.
(282) المغني 2 / 679 - 680 و688، والمجموع للنووي 5 / 337 مع فتح العزيز للرافعي القاهرة، المنيرية.
(283) فتح القدير 1 / 483.
(284) المغني 3 / 8، والدسوقي والشرح الكبير 1 / 499.
(285) حديث: " في مائتي درهم خمسة دراهم وفي أربعين شاة شاة " أخرجه أحمد (3 / 35 - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3 / 72 - 73 - ط القدسي) وقال: رجاله رجال الصحيح.
(286) حديث أبي بكر: " هذه الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ "، أخرجه أبو داود (2 / 218 - 219 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه النووي في المجموع (5 / 429 - ط المنيرية) .
(287) حديث: " خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من. . . " أخرجه أبو داود (2 / 253 - 254 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، وأعله ابن حجر بالانقطاع بين معاذ والراوي عنه وهو عطاء بن يسار، كذا في التلخيص الحبير (2 / 170 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(288) المغني 3 / 65، والمجموع 5 / 428 وما بعدها.
(289) حديث: " من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 316 - ط السلفية) .
(290) فتح القدير 1 / 495، 507، 508، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 502، ومجموع الفتاوى الكبرى 25 / 46 ط الرياض، 1382 هـ.
(291) المغني 2 / 653، وحاشية الدسوقي 1 / 494، والمجموع 6 / 211، والفتاوى الخانية 1 / 263 - 264.
(292) ابن عابدين 2 / 39.
(293) فتاوى عليش 1 / 139، 140.
(294) المجموع 5 / 541، 542، والزواجر لابن حجر 1 / 149 المطبعة الأزهرية.
(295) مطالب أولي النهى 2 / 133، بيروت، المكتب الإسلامي، 1380 هـ.
(296) فتاوى ابن تيمية 25 / 93 طبع الرياض سنة 1382 هـ.
(297) سورة البقرة / 267.
(298) سورة آل عمران / 92.
(299) سورة البقرة / 271.
(300) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3 / 332 - 334، القاهرة، دار الكتب، والمجموع للنووي 6 / 33.
(301) سورة البقرة / 264.
(302) الشرح الكبير 1 / 498.
(303) الشرح الكبير 1 / 498.
(304) المغني 2 / 647، والشرح الكبير 1 / 500.
(305) المجموع 6 / 233.
(306) الشرح الكبير 1 / 498، شرح المنهاج 2 / 42.
(307) فتح القدير 1 / 515، والمغني 2 / 686، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 503، وشرح المنهاج والقليوبي 2 / 46.
(308) المغني 2 / 686، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 503.
(309) العناية على الهداية بهامش فتح القدير 1 / 487.
(310) سورة التوبة / 103.
(311) المجموع 6 / 167، 168، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 443.
(312) المغني 2 / 572 - 575، وشرح منتهى الإرادات 1 / 417.
(313) المغني 2 / 641 - 643، وفتح القدير والعناية 1 / 487، 488، والدسوقي 1 / 503.
(314) الدسوقي 1 / 432، والأحكام السلطانية للماوردي ص 113 القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، 1327 هـ.
(315) المغني 2 / 644، وشرح المنهاج 2 / 42، وتحفة المحتاج 3 / 344.
(316) الدسوقي 1 / 503.
(317) فتح القدير 1 / 512، وحاشية ابن عابدين 2 / 24، والفتاوى الهندية 1 / 190.
(318) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 502، 504.
(319) القليوبي 2 / 42، 43، وتحفة المحتاج 3 / 344، ومغني المحتاج 1 / 414.
(320) شرح منتهى الإرادات 1 / 419، والمغني 2 / 644.
(321) استعماله ﷺ لابن اللتبية. أخرج حديثه البخاري (الفتح 5 / 220 - ط السلفية) من حديث أبي حميد الساعدي، ومسلم (3 / 1463 - ط الحلبي) .
(322) المجموع للنووي 6 / 167 - 169، والقليوبي 3 / 203، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 443، 495، والمغني 2 / 706، وابن عابدين 2 / 38.
(323) المجموع 6 / 178.
(324) المجموع 6 / 170. وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 2 / 15 و3 / 203.
(325) حاشية الدسوقي 1 / 495، وابن عابدين 2 / 38، والمغني 2 / 654.
(326) المخيط: الإبرة.
(327) حديث: " من استعملناه منكم على عمل ". أخرجه مسلم (3 / 1464 - ط الحلبي) .
(328) حديث أبي حميد الساعدي. أخرجه البخاري (الفتح 5 / 220 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1463 - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(329) سورة التوبة / 103.
(330) حديث: " كان إذا أتاه قوم بصدقتهم ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 361 - ط السلفية) .
(331) المجموع 6 / 169 - 171، والمغني 2 / 645.
(332) المجموع 6 / 173.
(333) الشرح الكبير للدردير 1 / 447.
(334) ترى اللجنة أن هذه الصور إجرائية تختلف باختلاف الزمان والمكان ووسائل المواصلات والاتصالات وغيرها مما جد ومما سيجد.
(335) المجموع 6 / 173.
(336) الدسوقي والشرح الكبير 1 / 447.
(337) حديث أنس: " وافيت النبي ﷺ وبيده ميسم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 366 - ط السلفية) ومسلم (4 / 1909 - ط الحلبي) ورواية مسلم مختصرة ليس فيها " يسم إبل الصدقة ".
(338) المجموع للنووي 6 / 175 - 177.
(339) الدر المختار وحاشية ابن عابدين 2 / 57، و3 / 282، والأحكام السلطانية للماوردي ص214 ط 1327 هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص23، 24 نشر حامد الفقي، والدسوقي 1 / 495.
(340) المغني 2 / 672، 673، والمجموع 6 / 174.
(341) المجموع 2 / 175، والشرح الكبير والدسوقي 1 / 495.
(342) روضة الطالبين 2 / 337.
(343) حديث قيس بن أبي حازم أن النبي ﷺ رأى في إبل الصدقة. . . " عزاه ابن قدامة في المغني (2 674 - ط الرياض) إلى أبي عبيد القاسم بن سلام.
(344) المغني 2 / 674، والمجموع 6 / 175 - 178.
(345) فتح القدير 1 / 530 - 532، وابن عابدين 2 / 38.
(346) سورة التوبة / 60.
(347) حديث: " إن الله لم يرض بحكم نبي. . . " أخرجه أبو داود (2 / 281 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال المنذري: " وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد تكلم فيه غير واحد " كذا في مختصر السنن (2 / 231 - نشر دار المعرفة) .
(348) سورة الكهف / 79.
(349) سورة البلد / 16.
(350) المغني 6 / 420، وفتح القدير 2 / 15، 16، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 492، والمحلي على المنهاج 3 / 196.
(351) فتح القدير 2 / 15، والدسوقي 1 / 493.
(352) حديث: " لا حظ فيها لغني. . . . " أخرجه أبو داود (2 / 285 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار، وصححه ابن عبد الهادي كما في نصب الراية (2 / 401 - ط دار المجلس العلمي) .
(353) حديث: " إن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 357 - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
(354) حديث: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته. . . " أخرجه الترمذي (3 / 32 - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود، وقال: " حديث حسن ".
(355) فتح القدير 2 / 27، والإنصاف 3 / 223، وشرح منتهى الإرادات 1 / 424، 425.
(356) الشرح الكبير والدسوقي 1 / 492، 493، وشرح المنهاج 3 / 196، والمجموع 6 / 191، والمغني 6 / 424.
(357) المجموع 6 / 192.
(358) فتح القدير 2 / 23، 24.
(359) المغني 2 / 651.
(360) قوله ﷺ في الصدقة: " لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ". أخرجه أبو داود (2 / 285 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار، وصححه ابن عبد الهادي كما في نصب الراية (2 / 401 - ط المجلس العلمي) .
(361) حديث: " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ". أخرجه ابن ماجه (1 / 589 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال ابن عبد الهادي في التنقيح: " رواته ثقات "، كذا في نصب الراية (2 / 399 - ط المجلس العلمي) .
(362) حديث: " أن النبي ﷺ كان يقسم الصدقات فقام إليه رجلان. . . " تقدم تخريجه بهذا المعنى ف / 156.
(363) فتح القدير 2 / 28، والمغني 6 / 423، والمحلي على المنهاج 3 / 196، والمجموع 6 / 190.
(364) الدسوقي 1 / 494.
(365) شرح المحلي على المنهاج 3 / 196.
(366) شرح المحلي على المنهاج 3 / 196، والمجموع 6 / 191، وشرح منتهى الإرادات 1 / 425، والإنصاف 3 / 219، وحاشية ابن عابدين 2 / 59.
(367) شرح المحلي على المنهاج 3 / 196، والمجموع 6 / 191، والدسوقي 1 / 494.
(368) حديث: " أن النبي ﷺ ادخر لأهله قوت سنة " ورد من حديث عمر بن الخطاب، أخرجه البخاري (الفتح 9 / 501 - 502 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1378 - ط الحلبي) .
(369) حديث: " إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة. . . " أخرجه مسلم (2 / 722 - ط الحلبي) .
(370) فتح القدير والعناية 2 / 28، وشرح منتهى الإرادات والإنصاف 3 / 238، والمغني 6 / 665، والدسوقي 1 / 494، والمجموع 6 / 194.
(371) حديث: " إن شئتما أعطيتكما ". تقدكم تخريجه بهذا المعنى ف / 156.
(372) حديث: " إن النبي ﷺ قال لقبيصة: أقم حتى تأتينا. . . " تقدم تخريجه ف / 165.
(373) المغني 2 / 663، 6 / 423، والإنصاف 3 / 245، ونيل المآرب ـ باب الشهادات، والمجموع 6 / 195.
(374) حديث: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة. . . فذكر منهم العامل عليها ". أخرجه ابن ماجه (1 / 590 - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، وأورده ابن حجر في التلخيص (3 / 111 - ط شركة الطباعة الفنية) وقال: صححه جماعة.
(375) فتح القدير 2 / 16، والدسوقي 1 / 495، والمغني 6 / 425، 426، 2 / 654، والمجموع 6 / 168، 187، والمنهاج وشرحه وحاشية القليوبي 3 / 196.
(376) فتح القدير 2 / 14، والمغني 6 / 427، والدسوقي 1 / 495.
(377) الأثر: أخرجه البيهقي (7 / 20 - ط دائرة المعارف العثمانية) بلفظ مقارب.
(378) حديث: " تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ". تقدم تخريجه ف / 33.
(379) المغني 6 / 427 - 429، والقليوبي على شرح المنهاج 3 / 196، 198، والروضة 2 / 314، والأحكام السلطانية ص 122، والدسوقي 1 / 495.
(380) سورة التوبة / 60.
(381) فتح القدير 2 / 17، والمغني 6 / 431، 432. والحطاب والمواق 2 / 350، والزرقاني 2 / 178، والدسوقي 1 / 496، والقليوبي على شرح المنهاج 3 / 197، والمجموع 6 / 200، وكشاف القناع 2 / 280.
(382) نفس المراجع.
(383) المغني 6 / 432، وفتح القدير 2 / 17، وابن عابدين 2 / 60، وروضة الطالبين 2 / 318، والدسوقي 1 / 496، 497.
(384) حديث: " إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة ". سبق تخريجه ف / 165.
(385) المغني 6 / 433، وروضة الطالبين 2 / 318، والمجموع 6 / 206، وفتح القدير 2 / 17، مغني المحتاج 3 / 111.
(386) روضة الطالبين 2 / 318، والزرقاني 2 / 178، والمجموع 6 / 211.
(387) المغني 6 / 436، وابن عابدين 2 / 61، وفتح القدير 2 / 17، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 497، والمجموع 6 / 212، 213.
(388) الدسوقي والشرح الكبير 1 / 497، والمجموع 6 / 212، 213، والمغني 6 / 436، 437
(389) حديث: " فهلا خرجت عليه فإن الحج من سبيل الله ". أخرجه أبو داود (2 / 504 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 483 - 484 ط دائرة المعارف العثمانية) وضعف الذهبي أحد رواته، ولكن له شواهد يتقوى بها.
(390) المغني 6 / 738، والمجموع 6 / 212، وابن عابدين 2 / 67.
(391) الفروع 2 / 625، وروضة الطالبين 2 / 321، وابن عابدين 2 / 61، والدسوقي 1 / 497، 498
(392) ابن عابدين 2 / 61، 62، والدسوقي 1 / 497، والمجموع 6 / 215، وروضة الطالبين 2 / 321
(393)
(394) المغني 6 / 440، وابن عابدين 2 / 17.
(395) حديث: " إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ". سبق تخريجه ف / 33.
(396) المجموع للنووي 6 / 228، والإنصاف 3 / 252.
(397) حديث: " الصدقة على المسكين صدقة. . . " أخرجه الترمذي (3 / 38 - ط الحلبي) من حديث سلمان بن عامر، وقال: " حديث حسن ".
(398) المغني 6 / 648، 7 / 585، والمجموع 6 / 229، وابن عابدين 2 / 63، 64، وفتح القدير 2 / 22، ومجموع الفتاوى الكبرى لابن تيمية 25 / 90، 91 - 92، وجواهر الإكليل 1 / 407، والدسوقي 1 / 498، 499.
(399) حديث: " لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 328 - ط السلفية) ومسلم (2 / 695 - ط الحلبي) .
(400) الدر وحاشية ابن عابدين 2 / 62، ومجموع الفتاوى الكبرى 25 / 90، 91، وفتح القدير 2 / 22، والدسوقي 1 / 499، والمجموع 6 / 192، 230، والمغني 2 / 649.
(401) أخرجه البخاري (الفتح 3 / 290 - ط السلفية) ومسلم (2 / 709 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة
(402) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 492، وانظر فتح الباري 2 / 291.
(403) مجموع الفتاوى الكبرى 24 / 278، 25 / 87 - 89.
(404) ابن عابدين 2 / 69.
(405) أخرجه أحمد (3 / 38 - ط الميمنية) والترمذي (4 / 519 - ط دار الكتب العلمية) من حديث أبي سعيد الخدري، وعند أحمد: " لا تصحب "، وحسنه الترمذي.
(406) فتح القدير على الهداية 2 / 20، وابن عابدين 2 / 62، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 496، والمجموع 6 / 211، والفروع 2 / 619، والمغني 2 / 667.
(407) حديث: " إن الله جعل الزكاة ثمانية أجزاء. . . " سبق تخريجه ف / 156.
(408) فتح القدير 2 / 20، وابن عابدين 2 / 62، ونهاية المحتاج 6 / 149، والشرح الكبير والدسوقي 1 / 497، والمغني 2 / 667.
(409) حديث: " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " سبق تخريجه ف / 33.
(410) حديث: " أعطى سلمة بن صخر البياضي صدقة قومه ". أخرجه الترمذي (5 / 405 - 406 - ط الحلبي) ونقل عن البخاري بالانقطاع بين سلمة بن صخر والراوي عنه وهو سليمان بن يسار، وقال قبلها: حديث حسن.
(411) حديث: " أقم يا قبيصة حتى تأتينا بالصدقة فنأمر لك بها ". تقدم تخريجه ف / 165.
(412) المغني 2 / 688، 670، وفتح القدير 2 / 18، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 498.
(413) المجموع 6 / 185، 186، والمغني 2 / 668، 669 و6 / 440، شرح المنهاج وحاشيتا القليوبي وعميرة 3 / 201، 202، الأموال لأبي عبيد ف / 1851 ص692 ط دار الفكر.
(414) ابن عابدين 2 / 61، 69، والشرح الكبير 1 / 498، والمجموع 6 / 187، والمغني 2 / 689، والإنصاف 3 / 239.
(415) حديث: " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ". تقدم تخريجه ف / 33.
(416) ابن عابدين 2 / 68، 69، وفتح القدير 2 / 28.
(417) فتح القدير 2 / 28، والدسوقي 1 / 500 - 502، وشرح المنهاج 3 / 202، 203، والمغني 2 / 671 - 674، والإنصاف 3 / 202.
(418) ابن عابدين 2 / 60، والمجموع 6 / 201، والمغني 1 / 440، والفروع وتصحيحه 2 / 613.
(419) الدسوقي 1 / 498، والمجموع 6 / 209، والمغني 1 / 440، والفروع 2 / 617، 618.
(420) ابن عابدين 2 / 62، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 498، وشرح المنهاج 3 / 199، والمغني 6 / 436، 440، والفروع 2 / 617.
(421) ابن عابدين 2 / 68، والهداية وفتح القدير 2 / 26.
(422) حديث: " لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 291 - ط السلفية) .
(423) الهداية وفتح القدير 2 / 26.
(424) الدسوقي والشرح الكبير 1 / 501، 502.
(425) روضة الطالبين 2 / 338.
(426) حديث أبي هريرة: " قال رجل: لأتصدقن بصدقة ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 290 - ط السلفية) ومسلم (2 / 709 - ط الحلبي) .
(427) المغني 2 / 667.
(428) فتح القدير 2 / 15، 16.
(429) الإنصاف 3 / 223، والمغني 6 / 423، وشرح المنتهى 1 / 425.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 226/ 23