المقيت
كلمة (المُقيت) في اللغة اسم فاعل من الفعل (أقاتَ) ومضارعه...
المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها . ومن شواهده قول ابن مفلح : "وتصح المزارعة بجزء معلوم من الزرع إذا كان البذر من رب الأرض، ولو أنه العامل، ويقر العمل من الآخر ."
التَّعامُلُ بين اثْنَيْنِ في الزَّرْعِ، وهو طَرْحُ البَذْرِ في الأَرْضِ، يُقال: زَرَعَ الحَبَّ، زَرْعاً، وزِراعَةً، أيْ: بَذَرَهُ وألْقاهُ في الأَرْضِ، والزُّرْعَةُ: البَذْرُ والحَبُّ، والمَزْرَعَةُ: مَكانُ الزَّرْعِ. وأَصْلُ الزَّرْعِ: التَّنْمِيَةُ، فيُقال: زَرَعَ الخَيْرَ في البِلادِ، أيْ: نَمَّاهُ وزادَهُ. ويأْتي بِمعنى الإِنْباتِ والحَرْثِ. ويُطْلَق أيضاً على المَزْرُوعِ، كالنَّباتِ وغَيْرِهِ.
يُطلَق مُصْطلَح (مُزارَعَة) في الفقه في كتاب البُيوعِ، باب: البُيوع الفاسِدَةِ، ويُراد بِه: بَيْعُ الزَّرْعِ قائِماً في سُنْبُلِهِ بِالحِنْطَةِ.
زرع
إِعْطاءُ الأَرْضِ لِمَن يَزْرَعُها مُقابِلَ جُزْءٍ شائِعٍ له مِمّا يَخْرُجُ مِنْها، كالنِّصْفِ أو الرُّبُعِ أو نحو ذلك.
المُزارَعَةُ شَرِكَةٌ في الحَرْثِ تَخْتَصُّ بِالأَراضِي، تَتِمُّ بِتَسْلِيم الأَرْضِ إلى الغَيْرِ لِيَعْمَلَ عليها بِشَرْطِ جُزْءٍ مُشاعٍ مِن مَحْصُولِها ونَمائِها الذي يَخْرُجُ مِنْها، وتُسَمَّى أيضاً مُخابَرَةً -نِسْبَةً إلى الخَبارِ وهي الأَرْضُ اللَّيِّنَةُ-، وتَقَعُ بِكُلِّ لَفْظٍ أَفادَ مَعْنَى المُزارَعَةِ، كَقَوْلِهِ: زارَعْتُكَ، أو سَلَّمْتُكَ الأَرْضَ مُدَّةَ كذا على أن تَزْرَعَها على كذا، أو نحو ذلك. وعَقْدُ المُزارَعَةِ طَرِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِاسْتِغْلالِ الأَراضِي الزِّراعِيَّةِ بِاشْتِراكِ المالِكِ والزَّارِعِ في الاسْتِغْلالِ، فقد يكون المُزارِعُ ماهِراً في الزِّراعَةِ ولكنَّه لا يَمْلِكُ أَرْضاً، وقد يكون مالِكاً للِأَرْضِ ولكنَّه عاجِزٌ عن زِراعَتِها، فَشَرَعَها الإِسْلامُ؛ لِما تَعودُ به بِالنَّفْعِ على الطَّرَفَيْنِ وعلى المُجْتَمَعِ كُلِّهِ.
التَّعامُلُ بين اثْنَيْنِ في الزَّرْعِ، وهو طَرْحُ البَذْرِ في الأَرْضِ، يُقال: زَرَعَ الحَبَّ، زَرْعاً، وزِراعَةً، أيْ: بَذَرَهُ وألْقاهُ في الأَرْضِ، وأَصْلُ الزَّرْعِ: التَّنْمِيَةُ. ويأْتي بِمعنى الإِنْباتِ والحَرْثِ.
المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها.
* مقاييس اللغة : (3/51)
* الصحاح : (3/1225)
* أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء : (ص 101)
* بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع : (6/175)
* الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) : (5/183)
* البناية شرح الهداية : (11/377)
* النتف في الفتاوى : (1/463)
* لسان العرب : (8/141)
* تاج العروس : (21/149)
* المغرب في ترتيب المعرب : (ص 207)
* تحرير ألفاظ التنبيه : (ص 217)
* معجم مقاليد العلوم في التعريفات والرسوم : (ص 55)
* طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية : (ص 149)
* القاموس الفقهي : (ص 112)
* المطلع على ألفاظ المقنع : (ص 115)
* التعريفات الفقهية : (ص 202)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 423)
* كشاف القناع عن متن الإقناع : (3/508) -
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمُزَارَعَةُ فِي اللُّغَةِ مِنْ زَرَعَ الْحَبَّ زَرْعًا وَزِرَاعَةً: بَذَرَهُ، وَالأَْرْضَ: حَرَثَهَا لِلزِّرَاعَةِ، وَزَرَعَ اللَّهُ الْحَرْثَ: أَنْبَتَهُ وَأَنْمَاهُ، وَزَارَعَهُ مُزَارَعَةً: عَامَلَهُ بِالْمُزَارَعَةِ (1) .
وَالْمُزَارَعَةُ: الْمُعَامَلَةُ عَلَى الأَْرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا (2) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِعِدَّةِ تَعْرِيفَاتٍ.
فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ (3) .
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهَا الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ (4) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ: عَمَلٌ عَلَى أَرْضٍ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ (5) .
وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: دَفْعُ أَرْضٍ وَحَبٍّ لِمَنْ يَزْرَعُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ، أَوْ مَزْرُوعٍ لِيَعْمَل عَلَيْهِ بِجُزْءِ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنَ الْمُتَحَصِّل (6) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُسَاقَاةُ:
2 - الْمُسَاقَاةُ لُغَةً: أَنْ يَسْتَعْمِل رَجُلٌ رَجُلاً فِي نَخِيلٍ أَوْ كُرُومٍ لِيَقُومَ بِإِصْلاَحِهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْلُومٌ مِمَّا تُغِلُّهُ (7) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: دَفْعُ شَجَرٍ مَغْرُوسٍ مَعْلُومٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ لِمَنْ يَعْمَل عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرِهِ (8) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ:
أَنَّ لِلْعَامِل فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حِصَّةً شَائِعَةً مِنَ الإِْنْتَاجِ، إِلاَّ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَقَعُ عَلَى الزَّرْعِ كَالْحُبُوبِ، وَالْمُسَاقَاةُ تَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ كَالنَّخِيل.
ب - الإِْجَارَةُ:
3 - الإِْجَارَةُ لُغَةً: اسْمٌ لِلأُْجْرَةِ، وَهِيَ كِرَاءُ الأَْجِيرِ، وَنُقِل عَنِ الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ يُقَال: أَجَّرَ وَآجَرَ إِجَارًا وَإِجَارَةً، وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ مَصْدَرًا وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ.
وَالإِْجَارَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى تَمْلِيكِ مَنْفَعَةٍ بِعِوَضٍ.
(ر: إِجَارَةٌ ف 1 - 2) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ: أَنَّ الْمُزَارَعَةَ فَرْعٌ مِنَ الإِْجَارَةِ، إِلاَّ أَنَّ الأُْجْرَةَ فِي الإِْجَارَةِ مُعَيَّنَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَقْدِ، أَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ فَهِيَ جُزْءٌ مِنَ النَّاتِجِ.
حُكْمُ الْمُزَارَعَةِ
4 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمُزَارَعَةِ إِلَى اتِّجَاهَيْنِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (9) وَالْحَنَابِلَةُ (10) ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (11) ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى جِوَازِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، وَمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَطَاوُوسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَْسْوَدِ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلٍ (12) .
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁، وَالْحَسَنِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَإِسْحَاقَ، وَآخَرِينَ (13) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول.
فَمِنَ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَل أَهْل خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (14) .
أَمَا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجَمَعَ الصَّحَابَةُ قَوْلاً وَعَمَلاً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُزَارَعَةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ (15) .
فَالْمُزَارَعَةُ شَرِيعَةٌ مُتَوَارَثَةٌ، لِتَعَامُل السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (16) .
وَأَمَّا الْمَعْقُول، فَقَالُوا: إِنَّ الْمُزَارَعَةَ عَقْدُ شَرِكَةٍ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ الأَْرْضُ، وَعَمَلٌ مِنَ الآْخَرِ وَهُوَ الزِّرَاعَةُ، فَيَجُوزُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا دَفْعُ الْحَاجَةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَال قَدْ لاَ يَهْتَدِي إِلَى الْعَمَل، وَالْمُهْتَدِي إِلَيْهِ قَدْ لاَ يَجِدُ الْمَال، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا (17) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِلَى عَدَمِ جِوَازِ الْمُزَارَعَةِ مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَالْمَعْقُول. أَمَا السُّنَّةُ فَمِنْهَا مَا وَرَدَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ قَال: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ فَقَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا وَأَنْفَعُ، قَال: قُلْنَا: وَمَا ذَلِكَ؟ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلاَ يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلاَ بِرُبُعٍ وَلاَ بِطَعَامٍ مُسَمًّى (18) .
وَأَمَّا الْمَعْقُول فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ (19) وَالاِسْتِئْجَارُ بِبَعْضِ الْخَارِجِ - الْمُزَارَعَةُ - فِي مَعْنَاهُ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَيَكُونُ الاِسْتِئْجَارُ لِبَعْضِ الْخَارِجِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ الاِسْتِئْجَارَ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِ اسْتِئْجَارٌ بِبَدَلٍ مَجْهُولٍ أَوْ مَعْدُومٍ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ (20) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الأَْرْضِ مُزَارَعَةً إِلاَّ أَنْ تَكُونَ أَرْضًا وَشَجَرًا، فَيَكُونُ مِقْدَارُ الْبَيَاضِ مِنَ الأَْرْضِ ثُلُثَ مِقْدَارِ الْجَمِيعِ، وَيَكُونُ السَّوَادُ مِقْدَارَ الثُّلُثَيْنِ مِنَ الْجَمِيعِ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ تُعْطَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالنِّصْفِ عَلَى مَا يُعْطَى بِهِ ذَلِكَ السَّوَادُ (21) .
يَقُول ابْنُ رُشْدٍ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَال: إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ تَبَعًا لِلثَّمَرِ، وَكَانَ الثَّمَرُ أَكْثَرَ ذَلِكَ، فَلاَ بَأْسَ بِدُخُولِهَا فِي الْمُسَاقَاةِ، اشْتَرَطَ جُزْءًا خَارِجًا مِنْهَا أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَحَدَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ كِرَاءِ الأَْرْضِ الثُّلُثَ مِنَ الثَّمَرِ فَمَا دُونَهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الأَْرْضِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ لِنَفْسِهِ، لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ (22) .
وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْرْضِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ النَّخِيل أَوِ الْعِنَبِ إِذَا كَانَ بَيَاضُ الأَْرْضِ أَقَل، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَالأَْصَحُّ جَوَازُهَا أَيْضًا، وَقِيل: لاَ تَجُوزُ، وَلَكِنَّهُمْ مَنَعُوهَا مُطْلَقًا فِي الأَْرْضِ الْبَيْضَاءِ (23) ، كَمَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمَالِكٌ.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْمُزَارَعَةِ
5 - شُرِعَتِ الْمُزَارَعَةُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا، لأَِنَّ مُلاَّكَ الأَْرْضِ قَدْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ زَرْعَهَا وَالْعَمَل عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّهُمْ قَدْ يُرِيدُونَ تَأْجِيرَهَا بِجُزْءٍ مِنَ الْمَحْصُول وَلَيْسَ بِأُجْرَةٍ نَقْدِيَّةٍ، وَمِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ فَالْعُمَّال يَحْتَاجُونَ إِلَى الزَّرْعِ وَلاَ مَال لَهُمْ يَتَمَلَّكُونَ بِهِ الأَْرْضَ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الزِّرَاعَةِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّارِعِ جِوَازَ الْمُزَارَعَةِ، كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، بَل إِنَّ الْحَاجَةَ هَاهُنَا آكَدُ مِنْهَا فِي الْمُضَارَبَةِ، لأَِنَّ حَاجَةَ الإِْنْسَانِ إِلَى الزَّرْعِ آكَدُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُقْتَاتًا، وَلِكَوْنِ الأَْرْضِ لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا إِلاَّ بِالْعَمَل عَلَيْهَا بِخِلاَفِ الْمَال (24) .
أَرْكَانُ الْمُزَارَعَةِ
6 - أَرْكَانُ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ هِيَ أَرْكَانُ الْعَقْدِ بِصِفَّةٍ عَامَّةٍ.
وَهِيَ - عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا مِنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْعَاقِدَانِ، وَمَحَل الْعَقْدِ، وَالصِّيغَةُ، أَيِ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول الدَّالاَّنِ عَلَى التَّرَاضِي.
وَرُكْنُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الصِّيغَةُ فَقَطْ (25) .
وَقَال الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ أَرْكَانَ الْمُزَارَعَةِ أَرْبَعَةٌ: أَرْضٌ، وَبَذْرٌ، وَعَمَلٌ، وَبَقَرٌ. (26)
حَقِيقَةُ الْمُزَارَعَةِ
7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءِ فِي حَقِيقَةِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، وَهَل هُوَ إِجَارَةٌ، أَوْ شَرِكَةٌ أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ؟ .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَنْعَقِدُ إِجَارَةً، ثُمَّ تَتِمُّ شَرِكَةً، فَفِيهَا مَعْنَى الإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ عِنْدَهُمْ.
أَمَّا أَنَّ فِيهَا مَعْنَى الإِْجَارَةِ فَلأَِنَّ الإِْجَارَةَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ وَالْمُزَارَعَةُ كَذَلِكَ، لأَِنَّ الْبَذْرَ إِنْ كَانَ مِنْ قِبَل رَبِّ الأَْرْضِ فَالْعَامِل يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ بِعِوَضٍ هُوَ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَل الْعَامِل فَصَاحِبُ الأَْرْضِ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ أَرْضِهِ مِنَ الْعَامِل بِعِوَضٍ هُوَ نَمَاءُ بَذْرِهِ، فَكَانَتِ الْمُزَارَعَةُ اسْتِئْجَارًا، إِمَّا لِلْعَامِل، وَإِمَّا لِلأَْرْضِ، وَالأُْجْرَةُ فِيهَا بَعْضُ الْخَارِجِ مِنْهَا.
وَأَمَّا أَنْ فِيهَا مَعْنَى الشَّرِكَةِ، فَلأَِنَّ الْخَارِجَ مِنَ الأَْرْضِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ صَاحِبِهَا وَبَيْنَ الْمُزَارِعِ حَسَبَ النِّسْبَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمَا (27) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا شَرِكَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي تَعْرِيفِهَا: هِيَ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ (28) .
وَجَاءَ فِي مُوَاهِبِ الْجَلِيل: قَال فِي التَّوْضِيحِ: الْمُزَارَعَةُ دَائِرَةٌ بَيْنَ الشَّرِكَةِ وَالإِْجَارَةِ، قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَالأَْقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَقِيقَةً، وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا: لاَ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ (29) .
وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ أَنَّهَا شَرِكَةُ عَمَلٍ وَإِجَارَةٌ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ عَلَى الإِْجَارَةِ، وَالْبَعْضَ غَلَّبَ الإِْجَارَةَ عَلَى الشَّرِكَةِ (30) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ مِنْ جَنْسِ الْمُشَارَكَاتِ وَلَيْسَتْ مِنْ جَنْسِ الْمُؤَجَّرَاتِ، وَهِيَ نَظِيرُ الْمُضَارَبَةِ (31) .
صِفَةُ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ
8 - يُرَادُ بِصِفَةِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ أَيْ مِنْ حَيْثُ اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لاَزِمَةٌ فِي جَانِبٍ مَنْ لاَ بَذْرَ لَهُ، فَلاَ يَمْلِكُ فَسْخَهَا بِدُونِ رِضَا الآْخَرِ إِلاَّ بِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ مِنْ إِتْمَامِهَا، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ لاَزِمَةً فِي جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ الْبَذْرُ قَبْل إِلْقَاءِ بَذْرِهِ فِي الأَْرْضِ، فَيَمْلِكُ فَسْخَهَا بِعُذْرٍ وَبِدُونِ عُذْرٍ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ فِي الْعَمَل إِلاَّ بِإِتْلاَفِ مَالِهِ - وَهُوَ الْبَذْرُ - بِإِلْقَائِهِ فِي الأَْرْضِ فَيَهْلِكُ فِيهَا، وَلاَ يَدْرِي إِنْ كَانَ يَنْبُتُ أَمْ لاَ؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ لاَ بَذْرَ لَهُ. وَلَكِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْفَسْخَ بَعْدَ إِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ، إِلاَّ بِعُذْرٍ طَارِئٍ يَحُول دُونَ إِتْمَامِ الْعَقْدِ (32) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا غَيْرُ لاَزِمَةٍ قَبْل إِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ، فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهَا، فَالْمُزَارَعَةُ لاَ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلاَ بِالْعَمَل فِي الأَْرْضِ قَبْل إِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِيهَا - أَيْ زَرْعِهَا - وَلَوْ كَانَ الْعَمَل كَثِيرًا كَحَرْثِ الأَْرْضِ وَتَسْوِيَتِهَا وَرَيِّهَا بِالْمَاءِ.
وَجَزَمَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: بِلُزُومِ الْمُزَارَعَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَهُوَ قَوْل ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ سَحْنُونٍ (33) .
وَمَرْجِعُ الْخِلاَفِ بَيْنَهُمْ، أَنَّ الْمُزَارَعَةَ شَرِكَةُ عَمَلٍ وَإِجَارَةٍ، فَمَنْ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ قَال بِعَدَمِ لُزُومِهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، لأَِنَّ شَرِكَةَ الْعَمَل لاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِالْعَمَل، وَمَنْ غَلَّبَ الإِْجَارَةَ قَال: بِلُزُومِهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ عَمَلٌ، وَتَلْزَمُ بِالْبَذْرِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَمَلٌ (34) .
وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - أَنَّ الْمُزَارَعَةَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ (35) ، لأَِنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا الرَّسُول ﷺ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِخَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَكُونَ لِلرَّسُول ﷺ شَطْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَقَال لَهُمُ الرَّسُول ﷺ: نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا (36) ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ لاَزِمًا لَمَا جَازَ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ وَلاَ جَعَل الْخِيَرَةَ لِنَفْسِهِ فِي مُدَّةِ إِقْرَارِهِمْ، وَلأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَدَّرَ لَهُمْ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَلَوْ قَدَّرَ لَمَا تُرِكَ نَقْلُهُ، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ الإِْخْلاَل بِنَقْلِهِ، وَعُمَرُ ﵁ أَجْلاَهُمْ مِنَ الأَْرْضِ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ (37) ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ لَمَا جَازَ إِخْرَاجُهُمْ مِنْهَا، وَلأَِنَّهَا عَقْدٌ عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَمَاءِ الْمَال فَكَانَ جَائِزًا كَالْمُضَارَبَةِ.
وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْمُزَارَعَةَ لاَزِمَةٌ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، لأَِنَّ الْقَاعِدَةَ الْعَامَّةَ فِي الْعُقُودِ هِيَ اللُّزُومُ (38) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (39) .
شُرُوطُ صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ
شُرُوطُ صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ بِالْبَذْرِ، أَوْ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ، أَوْ بِالأَْرْضِ، أَوْ بِمَا عُقِدَ عَلَيْهِ الْمُزَارَعَةُ، أَوْ بِالْمُدَّةِ. أَوَّلاً: الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ:
9 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ ف 28 وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَانِيًا: مَا يَخُصُّ الْبَذْرَ:
10 - الْبَذْرُ: هُوَ كُل حَبٍّ يُزْرَعُ فِي الأَْرْضِ (40) ، وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، بِأَنْ يُبَيِّنَ جِنْسَهُ، وَنَوْعَهُ، وَوَصْفَهُ (41) .
وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ إِعْلاَمَ جِنْسِ الأُْجْرَةِ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَلاَ يَصِيرُ ذَلِكَ مَعْلُومًا إِلاَّ بِبَيَانِ جِنْسِ الْبَذْرِ.
وَأَنَّ حَال الْمَزْرُوعِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الزَّرْعِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَرُبَّ زَرْعٍ يَزِيدُ فِي الأَْرْضِ، وَرُبَّ آخَرَ يَنْقُصُهَا، وَقَدْ يَكْثُرُ النُّقْصَانُ وَقَدْ يَقِل فَوَجَبَ الْبَيَانُ وَالتَّحْدِيدُ، حَتَّى يَكُونَ لُزُومُ الضَّرَرِ مُضَافًا إِلَى الْتِزَامِهِ.
وَإِذَا عَيَّنَ صَاحِبُ الأَْرْضِ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الزَّرْعِ كَالْقُطْنِ أَوِ الْقَمْحِ أَوِ الأُْرْزِ مَثَلاً وَجَبَ عَلَى الْمُزَارِعِ أَنْ يَلْتَزِمَ بِزِرَاعَتِهِ، فَإِذَا خَالَفَ وَقَامَ بِزِرَاعَةِ نَوْعٍ آخَرَ خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَإِمْضَائِهِ، لِعَدَمِ الْتِزَامِ الْمُزَارِعِ بِالشَّرْطِ الصَّحِيحِ.
أَمَّا لَوْ أَطْلَقَ صَاحِبُ الأَْرْضِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الزَّرْعِ، بِأَنْ قَال لِلْمُزَارِعِ: ازْرَعْ فِيهَا مَا شِئْتَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا يَشَاءُ، لأَِنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الأَْمْرَ إِلَيْهِ فَقَدْ رَضِيَ بِالضَّرَرِ الَّذِي قَدْ يَنْجُمُ عَنِ الزِّرَاعَةِ، وَرَضِيَ أَيْضًا بِأَنْ تَكُونَ حِصَّتُهُ النِّسْبَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا مِنْ أَيِّ مَحْصُولٍ تُنْتِجُهُ الأَْرْضُ (42) .
إِلاَّ أَنَّ لِرَبِّ الأَْرْضِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَلاَّ يَزْرَعَ فِيهَا مَا يَضُرُّ بِأَرْضِهِ أَوْ شَجَرِهِ - إِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا شَجَرٌ - فَإِذَا شَرَطَ ذَلِكَ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ وَلاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ مُوَافِقٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(ر: شَرْطٌ ف 19، 20)
تَحْدِيدُ مِقْدَارِ الْبَذْرِ
11 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ تَحْدِيدِ مِقْدَارِ الْبَذْرِ الَّذِي يُزْرَعُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، لأَِنَّ هَذَا تُحَدِّدُهُ حَاجَةُ الأَْرْضِ إِلَيْهِ (43) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَحْدِيدُ مِقْدَارِ الْبَذْرِ لأَِنَّهَا مُعَاقَدَةٌ عَلَى عَمَلٍ، فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومِ الْجَنْسِ وَالْقَدْرِ كَالأُْجْرَةِ (44) . الطَّرَفُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ الْبَذْرُ
12 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمُزَارِعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا مَعًا، فَوَجَبَ بَيَانُ مَنْ عَلَيْهِ الْبَذْرُ، لأَِنَّ عَدَمَ الْبَيَانِ يُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ وَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْدِ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ: يُحَكَّمُ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ إِنِ اتَّحَدَ وَإِلاَّ فَسَدَ (45) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ أَيٍّ مِنْهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا مَعًا، بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ مُقَابِل الأَْرْضِ (46) لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى كِرَاءِ الأَْرْضِ بِمَمْنُوعٍ، وَهُوَ مُقَابَلَةُ الأَْرْضِ بِطَعَامٍ كَالْعَسَل، أَوْ بِمَا تُنْبِتُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَعَامًا كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْهُمَا مَعًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي اشْتِرَاطِ خَلْطِ مَا أَخَرَجَاهُ مِنْ بَذْرٍ.
فَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْخَلْطُ حَقِيقَةً وَلاَ حُكْمًا، وَهُوَ الرَّاجِحُ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى، فَلَوْ بَذَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَذْرَهُ فِي جِهَةٍ أَوْ فَدَّانٍ غَيْرَ الآْخَرِ، جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ عِنْدَهُمْ.
وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ كَذَلِكَ أَنْ يَتَمَاثَل الْبَذْرَانِ جِنْسًا وَصِنْفًا، فَلَوْ أَخَرَجَ أَحَدُهُمَا قَمْحًا، وَالآْخَرُ شَعِيرًا - مَثَلاً - فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ لاَ تَصِحُّ، وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا أَنْبَتَهُ بَذْرُهُ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الأَْكْرِيَةِ، وَقِيل: يَصِحُّ ذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَهُمْ.
وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ لِسَحْنُونٍ - وَهُوَ قَوْل خَلِيلٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ - أَنَّهُ يُشْرَطُ الْخَلْطُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
فَالْخَلْطُ الْحَقِيقِيُّ يَكُونُ بِضَمِّ بَذْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى بَذْرِ صَاحِبِهِ ثُمَّ يُبْذَرُ الْجَمِيعُ فِي الأَْرْضِ.
أَمَّا الْحُكْمِيُّ فَيَكُونُ بِأَنْ يَحْمِل كُلٌّ مِنْهُمَا بَذْرَهُ إِلَى الأَْرْضِ وَيَبْذُرَهُ بِهَا بِدُونِ تَمَيُّزٍ لأَِحَدِهِمَا عَنِ الآْخَرِ، فَإِنْ تَمَيَّزَ بَذْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأَْرْضِ انْتَفَتِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لِكُل مِنْهُمَا مَا أَنْبَتَهُ حَبُّهُ، وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الأَْكْرِيَةِ وَيَتَقَاصَّانِ (47) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَعْضُهُمْ، قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَهِيَ أَقْوَى دَلِيلاً.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ، قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ (48) . ثَالِثًا: الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ (قِسْمَةُ الْمَحْصُول)
13 - يُقْصَدُ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ:
الْمَحْصُول الَّذِي سَيُقْسَمُ عَلَى أَطْرَافِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ شُرُوطٌ هِيَ:
أ - أَنْ يُبَيِّنَ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ نَصِيبَ مَنْ لاَ بَذْرَ لَهُ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ، فَلَوْ سَكَتَ عَنْهُ فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَالسُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ الأُْجْرَةِ مُفْسِدٌ لِلإِْجَارَةِ، فَكَذَلِكَ السُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ الْخَارِجِ يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ، وَقَالُوا - أَيِ الْحَنَفِيَّةُ -: يَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ نَصِيبَ مَنْ لاَ بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ، لأَِنَّهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ أَوْ أَرْضِهِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَإِذَا لَمْ يُسَمِّ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَسَمَّى مَا لِلآْخَرِ جَازَ، لأَِنَّ مَنْ لاَ بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، أَمَّا صَاحِبُ الْبَذْرِ فَيَسْتَحِقُّ بِمِلْكِهِ الْبَذْرَ فَلاَ يَنْعَدِمُ اسْتِحْقَاقُهُ بِتَرْكِ الْبَيَانِ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ سَمَّى نَصِيبَ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَلَمْ يُسَمِّ مَا لِلآْخَرِ، فَفِي الْقِيَاسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا لاَ حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ وَتَرَكُوا مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَمَنْ لاَ بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ فَبِدُونِ الشَّرْطِ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَلَكِنْ فِي الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَهُمْ: الْخَارِجُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَالتَّنْصِيصُ عَلَىنَصِيبِ أَحَدِهِمَا يَكُونُ بَيَانًا بِأَنَّ الْبَاقِيَ لِلآْخَرِ (49) .
ب - أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمُزَارَعَةِ، فَلَوْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مِنَ الأَْرْضِ لأَِحَدِهِمَا فَقَطْ، فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، لأَِنَّ مَعْنَى الشَّرِكَةِ لاَزِمٌ لِهَذَا الْعَقْدِ وَكُل شَرْطٍ يَكُونُ قَاطِعًا لَهَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، فَالْمُزَارَعَةُ تَنْعَقِدُ إِجَارَةً فِي الاِبْتِدَاءِ، وَتَقَعُ شَرِكَةً فِي الاِنْتِهَاءِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
ج - أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ ذَاتِهَا، فَلَوْ شَرَطَا أَنْ تَكُونَ الْحِصَّةُ مِنْ مَحْصُول أَرْضٍ أُخْرَى بَطَلَتِ الْمُزَارَعَةُ، لأَِنَّهَا اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ وَلَيْسَتْ كَالإِْجَارَةِ الْمُطْلَقَةِ.
د - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِنَ الْخَارِجِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، سَوَاءٌ بِالتَّسَاوِي أَوْ بِالتَّفَاوُتِ حَسَبَ الاِتِّفَاقِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَالنِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ تَرْكَ التَّقْدِيرِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مِقْدَارِ الأُْجْرَةِ فِي الإِْجَارَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ والْحَنَابِلَةَ فِي الْمَذْهَبِ اشْتَرَطُوا التَّسَاوِيَ فِي الرِّبْحِ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا مُتَسَاوِيًا، فَإِنْ كَانَ مُتَفَاضِلاً فَعَلَى قَدْرِ بَذْرِ كُلٍّ (50) .
هـ - أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْخَارِجِ جُزْءًا شَائِعًا مِنَ الْجُمْلَةِ كَالنِّصْفِ أَوِ الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ شَرَطَ لأَِحَدِهِمَا كَمِّيَّةً مُعَيَّنَةً مِنَ الْمَحْصُول كَعَشَرَةِ أَرَادِبَّ مِنَ الْقَمْحِ أَوْ خَمْسَةِ قَنَاطِيرَ مِنَ الْقُطْنِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَصِحُّ مُطْلَقًا لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ فِيهَا مَعْنَى الإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ - كَمَا سَبَقَ - وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا مَعْنَى الإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنَ الْخَارِجِ لأَِحَدِهِمَا يَنْفِي لُزُومَ مَعْنَى الشَّرِكَةِ، لاِحْتِمَال أَنَّ الأَْرْضَ لاَ تُخْرِجُ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمَعْلُومِ فَلاَ يَبْقَى لِلطَّرَفِ الآْخَرِ شَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْبَذْرِ لِنَفْسِهِ وَالْبَاقِي يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ لاِحْتِمَال أَنَّ الأَْرْضَ لاَ تُنْتِجُ إِلاَّ قَدْرَ الْبَذْرِ فَيَكُونُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ، وَيُحْرَمُ الآْخَرُ مِنَ الْمَحْصُول، فَيَنْتَفِي مَعْنَى الشَّرِكَةِ، وَلأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ فِي الْحَقِيقَةِ شَرَطَ قَدْرَ الْبَذْرِ لَهُ لاَ عَيْنَ بَذْرِهِ، لأَِنَّ عَيْنَهُ تَهْلِكُ فِي التُّرَابِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ يَكُونُ بِمَثَابَةِ اشْتِرَاطِ كَمِّيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمَحْصُول لَهُ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ.
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِتِّفَاقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ زَرْعُ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأَْرْضِ، وَلِلْمُزَارِعِ زَرْعُ النَّاحِيَةِ الأُْخْرَى، وَمِثْل هَذَا الاِتِّفَاقِ مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ كَأَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِل إِمَّا مُنْفَرِدًا أَوْ بِالإِْضَافَةِ إِلَى نَصِيبِهِ (51) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قِيسٍ الأَْنْصَارِيِّ قَال: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ عَنْ كِرَاءِ الأَْرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ (52) وَإِقْبَال الْجَدَاوِل وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلاَّ هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلاَ بَأْسَ بِهِ (53) .
وَبِأَنَّ اشْتِرَاطَ زَرْعِ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَمْنَعُ لُزُومَ الشَّرِكَةِ فِي الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ وَقَدْ يَتْلَفُ زَرْعُ مَا عُيِّنَ لأَِحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ فَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ.
رَابِعًا: مَا يَخُصُّ الأَْرْضَ (مَحَل الْمُزَارَعَةِ) :
14 - الْمَزْرُوعُ فِيهِ هُوَ: الأَْرْضُ، وَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا شُرُوطًا هِيَ:
أ - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مَحَل الْمُزَارَعَةِ مَعْلُومَةً أَيْ مُعَيَّنَةً تَعْيِينًا نَافِيًا لِلْجَهَالَةِ، فَإِذَا كَانَتْ مَجْهُولَةً فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ (54) .
ب - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ فِي مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ فَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ لَهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، بِأَنْ كَانَتْ سَبِخَةً، أَوْ نَزَّةً، فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَيْهَا لاَ تَجُوزُ، لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ عَقْدُ اسْتِئْجَارٍ، وَالأُْجْرَةُ فِيهَا بَعْضُ الْخَارِجِ، وَالأَْرْضُ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ لاَ تَجُوزُ إِجَارَتُهَا، فَلاَ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ.
أَمَّا إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ فِي الْمُدَّةِ، وَلَكِنْ لاَ يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا وَقْتَ التَّعَاقُدِ لِعَارِضٍ مُؤَقَّتٍ كَانْقِطَاعِ الْمَاءِ أَوْ فِي زَمَنِ الْفَيَضَانِ، أَوْ كَثْرَةِ الثُّلُوجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَارِضِ الَّتِي هِيَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَال فِي مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ صَحِيحًا، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (55) .
ج - التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَامِل لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَل فِيهَا بِلاَ مَانِعٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ لَوِ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ لاِنْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ
وَالتَّخْلِيَةُ أَنْ يَقُول صَاحِبُ الأَْرْضِ لِلْعَامِل: سَلَّمْتُ إِلَيْكَ الأَْرْضَ، وَمِنَ التَّخْلِيَةِ أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ فَارِغَةً عِنْدَ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ قَدْ نَبَتَ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِعَمَل الزِّرَاعَةِ بِأَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ الْعَمَل بِالزِّيَادَةِ بِمَجْرَى الْعَادَةِ لأَِنَّ مَا لاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْعَمَل بِالزِّيَادَةِ عَادَةً لاَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْمُزَارَعَةِ (56) .
جِوَازُ الْمُزَارَعَةِ بِالأَْرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ نَقْدًا
15 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مَمْلُوكَةً لِصَاحِبِهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَنْفَعَتِهَا فَقَطْ، وَعَلَى ذَلِكَ: لَوِ اسْتَأْجَرَ إِنْسَانٌ أَرْضًا مِنَ الْغَيْرِ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ بِمَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْمَال، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِهَذَا الْمُسْتَأْجَرِ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِعْيَارَ لِصِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَنْفَعَةُ الأَْرْضِ مَمْلُوكَةً لِمَنْ يُزَارِعُ عَلَيْهَا، أَمَّا مَلَكِيَّةُ رِقْبَتِهَا فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِذَلِكَ (57) .
خَامِسًا: مَا يَخُصُّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ:
16 - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ مَقْصُودًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا إِجَارَةُ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: الأَْمْرُ الأَْوَّل: مَنْفَعَةُ الْعَامِل، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِل لِيَزْرَعَ لَهُ أَرْضَهُ بِنِسْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمَحْصُول.
الأَْمْرُ الثَّانِي: مَنْفَعَةُ الأَْرْضِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِل، لأَِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهَا يَدْفَعُهُ لِصَاحِبِهَا.
وَإِذَا اجْتَمَعَا فِي الاِسْتِئْجَارِ فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ.
أَمَّا مَنْفَعَةُ الْمَاشِيَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الآْلاَتِ اللاَّزِمَةِ لِلزِّرَاعَةِ فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِلْعَقْدِ، أَوْ مَقْصُودَةً بِذَاتِهَا، فَإِنْ جُعِلَتْ تَابِعَةً لَهُ جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ، وَإِنْ جُعِلَتْ مَقْصُودَةً فَسَدَتْ.
وَوَجْهُ عَدَمِ جِوَازِ جَعْل مَنْفَعَةِ الْمَاشِيَةِ مَقْصُودَةً فِي الْعَقْدِ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَنْعَقِدُ إِجَارَةً ثُمَّ تَتِمُّ شَرِكَةً، وَلاَ يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الشَّرِكَةِ بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْمَاشِيَةِ وَبَيْنَ مَنْفَعَةِ الْعَامِل، وَأَنَّ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَبَقَ - لأَِنَّ الأُْجْرَةَ مَعْدُومَةٌ وَهِيَ مَعَ انْعِدَامِهَا مَجْهُولَةٌ فَيَقْتَصِرُ جَوَازُهَا عَلَى الْمَحَل الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ، وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الآْلَةُ تَابِعَةً، فَإِذَا جُعِلَتْ مَقْصُودَةً يَرُدُّ إِلَى الْقِيَاسِ (58) . سَادِسًا: مَا يَخُصُّ الْمُدَّةَ:
17 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَحْدِيدُ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بِمُدَّةِ مُعَيَّنَةٍ فَإِذَا لَمْ تُحَدَّدْ لَهُ مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ مَجْهُولَةً فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ، وَالإِْجَارَةُ لاَ تَصِحُّ مَعَ جَهَالَةِ الْمُدَّةِ، فَكَذَلِكَ الْمُزَارَعَةُ.
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُدَّةُ كَافِيَةً لِلزِّرَاعَةِ وَجَنْيِ الْمَحْصُول، وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ بِشَرْطِ تَعْيِينِ الْمُدَّةِ (59) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ بِلاَ بَيَانِ مُدَّةٍ وَتَقَعُ عَلَى أَوَّل زَرْعٍ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (60) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ بَيَانُ مُدَّةٍ لِلْمُزَارَعَةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْقَل عَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَ لأَِهْل خَيْبَرَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَلَوْ قَدَّرَ لَمْ يُتْرَكْ نَقْلُهُ، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ الإِْخْلاَل بِنَقْلِهِ.
وَعُمَرُ ﵁ أَجْلاَهُمْ مِنَ الأَْرْضِ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ لَمَا جَازَ لَهُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْهَا (61) .
شُرُوطُ الْمُزَارَعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
18 - لاَ يُجِيزُ الشَّافِعِيَّةُ الْمُزَارَعَةَ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَى الْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ النَّخِيل أَوِ الْعِنَبِ الَّذِي تَمَّتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ وَأَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِعَقْدِ الْمُسَاقَاةِ.
وَحَتَّى تَتَحَقَّقَ هَذِهِ التَّبَعِيَّةُ اشْتَرَطُوا مَا يَلِي:
أ - اتِّحَادُ الْعَامِل: وَمَعْنَى اتِّحَادِ الْعَامِل أَنْ يَكُونَ عَامِل الْمُسَاقَاةِ هُوَ عَامِل الْمُزَارَعَةِ نَفْسَهُ، فَإِذَا كَانَ مُخْتَلِفًا لاَ يَجُوزُ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ، لأَِنَّ إِفْرَادَ الْمُزَارَعَةِ بِعَامِلٍ يُخْرِجُهَا عَنِ التَّبَعِيَّةِ.
ب - تَعَسُّرُ الإِْفْرَادِ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَتَعَسَّرَ إِفْرَادُ النَّخِيل أَوِ الْعِنَبِ مَحَل الْمُسَاقَاةِ، وَإِفْرَادُ الْبَيَاضِ بِالزِّرَاعَةِ، لأَِنَّ التَّبَعِيَّةَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ بِخِلاَفِ تَعَسُّرِ أَحَدِهِمَا.
ج - اتِّصَال الْعَقْدَيْنِ: وَمَعْنَاهُ أَنْ لاَ يَفْصِل الْعَاقِدَانِ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ التَّابِعَةِ لَهَا، بَل يَأْتِيَانِ بِهِمَا عَلَى الاِتِّصَال لِتَحْصُل التَّبَعِيَّةُ.
وَيُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْعَقْدِ بِأَنْ يَشْمَلَهُمَا عَقْدٌ وَاحِدٌ حَتَّى تَتَحَقَّقَ التَّبَعِيَّةُ، فَلَوْ قَال صَاحِبُ الأَْرْضِ لِلْعَامِل: سَاقَيْتُكَ عَلَى النِّصْفِ، فَقَال لَهُ: قَبِلْتُ، ثُمَّ زَارَعَهُ صَاحِبُ الأَْرْضِ عَلَى الْبَيَاضِ، لاَ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، لأَِنَّ تَعَدُّدَ الْعَقْدِ يُزِيل التَّبَعِيَّةَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ. وَفِي مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ يَجُوزُ الْفَصْل بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ لِحُصُولِهِمَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ.
د - تُقَدَّمُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ عِنْدَ التَّعَاقُدِ: فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى الْمُزَارَعَةِ فَلاَ تَتَقَدَّمُ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْمُسَاقَاةِ عَقِبَهَا، لأَِنَّ التَّابِعَ - الْمُزَارَعَةَ - لاَ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ.
وَمُقَابِل الصَّحِيحِ، يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَلَكِنَّهَا تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى انْعِقَادِ الْمُسَاقَاةِ فَإِنْ عَقَدَا الْمُسَاقَاةَ بَعْدَهَا بَانَ صِحَّتُهَا، وَإِلاَّ لاَ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ (62) .
الشُّرُوطُ الْمُفْسِدَةُ لِلْمُزَارَعَةِ
19 - الشُّرُوطُ الْمُفْسِدَةُ لِلْمُزَارَعَةِ هِيَ:
أ - شَرْطُ كَوْنِ الْمَحْصُول النَّاتِجِ مِنَ الأَْرْضِ كُلِّهِ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانَ لِرَبِّ الأَْرْضِ أَمْ كَانَ لِلْمُزَارِعِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (63) ، لأَِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ.
ب - الشَّرْطُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ نَصِيبِ كُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ كَمِّيَّةً مُحَدَّدَةً مِنَ الْمَحْصُول، أَوْ زَرْعَ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلِلآْخَرِ زَرْعُ النَّاحِيَةِ الأُْخْرَى، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا (64) ، لأَِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَعُودُ إِلَى جَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَالْمُضَارَبَةَ مَعَ جَهَالَةِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَالإِْجَارَةَ مَعَ جَهَالَةِ الأُْجْرَةِ، كَمَا أَنَّهُ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، إِذْ مِنَ الْجَائِزِ أَلاَّ تُخْرِجَ الأَْرْضُ إِلاَّ الْقَدْرَ الَّذِي اشْتَرَطَهُ أَحَدُهُمَا لَهُ.
ج - شَرْطُ الْعَمَل عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ وَحْدَهُ، أَوِ اشْتِرَاكُهُ مَعَ الْمَزَارِعِ فِي الْعَمَل، وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (65) . أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَالْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي كُل شَيْءٍ مِنْ أَرْضٍ وَعَمَلٍ وَنَفَقَاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (66) .
وَوَجْهُ عَدَمِ جَوَازِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ، أَنَّهُ يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ وَكُل شَرْطٍ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ فَاسِدًا كَمَا سَبَقَ.
أَمَّا لَوِ اسْتَعَانَ الْمُزَارِعُ بِصَاحِبِ الأَْرْضِ فِي الْعَمَل فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جَائِزًا عَلَى سَبِيل التَّبَرُّعِ مِنْهُ فَقَطْ (67) . د - شَرْطُ كَوْنِ الْمَاشِيَةِ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ، لأَِنَّ فِيهِ جَعْل مَنْفَعَةِ الْمَاشِيَةِ مَعْقُودًا عَلَيْهَا مَقْصُودَةً فِي بَابِ الْمُزَارَعَةِ وَلاَ سَبِيل إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (68) .
هـ - شَرْطُ الْحَمْل وَالْحِفْظِ عَلَى الْمُزَارِعِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْمَحْصُول بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ، لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَل الْمُزَارَعَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (69) .
و شَرْطُ حِفْظِ الزَّرْعِ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ قَبْل الْحَصَادِ، لأَِنَّ هَذَا يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَامِل وَهَذَا مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ - كَمَا سَبَقَ - نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (70) .
ز - شَرْطُ الْحَصَادِ وَالرَّفْعِ إِلَى الْبَيْدَرِ (71) ، وَالدِّيَاسِ، وَالتَّذْرِيَةِ عَلَى الْعَامِل، لأَِنَّ الزَّرْعَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذْ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ نَمَاؤُهُ وَصَلاَحُهُ (72) .
وَالأَْصْل أَنَّ كُل عَمَلٍ يَحْتَاجُ الزَّرْعُ إِلَيْهِ قَبْل تَنَاهِيهِ وَإِدْرَاكِهِ وَجَفَافِهِ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى إِصْلاَحِهِ، مِنَ السَّقْيِ وَالْحِفْظِ وَقَلْعِ الْحَشَاوَةِ، وَحَفْرِ الأَْنْهَارِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَتَسْوِيَةِ الْمُسَنَّاةِ (73) فَعَلَى الْمُزَارِعِ، لأَِنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الزَّرْعِ وَهُوَ النَّمَاءُ لاَ يَحْصُل بِدُونِهِ عَادَةً، فَكَانَ مِنْ تَوَابِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ عَمَل الْمُزَارَعَةِ، فَيَكُونُ عَلَى الْمُزَارِعِ.
وَكُل عَمَلٍ يَكُونُ بَعْدَ تَنَاهِي الزَّرْعِ وَإِدْرَاكِهِ وَجَفَافِهِ قَبْل قِسْمَةِ الْحَبِّ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخُلُوصِ الْحَبِّ وَتَنْقِيَتِهِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِ الْخَارِجِ، أَيْ يَتَحَمَّل مِنْ نَفَقَاتِهِ بِنِسْبَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمَحْصُول، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل الْمُزَارَعَةِ.
وَكُل عَمَلٍ يَكُونُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنَ الْحَمْل وَنَحْوِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لإِِحْرَازِ الْمَقْسُومِ فَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ دُونَ غَيْرِهِ (74) .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَجَازَ شَرْطَ الْحَصَادِ وَالرَّفْعِ إِلَى الْبَيْدَرِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ عَلَى الزَّارِعِ، لِتَعَامُل النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ (75) ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (76) ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ (77) وَابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (78) . ح - اشْتِرَاطُ صَاحِبِ الأَْرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ عَمَلاً يَبْقَى أَثَرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ إِلَى مَا بَعْدَ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ كَبِنَاءِ حَائِطٍ وَحَفْرِ النَّهَرِ الْكَبِيرِ وَرَفْعِ الْمُسَنَّاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى أَثَرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ إِلَى مَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (79) .
ط - شَرْطُ الْكِرَابِ (80) عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل.
أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ فَإِنَّ الْعَقْدَ جَائِزٌ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل فَالْعَقْدُ فِي جَانِبِ رَبِّ الأَْرْضِ، يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا الشَّرْطُ بِعَدَمِ التَّخْلِيَةِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جَانِبِ رَبِّ الأَْرْضِ فَلُزُومُ الْعَقْدِ فِي جَانِبِهِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ وَالْكِرَابُ يَسْبِقُ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَل الزِّرَاعَةِ فِي أَرْضٍ مَكْرُوبَةٍ (مَقْلُوبَةٍ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (81) .
ي - اشْتِرَاطُ الْبَذْرِ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْعَامِل مَعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (82) . ك - اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (83) ، بِأَنْ لاَ يَأْخُذَ كُلٌّ مِنَ الْمُشْتَرِكَيْنِ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِ، كَمَا سَبَقَ.
ل - شَرْطُ التِّبْنِ لِمَنْ لاَ يَكُونُ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ، وَهَذَا لاَ يَخْلُو مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:
الأَْوَّل: أَنْ يَشْتَرِطَ صَاحِبُ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعُ أَنْ يُقْسَمَ التِّبْنُ وَنَحْوُهُ كَالْحَطَبِ وَقَشِّ الأُْرْزِ وَالدَّرِيسِ بَيْنَهُمَا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، لأَِنَّهُ مُقَرِّرٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، لأَِنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ مِنَ الزَّرْعِ مِنْ مَعَانِيهِ وَلاَزِمٌ مِنْ لَوَازِمِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ
وَالْمَالِكِيَّةُ (84) .
الثَّانِي: أَنْ يَسْكُتَا عَنْهُ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ، قَال أَبُو يُوسُفَ: يَفْسُدُ الْعَقْدُ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ التِّبْنِ وَالْحَبِّ مَقْصُودٌ مِنَ الْعَقْدِ، فَكَانَ السُّكُوتُ عَنِ التِّبْنِ بِمَنْزِلَةِ السُّكُوتِ عَنِ الْحَبِّ وَهَذَا مُفْسِدٌ بِالإِْجْمَاعِ فَكَذَا هَذَا.
وَيَرَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَدَمَ الْفَسَادِ إِذَا سَكَتَا عَنْ ذِكْرِ التِّبْنِ، وَيَكُونُ التِّبْنُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ الأَْرْضِ أَمِ الْمُزَارِعَ، لأَِنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِبَذْرِهِ لاَ بِالشَّرْطِ، فَكَانَ شَرْطُ التِّبْنِ لأَِحَدِهِمَا وَالسُّكُوتُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مُحَمَّدًا رَجَعَ إِلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ (85) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: التِّبْنُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا تَبَعًا لِلْحَبِّ، لأَِنَّ التِّبْنَ كَالْحَبِّ كُلٌّ مِنْهُمَا يُعْتَبَرُ مِنْ نِتَاجِ الأَْرْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْقَسِمَ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ عَلَى حَسَبِ النِّسْبَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا لِتَقْسِيمِ الْحَبِّ ذَاتِهِ لأَِنَّهُ تَابِعٌ لَهُ (86) .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَكُونَ التِّبْنُ لأَِحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَطَاهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ جَازَ هَذَا الشَّرْطُ وَيَكُونُ لَهُ، لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لِكَوْنِهِ نَمَاءُ مِلْكِهِ فَالشَّرْطُ لاَ يَزِيدُهُ إِلاَّ تَأْكِيدًا.
وَإِنْ شَرَطَاهُ لِمَنْ لاَ بَذْرَ لَهُ فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ صَاحِبِ الْبَذْرِ لِلتِّبْنِ بِالْبَذْرِ لاَ بِالشَّرْطِ، لأَِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَنَمَاءُ مِلْكِ الإِْنْسَانِ مِلْكُهُ، فَصَارَ شَرْطُ كَوْنِ التِّبْنِ لِمَنْ لاَ بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ كَوْنِ الْحَبِّ لَهُ، وَذَا مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، كَذَا هَذَا (87) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التِّبْنَ يُقْسَمُ بَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ عَلَى مَا تَعَامَلاَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ التِّبْنَ كَالْحَبِّ فَيُقْسَمُ عَلَيْهِمَا كَمَا يُقْسَمُ الْحَبُّ، وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا يُصَابُ الزَّرْعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلاَ تُخْرِجُ الأَْرْضُ إِلاَّ التِّبْنَ، فَلَوِ اسْتَقَل بِهِ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ الآْخَرَ لَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْخَارِجِ شَيْئًا، وَهَذَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ، وَيَكُونُ كَمَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ، أَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ كَمِّيَّةً مُعَيَّنَةً مِنَ الْمَحْصُول (88) .
صُوَرٌ مِنَ الْمُزَارَعَةِ:
20 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ صُوَرٍ مِنَ الْمُزَارَعَةِ: مِنْهَا الصَّحِيحَةُ، وَهِيَ مَا اسْتَوْفَتْ شُرُوطَ صِحَّتِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا، وَمِنْهَا الْفَاسِدَةُ، وَهِيَ الَّتِي فَقَدَتْ شَرْطًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ.
وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ هَذِهِ الصُّوَرِ.
صُوَرٌ مِنَ الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ
21 - أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِنْ جَانِبٍ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ مِنْ أَرْضٍ وَبَذْرٍ وَمَاشِيَةٍ وَآلاَتٍ وَنَفَقَاتٍ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَفِيَّةُ (89) ، وَالْمَالِكِيَّةُ (90) ، وَالْحَنَابِلَةُ (91) .
وَوَجْهُ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ الأَْرْضِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِل لاَ غَيْرُ، لِيَعْمَل لَهُ فِي أَرْضِهِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا، الَّذِي هُوَ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ.
وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِصِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَنْعَقِدَ بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، فَإِنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ لاَ تَصِحُّ لأَِنَّهَا إِجَارَةٌ بِجُزْءٍ مَجْهُولٍ، وَإِنْ أَطْلَقَا الْقَوْل فَقَدْ حَمَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الإِْجَارَةِ فَمَنَعَهَا، وَحَمَلَهَا سَحْنُونٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فَأَجَازَهَا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الأَْوَّل أَيْ: حَمْلُهَا عَلَى الإِْجَارَةِ، فَلاَ تَجُوزُ.
22 - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ (92) ، وَالْمَالِكِيَّةِ (93) ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ وَالْعَمَل مِنَ الْعَامِل كَانَتِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً (94) ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل فِي الْمُزَارَعَةِ فَقَدْ عَامَل الرَّسُول ﷺ أَهْل خَيْبَرَ عَلَى هَذَا.
وَوَجْهُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْعَامِل يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ لاَ غَيْرُ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا الَّذِي هُوَ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ (95) .
23 - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَمَل وَالْمَاشِيَةُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ وَهُوَ الْمُزَارِعُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (96) .
وَوَجْهُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ هَذَا اسْتِئْجَارٌ لِلْعَامِل لاَ غَيْرُ مَقْصُودًا، فَأَمَّا الْبَذْرُ فَغَيْرُ مُسْتَأْجَرٍ مَقْصُودًا وَلاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الأُْجْرَةِ بَل هِيَ تَوَابِعُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْعَامِل، لأَِنَّهُ آلَةٌ لِلْعَمَل فَلاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَابِعًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَانَ جَارِيًا مَجْرَى الصِّفَةِ لِلْعَمَل، فَكَانَ الْعَقْدُ عَقْدًا عَلَى عَمَلٍ جَيِّدٍ، وَالأَْوْصَافُ لاَ قِسْطَ لَهَا مِنَ الْعِوَضِ فَأَمْكَنَ أَنْ تَنْعَقِدَ إِجَارَةً ثُمَّ تَتِمَّ شَرِكَةً بَيْنَ مَنْفَعَةِ الأَْرْضِ وَمَنْفَعَةِ الْعَامِل (97) .
24 - أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ، أَرْضًا وَعَمَلاً وَبَذْرًا وَمَاشِيَةً وَنَفَقَاتٍ، لأَِنَّ أَحَدَهُمَا لاَ يَفْضُل صَاحِبَهُ بِشَيْءِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (98) .
وَوَجْهُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ فَقَال: وَإِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاشْتَرَطَا عَلَى أَنْ يَعْمَلاَ فِيهَا جَمِيعًا سَنَتَهُمَا هَذِهِ بِبَذْرِهِمَا وَبَقَرِهِمَا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ جَائِزٌ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامِلٌ فِي نَصِيبِهِ مِنَ الأَْرْضِ بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِصَاحِبِهِ شَيْئًا مِنَ الْخَارِجِ مِنْهُ، فَإِنِ اشْتَرَطَا أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا ثَلاَثًا كَانَ فَاسِدًا، لأَِنَّ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَ كَأَنَّهُ دَفَعَ نَصِيبَهُ مِنَ الأَْرْضِ وَالْبَذْرِ إِلَى صَاحِبِهِ مُزَارَعَةً بِثُلُثِ الْخَارِجِ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَعْمَل هُوَ مَعَهُ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَلأَِنَّ مَا شُرِطَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ يَكُونُ أُجْرَةً لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَإِنَّمَا يَعْمَل فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، فَلاَ يَسْتَوْجِبُ الأَْجْرَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا وَالْخَارِجُ كَذَلِكَ كَانَ جَائِزًا، لأَِنَّ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ كَأَنَّهُ أَعَارَ شَرِيكَهُ ثُلُثَ نَصِيبِهِ مِنَ الأَْرْضِ وَأَعَانَهُ بِبَعْضِ الْعَمَل وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَوِ اشْتَرَطَا أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَانِ كَانَ فَاسِدًا، لأَِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ ثُلُثُ الْبَذْرِ شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَعْضَ الْخَارِجِ مِنْ بَذْرِ شَرِيكِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِعَمَلِهِ وَالْعَامِل فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ لاَ يَسْتَوْجِبُ الأَْجْرَ عَلَى غَيْرِهِ، إِذْ هُوَ يَصِيرُ دَافِعًا سُدُسَ الأَْرْضِ مِنْ شَرِيكِهِ مُزَارَعَةً بِجَمِيعِ الْخَارِجِ مِنْهُ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ، ثُمَّ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا، وَعَلَى صَاحِبِ ثُلُثَيِ الْبَذْرِ أَجْرُ مِثْل سُدُسِ الأَْرْضِ لِشَرِيكِهِ، لأَِنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الأَْرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَيَكُونُ لَهُ نِصْفُالزَّرْعِ طَيِّبًا لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، لأَِنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا سُدُسُ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ مِنْهُ رُبُعُ بَذْرِهِ الَّذِي بَذَرَهُ، وَمَا غَرِمَ مِنَ الأَْجْرِ وَالنَّفَقَةِ فِيهِ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْل، لأَِنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ طَيِّبًا لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ لأَِنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (99) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ لِثَلاَثَةٍ فَاشْتَرَكُوا عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا بِبَذْرِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَالِهِمْ فَهُوَ جَائِزٌ، لأَِنَّ أَحَدَهُمْ لاَ يَفْضُل صَاحِبَيْهِ بِشَيْءٍ (100) .
25 - إِذَا قَابَل بَذْرَ أَحَدِهِمَا عَمَلٌ مِنَ الآْخَرِ، وَكَانَتِ الأَْرْضُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا بِمِلْكٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً، وَتَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعَمَل وَالْبَذْرِ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ تَكُونُ صَحِيحَةً، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ (101) .
26 - إِذَا قَابَل الأَْرْضَ وَبَعْضَ الْبَذْرِ عَمَلٌ مِنَ الآْخَرِ مَعَ بَعْضِ الْبَذْرِ، نَصَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ (102) .
وَشَرْطُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُمْ أَنْ لاَ يَنْقُصَ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِل مِنَ الرِّبْحِ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ بِأَنْ زَادَ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى بَذْرِهِ أَوْ سَاوَاهُ عَلَى الأَْقَل.
مِثَال الزِّيَادَةِ: أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الأَْرْضَ وَثُلُثَيِ الْبَذْرِ، وَالثَّانِي الْعَمَل وَثُلُثَ الْبَذْرِ، عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ نِصْفَ الرِّبْحِ، فَفِي هَذَا الْمِثَال يَكُونُ الْعَامِل قَدْ أَخَذَ أَزْيَدَ مِنْ نِسْبَةِ مَالِهِ مِنَ الْبَذْرِ فَتَكُونُ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً.
وَمِثَال الْمُسَاوَاةِ: أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الأَْرْضِ الثُّلُثَيْنِ مِنَ الرِّبْحِ وَيَأْخُذَ الْعَامِل الثُّلُثَ، فَفِي هَذَا الْمِثَال يَكُونُ الْعَامِل قَدْ أَخَذَ مَا يُسَاوِي مِثْل نِسْبَةِ مَالِهِ مِنَ الْبَذْرِ فَتَكُونُ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً كَذَلِكَ.
أَمَّا لَوْ أَخَذَ الْعَامِل أَقَل مِنَ الثُّلُثِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ تَكُونُ فَاسِدَةً، لأَِنَّهُ أَخَذَ أَقَل مِنْ نِسْبَةِ مَالِهِ مِنَ الْبَذْرِ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ لاَ تَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الْبَذْرَ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمَا كَمَا سَبَقَ.
27 - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ وَالْمَاشِيَةُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَمَل وَالْبَذْرُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (103) ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ جَانِبٍ جَازَ، وَجُعِلَتْ مَنْفَعَةُ الْمَاشِيَةِ تَابِعَةً لِمَنْفَعَةِ الْعَامِل، فَكَذَا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ وَالْمَاشِيَةُ مِنْ جَانِبٍ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ، وَتُجْعَل مَنْفَعَةُ الدَّوَابِّ تَابِعَةً لِمَنْفَعَةِ الأَْرْضِ.
وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لاَ تَجُوزُ (104) ، لأَِنَّ الْعَامِل هُنَا يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ وَالْمَاشِيَةِ جَمِيعًا مَقْصُودًا بِبَعْضِ الْخَارِجِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ تَحْقِيقُ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ هُنَا لاِخْتِلاَفِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الْمَاشِيَةِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الأَْرْضِ فَبَقِيَتْ أَصْلاً بِنَفْسِهَا، فَكَانَ هَذَا اسْتِئْجَارًا لِلْمَاشِيَةِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ أَصْلاً وَمَقْصُودًا، وَاسْتِئْجَارُ الْمَاشِيَةِ مَقْصُودًا بِبَعْضِ الْخَارِجِ لاَ يَجُوزُ.
صُوَرٌ مِنَ الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ
28 - أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ وَالدَّوَابُّ مِنْ جَانِبٍ، وَالأَْرْضُ وَالْعَمَل مِنَ الْجَانِبِ، الآْخَرِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (105) ، لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ وَالْعَامِل مَعًا بِبَعْضِ الْمَحْصُول، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَامِل مَعًا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ، لأَِنَّهُ عَلَى خِلاَفِ مَوْرِدِ الأَْصْل.
29 - أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ طَرَفٍ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ مِنَ الطَّرَفِ، الآْخَرِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (106) ، وَوَجْهُ فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ وَجْهُ فَسَادِ الصُّورَةِ الأُْولَى، حَيْثُ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَمَل فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا عَلَى خِلاَفِ مَوْرِدِ الشَّرْعِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْل بِالْجِوَازِ فِي الصُّورَتَيْنِ (107) .
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، أَنَّ اسْتِئْجَارَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَائِزٌ عِنْدَ الاِنْفِرَادِ فَكَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ.
30 - أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْبَذْرِ مِنَ الْمُزَارِعِ، وَالْبَعْضُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (108) .
وَوَجْهُ فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا صَاحِبَهُ فِي قَدْرِ بَذْرِهِ، فَيَجْتَمِعُ اسْتِئْجَارُ الأَْرْضِ وَالْعَامِل فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ.
وَوَجْهُ فَسَادِهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْبَذْرَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَامِل طِبْقًا لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ الْمَال كُلَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ كَالْمُضَارَبَةِ.
وَلَكِنْ هَذِهِ الصُّورَةُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَشْتَرِكَ صَاحِبُ الأَْرْضِ وَالْمُزَارَعُ فِي الْبَذْرِ كَمَا سَبَقَ (109) .
50 31 - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْبَذْرُ وَالْمَاشِيَةُ مِنْ جَانِبٍ، بِأَنْ دَفَعَ صَاحِبُ الأَْرْضِ أَرْضَهُ إِلَى الْمُزَارِعِ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَمَاشِيَتِهِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنَ الأَْرْضِ فَثُلُثُهُ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ، وَثُلُثَاهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَالْمَاشِيَةِ، وَثُلُثُهُ لِذَلِكَ الْعَامِل الآْخَرِ، هَذِهِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَالْمُزَارِعُ الأَْوَّل، وَفَاسِدَةٌ فِي حَقِّ الْمُزَارِعِ الثَّانِي، وَيَكُونُ ثُلُثُ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ وَثُلُثَاهُ لِلْمَزَارِعِ الأَْوَّل، وَلِلْعَامِل الآْخَرِ أَجْرُ مِثْل عَمَلِهِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ الْحَنَفِيُّ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ الْمُزَارَعَةُ فِي حَقِّ الْكُل، لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَهُوَ الْمُزَارِعُ الأَْوَّل جَمَعَ بَيْنَ اسْتِئْجَارِ الأَْرْضِ وَالْعَامِل، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ بِكَوْنِهِ خِلاَفَ مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَمَعَ ذَلِكَ حُكِمَ بِصِحَّتِهَا فِي حَقِّ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ الأَْوَّل، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لأَِنَّ الْعَقْدَ فِيمَا بَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ الأَْوَّل وَقَعَ اسْتِئْجَارًا لِلأَْرْضِ لاَ غَيْرُ وَهَذَا جَائِزٌ، وَفِيمَا بَيْنَ الْمُزَارِعَيْنِ وَقَعَ اسْتِئْجَارُ الأَْرْضِ وَالْعَامِل جَمِيعًا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَقْدِ الْوَاحِدِ جِهَتَانِ، جِهَةُ الصِّحَّةِ وَجِهَةُ الْفَسَادِ خُصُوصًا فِي حَقِّ شَخْصَيْنِ، فَيَكُونُ صَحِيحًا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا وَفَاسِدًا فِي حَقِّ الآْخَرِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْبَذْرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ تَقَعُ صَحِيحَةً فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَيَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، لأَِنَّ صَاحِبَ الأَْرْضِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِلَيْنِ مَعًا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْعَامِلَيْنِ لاَ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ وَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ كَانَ النَّمَاءُ عَلَى الشَّرْطِ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ (110) .
32 - إِذَا قَال صَاحِبُ الأَْرْضِ لِرَجُلٍ: أَنَا أَزْرَعُ الأَْرْضَ بِبَذْرِي، وَعَوَامِلِي، وَيَكُونُ سَقْيُهَا مِنْ مَائِكَ، وَالزَّرْعُ بَيْنَنَا، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ تَصِحُّ، لأَِنَّ مَوْضِعَ الْمُزَارَعَةِ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِنْ أَحَدِهِمَا وَالأَْرْضُ مِنَ الآْخَرِ، وَلَيْسَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ هُنَا أَرْضٌ وَلاَ عَمَلٌ، لأَِنَّ الْمَاءَ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُشْتَرَى وَلاَ يُسْتَأْجَرُ، فَكَيْفَ تَصِحُّ بِهِ الْمُزَارَعَةُ؟
وَقَدِ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ كُلٌّ مِنَ الْقَاضِي وَابْنُ قُدَامَةَ، وَعَلَّل الأَْخِيرُ هَذَا الاِخْتِيَارَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، لأَِنَّ الْمَاءَ أَحَدُ الأَْشْيَاءِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الزَّرْعُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالأَْرْضِ وَالْعَمَل، وَقَدِ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَبُو بَكْرٍ وَنَقَلَهَا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ وَحَرْبٌ (111) .
33 - إِذَا قَال صَاحِبُ الأَْرْضِ لآِخَرَ: أَجَّرْتُكَ نِصْفَ أَرْضِي هَذِهِ بِنِصْفِ بَذْرِكَ وَنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ وَمَنْفَعَةِ مَاشِيَتِكَ، وَأَخْرَجَ الْمُزَارِعُ الْبَذْرَ كُلَّهُ لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ، لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مَجْهُولَةٌ وَإِذَا جُهِلَتْ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهَا أُجْرَةً لأَِرْضٍ أُخْرَى لَمْ يَجُزْ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْمُزَارِعِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْل الأَْرْضِ.
وَإِنْ أَمْكَنَ عِلْمُ الْمَنْفَعَةِ وَضَبْطُهَا بِمَا لاَ تَخْتَلِفُ مَعَهُ مَعْرِفَةُ الْبَذْرِ جَازَ وَكَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا.
وَقِيل: لاَ يَصِحُّ أَيْضًا، لأَِنَّ الْبَذْرَ عِوَضٌ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَبِيعًا وَمَا حَصَل فِيهِ قَبْضٌ.
وَإِنْ قَال لَهُ: آجَرْتُكَ نِصْفَ أَرْضِي بِنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ وَمَنْفَعَةِ مَاشِيَتِكَ، وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ مَعًا، فَهِيَ كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ، إِلاَّ أَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُل حَالٍ، نَصَّ عَلَى كُل ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ (112) .
50 34 - إِذَا اشْتَرَكَ أَرْبَعَةٌ فِي عَقْدِ مُزَارَعَةٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمُ الأَْرْضُ، وَمِنَ الثَّانِي الْمَاشِيَةُ، وَمِنَ الثَّالِثِ الْبَذْرُ، وَمِنَ الرَّابِعِ الْعَمَل فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ (113) .
وَلَوِ اشْتَرَكَ ثَلاَثَةٌ: مِنْ أَحَدِهِمُ الأَْرْضُ، وَمِنَ الثَّانِي الْبَذْرُ، وَمِنَ الثَّالِثِ الْمَاشِيَةُ وَالْعَمَل، عَلَى أَنْ يُقْسَمَ الْمَحْصُول بَيْنَهُمْ فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ (114) .
وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هَذَا الْعَقْدُ جَائِزٌ (115) .
آثَارُ الْمُزَارَعَةِ
تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ آثَارٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ صِحَّتِهَا أَوْ فَسَادِهَا.
أَوَّلاً: الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ
35 - إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ انْعَقَدَتْ صَحِيحَةً وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الآْثَارُ الآْتِيَةُ:
أ - عَلَى الْمُزَارِعِ كُل عَمَلٍ مِنْ أَعْمَال الْمُزَارَعَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ الزَّرْعُ إِلَيْهِ لِنَمَائِهِ وَصَلاَحِ حَالِهِ، كَالرَّيِّ وَالْحِفْظِ وَتَطْهِيرِ الْمَرَاوِي الدَّاخِلِيَّةِ وَالتَّسْمِيدِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (116) ، لأَِنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ قَدْ تَنَاوَل هَذِهِ الأَْشْيَاءَ فَيَكُونُ مُلْزَمًا بِهَا.
ب - عَلَى الْمُزَارِعِ تَقْلِيبُ الأَْرْضِ بِالْحَرْثِ (الْكِرَابِ) إِنِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ صَحِيحٌ فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ سَكَتَا عَنْهُ وَلَمْ يَشْتَرِطَاهُ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ أَيْضًا إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ لاَ تُخْرِجُ زَرْعًا أَصْلاً بِدُونِهِ، أَوْ كَانَ مَا تُخْرِجُهُ قَلِيلاً لاَ يُقْصَدُ مِثْلُهُ بِالْعَمَل، لأَِنَّ مُطْلَقَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ يَقَعُ عَلَى الزِّرَاعَةِ الْمُعْتَادَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ مِمَّا تُخْرِجُ الزَّرْعَ بِدُونِ حَاجَةٍ إِلَى الْحَرْثِ زَرْعًا مُعْتَادًا يُقْصَدُ مِثْلُهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (117) .
وَعَلَى هَذَا إِذَا امْتَنَعَ الْمُزَارِعُ عَنْ سَقْيِ الأَْرْضِ بِالْمَاءِ، وَقَال: أَتْرُكُهَا حَتَّى تُسْقَى مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا لاَ يَكْتَفِي بِمَاءِ الْمَطَرِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الرَّيِّ بِالْمَاءِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مُطْلَقَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ يَقَعُ عَلَى الزِّرَاعَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكْفِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ، وَيَخْرُجُ زَرْعًا مُعْتَادًا بِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (118) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُلْزَمُ الْعَامِل بِمَا فِيهِ صَلاَحُ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ مِنَ السَّقْيِ وَالْحَرْثِ وَنَحْوِهِمَا (119) .
ج - عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ تَسْلِيمُهَا إِلَى الْمُزَارِعِ لِيَزْرَعَهَا أَوْ يَعْمَل عَلَيْهَا إِذَا كَانَ بِهَا نَبَاتٌ، لأَِنَّ عَدَمَ التَّسْلِيمِ يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَامِل وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ. د - عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ، الأَْعْمَال الأَْسَاسِيَّةُ الَّتِي يَبْقَى أَثَرُهَا وَمَنْفَعَتُهَا إِلَى مَا بَعْدَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، كَبِنَاءِ حَائِطٍ وَإِجْرَاءِ الأَْنْهَارِ الْخَارِجِيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى أَثَرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (120) .
هـ - عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ خَرَاجُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (121) ، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْمُزَارِعِ، وَلاَ دَفْعُهُ مِنَ الْمَحْصُول وَالْبَاقِي يُقْسَمُ عَلَيْهِمَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْخَرَاجَ مَبْلَغٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال، فَاشْتِرَاطُ دَفْعِ هَذَا الْمَبْلَغِ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ، وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الرِّيعِ مَعَ حُصُولِهِ، لِجَوَازِ أَلاَّ يَحْصُل إِلاَّ ذَلِكَ الْقَدْرُ أَوْ دُونَهُ.
و عَلَى الْمُزَارِعِ وَصَاحِبِ الأَْرْضِ مَعًا، كُل مَا كَانَ مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّرْعِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا كَثَمَنِ السَّمَادِ وَقَلْعِ الْحَشَائِشِ الْمُضِرَّةِ، وَعَلَيْهِمَا أَيْضًا أُجْرَةُ الْحَصَادِ، وَحَمْل الْمَحْصُول إِلَى الْجُرْنِ، وَالدِّيَاسُ، وَالتَّذْرِيَةُ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْمَال لَيْسَتْ مِنْ أَعْمَال الْمُزَارَعَةِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِهَا الْمُزَارِعُ وَحْدَهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ الأَْخِيرَةَ عَلَى الْمُزَارِعِ لِتَعَامُل النَّاسِ بِذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (122) .
ز - يُقْسَمُ مَحْصُول الأَْرْضِ بَيْنَ صَاحِبِهَا وَالْمُزَارِعِ عَلَى حَسَبِ الاِتِّفَاقِ الْمُبْرَمِ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُزَارِعِ وَصَاحِبِ الأَْرْضِ، حَمْل نَصِيبِهِ مِنَ الْمَحْصُول وَحِفْظُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، لأَِنَّهُ بِانْتِهَاءِ قِسْمَةِ الْمَحْصُول يَنْتَهِي عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ، فَكُل عَمَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَحَمَّل صَاحِبُهُ نَفَقَاتِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (123) .
ح - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ مَا جَازَ إِنْشَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ جَازَتِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَمَا لاَ فَلاَ، أَمَّا الْحَطُّ فَجَائِزٌ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا (124) .
وَعَلَى هَذَا فَالزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ عَلَى وَجْهَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْمُزَارِعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ.
وَلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمُزَارِعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحَصَادِ - وَالْبَذْرِ مِنْ قِبَل الْعَامِل - فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَجُوزُ مِنَ الْعَامِل، وَإِنَّمَا يَنْقَسِمُ الْمَحْصُول عَلَى حَسَبِ الاِتِّفَاقِ الْمُبْرَمِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ زَادَ صَاحِبُ الأَْرْضِ فِي نَصِيبِ الْمُزَارِعِ، وَرَضِيَ بِهَا الْمُزَارِعُ، جَازَتِ الزِّيَادَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُزَارِعَ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى زَادَ عَلَى الأُْجْرَةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ عَمَل الْمُزَارَعَةِ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُمَا لَوْ أَنْشَآ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ بَعْدَ الْحَصَادِ لاَ يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِيبِ لاَ تَجُوزُ بَعْدُ، أَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَدْ حَطَّ صَاحِبُ الأَْرْضِ مِنَ الأُْجْرَةِ، وَالْحَطُّ لاَ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
هَذَا إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِل، أَمَّا إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ فَزَادَ صَاحِبُ الأَْرْضِ مِنْ نَصِيبِ الْمُزَارِعِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَجُوزُ، وَلَكِنْ إِنْ زَادَ الْمُزَارِعُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الأَْرْضِ جَازَتِ الزِّيَادَةُ لِمَا ذُكِرَ.
هَذَا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ أَيِّهِمَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ.
أَمَّا إِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ أَيٍّ مِنْهُمَا، لأَِنَّ الْوَقْتَ يَحْتَمِل إِنْشَاءَ الْعَقْدِ، فَيَحْتَمِل الزِّيَادَةَ، بِخِلاَفِ الأَْمْرِ بَعْدَ الْحَصَادِ فَإِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل إِنْشَاءَ الْعَقْدِ، فَلاَ يَحْتَمِل الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ.
أَمَّا الْحَطُّ فَجَائِزٌ فِي الْحَالَيْنِ أَيْ قَبْل الْحَصَادِ وَبَعْدَهُ.
ط - إِذَا لَمْ تُخْرِجُ الأَْرْضُ شَيْئًا فَلاَ يَسْتَحِقُّأَحَدُهُمَا تُجَاهَ الآْخَرِ أَيَّ شَيْءٍ، لاَ أَجْرَ الْعَمَل لِلْعَامِل وَلاَ أُجْرَةَ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل أَمْ كَانَ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ، لأَِنَّهَا إِمَّا إِجَارَةٌ أَوْ شَرِكَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةً فَالْوَاجِبُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ مِنْهَا هُوَ الْمُسَمَّى - وَهُوَ مَعْدُومٌ - فَلاَ يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ شَرِكَةً فَالشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ هُنَا خَارِجٌ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (125) .
ثَانِيًا: الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ
36 - إِذَا فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ لِفِقْدَانِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا الآْثَارُ التَّالِيَةُ:
أ - عَدَمُ وُجُوبِ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَال الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْمُزَارِعِ، لأَِنَّ وُجُوبَهُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ فَسَدَ الْعَقْدُ، فَلاَ يُطَالَبُ الْمُزَارِعُ بِأَيِّ عَمَلٍ مِنَ الأَْعْمَال الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ.
ب - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْبَذْرِ الْخَارِجَ كُلَّهُ مِنَ الأَْرْضِ، سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الْمُزَارِعَ أَمْ رَبَّ الأَْرْضِ (126) ، وَعَلَيْهِ الأُْجْرَةُ لِصَاحِبِهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ صَاحِبِ الْبَذْرِ الْخَارِجَ لِكَوْنِهِ نَمَاءَ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ، لاَ بِالشَّرْطِ لِوُقُوعِ الاِسْتِغْنَاءِ بِالْمِلْكِ عَنِ الشَّرْطِ، وَاسْتِحْقَاقُ الأَْجْرِ الْخَارِجِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ الْعَقْدُ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ اسْتَحَقَّهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ لِكَوْنِهِ نَمَاءَ مِلْكِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ أَخَذَ الْخَارِجَ كُلَّهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِلْعَامِل أَجْرُ مِثْل عَمَلِهِ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (127) .
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ صَاحِبَ الأَْرْضِ يَكُونُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِل، فَإِذَا فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ وَجَبَ لَهُ أَجْرُ مِثْل عَمَلِهِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ كُلَّهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ أُجْرَةُ مِثْل أَرْضِهِ، وَهَذَا بِالاِتِّفَاقِ أَيْضًا (128) .
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْعَامِل يَكُونُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ، فَإِذَا فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْل أَجْرِ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا.
وَهَل يَطِيبُ النَّاتِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ عِنْدَمَا يَسْتَحِقُّهُ؟ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ:
إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ وَاسْتَحَقَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ وَغَرِمَ لِلْعَامِل أَجْرَ مِثْل عَمَلِهِ، فَإِنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ مِنَ الأَْرْضِ يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ، لأَِنَّهُ نَاتِجٌ مِنْ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ - فِي مِلْكِهِ - وَهُوَ الأَْرْضُ - نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (129) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل، وَاسْتَحَقَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ وَغَرِمَ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ أَجْرَ مِثْل أَرْضِهِ، فَإِنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لاَ يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنَ الزَّرْعِ قَدْرَ بَذْرِهِ وَقَدْرَ أَجْرِ مِثْل الأَْرْضِ وَيَطِيبُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ سُلِّمَ لَهُ بِعِوَضٍ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْل عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ وَإِنْ تَوَلَّدَ مِنْ بَذْرِهِ لَكِنْ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الْخَبَثِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (130) .
ج - وَلاَ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ مَا لَمْ يُوجَدِ اسْتِعْمَالٌ لِلأَْرْضِ، لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ عَقْدُ إِجَارَةٍ، وَالأُْجْرَةُ فِي الإِْجَارَةِ الْفَاسِدَةِ لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِحَقِيقَةِ الاِسْتِعْمَال وَلاَ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ التَّخْلِيَةِ، لاِنْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ فِيهَا حَقِيقَةً، إِذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَوَانِعِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا وَلَمْ يُوجَدْ، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ الصَّحِيحَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (131) .
د - إِذَا اسْتَعْمَل الْمُزَارِعُ الأَْرْضَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (132) . هـ - وَأَجْرُ الْمِثْل فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ يَجِبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُقَدَّرًا بِالْمُسَمَّى، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَالِغًا مَا بَلَغَ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ وَهِيَ حِصَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسَمَّاةً فِيهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل بَالِغًا مَا بَلَغَ عِنْدَهُمَا مَعًا (133) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُزَارَعَةُ إِذَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً بِأَنِ اخْتَل شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا فَإِنَّهَا تُفْسَخُ قَبْل الْعَمَل، فَإِنْ فَاتَتْ بِالْعَمَل وَتَسَاوَيَا فِيهِ فَإِنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا، لأَِنَّهُ تَكَوَّنَ عَنْهُ وَيَتَرَادَّانِ غَيْرَ الْعَمَل، كَمَا لَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ مِنَ الآْخَرِ، فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ بِمِثْل نِصْفِ بَذْرِهِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الأَْرْضِ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ بِأُجْرَةِ نِصْفِ أَرْضِهِ.
وَإِذَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً وَلَمْ يَتَكَافَآ فِي الْعَمَل، بَل كَانَ الْعَامِل أَحَدَهُمَا فَقَطْ، فَالزَّرْعُ كُلُّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل، لأَِنَّهُ نَشَأَ عَنْ عَمَلِهِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا وَأُجْرَةُ الْبَقَرِ لِصَاحِبِهِ أَوْ مَكِيلَةُ الْبَذْرِ لِصَاحِبِهِ إِنْ كَانَ الْعَامِل هُوَ صَاحِبَ الأَْرْضِ، لَكِنَّ شَرْطَ اخْتِصَاصِ الْعَامِل بِالزَّرْعِ: أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ الْعَمَل إِمَّا بَذْرٌ وَالأَْرْضُ لِلآْخَرِ، أَوْ أَرْضٌ وَالْبَذْرُ لِلآْخَرِ، وَإِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَى عَمَلِهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْضٍ أَوْ بَذْرٍ أَوْ بَقَرٍ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، لأَِنَّهُ أَجِيرٌ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ وَالْبَذْرُ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ وَالْعَمَل مِنْ أَحَدِهِمَا فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْعَمَل، سَوَاءٌ كَانَ مُخْرِجُ الْبَذْرِ صَاحِبَ الأَْرْضِ أَوْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ إِنْ كَانَ هُوَ مُخْرِجَ الْبَذْرِ كِرَاءَ أَرْضِ صَاحِبهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُخْرِجَ الْبَذْرِ فَعَلَيْهِ لَهُ مِثْل بَذْرِهِ.
قَال الْعَدَوِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ: إِذَا فَاتَتْ بِالْعَمَل سِتَّةَ أَقْوَالٍ:
الرَّاجِحُ مِنْهَا أَنَّهُ لِمَنِ اجْتَمَعَ لَهُ شَيْئَانِ مِنْ ثَلاَثَةِ أُصُولٍ: الْبَذْرِ وَالأَْرْضِ وَالْعَمَل، فَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةً وَاجْتَمَعَ لِكُل وَاحِدٍ شَيْئَانِ مِنْهَا أَوِ انْفَرَدَ كُلٌّ وَاحِدٍ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ بَيْنَهُمْ أَثْلاَثًا، وَإِنِ اجْتَمَعَ لِوَاحِدٍ شَيْئَانِ مِنْهَا دُونَ صَاحِبَيْهِ كَانَ لَهُ الزَّرْعُ دُونَهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ، وَنَقَل شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ الْبَاقِي أَنَّهُ الْمُفْتَى بِهِ، وَمِثْل ذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَ شَيْئًا لِشَخْصَيْنِ مِنْهُمْ فَالزَّرْعُ لَهُمَا دُونَ الثَّالِثِ، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي ثَلاَثِ صُوَرٍ:
الأُْولَى: أَنْ تَجْتَمِعَ الثَّلاَثَةُ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ وَلِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْبَاقِينَ اثْنَانِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَجْتَمِعَ الثَّلاَثَةُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْ شَخْصَيْنِ مِنْهُمْ وَيَجْتَمِعُ لِلشَّخْصِ الثَّالِثِ اثْنَانِ.
الثَّالِثةُ: أَنْ تَجْتَمِعَ الثَّلاَثَةُ لِوَاحِدٍ وَيَجْتَمِعَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ وَيَنْفَرِدَ الثَّالِثُ بِوَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّمَنْ لَهُ اثْنَانِ يُسَاوِي مَنْ لَهُ ثَلاَثَةٌ لأَِنَّ مَنْ لَهُ ثَلاَثَةٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ لَهُ اثْنَانِ (134) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ: إِنْ أُفْرِدَتْ أَرْضٌ بِالْمُزَارَعَةِ فَالْمُغَل لِلْمَالِكِ لأَِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِل أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَدَوَابِّهِ وَآلاَتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ، وَسَلَّمَ الزَّرْعَ لِبُطْلاَنِ الْعَقْدِ، وَلاَ يَمْكَنُ إِحْبَاطُ عَمَلِهِ مَجَّانًا، أَمَّا إِذَا لَمْ يُسَلَّمِ الزَّرْعُ فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل لأَِنَّهُ لَمْ يَحْصُل لِلْمَالِكِ شَيْءٌ (135) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي تَوْجِيهِ الْحُكْمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، لأَِنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ يَنْمُو كَأَغْصَانِ الشَّجَرِ وَيَنْقَلِبُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَقَالُوا فِي تَعْلِيل كَوْنِ الأُْجْرَةِ عَلَى مَنْ أَخَذَ الزَّرْعَ لِصَاحِبِهِ: أَيْ لأَِنَّهُ دَخَل عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَا سُمِّيَ، فَإِذَا فَاتَ رَجَعَ إِلَى بَدَلِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِل فَالزَّرْعُ لَهُ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْل الأَْرْضِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْل الْعَامِل، وَلَوْ دَفَعَ بَذْرًا لِصَاحِبِ أَرْضٍ يَزْرَعُهَا فِيهَا وَمَا يَخْرُجُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ فَاسِدٌ، لأَِنَّ الْبَذْرَ لَيْسَ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ وَلاَ مِنَ الْعَامِل فَالزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الأَْرْضِ وَالْعَمَل، وَقِيل: يَصِحُّ (136) . الضَّمَانُ فِي الْمُزَارَعَةِ
37 - الْمُزَارِعُ أَمِينٌ عَلَى مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَحْصُولٍ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً أَمْ فَاسِدَةً نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (137) .
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهِ أَمِينًا، أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَحْصُولٍ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ إِذَا هَلَكَ بِدُونِ تَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ مِنْهُ، كَمَا فِي سَائِرِ عُقُودِ الأَْمَانَاتِ، أَمَّا إِذَا تَعَدَّى أَوْ قَصَّرَ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ.
وَإِذَا قَصَّرَ فِي سَقْيِ الأَْرْضِ حَتَّى هَلَكَ الزَّرْعُ بِهَذَا السَّبَبِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ إِذَا كَانَتِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً لِوُجُوبِ الْعَمَل عَلَيْهِ فِيهَا، وَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَيَضْمَنُ بِالتَّقْصِيرِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُهُ لِعَدَمِ إِيجَابِهِ عَلَيْهِ فِيهَا.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: أَكَّارٌ (138) تَرَكَ السَّقْيَ عَمْدًا حَتَّى يَبِسَ ضَمِنَ وَقْتَ مَا تَرَكَ السَّقْيَ قِيمَتَهُ نَابِتًا فِي الأَْرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّرْعِ قِيمَةٌ قُوِّمَتِ الأَْرْضُ مَزْرُوعَةً وَغَيْرَ مَزْرُوعَةٍ، فَيَضْمَنُ فَضْل مَا بَيْنَهُمَا (139) .
وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّ الأَْرْضِ الْحَصَادَ فَتَغَافَل حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَ، إِلاَّ أَنْ يُؤَخِّرَ تَأْخِيرًا مُعْتَادًا.
وَإِنْ تَرَكَ تَأْخِيرَ الزَّرْعِ حَتَّى أَكَلَهُ الدَّوَابُّ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، هَذَا قَبْل الإِْدْرَاكِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، لأَِنَّ الْحِفْظَ بَعْدَهُ لَيْسَ عَلَى الْمُزَارِعِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (140) .
مَا يُفْسَخُ بِهِ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ
38 - يَنْفَسِخُ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ بِالْعُذْرِ الاِضْطِرَارِيِّ، وَبِصَرِيحِ الْفَسْخِ وَدَلاَلَتِهِ، وَبِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَبِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَبِاسْتِحْقَاقِ الأَْرْضِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ كَمَا يَلِي:
أَوَّلاً: الْعُذْرُ الاِضْطِرَارِيُّ الَّذِي يَحُول دُونَ مُضِيِّ الْعَقْدِ:
الْعُذْرُ الاِضْطِرَارِيُّ إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَإِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمُزَارِعِ.
أ - الْعُذْرُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ:
39 - أَمَّا الْعُذْرُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ فَهُوَ الدَّيْنُ الْفَادِحُ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ صَاحِبُ الأَْرْضِ قَضَاءَهُ إِلاَّ مِنْ ثَمَنِهَا، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَهَذَا، بِيعَتِ الأَْرْضُ لِسَدَادِ هَذَا الدَّيْنِ وَفُسِخَ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ إِذَا أَمْكَنَ فَسْخُهُ، بِأَنْ كَانَ قَبْل زِرَاعَةِ الأَْرْضِ، أَوْ بَعْدَهَا وَلَكِنَّ الزَّرْعَ بَلَغَ الْحَصَادَ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ لِرَبِّ الأَْرْضِ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ إِلاَّ بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فَلاَ يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُهُ، فَيَبِيعُ الْقَاضِي الأَْرْضَ بِدَيْنِهِ أَوَّلاً، ثُمَّ يَفْسَخُ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ، وَلاَ تَنْفَسِخُ بِنَفْسِ الْعُذْرِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْفَسْخُ بِأَنْ كَانَ الزَّرْعُ بَقْلاً، فَإِنَّ الأَْرْضَ لاَ تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ وَلاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ إِلاَّ بَعْدَ بُلُوغِ الزَّرْعِ الْحَصَادَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (141) ، لأَِنَّ فِي الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِبْطَال حَقِّ الْمُزَارِعِ، وَفِي الاِنْتِظَارِ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ تَأْخِيرَ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَفِيهِ رِعَايَةٌ لِلْجَانِبَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى.
فَإِذَا كَانَ صَاحِبُ الأَْرْضِ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ مِنْ حَبْسِهِ إِلَى غَايَةِ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ، لأَِنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَهُوَ الْمَطْل وَهُوَ غَيْرُ مُمَاطِلٍ قَبْل الإِْدْرَاكِ، لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا عَنْ بَيْعِ الأَْرْضِ شَرْعًا، وَالْمَمْنُوعُ مَعْذُورٌ، فَإِذَا أَدْرَكَ الزَّرْعُ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إِلَى الْحَبْسِ مَرَّةً أُخْرَى لِيَبِيعَ أَرْضَهُ وَيُؤَدِّيَ دَيْنَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِلاَّ فَيَبِيعُ الْقَاضِي (142) .
ب - الْعُذْرُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى الْمُزَارِعِ:
40 - وَأَمَّا الْعُذْرُ الاِضْطِرَارِيُّ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى الْمُزَارِعِ فَنَحْوُ الْمَرَضِ الشَّدِيدِ، لأَِنَّهُ مُعْجِزٌ عَنِ الْعَمَل، وَنَحْوُ السَّفَرِ الْبَعِيدِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَنَحْوُ تَرْكِهِ حِرْفَتَهُ إِلَى حِرْفَةٍ أُخْرَى، لأَِنَّ مِنَ الْحِرَفِ مَا لاَ يُغْنِي مِنْ جَوْعٍ فَيَكُونُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الاِنْتِقَال إِلَى غَيْرِهَا، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (143) .
ثَانِيًا: فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ صَرَاحَةً أَوْ دَلاَلَةً
41 - تَنْفَسِخُ الْمُزَارَعَةُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ بِلَفْظِ الْفَسْخِ أَوِ الإِْقَالَةِ، لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ، وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِصَرِيحِ الْفَسْخِ وَالإِْقَالَةِ.
أَمَّا الدَّلاَلَةُ: فَكَأَنْ يَمْتَنِعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَنِ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ فِي حَقِّهِ قَبْل إِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ، فَكَانَ بِسَبِيل مِنَ الاِمْتِنَاعِ عَنِ الْمُضِيِّ فِيهِ بِدُونِ عُذْرٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا مِنْهُ دَلاَلَةً، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (144) .
ثَالِثًا: انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ:
42 - إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمُحَدَّدَةُ لِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ فُسِخَ الْعَقْدُ لأَِنَّهَا إِذَا انْقَضَتْ فَقَدِ انْتَهَى الْعَقْدُ وَهُوَ مَعْنَى الاِنْفِسَاخِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (145) .
رَابِعًا: مَوْتُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ:
43 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تُفْسَخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ سَوَاءٌ صَاحِبُ الأَْرْضِ، أَوِ الْمُزَارِعُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَفَاةُ قَبْل زِرَاعَةِ الأَْرْضِ أَمْ كَانَتْ بَعْدَهَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الزَّرْعُ بَقْلاً أَمْ بَلَغَ الْحَصَادَ (146) .
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ أَفَادَ الْحُكْمَ لِلْعَاقِدِ خَاصَّةً دُونَ وَارِثِهِ، لأَِنَّهُ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ، وَالأَْصْل أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ فَإِنَّ حُكْمَ تَصَرُّفِهِ يَقَعُ لَهُ لاَ لِغَيْرِهِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَقَالُوا: إِنَّ عَلَى وَرَثَةِ الْمُزَارِعِ مُتَابَعَةَ الْعَمَل إِذَا كَانَ الْمُزَارِعُ هُوَ الْمُتَوَفَّى، وَكَانَ الزَّرْعُ قَدْ أَدْرَكَ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا: هَذَا مَا لَمْ يَكُنِ الْمُزَارِعُ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتَهُ ذَلِكَ (147) .
خَامِسًا: اسْتِحْقَاقُ أَرْضِ الْمُزَارَعَةِ
44 - إِذَا اسْتُحِقَّتْ أَرْضُ الْمُزَارَعَةِ قَبْل زِرَاعَتِهَا أَخَذَهَا الْمُسْتَحِقُّ وَفُسِخَ الْعَقْدُ، وَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل عَلَى الَّذِي دَفَعَهَا إِلَيْهِ لِيَزْرَعَهَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ عَمِل فِيهَا بَعْضَ الأَْعْمَال الَّتِي تَسْبِقُ الزَّرْعَ كَالْحَرْثِ وَالتَّسْوِيَةِ وَالتَّسْمِيدِ بِالسَّمَادِ.
وَلَوِ اسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الزَّرْعِ وَقَبْل الْحَصَادِ أَخَذَهَا الْمُسْتَحِقُّ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقْلَعَا الزَّرْعَ، وَخُيِّرَ الْمُزَارِعُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ الزَّرْعِ عَلَى حَالِهِ، وَيَكُونَ النِّصْفُ الآْخَرُ لِلَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً، وَبَيْنَ تَضْمِينِ الَّذِي دَفَعَ الأَْرْضَ نِصْفَ قِيمَةِ الزَّرْعِ نَابِتًا وَتَرَكَ لَهُ الزَّرْعَ كُلَّهُ.
وَيَضْمَنُ الْمُسْتَحِقُّ نُقْصَانَ الأَْرْضِ لِلزَّارِعِ خَاصَّةً، ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الَّذِي دَفَعَ الأَْرْضَ إِلَيْهِ فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ الآْخَرَ، وَفِي قَوْلِهِ الأَْوَّل - وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الدَّافِعَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الزَّارِعَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الزَّارِعَ رَجَعَ بِهِ عَلَى الدَّافِعِ، لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي غَرَّهُ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ (148) .
الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْفَسْخِ
الْفَسْخُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل زَرْعِ الأَْرْضِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ.
أ - الْفَسْخُ قَبْل الزَّرْعِ:
45 - إِذَا كَانَ الْفَسْخُ قَبْل الزَّرْعِ فَإِنَّ الْعَامِل لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، أَيًّا كَانَ سَبَبُ الْفَسْخِ أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ بِصَرِيحِ الْفَسْخِ أَمْ كَانَ بِدَلاَلَتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ أَثَرَ الْفَسْخِ يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبِل بِانْتِهَاءِ حُكْمِهِ لاَ فِي الْمَاضِي، فَلاَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، وَالْوَاجِبُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ هُوَ الْحِصَّةُ الْمُسَمَّاةُ، وَهِيَ بَعْضُ نَمَاءِ الأَْرْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا شَيْءٌ، فَلاَ يَجِبُ لِلْعَامِل أَيُّ شَيْءٍ. وَقِيل: إِنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ هُوَ حُكْمُ الْقَضَاءِ.
فَأَمَّا دِيَانَةً فَالْوَاجِبُ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ.
إِرْضَاءُ الْعَامِل فِيمَا لَوِ امْتَنَعَ الأَْوَّل عَنِ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ قَبْل الزِّرَاعَةِ، وَلاَ يَحِل لَهُ ذَلِكَ شَرْعًا، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ التَّغْرِيرَ وَهُوَ حَرَامٌ (149) .
ب - الْفَسْخُ بَعْدَ الزَّرْعِ
أَمَّا إِذَا كَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ مَا زُرِعَتِ الأَْرْضُ، فَإِنَّ هَذَا الْفَسْخَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل ذَلِكَ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: الْفَسْخُ بَعْدَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ:
46 - إِذَا كَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ وَبُلُوغِهِ مَبْلَغَ الْحَصَادِ، فَإِنَّ النَّمَاءَ يُقْسَمُ بَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ حَسَبَ النِّسْبَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمَا (150) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْفَسْخُ قَبْل الإِْدْرَاكِ:
47 - أَمَّا إِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْل إِدْرَاكِ الزَّرْعِ بِأَنْ كَانَ لاَ زَال بَقْلاً، فَإِنَّ الزَّرْعَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ النِّسْبَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمَا كَالْحَالَةِ الأُْولَى. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْفَسْخُ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً أَوْ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، لأَِنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَالْعَمَل فِيمَا بَقِيَ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى الْمُزَارِعِ أَجْرُ مِثْل نِصْفِ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا.
وَوَجْهُ قِسْمَةِ الزَّرْعِ بَيْنَهُمَا: أَنَّ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل لاَ فِي الْمَاضِي، فَبَقِيَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا كَانَ قَبْل الاِنْفِسَاخِ، وَوَجْهُ كَوْنِ الْعَمَل عَلَيْهِمَا مَعًا فِيمَا بَقِيَ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ أَنَّهُ عَمَلٌ فِي مَالٍ مُشْتَرَكٍ لَمْ يُشْتَرَطِ الْعَمَل فِيهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا مَعًا.
أَمَّا وَجْهُ وُجُوبِ أَجْرِ مِثْل نِصْفِ الأَْرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ: فَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ قَدِ انْفَسَخَ وَفِي الْقَلْعِ ضَرَرٌ بِالْمُزَارِعِ، وَفِي التَّرْكِ بِغَيْرِ أَجْرٍ ضَرَرٌ بِصَاحِبِ الأَْرْضِ فَكَانَ التَّرْكُ بِنِصْفِ أَجْرِ الْمِثْل رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ.
وَإِنْ أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا بِدُونِ إِذْنِ الآْخَرِ وَبِغَيْرِ أَمْرٍ مِنَ الْقَاضِي كَانَ مُتَطَوِّعًا وَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الأَْرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الزَّرْعَ بَقْلاً لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالْمُزَارِعِ.
أَمَّا لَوْ أَرَادَ الْمُزَارِعُ أَخْذَهُ بَقْلاً، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ ثَلاَثَةُ خِيَارَاتٍ:
الأَْوَّل: قَلْعُ الزَّرْعِ وَقِسْمَتُهُ بَيْنَهُمَا.
الثَّانِي: إِعْطَاءُ الْمُزَارِعِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنَ الزَّرْعِ وَتَرْكُهُ فِي الأَْرْضِ حَتَّى يَبْلُغَ الْحَصَادَ.
الثَّالِثُ: الإِْنْفَاقُ عَلَى الزَّرْعِ مِنْ مَالِهِالْخَاصِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمُزَارِعِ بِحِصَّتِهِ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ.
نَصَّ عَلَى كُل ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (151) ، هَذَا إِذَا كَانَ الْفَسْخُ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً أَوْ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
أَثَرُ مَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ
إِذَا كَانَ الْفَسْخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَقَدْ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الَّذِي مَاتَ هُوَ صَاحِبَ الأَْرْضِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ هُوَ الْمُزَارِعَ (152) .
أ - مَوْتُ صَاحِبِ الأَْرْضِ:
48 - إِذَا مَاتَ صَاحِبُ الأَْرْضِ وَالزَّرْعُ مَا زَال بَقْلاً، فَإِنَّ الأَْرْضَ تُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ حَتَّى وَقْتِ الْحَصَادِ، وَيُقْسَمُ الْخَارِجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَةِ صَاحِبِ الأَْرْضِ عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ: أَنَّ فِي التَّرْكِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ نَظَرًا وَرِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ، وَفِي الْقَلْعِ إِضْرَارًا بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمُزَارِعُ، وَيَكُونُ الْعَمَل عَلَى الْمُزَارِعِ خَاصَّةً لِبَقَاءِ الْعَقْدِ تَقْرِيرًا حَتَّى الْحَصَادِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ (153) .
ب - مَوْتُ الْمُزَارِعِ
49 - أَمَّا إِذَا كَانَ الَّذِي مَاتَ هُوَ الْمُزَارِعَ، وَكَانَ الزَّرْعُ لاَ يَزَال بَقْلاً، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ الْحَقُّ فِي الْحُلُول مَحَل مُوَرِّثِهِمْ فِي الْعَمَل بِنَفْسِ الشَّرْطِ الَّذِي تَمَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ، سَوَاءٌ رَضِيَ ذَلِكَ الأَْخِيرُ أَمْ أَبَى، لأَِنَّ فِي قَلْعِ الزَّرْعِ إِضْرَارًا بِهِمْ وَلاَ ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ مِنْ تَرْكِ الزَّرْعِ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ، بَل قَدْ يَكُونُ فِي تَرْكِهِ فَائِدَةٌ لَهُ.
وَإِذَا تُرِكَ الزَّرْعُ تَحْتَ أَيْدِي الْوَرَثَةِ لاَ أَجْرَ لَهُمْ عَلَى عَمَلِهِمْ، لأَِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ عَلَى حُكْمِ عَقْدِ مُوَرِّثِهِمْ تَقْدِيرًا، فَكَأَنَّهُ يَعْمَل هُوَ، وَإِذَا عَمِل هُوَ كَانَ عَمَلُهُ بِدُونِ أَجْرٍ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ عَمَلُهُمْ.
وَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ قَلْعَ الزَّرْعِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى الْعَمَل، لأَِنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ حَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُ بَقِيَ تَقْدِيرًا بِاخْتِيَارِهِمْ نَظَرًا لَهُمْ حَتَّى لاَ يُضَارُوا مِنَ الْفَسْخِ.
فَإِنِ امْتَنَعُوا عَنِ الْعَمَل بَقِيَ الزَّرْعُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ عَلَى الشَّرْطِ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ نَفْسُ الْخِيَارَاتِ الثَّلاَثَةِ السَّابِقَةِ. وَهِيَ:
- قِسْمَةُ الزَّرْعِ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
- إِعْطَاءُ الْوَرَثَةِ قَدْرَ حِصَّتِهِمْ مِنَ الزَّرْعِ بَقْلاً.
- الإِْنْفَاقُ عَلَى الزَّرْعِ مِنْ مَال نَفْسِهِ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِحِصَّتِهِمْ، لأَِنَّ فِيهِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ (154) . الاِخْتِلاَفُ حَوْل شَرْطِ الأَْنْصِبَاءِ أَوْ صَاحِبِ الْبَذْرِ:
50 - إِذَا مَاتَ صَاحِبُ الأَْرْضِ أَوِ الْمُزَارِعُ أَوْ مَاتَا جَمِيعًا، فَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَ الْحَيُّ مِنْهُمَا مَعَ وَرَثَةِ الآْخَرِ فِي شَرْطِ الأَْنْصِبَاءِ، فَإِنَّ الْقَوْل يَكُونُ قَوْل صَاحِبِ الْبَذْرِ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ مَيِّتًا. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (155) لأَِنَّ الأَْجْرَ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي الْمَشْرُوطِ - وَأَنْكَرَهَا هُوَ - كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَوَرَثَتُهُ يَخْلُفُونَهُ، فَيَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ بِاللَّهِ عَلَى عَمَلِهِمْ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الآْجِرِ، لأَِنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةُ بِبَيِّنَةٍ.
وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي صَاحِبِ الْبَذْرِ مَنْ هُوَ؟ كَانَ الْقَوْل قَوْل الْمُزَارِعِ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ كَانَ حَيًّا، وَقَوْل وَرَثَتِهِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ إِنْ كَانَ مَيِّتًا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْخَارِجَ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ أَوْ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ، فَالْقَوْل قَوْل ذِي الْيَدِ مَعَ الْيَمِينِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ خَارِجٌ مُحْتَاجٌ إِلَى الإِْثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ.
وَلَوْ كَانَا حَيَّيْنِ فَاخْتَلَفَا، فَأَقَامَ صَاحِبُ الأَْرْضِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ، وَأَنَّهُ شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ الثُّلُثَ، وَأَقَامَ الْمُزَارِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُ الْبَذْرِ، وَأَنَّهُ شَرَطَ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ الثُّلُثَ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ الْمُحْتَاجُ إِلَى الإِْثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ قِبَل رَبِّ الأَْرْضِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ، لأَِنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ بِبَيِّنَةٍ (156) .
التَّوْلِيَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالشَّرِكَةُ فِيهَا:
51 - إِذَا دَفَعَ شَخْصٌ أَرْضَهُ إِلَى آخَرَ لِيَزْرَعَهَا مُدَّةً مُعَيَّنَةً عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَهَا الْمُزَارِعُ بِدَوْرِهِ إِلَى آخَرَ مُزَارَعَةً أَوْ يُشَارِكَهُ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ أَوْ يَكُونَ مِنَ الْمُزَارِعِ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ، فَإِمَّا أَنْ يَقُول لِلْمَزَارِعِ: اعْمَل بِرَأْيِكَ، وَإِمَّا أَلاَّ يَقُول لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ قَال لَهُ: اعْمَل بِرَأْيِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُقْسَمُ الْخَارِجُ بَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ الآْخَرِ، وَلاَ شَيْءَ لِلْمُزَارِعِ الأَْوَّل.
وَإِنْ لَمْ يَقُل لَهُ: اعْمَل فِيهَا بِرَأْيِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا لِغَيْرِهِ لِيَزْرَعَهَا، فَإِذَا خَالَفَ وَأَعْطَاهَا لآِخَرَ لِيَزْرَعَهَا مُنَاصَفَةً - وَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ - كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَ الْمُزَارِعِ الأَْوَّل وَالْمُزَارِعِ الثَّانِي نِصْفَيْنِ عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ، وَلِصَاحِبِ الأَْرْضِ أَنْ يُضَمِّنَ بَذْرَهُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ نُقْصَانُ الأَْرْضِ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ يُضَمِّنُ الثَّانِيَ خَاصَّةً، ثُمَّ لِلثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الأَْوَّل بِمَا ضَمِنَ لأَِنَّهُ غَرَّهُ.
ب - إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَلَمْ يَقُل لَهُ: اعْمَل فِيهِ بِرَأْيِكَ، فَأَشْرَكَ فِيهِ رَجُلاً آخَرَ بِبَذْرٍ مِنْ قِبَل ذَلِكَ الرَّجُل، وَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلاَ بِالْبَذْرَيْنِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَعَمِلاَ عَلَى هَذَا، فَجَمِيعُ الْخَارِجِ بَيْنَهُمَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَلاَ شَيْءَ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ لَهُ الْمُزَارِعُ وَحْدَهُ ثَمَنَ بَذْرِهِ، وَضَمَانُ النُّقْصَانِ فِي الأَْرْضِ عَلَى الاِثْنَيْنِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ أَمَرَهُ بِأَنْ يَعْمَل بِرَأْيِهِ وَيُشَارِكَ مَنْ أَحَبَّ - وَكَانَتِ الْمِلَّةُ بِحَالِهَا - فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَيُقْسَمُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا، نِصْفُهُ لِلْمُزَارِعِ الآْخَرِ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي بَيْنَ الأَْوَّل وَبَيْنَ رَبِّ الأَْرْضِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الرُّبُعُ.
ج - إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل فَدَفَعَ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً لآِخَرَ بِالنِّصْفِ جَازَتْ، سَوَاءٌ قَال لَهُ صَاحِبُ الأَْرْضِ: اعْمَل بِرَأْيِكَ أَوْ لَمْ يَقُل، وَيُقْسَمُ الْخَارِجُ بَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ الآْخَرِ، وَلاَ شَيْءَ لِلْمُزَارِعِ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الآْخَرِ (157) . الْوَكَالَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ
الْوَكَالَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُزَارِعِ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: الْوَكَالَةُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ:
52 - إِذَا وَكَّل صَاحِبُ الأَْرْضِ رَجُلاً بِأَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ لآِخَرَ مُزَارَعَةً، جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ لِلْوَكِيل أَنْ يَدْفَعَهَا لَهُ وَيَشْتَرِطَ أَيَّةَ حِصَّةٍ مِنَ الْخَارِجِ لِرَبِّ الأَْرْضِ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل حَيْنَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ قَدْ فَوَّضَ الأَْمْرَ إِلَيْهِ فِي تَحْدِيدِ هَذِهِ الْحِصَّةِ مَعَ الْمُزَارِعِ، فَبِأَيَّةِ حِصَّةٍ دَفَعَهَا مُزَارَعَةً كَانَ مُمْتَثِلاً لأَِمْرِهِ مُحَصِّلاً لِمَقْصُودِهِ.
وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَدْفَعَهَا بِشَيْءٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَابَى فِيهِ بِمَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، لأَِنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيل يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ.
فَإِنْ دَفَعَهَا مَعَ هَذِهِ الْمُحَابَاةِ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَالْوَكِيل عَلَى شَرْطِهِمَا، وَلاَ شَيْءَ مِنْهُ لِرَبِّ الأَْرْضِ، أَيْ أَنَّ الْوَكَالَةَ تَكُونُ بَاطِلَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لأَِنَّ الْوَكِيل صَارَ غَاصِبًا لِلأَْرْضِ بِمُخَالَفَتِهِ الْمُوَكِّل، وَغَاصِبُهَا إِذَا دَفَعَهَا مُزَارَعَةً كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ عَلَى الشَّرْطِ.
وَلِصَاحِبِ الأَْرْضِ تَضْمِينُ الْوَكِيل أَوِ الْمُزَارِعِ نُقْصَانَ الأَْرْضِ فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ الأَْوَّل وَقَوْل مُحَمَّدٍ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُزَارِعَ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيل بِمَا ضَمِنَ، لأَِنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ. وَفِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ الآْخَرِ: يَضْمَنُ الْمُزَارِعُخَاصَّةً، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ، فَأَمَّا الْوَكِيل فَغَاصِبٌ وَالْعَقَارُ عِنْدَهُ لاَ يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُزَارِعُ عَلَى الْوَكِيل لِلْغُرُورِ.
فَإِنْ كَانَ حَابَى فِيهِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، فَالْخَارِجُ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَرَبِّ الأَْرْضِ عَلَى الشَّرْطِ، وَالْوَكِيل هُوَ الَّذِي قَبَضَ نَصِيبَ الْمُوَكِّل لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَجَّرَ الأَْرْضَ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ نَصِيبُ رَبِّ الأَْرْضِ بِعَقْدِهِ فَهُوَ الَّذِي يَلِي قَبْضَهُ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الأَْرْضِ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلاَّ بِوَكَالَةٍ مِنَ الْوَكِيل (158) .
وَإِذَا وَكَّلَهُ وَلَمْ يُحَدِّدْ لَهُ مُدَّةً لِلْمُزَارَعَةِ جَازَ لِلْوَكِيل أَنْ يَدْفَعَهَا مُزَارَعَةً سَنَتَهُ الأُْولَى، فَإِنْ دَفَعَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ وَلَمْ يَدْفَعْ هَذِهِ السَّنَةَ الأُْولَى، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ قِيَاسًا.
وَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ التَّوْكِيل مُطْلَقٌ عَنِ الْوَقْتِ فَفِي أَيِّ سَنَةٍ وَفِي أَيِّ مُدَّةٍ دَفَعَهَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُخَالِفًا لِمَا أَمَرَ بِهِ مُوَكِّلُهُ فَجَازَ.
وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ دَفْعَ الأَْرْضِ مُزَارَعَةً يَكُونُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ السَّنَةِ عَادَةً وَالتَّقْيِيدُ الثَّابِتُ بِالْعُرْفِ فِي الْوَكَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، فَإِذَا دَخَلَهُ التَّقْيِيدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُحْمَل عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ، وَهُوَ وَقْتُ الزِّرَاعَةِ مِنَ السَّنَةِ الأُْولَى (159) . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: التَّوْكِيل مِنَ الْمُزَارِعِ:
53 - إِذَا وَكَّل رَجُلٌ آخَرَ بِأَنْ يَأْخُذَ لَهُ هَذِهِ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمُوَكِّل كَانَتِ الْوَكَالَةُ جَائِزَةً (160) ، وَتَسْرِي أَحْكَامُ الْوَكَالَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى هُنَا أَيْضًا، أَيْ أَنَّ الْوَكِيل يَكُونُ مُقَيَّدًا بِالْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ فِي التَّعَامُل، كَمَا يَكُونُ مُقَيَّدًا بِالشِّرْعِ، فَلاَ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِالْمُوَكِّل.
هَذَا إِذَا كَانَ التَّوْكِيل مُطْلَقًا عَنِ الْقُيُودِ، أَمَّا إِذَا قَيَّدَ الْمُوَكِّل - سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبُ الأَْرْضِ أَمِ الْمُزَارِعُ - وَكِيلَهُ بِقَيْدٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَكِيل الاِلْتِزَامُ بِهِ (161) فَإِذَا خَالَفَهُ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ لِمَصْلَحَةِ الْمُوَكِّل فَإِنَّهَا تَكُونُ نَافِذَةً فِي حَقِّهِ، لأَِنَّهَا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَةً ضِمْنِيَّةً، فَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي لاَ بِالأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي.
فَلَوْ وَكَّل صَاحِبُ الأَْرْضِ رَجُلاً لِيَدْفَعَ لَهُ أَرْضَهُ لآِخَرَ مُزَارَعَةً بِالثُّلُثِ مَثَلاً، فَدَفَعَهَا الْوَكِيل لَهُ بِالنِّصْفِ، فَإِنَّ الْوَكِيل هُنَا يَكُونُ قَدْ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ، وَلَكِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ صَحِيحًا، لأَِنَّ الْمُخَالَفَةَ لِخَيْرِ الْمُوَكِّل وَمَصْلَحَتِهِ، فَقَدْ عَقَدَ لَهُ بِالنِّصْفِ بَدَلاً مِنَ الثُّلُثِ. لِذَلِكَ لاَ تَبْطُل الْوَكَالَةُ إِذَا أَجَازَ الْمُوَكِّل تَصَرُّفَ وَكِيلِهِ الْمَخَالِفِ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ (162) وَهَذَا كُلُّهُ طِبْقًا لِلْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الْوَكَالَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (وَكَالَةٌ) .
الْكَفَالَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ
54 - إِذَا دَفَعَ رَجُلٌ لآِخَرَ أَرْضًا لَهُ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ، وَضَمِنَ رَجُلٌ آخَرُ لِرَبِّ الأَْرْضِ الزِّرَاعَةَ مِنَ الزَّارِعِ كَانَ الضَّمَانُ بَاطِلاً، لأَِنَّ الْمُزَارِعَ مُسْتَأْجِرٌ لِلأَْرْضِ عَامِلٌ وَالْمُزَارَعَةُ لِنَفْسِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ لِرَبِّ الأَْرْضِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الضَّمَانُ بِمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الأَْصِيل لِلْمَضْمُونِ لَهُ.
فَإِذَا كَانَ الضَّمَانُ شَرْطًا فِي الْمُزَارَعَةِ كَانَتْ فَاسِدَةً، لأَِنَّهَا اسْتِئْجَارٌ لِلأَْرْضِ، فَتَبْطُل بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهَا جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ وَبَطَل الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ جَازَ الضَّمَانُ وَالْمُزَارَعَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، لأَِنَّ رَبَّ الأَْرْضِ مُسْتَأْجِرٌ لِلْعَامِل، وَقَدْ صَارَتْ إِقَامَةُ الْعَمَل مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ، وَهُوَ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ فِي تَسْلِيمِهِ، فَيَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالْكَفَالَةِ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ أَوْ مَقْصُودًا بَعْدَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ. وَإِنْ تَعَنَّتَ الزَّارِعُ أَخَذَ الْكَفِيل بِالْعَمَل، لأَِنَّهُ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ بِإِيفَاءِ مَا كَانَ عَلَى الأَْصِيل وَهُوَ عَمَل الزِّرَاعَةِ.
فَإِذَا عَمِل الْكَفِيل وَبَلَغَ الزَّرْعُ الْحَصَادَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُزَارِعُ كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، لأَِنَّ الْكَفِيل كَانَ نَائِبًا عَنْهُ فِي إِقَامَةِ الْعَمَل، وَيَسْتَحِقُّ الْكَفِيل أَجْرَ مِثْل عَمَلِهِ إِنْ كَانَ كَفَلَهُ بِأَمْرِهِ، لأَِنَّهُ الْتَزَمَ الْعَمَل بِأَمْرِهِ وَقَدْ أَوْفَاهُ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، وَمِثْلُهُ هُوَ أَجْرُ الْمِثْل.
وَلاَ يَجُوزُ ضَمَانُ الْمُزَارِعِ إِذَا كَانَ رَبُّ الأَْرْضِ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَل بِنَفْسِهِ، لأَِنَّ مَا الْتَزَمَهُ الْعَامِل هُنَا لاَ تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ، وَهُوَ عَمَل الْمُزَارِعِ بِنَفْسِهِ، إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْكَفِيل إِبْقَاءُ ذَلِكَ، فَيَبْطُل الضَّمَانُ وَتَبْطُل مَعَهُ الْمُزَارَعَةُ أَيْضًا لَوْ كَانَ شَرَطَا فِيهَا.
وَإِذَا ضَمِنَ الْكَفِيل لِرَبِّ الأَْرْضِ حِصَّتَهُ مِنَ الْخَارِجِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ لاَ تَصِحُّ سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل رَبِّ الأَْرْضِ أَمْ كَانَ مِنْ قِبَل الْمُزَارِعِ، لأَِنَّ نَصِيبَ صَاحِبِ الأَْرْضِ مِنَ الْخَارِجِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ.
وَالْكِفَالَةُ بِالأَْمَانَةِ لاَ تَصِحُّ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِمَا هُوَ مَضْمُونُ التَّسْلِيمِ عَلَى الأَْصْل، ثُمَّ تَبْطُل الْمُزَارَعَةُ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ شَرْطًا فِيهَا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (163) . مُزَارَعَةُ الأَْرْضِ الْعَشْرِيَّةِ
55 - لَوْ زَارَعَ بِالأَْرْضِ الْعَشْرِيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل فَعَلَى قِيَاسِ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: الْعُشْرُ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ كَمَا فِي الإِْجَارَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَكُونُ فِي الزَّرْعِ كَالإِْجَارَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا (164) .
الْمُزَارَعَةُ فِي الأَْرْضِ الْمَرْهُونَةِ
56 - إِذَا رَهَنَ إِنْسَانٌ عِنْدَ آخَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَبَضَهَا الْمُرْتَهِنُ زَارَعَهُ الرَّاهِنُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ وَالْبَذْرُ مِنَ الْمُرْتَهِنِ جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ وَيَقْتَسِمَانِ الْخَارِجَ عَلَى الشَّرْطِ، لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَهُوَ الدَّائِنُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَأْجِرٌ لِلأَْرْضِ، وَالْمُرْتَهِنُ إِذَا اسْتَأْجَرَ الْمَرْهُونَ مِنَ الرَّاهِنِ بَطَل عَقْدُ الرَّهْنِ، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ أَلْزَمُ مِنَ الرَّهْنِ، وَقَدْ طَرَأَ الاِثْنَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَكَانَ الثَّانِي رَافِعًا لِلأَْوَّل، فَلِهَذَا كَانَ الْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُزَارَعَةِ أَنْ يُعِيدَهَا رَهْنًا.
وَإِنْ مَاتَ الْمَدِينُ الرَّاهِنُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنِ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غُرَمَائِهِ لِبُطْلاَنِ عَقْدِ الرَّهْنِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَدِينِ الرَّاهِنِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ تَكُونُ جَائِزَةً أَيْضًا وَلَكِنَّ الرَّهْنَ لاَ يَبْطُل، وَيَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَ الأَْرْضَ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الزَّرْعِ، لأَِنَّ الْعَقْدَ هُنَا يَرِدُ عَلَى عَمَل الْمُزَارِعِ فَلاَ يَبْطُل بِهِ عَقْدُ الرَّهْنِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (165) .
أَخْذُ الْمَأْذُونِ لَهُ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً
57 - يَجُوزُ لِلْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً، لأَِنَّ فِيهِ تَحْصِيل الرِّبْحِ، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَهُوَ مُسْتَأْجِرٌ لِلأَْرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ أَنْفَعُ مِنَ الاِسْتِئْجَارِ بِالدَّرَاهِمِ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُل خَارِجٌ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِخِلاَفِ الاِسْتِئْجَارِ بِالدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ فَهُوَ آجِرٌ نَفْسَهُ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ لِعَمَل الزِّرَاعَةِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ بِالدَّرَاهِمِ جَازَ فَكَذَا هَذَا (166) .
اشْتِرَاطُ عَدَمِ بَيْعِ النَّصِيبِ أَوْ هِبَتِهِ:
58 - إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ أَنْ لاَ يَبِيعَ الآْخَرُ نَصِيبَهُ أَوْ يَهَبَهُ جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ وَبَطَل الشَّرْطُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدِ الْعَامِلَيْنِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ (167) .
__________
(1) المعجم الوسيط، ولسان العرب، والمصباح المنير.
(2) الشرح الصغير 3 / 493.
(3) تكملة البحر الرائق 8 / 181، وتبيين الحقائق للزيلعي 5 / 278، وحاشية ابن عابدين 6 / 274، والمبسوط 23 / 17، وبدائع الصنائع 26 / 175، والهداية مع تكملة الفتح 9 / 462، والفتاوى الهندية 5 / 235.
(4) حاشية الدسوقي 3 / 372.
(5) مغني المحتاج 2 / 324 طبعة البابي الحلبي.
(6) منتهى الإرادات 1 / 471، وانظر كشاف القناع 3 / 532، والمغني 5 / 416.
(7) مختار الصحاح.
(8) منتهى الإرادات لابن النجار 1 / 471.
(9) حاشية الدسوقي 3 / 372، والخرشي 6 / 63.
(10) المغني 5 / 416، ومنتهى الإرادات 1 / 471، والمقنع 2 / 191، وكشاف القناع 3 / 532، وزاد المعاد لابن القيم 3 / 144.
(11) بدائع الصنائع 6 / 175، وتبيين الحقائق 5 / 278، وتكملة البحر الرائق 8 / 181، وابن عابدين 6 / 275، والمبسوط 23 / 17، والفتاوى الهندية 5 / 235، وحاشية سعدي جلبي مع تكملة الفتح 9 / 462.
(12) المغني 5 / 416.
(13) المحلي 8 / 217، وصحيح مسلم 10 / 210.
(14) حديث: " أن رسول الله ﷺ " عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 10) ، ومسلم (3 / 1186) .
(15) المغني 5 / 418.
(16) بدائع الصنائع 6 / 175، وتبيين الحقائق 5 / 278.
(17) تبيين الحقائق 5 / 278، وتكملة البحر الرائق 8 / 181، وحاشية ابن عابدين 6 / 275، والمبسوط 23 / 17، والهداية مع تكملة الفتح 9 / 463.
(18) حديث: " من كانت له أرض فليزرعها أو فليُزرعها أخاه. . ". أخرجه مسلم (3 / 1181) ، وأبو داود (3 / 689) واللفظ لأبي داود.
(19) حديث: " نهى عن قفيز الطحان ". أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5 / 339) والدارقطني (3 / 47) وضعفه الذهبي في ميزان الاعتدال (4 / 306) بقوله: هذا منكر، وراويه لا يعرف.
(20) بدائع الصنائع 6 / 175، وتبيين الحقائق 5 / 278، وتكملة البحر الرائق 8 / 181.
(21) بداية المجتهد 2 / 276، والمدونة الكبرى 9 / 552، والشرح الصغير هامش بلغة السالك 2 / 260.
(22) بداية المجتهد 2 / 276.
(23) نهاية المحتاج 5 / 245 - 247، ومغني المحتاج 2 / 323، 324، والأم 3 / 239، والمهذب للشيرازي 1 / 393، 394، وحاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب 3 / 162، 163، وروضة الطالبين 5 / 168.
(24) المبسوط 23 / 17، والمغني 5 / 421.
(25) بدائع الصنائع 6 / 176، وتبيين الحقائق 5 / 278، وتكملة البحر الرائق 8 / 181، والفتاوى الهندية 5 / 235.
(26) حاشية ابن عابدين 6 / 274.
(27) بدائع الصنائع 6 / 177 - 178، وتبيين الحقائق 5 / 280، تكملة البحر الرائق 8 / 182، والهداية مع تكملة الفتح 9 / 465.
(28) الشرح الصغير 2 / 178، ومواهب الجليل 5 / 176 - 177، وحاشية الدسوقي 3 / 372.
(29) مواهب الجليل 5 / 176، 177.
(30) حاشية الدسوقي 3 / 372.
(31) المغني 5 / 423، والمقنع 2 / 192، 193.
(32) بدائع الصنائع 6 / 183 وما بعدها، وتبيين الحقائق 5 / 278، 279، وحاشية ابن عابدين 6 / 274، والفتاوى الهندية 5 / 237.
(33) حاشية الدسوقي 2 / 372، والخرشي 6 / 63.
(34) حاشية الدسوقي 3 / 372.
(35) المغني 5 / 404، وكشاف القناع 3 / 537.
(36) حديث: " نقركم على ذلك ما شئنا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 21) ، ومسلم (3 / 1187) .
(37) أثر إجلاء عمر ﵁ لليهود عن خيبر. أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 21) ، ومسلم (3 / 1187) .
(38) المغني 5 / 404.
(39) سورة المائدة / 1.
(40) المعجم الوسيط.
(41) بدائع الصنائع 6 / 177، وتبيين الحقائق 5 / 279، وحاشية ابن عابدين 6 / 276، والمبسوط 23 / 19، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، ومنتهى الإرادات 2 / 346، وكشاف القناع 3 / 542.
(42) تبيين الحقائق 5 / 279.
(43) حاشية ابن عابدين 6 / 276.
(44) شرح منتهى الإرادات 2 / 346، وكشاف القناع 3 / 542.
(45) بدائع الصنائع 6 / 177، وحاشية ابن عابدين 6 / 275، 293، والمبسوط 23 / 19، والهداية مع تكملة الفتح 9 / 464.
(46) حاشية الدسوقي 3 / 373، 374، والخرشي 6 / 63 وما بعدها.
(47) المراجع السابقة.
(48) الإنصاف 5 / 483.
(49) المبسوط 23 / 23، وتبيين الحقائق 5 / 279، 280، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، وحاشية ابن عابدين 6 / 275، 276.
(50) حاشية الدسوقي 3 / 373، وكشاف القناع 3 / 344.
(51) المراجع السابقة، وانظر الهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 469.
(52) الماذيانات جمع (ماذيان) وهو أصغر من النهر، فارسي معرب، وقيل: ما يجتمع فيه ماء السيل ثم يسقى منه الأرض (المغرب) .
(53) حديث: " لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون. . ". أخرجه مسلم (3 / 1183) .
(54) بدائع الصنائع 6 / 178، والفتاوى الهندية 5 / 236، والمبسوط 23 / 42، وكشاف القناع 3 / 542.
(55) حاشية ابن عابدين 6 / 275، والفتاوى الهندية 5 / 235.
(56) حاشية ابن عابدين 6 / 275، والفتاوى الهندية 5 / 235، وبدائع الصنائع 6 / 178، وتبيين الحقائق 5 / 279، وتكملة البحر الرائق 8 / 181، ومنتهى الإرادات 1 / 471، وكشاف القناع 3 / 534.
(57) حاشية ابن عابدين 6 / 284، والمبسوط 23 / 76، وحاشية الدسوقي 3 / 376، والخرشي 6 / 65، والمغني 5 / 413، وكشاف القناع 3 / 541.
(58) بدائع الصنائع 6 / 179 - 180، والمبسوط 23 / 20، 108، وتبيين الحقائق 5 / 280، 281، والفتاوى الهندية 5 / 236.
(59) بدائع الصنائع 6 / 180، وتكملة البحر الرائق 8 / 181، وحاشية ابن عابدين 6 / 275، وتبيين الحقائق 5 / 279، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 464، والفتاوى الهندية 5 / 236.
(60) حاشية ابن عابدين 6 / 275، وعمدة القاري 12 / 168.
(61) المغني 5 / 404، 405، وكشاف القناع 3 / 537.
(62) نهاية المحتاج 5 / 245، 246، ومغني المحتاج 2 / 323، 324، والأم 3 / 239، وحاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب 3 / 162، 163.
(63) بدائع الصنائع 6 / 180، وحاشية الدسوقي 3 / 373، وكشاف القناع 3 / 544.
(64) بدائع الصنائع 6 / 180، والمبسوط 23 / 61، والمغني 5 / 426، 427، ومنتهى الإرادات 1 / 474، 475، وكشاف القناع 3 / 544، والدسوقي 3 / 373.
(65) بدائع الصنائع 6 / 180، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، والفتاوى الهندية 5 / 236، والمغني 5 / 423، والمقنع 2 / 192، 193.
(66) حاشية الدسوقي 3 / 372.
(67) المبسوط 23 / 28.
(68) بدائع الصنائع 6 / 180، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، والمبسوط 23 / 22، والفتاوى الهندية 5 / 236.
(69) بدائع الصنائع 6 / 180، وتكملة البحر الرائق 8 / 186، ومنتهى الإرادات 1 / 473، المقنع 2 / 194.
(70) المبسوط 23 / 109، ومنتهى الإرادات 1 / 473، والمقنع 2 / 194.
(71) البيدر هو: الجرن (المعجم الوسيط) .
(72) بدائع الصنائع 6 / 180، وتبيين الحقائق 5 / 283، وتكملة البحر الرائق 8 / 186، وحاشية ابن عابدين 6 / 281، والمبسوط 23 / 36، والفتاوى الهندية 5 / 236.
(73) المسناة: سد يبنى لحجز ماء السيل أو النهر به مفاتح للماء تفتح على قدر الحاجة (المعجم الوسيط) .
(74) المراجع السابقة للحنفية.
(75) بدائع الصنائع 6 / 181، وتبيين الحقائق 5 / 283، والمبسوط 23 / 36، وتكملة البحر الرائق 8 / 186، والفتاوى الهندية 5 / 237.
(76) حاشية ابن عابدين 6 / 282.
(77) منتهى الإرادات 1 / 473، وكشاف القناع 3 / 544.
(78) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3 / 496.
(79) بدائع الصنائع 6 / 181، والمبسوط 23 / 39، والفتاوى الهندية 5 / 237، ومنتهى الإرادات 1 / 473.
(80) الكراب: تقليب الأرض للحراث، تقول: كرب الأرض كَرْباً وكِرَاباً قَلَبَهَا للحرث وأثارها للزرع (المعجم الوسيط، ولسان العرب) .
(81) المبسوط 23 / 109.
(82) حاشية ابن عابدين 6 / 275، 276، والمبسوط 23 / 19، وبدائع الصنائع 6 / 177.
(83) حاشية الدسوقي 3 / 373، والخرشي 6 / 63، وما بعدها.
(84) بدائع الصنائع 6 / 181، وتبيين الحقائق 5 / 281، 282، وحاشية ابن عابدين 6 / 277، والخرشي 6 / 66.
(85) المراجع السابقة.
(86) حاشية ابن عابدين 6 / 277، وانظر المبسوط 23 / 61.
(87) بدائع الصنائع 6 / 181، وتكملة البحر الرائق 8 / 184، والمبسوط 23 / 61، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 470، والفتاوى الهندية 5 / 237.
(88) الخرشي 6 / 66.
(89) بدائع الصنائع 6 / 179، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، وحاشية ابن عابدين 6 / 278، والمبسوط 23 / 19.
(90) الخرشي 6 / 66.
(91) منتهى الإرادات 1 / 471، والمغني 5 / 423.
(92) بدائع الصنائع 6 / 179، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، وحاشية ابن عابدين 6 / 278، والمبسوط 23 / 19 والهداية مع تكملة الفتح 9 / 469.
(93) الخرشي 6 / 66.
(94) منتهى الإرادات 1 / 474.
(95) بدائع الصنائع 6 / 179، وحاشية ابن عابدين 6 / 278، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، والمبسوط 23 / 20.
(96) حاشية الدسوقي 3 / 376، والخرشي 6 / 66، ومنتهى الإرادات 1 / 474، والمغني 5 / 423.
(97) بدائع الصنائع 6 / 189.
(98) المبسوط 23 / 107، والفتاوى الهندية 5 / 229، وحاشية الدسوقي 3 / 376، والخرشي 6 / 65، والمغني 5 / 428، 429، والمقنع 2 / 194.
(99) المبسوط 23 / 107، 108.
(100) المغني 5 / 428، 429.
(101) حاشية الدسوقي 3 / 376، والخرشي 6 / 65.
(102) حاشية الدسوقي 3 / 376، والخرشي 6 / 66.
(103) بدائع الصنائع 6 / 179، وتبيين الحقائق 5 / 281، والمبسوط 23 / 20.
(104) المراجع السابقة.
(105) بدائع الصنائع 6 / 179، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، وتبيين الحقائق 5 / 280، وحاشية ابن عابدين 6 / 278، ومنتهى الإرادات 1 / 474، وكشاف القناع 3 / 543.
(106) المراجع السابقة.
(107) بدائع الصنائع 6 / 179.
(108) بدائع الصنائع 6 / 179، وحاشية ابن عابدين 6 / 278، والمبسوط 23 / 30، 31، ومنتهى الإرادات 1 / 474، وكشاف القناع 3 / 543.
(109) حاشية الدسوقي 3 / 376، والخرشي 6 / 65.
(110) بدائع الصنائع 6 / 180.
(111) المغني 5 / 427، ومنتهى الإرادات 1 / 474، والمقنع 2 / 194، وكشاف القناع 3 / 545.
(112) المغني 5 / 425، وكشاف القناع 3 / 543، 544.
(113) بدائع الصنائع 6 / 179، وتكملة البحر الرائق 8 / 182، وحاشية ابن عابدين 6 / 279، والمبسوط 23 / 15، 16.
(114) المغني 5 / 428، ومنتهى الإرادات 1 / 474، والمقنع 2 / 194.
(115) بدائع الصنائع 6 / 180.
(116) بدائع الصنائع 6 / 182، وابن عابدين 6 / 281، والفتاوى الهندية 5 / 237، ومنتهى الإرادات 1 / 472، وكشاف القناع 3 / 540.
(117) بدائع الصنائع 6 / 182، والمبسوط 23 / 38، 39.
(118) بدائع الصنائع 6 / 182، والمبسوط 23 / 38، 39.
(119) كشاف القناع 3 / 540.
(120) بدائع الصنائع 6 / 181، والمبسوط 23 / 39، ومنتهى الإرادات 1 / 473، وكشاف القناع 3 / 540.
(121) المبسوط 23 / 33، ومنتهى الإرادات 1 / 473، وكشاف القناع 3 / 541.
(122) بدائع الصنائع 6 / 182، تكملة البحر الرائق 8 / 186، وحاشية ابن عابدين 6 / 281، الهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 477، والفتاوى الهندية 5 / 237.
(123) بدائع الصنائع 6 / 180، وتكملة البحر الرائق 8 / 186.
(124) بدائع الصنائع 6 / 182، وتكملة البحر الرائق 8 / 184، والمبسوط 23 / 43، 44، والفتاوى الهندية 5 / 237.
(125) بدائع الصنائع 6 / 182، وتكملة البحر الرائق 8 / 184، والهداية مع شروحها 9 / 470.
(126) بدائع الصنائع 6 / 182، والفتاوى الهندية 5 / 229، والمقنع 2 / 193.
(127) بدائع الصنائع 6 / 182، والمبسوط 23 / 16، والخرشي 6 / 67، وحاشية الدسوقي 3 / 377، ونهاية المحتاج 5 / 247، وحاشية البجيرمي 3 / 163، والمغني 5 / 425، 426، ومنتهى الإرادات 1 / 475، والمقنع 2 / 193.
(128) المراجع السابقة.
(129) بدائع الصنائع 6 / 182، والمبسوط 23 / 22.
(130) بدائع الصنائع 6 / 182، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 472، والفتاوى الهندية 5 / 239.
(131) بدائع الصنائع 6 / 182.
(132) بدائع الصنائع 6 / 183.
(133) بدائع الصنائع 6 / 183، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 471.
(134) حاشية العدوي على الخرشي 6 / 67 - 68.
(135) نهاية المحتاج 5 / 247.
(136) المقنع 2 / 193.
(137) حاشية ابن عابدين 6 / 283، والمبسوط 23 / 127، والفتاوى الهندية 5 / 261.
(138) الأكار: الحراث (المعجم الوسيط) .
(139) حاشية ابن عابدين 5 / 283، نقلاً عن السراجية.
(140) حاشية ابن عابدين 6 / 282، 283، والفتاوى الهندية 5 / 267.
(141) بدائع الصنائع 6 / 183، وحاشية ابن عابدين 6 / 280، والهداية مع التكملة 9 / 474، والفتاوى الهندية 5 / 260.
(142) بدائع الصنائع 6 / 184، وتبيين الحقائق 5 / 282، وتكملة البحر الرائق 8 / 185، والمبسوط 23 / 44، 45، والهداية مع التكملة 9 / 475، والفتاوى الهندية 5 / 260.
(143) بدائع الصنائع 6 / 184، وحاشية ابن عابدين 6 / 280، والفتاوى الهندية 5 / 260.
(144) بدائع الصنائع 6 / 184، والمبسوط 23 / 25، 26.
(145) بدائع الصنائع 6 / 184، وحاشية ابن عابدين 6 / 280، والفتاوى الهندية 5 / 260.
(146) بدائع الصنائع 6 / 184، وتبيين الحقائق 5 / 282، وتكملة البحر الرائق 8 / 185، وحاشية ابن عابدين 6 / 280، والمبسوط 23 / 45، والفتاوى الهندية 5 / 260، والهداية مع التكملة 9 / 473.
(147) كشاف القناع 3 / 538 - 539، وشرح منتهى الإرادات 2 / 345.
(148) المبسوط 23 / 54، 55.
(149) بدائع الصنائع 6 / 184، 185، وتبيين الحقائق 5 / 283، وتكملة البحر 8 / 185، والمبسوط 3 / 47، والهداية مع التكملة 9 / 473.
(150) بدائع الصنائع 6 / 184، 185، والمبسوط 23 / 47، 48.
(151) المبسوط 23 / 47، 48 وبدائع الصنائع 6 / 184، 185، والهداية مع التكملة 9 / 476.
(152) بدائع الصنائع 6 / 184، وحاشية ابن عابدين 6 / 284، والمبسوط 23 / 45، 46، 49، والفتاوى الهندية 5 / 254.
(153) بدائع الصنائع 6 / 184، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 477.
(154) بدائع الصنائع 6 / 184، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 477.
(155) المبسوط 23 / 89، 156.
(156) المبسوط 23 / 156.
(157) المبسوط 23 / 70، 77، والفتاوى الهندية 5 / 250 وما بعدها.
(158) المبسوط 23 / 137.
(159) المبسوط 23 / 137.
(160) المبسوط 23 / 139.
(161) المبسوط 23 / 141، والفتاوى الهندية 5 / 266.
(162) المبسوط 23 / 139، 141، والفتاوى الهندية 5 / 266.
(163) المبسوط 23 / 127، وحاشية ابن عابدين 6 / 283، والفتاوى الهندية 5 / 268.
(164) فتح القدير 2 / 8، دار صادر بيروت.
(165) المبسوط 23 / 159، والفتاوى الهندية 5 / 264.
(166) العناية على الهداية 7 / 337.
(167) فتح القدير 5 / 215، 216.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 49/ 37