البحث

عبارات مقترحة:

البارئ

(البارئ): اسمٌ من أسماء الله الحسنى، يدل على صفة (البَرْءِ)، وهو...

الجميل

كلمة (الجميل) في اللغة صفة على وزن (فعيل) من الجمال وهو الحُسن،...

المتعالي

كلمة المتعالي في اللغة اسم فاعل من الفعل (تعالى)، واسم الله...

الكلام في ما لا يعنيك

تَركُ المرء الكلام فيما لا يَعنِيهِ قاعدةٌ سلوكيةٌ عَظيمةٌ، وخُلُقٌ جميلٌ تُحِبُّهُ النُّفُوسُ السوية، وسلوكٌ مُهذبٌ تميلُ إليهِ الفِطرُ السَّليمَةُ؛ يَرفعُهم عَنِ مراقبةِ النَّاس والتَّجسُسِ عليهم، والتَّلَصُّصِ على أخبارِهم، وَإِيذَاءِهم بالتطفُلِ على خُصُوصِياتِهم، وإِحرَاجِهم بالأسئلةِ الثَّقِيلةِ؛ فهم في راحةٍ، والنَّاسُ مِنْهُمْ فِي أْمَانٍ إِن حَلُّوا وِإن رحَلُوا.

التعريف

التعريف لغة

ما لا يعنيه: «ما لا يريده، ولا يحتاج إليه، ولا ضرورة إليه فيه، ولا ينفعه بكون عيشه بدونه مُمْكناً». انظر: "دليل الفالحين" للبكري (249/1). وقال القاري: «فِي مَعْنَى تَرْكِهِ مَا لَا يَعْنِيهِ أَيْ: مَا لَا يُهِمُّهُ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَنَظَرًا وَفِكْرًا». "تحفة الأحوذي" للمباركفوري (500/6). وقال الزبيدي: «ما لا يعنيك: ما لا تتعلق به عنايتك، ولا يكون من مقصدك ومطلوبك، لأن العناية شدة الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه، إذا اهتم به وطلبه». " إتحاف السادة المتقين" (7/462).

التعريف اصطلاحًا

أن تتكلَّمَ بكل ما لو سَكتَّ عنه لم تأثَم، ولم تتضرَّرْ في حالٍ ولا مآل. وقد قيد أبو حامد الغزالي المراد بالكلام في ما لا يعني بأنه كلام في مباح، ولا يترتب عليك فيه ضرر ولا على مسلم، ولا هتك لستر، ولا توريط لمسلم في رياء أو كذب. "إحياء علوم الدين" للغزالي (5 /407-408).

الأدلة

القرآن الكريم

الكلام في ما لا يعنيك في القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. [النساء: 114]. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾. [المؤمنون: 3]. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾. [المائدة: 101].

السنة النبوية

الكلام في ما لا يعنيك في السنة النبوية
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». أخرجه الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976). يقول ابن عبد البر: «وقول النبي : «مِن حُسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه» من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو مما لم يقله أحد قبله؛ لأن من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه من الأقوال والأعمال؛ إذ الإسلام يقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات، وإذا حسُن الإسلام استلزم ذلك ترك ما لا يعني من المشتبهات والمكروهات وفضول المباحات (وهو القدر الزائد على الحاجة)». "التمهيد" لابن عبد البر (9 /200). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «توُفِّيَ رجلٌ من أصحابِه فقالوا أبشِرْ بالجنَّةِ فقال رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أولا تدرونَ فلعَلَّهُ قد تَكلَّمَ بما لا يعنيهِ أو بخِلَ بما لا ينفعُهُ». أخرجه الترمذي (2316)، والبزار (7557) باختلاف يسير، والبيهقي في "شعب الإيمان" (10835) واللفظ له. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله قال: «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قيلَ وَقالَ، وإضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». أخرجه مسلم(593). وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «مَنْ صَمَتَ نَجَا». أخرجه الترمذي (2501). وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول الله قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». أخرجه البخاري (6475)، ومسلم (47).

العقل

وفي ترك الإنسان ما لا يعنيه سلامةِ دينهِ وعرضهِ، وانشغالهِ بنفسه عن شؤونِ غيره، وتركهِ ما لا يعنيهِ، دليلٌ على رجاحةِ عقله، وكمال توفيقه؛ وَصَاحِبُهُ مِنْ أَطْيَبِ النَّاسِ عَيْشًا وأهنأهم نفسًا، وأسلمهم َقَلْبًا، وإنما كان الكلام فيما لا يعني مذمومًا لأن فيه تضييع للوقت الذي هو رأس مال المسلم، فقد كان بإمكانه أن يستغله في ذكر الله تعالى، فينال به الأجر الكثير والخير العظيم، فالكلام فيما لا يعني - إن لم يكن فيه ضرر - ففيه الخسارة وتضييع الأجر، ولذلك قال النبي : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». أخرجه الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976).

أقوال أهل العلم

«وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابًا من الشر، كلها مداخل للشيطان؛ فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها، وكم من حربٍ جرتها كلمة واحدة». ابن قَيِّم الجَوْزِيَّة "بدائع الفوائد" لابن القيم(402/1).
«إذا رأيت ‌قساوة ‌في ‌قلبك، ووهنًا في بدنك، وحرمانًا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك». مالك بن دِينار "فيض القدير" (1/286).
«فإذا خاض فيما لا يعنيه، نقص من حسن إسلامه، فكان هذا عليه؛ إذ ليس من شرط ما هو عليه أن يكون مستحقًّا لعذاب جهنم، وغضب الله، بل نقص قدره، ودرجته». ابن تَيْمِيَّة "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (37/4).
«من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه؛ فإنه وإن لم يأثم؛ فقد خسر حيث فاته الربح العظيم». الغَزالي "إحياء علوم الدين" (5/404).
أمرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه، ولست بتارك طلبه أبدًا. قالوا: وما هو؟ قال: «الكف عما لا يعنيني». الذَّهَبي مورق العجلي
«فتمسك بالسنة، والزم الصمت، ولا تخض فيما لا يعنيك، وما أشكل عليك فرده إلى الله ورسوله، وقف، وقل الله ورسوله أعلم». "سير أعلام النبلاء" (20/142).

الصور

المراد بالكلام في ما لا يعني كما تقدم الكلام في مباح لا يترتب عليه ضرر ولا توريط لمسلم في كذب أو رياء، وهذه الدرجة لا تصل إلى درجة التحريم، لكن الأولى بالمسلم المحافظ على وقته الذي هو رأس ماله أن يجتنبها. وقد ذكر لها أبو حامد الغزالي صورتين: الصورة الأولى: الكلام الزائد الذي لا يفيد: مثل أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك، وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تستضر. و الصورة الثانية: أن تسأل غيرك عما لا يعنيك؛ لكن دون أن يترتب عليه ضرر على السؤال، ولا توريط له بكذب أو رياء، ووجه ذلك أنك تكون بالسؤال مضيعًا لوقتك، وقد ألجأت صاحِبَك أيضًا بالجواب إلى التضييع. وقد كان السلف يعرضون عن السائل الذي يتكلم في ما لا يعنيه. قال رجل كالبدوي للقاسم بن محمد رحمه الله تعالى: أنت أعلم أم سالم؟ قال هذا سالم، فإن تأته لم يخبرك إلا بما أحاط به علمًا. قال الإمام أبو الوليد ابن رشد معلقًا: «لما سأل السائل القاسم بن محمد عمَّا لا يعنيه ممَّا لا يتحقق معرفته أعرض عن جوابه على ذلك». "البيان والتحصيل" (18/250). وللكلام في ما لا يعني صورٌ أخرى، يترتب عليها ضرر أو توريط لمسلم في كذب أو رياء، فتكون محرمة، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فمن ذلك: أن تسأل غيرك عن عبادته مثلاً؛ فتقول له: هل أنت صائم؟ فإن قال: نعم، كان مُظهِرًا لعبادته، فيدخل عليه الرياء، وإن لم يدخل؛ سقطت عبادته من ديوان السر، وعبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات، وإن قال: لا، كان كاذبًا، وإن سكت؛ كان مُستحقِراً لك وتأذَّيت به، وإن احتال لمدافعة الجواب، افتقر إلى جُهدٍ وتعبٍ فيه، فقد عرضته بالسؤال إما للرياء، أو للكذب، أو للاستحقار، أو للتعب في حيلة الدفع. سؤالك عن المعاصي، وعن كل ما يخفيه، ويستحي منه. فتقول له: ماذا تقول؟ وفيم أنتم؟ سؤالك عما تحدَّثَ به غيرُك؛ فتقول له: ماذا تقول، وفيم أنت؟ ترى إنسانًا في الطريق فتقول: من أين؟، فربما يمنعه مانع من ذكره، فإن ذكره تأذَّى به واستحيا، وإن لم يصدق وقع في الكذب، وكُنتَ السبب فيه. يقول الأُبِّي في "إكمال الإكمال" (5 /14) في تفسير نهي النبي عن كثرة السؤال: «وقد يُعنَى بكثرة السؤال سؤال الرجل عن حاله وعن تفاصيل أمره، فيُدخلُ بذلك الحَرَجَ عليه، إما بكشف ما لا يريد كشفه، لضرورة السؤال، أو بالكذب ليستر ذلك عنه، إذا كان مما لا يفشى، أو بالجفاء وسوء الأدب إن ترك الجواب له عنه». تسأل عن مسألة لا حاجة بك إليها، والمسؤول ربما لم تسمح نفسه بأن يقول: لا أدري، فيجيب عن غير بصيرة. انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (5 /408-409).

الأقسام والأنواع

ويظهر مما تقدم أن الكلام في ما لا يعني قسمان: القسم الأول: الكلام في مباح لا يترتب عليه ضرر ولا توريط لمسلم في كذب أو رياء، وهذه الدرجة لا تصل إلى درجة التحريم، لكن الأولى بالمسلم المحافظ على وقته الذي هو رأس ماله أن يجتنبها. والقسم الثاني: الكلام الذي يترتب عليه ضرر أو توريط لمسلم في كذب أو رياء، فيكون محرمًا، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد،

العقوبة

للكلام في ما لا يعني إن ترتب على ذلك ضرر بمسلم أو توريط له في رياء أو كذب مفاسد عديدة منها: 1- قسوة القلب: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: «لا تُكثِروا الكلامَ بغيرِ ذكرِ اللهِ فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ اللهِ قسوةٌ للقلبِ، وإن أبعدَ الناسِ من اللهِ القلبُ القاسي». أخرجه الترمذي (2411). 2- الوقوع في الإثم لارتكابه منهيًّا عنه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾. [الإسراء: 36]. 3- حرمان الجنة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «توُفِّيَ رجلٌ من أصحابِه فقالوا أبشِرْ بالجنَّةِ فقال رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أولا تدرونَ فلعَلَّهُ قد تَكلَّمَ بما لا يعنيهِ أو بخِلَ بما لا ينفعُهُ». أخرجه الترمذي (2316)، والبزار (7557) باختلاف يسير، والبيهقي في "شعب الإيمان" (10835) واللفظ له.

وسائل الاجتناب

1- الإكثار من ذكر الله: جاء في الحديث أنَّ أعرابيًّا قال لرسول الله : «إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأنبئني منها بشيء أتشبث به ، قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله عزَّ وجلَّ» أخرجه الترمذي (3375)، وابن ماجه (3793). 2- لزوم الصمت: قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾. [الإسراء: 36]. يقول وهب بن منبه: كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان في البحر إذ هما برجل يمشي على الهواء، فقالا له: يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسير من الدنيا، فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه ربي، ولزمت الصمت، فإن أقسمت على الله أبر قسمي، وإن سألته أعطاني. رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان" (ص749). 3- أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الموت بين يديه، وأنه مسؤول عن كل كلمة، وأن أَنْفَاسَهُ رَأْسُ مَالِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. [ق: 16]. 4- أن يعلم أَنَّ لِسَانَهُ شَبَكَةٌ يَقْدِرُ أن يقتنص بها الحور العين فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين. في الحديث: «مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وما بيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ له الجَنَّةَ». أخرجه البخاري (6474). 5 - أن يلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعنيه حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه. 6- العزلة المحمودة ، التي تكون بمجانبة ما يثير فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول الاستماع، وغير ذلك. وضبط ذلك على غير المتعزل شديد جدًّا. انظر "إحياء علوم الدين" للغزالي (5/410).