القدير
كلمة (القدير) في اللغة صيغة مبالغة من القدرة، أو من التقدير،...
ضد العمد، وهو أن يقصد المرء بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصده، ومنه قوله تعالى : ﭽﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭼالنساء :92 فالخطأ هنا ضد العمد .
الغَلَطُ وَالزَّلَلُ، يُقَالُ: أَخْطَأْتُمْ أَيْ غَلِطْتُمْ وَزَلَلْتُمْ، وَضِدُّهُ الصَّوَابُ، وَيَأْتِي الخَطَأُ وَالخِطْءُ بِمَعْنَى: الإِثْمُ وَالذَّنْبُ، يُقَالُ: خَطِئَ فِي دِينِهِ خَطَأً وَخِطْأ إِذَا أَثِمَ فِيهِ، وَأَصْلُ الخَطَأِ: المَيْلُ عَنِ المَقْصُودِ ، تَقُولُ: أَخْطَأَ الطَّرِيقَ مَالَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالتَّخْطِئَةُ: نِسْبَةُ الغَيْرِ إِلَى الخَطَأِ ، وَيُطْلَقُ الخَطَأُ عَلَى مَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ الشَّخْصُ، وَضِدُّهُ العَمْدُ، وَالخَاطِئُ مَنْ تَعَمَّدَ مَا لَا يَنْبَغِي، وَالاسْمُ: الخَطِيئَةُ، وَمِنْ مَعَانِي الخَطَأِ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا: اللَّحْنُ.
يَرِدُ مُصْطَلَحُ (الخَطَأِ) أَيْضًا فِي بَابِ الإِجْمَاعِ، وَبَابِ الاجْتِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَيُرادُ بِهِ:(عَدَمُ إِصَابَةِ الحَقِّ).
خطأ
ضد العمد، وهو أن يقصد المرء بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصده.
* تهذيب اللغة للأزهري : (207/7)
* مختار الصحاح : (ص92)
* تاج العروس : (212/1)
* شرح التلويح على التوضيح : (195/2)
* شرح التلويح على التوضيح : (411/2)
* تهذيب اللغة للأزهري : (207/7)
* التعريفات للجرجاني : (ص104)
* جامع العلوم والحكم : (ص352)
* كشف الأسرار شرح أصول البزدوي : (335/4)
* كشف الأسرار شرح أصول البزدوي : (538/4) -
التَّعْرِيفُ:
1 - الْخَطَأُ لُغَةً نَقِيضُ الصَّوَابِ.
قَال فِي اللِّسَانِ: الْخَطَأُ وَالْخَطَاءُ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَفِي التَّنْزِيل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} (1) عَدَّاهُ بِالْبَاءِ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى عَثَرْتُمْ أَوْ غَلِطْتُمْ.
وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ عَدَل عَنْهُ، وَأَخْطَأَ الرَّامِي الْغَرَضَ لَمْ يُصِبْهُ. وَخَطَّأَهُ تَخْطِئَةً نَسَبَهُ إِلَى الْخَطَأِ وَقَال لَهُ أَخْطَأْتَ.
وَقَال الأُْمَوِيُّ: الْمُخْطِئُ مَنْ أَرَادَ الصَّوَابَ فَصَارَ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْخَاطِئُ مَنْ تَعَمَّدَ لِمَا لاَ يَنْبَغِي.
وَالاِسْمُ الْخَطِيئَةُ عَلَى فَعِيلَةٍ، وَذَلِكَ أَنْ تُشَدَّدَ الْيَاءُ وَتُدْغَمَ فَتَقُول خَطِيَّةٌ وَالْجَمْعُ خَطَايَا (2) .
وَفِي النِّهَايَةِ وَالْمِصْبَاحِ: يُقَال خَطِئَ. فِي دِينِهِ خَطَأً إِذَا أَثِمَ فِيهِ، وَالْخِطْءُ: الذَّنْبُ وَالإِْثْمُ.
وَأَخْطَأَ يُخْطِئُ إِذَا سَلَكَ سَبِيل الْخَطَأِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. وَيُقَال: خَطِئَ بِمَعْنَى أَخْطَأَ أَيْضًا. وَقِيل: خَطِئَ إِذَا تَعَمَّدَ، وَأَخْطَأَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ.
وَيُقَال: لِمَنْ أَرَادَ شَيْئًا فَفَعَل غَيْرَهُ، أَوْ فَعَل غَيْرَ الصَّوَابِ: أَخْطَأَ (3) .
مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ:
2 - قَال فِي التَّلْوِيحِ: هُوَ فِعْلٌ يَصْدُرُ مِنَ الإِْنْسَانِ بِلاَ قَصْدٍ إِلَيْهِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ مَقْصُودٍ سِوَاهُ (4) .
وَعَرَّفَهُ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ بِقَوْلِهِ:
هُوَ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفِعْل غَيْرَ الْمَحَل الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْجِنَايَةُ، كَالْمَضْمَضَةِ تَسْرِي إِلَى حَلْقِ الصَّائِمِ، فَإِنَّ الْمَحَل الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْجِنَايَةُ عَلَى الصَّوْمِ إِنَّمَا هُوَ الْحَلْقُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالْمَضْمَضَةِ بَل قَصَدَ بِهَا الْفَمَ، وَكَالرَّمْيِ إِلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا، فَإِنَّ مَحَل الْجِنَايَةِ هُوَ الآْدَمِيُّ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالرَّمْيِ بَل قَصَدَ غَيْرَهُ وَهُوَ الصَّيْدُ (5) .
الْغَلَطُ:
3 - الْغَلَطُ فِي اصْطِلاَحِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَأْتِي مُسَاوِيًا لِلَفْظِ الْخَطَأِ (6) . فَقَدْ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْعَدَوِيِّ عَلَى الْخَرَشِيِّ تَعْرِيفُ الْغَلَطِ: بِأَنَّهُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ (7) .
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ مَا قَالَهُ اللَّيْثُ: إِنَّهُ أَيِ الْغَلَطُ كُل شَيْءٍ يَعْيَا الإِْنْسَانُ عَنْ جِهَةِ صَوَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ (8) . وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْخَطَأِ بِعَيْنِهِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: فَرْقًا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ وَهُوَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَطَأِ الْجَنَانُ، وَمُتَعَلِّقَ الْغَلَطِ اللِّسَانُ (9) . وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا يَأْتِي الْغَلَطُ بِمَعْنَى الْخَطَأِ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ.
قَال الدُّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: فِي الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ أَيِ: اللِّسَانِيِّ نَظَرٌ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلاَمِهِمْ مِنَ الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الْجِنَائِيُّ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ، كَحَلِفِهِ أَنْ لاَ يُكَلِّمَ زَيْدًا، فَكَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرٌو، وَكَحَلِفِهِ لاَ أَذْكُرُ فُلاَنًا فَذَكَرَهُ، لِظَنِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ الاِسْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (10) .
وَفَرَّقَ أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ فَقَال: إِنَّ الْغَلَطَ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا فِي نَفْسِهِ، وَالْخَطَأُ لاَ يَكُونُ صَوَابًا عَلَى وَجْهٍ. ثُمَّ قَال: وَقَال بَعْضُهُمُ: الْغَلَطُ أَنْ يَسْهَى تَرْتِيبَ الشَّيْءِ وَأَحْكَامَهُ، وَالْخَطَأُ أَنْ يَسْهَى عَنْ فِعْلِهِ، أَوْ أَنْ يُوقِعَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ وَلَكِنْ لِغَيْرِهِ (11) .
وَهَذَا الْبَحْثُ يَشْمَل مُصْطَلَحَيْ (خَطَأٌ، وَغَلَطٌ) بِاعْتِبَارِهِمَا يَرِدَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا هُوَ اصْطِلاَحُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَمَّا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِلَفْظِ الْخَطَأِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُخْطِئِ وَطَلاَقِهِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ يُعَبِّرُونَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالاِعْتِقَادِ بِلَفْظَةِ الْغَلَطِ، كَمَا فِي الْغَلَطِ فِي الْمَبِيعِ، وَتَأْتِي تَعْبِيرَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةً أَحْيَانًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ بِلَفْظَةِ الْخَطَأِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ ذَاتِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظَةِ الْغَلَطِ، كَمَا فِي الْحَجِّ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِل كَمَسَائِل الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ وَالْغَفْلَةُ وَالذُّهُول:
4 - هَذِهِ الأَْلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ.
فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ.
وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ (12) . وَصَرَّحَ الْبَيْجُورِيُّ بِأَنَّ السَّهْوَ مُرَادِفٌ لِلْغَفْلَةِ، وَأَمَّا الذُّهُول فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَهُ مُسَاوِيًا لِلْغَفْلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ أَعَمَّ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ أَخَصَّ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ تَرْجِعُ إِلَى عُيُوبٍ فِي الإِْرَادَةِ لِمَنْ فَاتَهَا الْعِلْمُ، وَمَا كَانَ مُنَافِيًا لِلْعِلْمِ كَانَ مُنَافِيًا لِلإِْرَادَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْخَطَأِ أَنَّهَا أَسْبَابٌ تُؤَدِّي إِلَيْهِ وَالْخَطَأُ يُنْتَجُ عَنْهَا (13) .
ب - الإِْكْرَاهُ:
5 - الإِْكْرَاهُ هُوَ حَمْل الْغَيْرِ عَلَى مَا لاَ يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلاَ يَخْتَارُ الْمُكْرَهُ مُبَاشَرَتَهُ لَوْ خُلِّيَ وَنَفْسَهُ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُلْجِئٍ وَغَيْرِ مُلْجِئٍ وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (إِكْرَاهٌ)
قَال الآْمِدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ بِالإِْكْرَاهِ إِلَى حَدِّ الاِضْطِرَارِ، وَصَارَ نِسْبَةُ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْفِعْل إِلَيْهِ نِسْبَةُ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ إِلَيْهِ، أَنَّ تَكْلِيفَهُ بِهِ إِيجَادًا وَعَدَمًا غَيْرُ جَائِزٍ إِلاَّ عَلَى الْقَوْل بِتَكْلِيفِ مَا لاَ يُطَاقُ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الاِضْطِرَارِ فَهُوَ مُخْتَارٌ، وَتَكْلِيفُهُ جَائِزٌ عَقْلاً وَشَرْعًا، وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ إِجْمَاعًا فِيمَا هُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ (14) .
ج - الْهَزْل:
6 - الْهَزْل ضِدُّ الْجَدِّ وَهُوَ كُل كَلاَمٍ لاَ تَحْصِيل لَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْهُزَال (15) .
وَقَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الْهُزَال وَاللَّعِبُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ (16) . وَنَحْوُهُمَا الْمِزَاحُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ لاَ يُرَادَ بِاللَّفْظِ وَدَلاَلَتِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَلاَ الْمَجَازِيُّ بِأَنْ لاَ يُرَادَ بِهِ شَيْءٌ أَوْ يُرَادَ بِهِ مَا لاَ يَصِحُّ إِرَادَتُهُ بِهِ (17) .
وَالْهَزْل كَالْخَطَأِ فِي أَنَّهُ مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ إِلاَّ أَنَّ الْمُخْطِئَ لاَ قَصْدَ لَهُ فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ وَلاَ فِي حُكْمِهِ، وَالْهَازِل مُخْتَارٌ رَاضٍ بِخُصُوصِ اللَّفْظِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ (18) . د - الْجَهْل:
7 - الْجَهْل انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ أَصْلاً، وَيُسَمَّى الْجَهْل الْبَسِيطَ، أَوْ أَدْرَكَ عَلَى خِلاَفِ هَيْئَتِهِ فِي الْوَاقِعِ وَيُسَمَّى الْجَهْل الْمُرَكَّبَ؛ لأَِنَّهُ جَهْل الْمُدْرِكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ، مَعَ الْجَهْل بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهِ كَاعْتِقَادِ الْفَلاَسِفَةِ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ.
وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ الْجَهْل عُذْرًا مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ، وَعَارِضًا مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ، مِثْلُهُ مِثْل الْخَطَأِ، وَأَنَّهُ مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ وَيُعْتَدُّ بِهِ عُذْرًا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ إِقَامَةُ مَصَالِحِهَا، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِفِعْلِهَا، وَالْمَنْهِيَّاتُ مَزْجُورٌ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالاِنْكِفَافِ عَنْهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لاِرْتِكَابِهَا، وَمَعَ الْجَهْل لَمْ يَقْصِدِ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ الْمَنْهِيِّ فَعُذِرَ بِالْجَهْل فِيهِ (19) .
وَلاَ يُعْتَبَرُ الْجَهْل عُذْرًا فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ مَثَل الْخَطَأِ، فَيَضْمَنُ الْجَاهِل وَالْمُخْطِئُ مَا يُتْلِفَانِهِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
8 - اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الأُْصُول فِي وَصْفِ الْمُخْطِئِ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ. فَقَال الإِْسْنَوِيُّ: بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ بِالاِقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ: مِنْ فُرُوعِ كَوْنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لاَ بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْمُكَلَّفِينَ، أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ الْقَائِمَةِ بِالْفَاعِل، وَهُوَ مَا إِذَا وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ مَثَلاً، هَل يُوصَفُ وَطْؤُهُ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ، وَإِنِ انْتَفَى عَنْهُ الإِْثْمُ، أَوْ لاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْهَا؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا الثَّالِثُ، وَبِهِ أَجَابَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ فَتَاوِيهِ؛ لأَِنَّ الْحِل وَالْحُرْمَةَ مِنَ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ، وَالسَّاهِي وَالْمُخْطِئُ وَنَحْوُهُمَا لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ.
وَجَزَمَ فِي الْمُهَذَّبِ بِالْحُرْمَةِ، وَقَال بِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: (أَيِ الشَّافِعِيَّةِ) وَالْخِلاَفُ يَجْرِي فِي قَتْل الْخَطَأِ، وَفِي أَكْل الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ.
ثُمَّ قَال: وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ التَّحْرِيمَ أَوِ الإِْبَاحَةَ لَمْ يُقَيِّدِ التَّعَلُّقَ بِالْمُكَلَّفِينَ بَل بِالْعِبَادِ، لِيَدْخُل فِيهِ أَيْضًا صِحَّةُ صَلاَةِ الصَّبِيِّ وَغَيْرُهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَوُجُوبُ الْغَرَامَةِ بِإِتْلاَفِهِ، وَإِتْلاَفِ الْمَجْنُونِ وَالْبَهِيمَةِ، وَالسَّاهِي وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ (20) .
وَقَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ مَرْتَبَةُ الْعَفْوِ فَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. ثُمَّ قَال: وَيَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، مِنْهَا مَا يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَمِنْهَا الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، فَكُل فِعْلٍ صَدَرَ عَنْ غَافِلٍ، أَوْ نَاسٍ، أَوْ مُخْطِئٍ، فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَفَرَضْنَا تِلْكَ الأَْفْعَال مَأْمُورًا بِهَا أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهَا أَمْ لاَ. لأَِنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهَا وَلاَ مَأْمُورًا بِهَا وَلاَ مُخَيَّرًا فِيهَا فَقَدْ رَجَعَتْ إِلَى قِسْمِ مَا لاَ حُكْمَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ.
وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ، فَمِنْ شَرْطِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ ذِكْرُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الاِمْتِثَال، وَذَلِكَ فِي الْمُخْطِئِ، وَالنَّاسِي، وَالْفَاعِل مُحَالٌ، وَمِثْل ذَلِكَ النَّائِمُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْحَائِضُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا الْخَطَأُ فِي الاِجْتِهَادِ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الأَْوَّل (21) ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} (22) .
الأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْخَطَأِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُقُوقِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ وَالإِْجْزَاءُ وَنَحْوُهُ:
9 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَطَأَ عُذْرٌ فِي إِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَيْسَ فِيهَا كُلِّهَا، فَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الإِْثْمِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ (23) .
وَجَعَلَهُ شُبْهَةً دَارِئَةً فِي الْعُقُوبَاتِ فَلاَ يُؤَاخَذُ بِحَدٍّ فِيمَا لَوْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ.
وَكَذَلِكَ لاَ قِصَاصَ فِيمَا لَوْ رَمَى إِلَى إِنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالْخَطَأِ فَيَجِبُ ضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ خَطَأً، كَمَا لَوْ رَمَى إِلَى شَاةٍ وَإِنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا صَيْدٌ، أَوْ أَكَل مَا لَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مِلْكُ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ لاَ جَزَاءُ فِعْلٍ فَيَعْتَمِدُ عِصْمَةَ الْمَحَل، وَكَوْنُهُ خَاطِئًا لاَ يُنَافِيهَا (24) .
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: قَال الأُْصُولِيُّونَ، أَيْ فِي حَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (25) : إِنَّهُ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ بِدَلاَلَةِ مَحَل الْكَلاَمِ؛ لأَِنَّ عَيْنَ الْخَطَأِ وَأَخَوَيْهِ (26) غَيْرُ مَرْفُوعٍ، فَالْمُرَادُ حُكْمُهَا وَهُوَ نَوْعَانِ: أُخْرَوِيٌّ وَهُوَ الْمَأْثَمُ، وَدُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الْفَسَادُ، وَالْحُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فَصَارَ الْحُكْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا فَلاَ يَعُمُّ. أَمَّا عِنْدَنَا فَلأَِنَّ الْمُشْتَرَكَ لاَ عُمُومَ لَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلأَِنَّ الْمَجَازَ لاَ عُمُومَ لَهُ فَإِذَا ثَبَتَ الأُْخْرَوِيُّ إِجْمَاعًا لَمْ يَثْبُتِ الآْخَرُ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ فَإِنْ وَقَعَ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ بَل يَجِبُ تَدَارُكُهُ، وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، أَوْ فِعْلٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنْ أَوْجَبَ عُقُوبَةً كَانَ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِهَا، فَمَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ صَوْمًا، أَوْ حَجًّا، أَوْ زَكَاةً، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ نَذْرًا، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَذَا الْوُقُوفُ بِغَيْرِ عَرَفَةَ غَلَطًا يَجِبُ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا، وَمِنْهَا مَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ مَانِعَةٍ نَاسِيًا، أَوْ نَسِيَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الاِجْتِهَادِ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَقْتَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ (27) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ حُقُوقَ الآْدَمِيِّينَ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَتْل الصَّيْدِ وَالْخَطَأُ فِي الْعِبَادَةِ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ إِنْ لَمْ يُؤْمَنْ وُقُوعُ مِثْلِهِ فِي الْمَفْعُول ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ لاَ يُؤْمَنُ فِي السِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ. أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَلاَ يَكُونُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ كَمَا إِذَا أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ عَرَفَةَ، فَيَلْزَمُهُمُ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَكَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالاِجْتِهَادِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلاَفِهِ لاَ يُعْتَدُّ بِحُكْمِهِ.
وَلَوْ صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ الصَّلاَةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَْصَحِّ، وَلَوِ اجْتَهَدَ فِي أَوَانٍ، أَوْ ثِيَابٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ كَانَ نَجِسًا لَزِمَتْهُ الإِْعَادَةُ (28) .
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْوَاقِعَ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا لَغْوٌ فِي الأَْحْكَامِ، كَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَغْوًا فِي الآْثَامِ. وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (29) . وَقَال الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (30) الْمَعْنَى: اعْفُ عَنْ إِثْمِ مَا يَقَعُ مِنَّا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَنَّ الإِْثْمَ مَرْفُوعٌ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ هَل ذَلِكَ مَرْفُوعٌ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَلْزَمُ أَحْكَامُ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ، فَقِسْمٌ لاَ يَسْقُطُ بِاتِّفَاقٍ كَالْغَرَامَاتِ، وَالدِّيَاتِ، وَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، وَقِسْمٌ يَسْقُطُ بِاتِّفَاقٍ كَالْقِصَاصِ وَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ يُخْتَلَفُ فِيهِ كَمَنْ أَكَل نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ، أَوْ حَنِثَ سَاهِيًا، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِمَّا يَقَعُ خَطَأً وَنِسْيَانًا وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ (31) .
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْوَاقِعَ خَطَأً غَيْرُ مُؤَاخَذٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الَّذِي قَال عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} يَقْتَضِي رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْمَنْسِيِّ، وَالْمُؤَاخَذَةُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مُؤَاخَذَةٍ فِي حُكْمِ الآْخِرَةِ وَهُوَ الإِْثْمُ وَالْعِقَابُ، وَإِلَى مُؤَاخَذَةٍ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا وَهُوَ إِثْبَاتُ التَّبَعَاتِ وَالْغَرَامَاتِ. وَالظَّاهِرُ نَفْيُ حُكْمِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ ﵊: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ. يَقْتَضِي رَفْعَ الْخَطَأِ مُطْلَقًا وَرَفْعَ حُكْمِهِ (32) .
10 - وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأَْئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ أَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفَاتِ وَالدِّيَاتِ وَكُل مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ لاَ يَسْقُطُ بِحَالٍ حَتَّى إِنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَال النَّاسِ سَوَاءٌ (33) . لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل خِطَابِ الْوَضْعِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الأُْصُول أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَهُوَ الْخِطَابُ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَْسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمَجَانِينِ وَالْغَافِلِينَ بِسَبَبِ الإِْتْلاَفِ لِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ الَّذِي مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: إِذَا وَقَعَ هَذَا فِي الْوُجُودِ فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْتُ بِكَذَا، وَمِنْ ذَلِكَ الطَّلاَقُ بِالإِْضْرَارِ، وَالإِْعْسَارُ، وَالتَّوْرِيثُ بِالأَْنْسَابِ (34) .
وَنَقَل الْخَلاَّل عَنْ أَحْمَدَ قَال: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ مَرْفُوعٌ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ فِي قَتْل النَّفْسِ الْخَطَأِ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ، يَعْنِي مَنْ زَعَمَ ارْتِفَاعَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ وَالتَّكْلِيفِ (35) .
وَقَال الْبَعْلِيُّ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ: شُرُوطُ التَّكْلِيفِ الْعَقْل وَفَهْمُ الْخِطَابِ. فَلاَ تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ، وَلاَ مَجْنُونٍ لاَ عَقْل لَهُ. وَقَال أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَاخْتَارَ قَوْمٌ تَكْلِيفَهُمَا.
قُلْتُ: مَنِ اخْتَارَ تَكْلِيفَهُمَا، إِنْ أَرَادَ: أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَفْعَالِهِمَا مَا هُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَلاَ نِزَاعَ فِي تَرَتُّبِهِ. وَإِنْ أَرَادَ خِطَابَ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُمَا بِلاَ نِزَاعٍ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي مَسَائِل: هَل هِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، أَمْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؟ أَوْ بَعْضِ مَسَائِل مِنْ مَسَائِل التَّكْلِيفِ (36) .
قَوَاعِدُ فِقْهِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخَطَأِ:
قَاعِدَةٌ: لاَ عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ.
11 - هَذِهِ الْقَاعِدَةُ ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةُ الْعِشَاءِ لَوْ ظَنَّ أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ ضَاقَ فَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْل الْفَائِتَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ بَطَل الْفَجْرُ، فَإِذَا بَطَل يَنْظُرُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ثُمَّ يُعِيدُ الْفَجْرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ يُعِيدُ الْفَجْرَ فَقَطْ. وَمِنْهَا مَا لَوْ ظَنَّ الْمَاءَ نَجِسًا فَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَاهِرٌ جَازَ وُضُوءُهُ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ ظَنَّ الْمُزَكِّي أَنَّ الْمَدْفُوعَ إِلَيْهِ غَيْرُ مَصْرِفٍ لِلزَّكَاةِ فَدَفَعَ لَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَجْزَأَهُ اتِّفَاقًا. وَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلاَةَ الْخَوْفِ، فَبَانَ خِلاَفُهُ لَمْ تَصِحَّ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ حُضُورُ الْعَدُوِّ.
وَلَوِ اسْتَنَابَ الْمَرِيضُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ ظَانًّا أَنَّهُ لاَ يَعِيشُ ثُمَّ صَحَّ مِنَ الْمَرَضِ أَدَّاهُ بِنَفْسِهِ.
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ فَبَانَ خِلاَفُهُ رَجَعَ بِمَا أَدَّى.
وَلَوْ خَاطَبَ امْرَأَتَهُ بِالطَّلاَقِ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَبَانَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ طَلُقَتْ (37) .
وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:
12 - مَا لَوْ ظَنَّ الْمُكَلَّفُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّهُ لاَ يَعِيشُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، تَضَيَّقَ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ ثُمَّ عَاشَ وَفَعَلَهُ فَأَدَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ.
وَمَا لَوْ ظَنَّ دُخُول الْوَقْتِ، فَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل.
أَوْ ظَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ بَانَ نَجَاسَتُهُ.
أَوْ ظَنَّ أَنَّ إِمَامَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ رَجُلٌ قَارِئٌ فَبَانَ كَافِرًا، أَوِ امْرَأَةً أَوْ أُمِّيًّا. أَوْ بَقَاءَ اللَّيْل، أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَأَكَل ثُمَّ بَانَ خِلاَفُهُ.
أَوْ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، فَبَانَ خِلاَفُهُ.
أَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلاَةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَبَانَ خِلاَفُهُ، أَوْ بَانَ أَنَّ هُنَاكَ خَنْدَقًا.
أَوِ اسْتَنَابَ عَلَى الْحَجِّ ظَانًّا أَنَّهُ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَبَرِئَ: لَمْ يَجُزْ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا.
ثُمَّ أَوْرَدَ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ نُجَيْمٍ بَعْضَ الْمَسَائِل الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، مِنْهَا مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا فَبَانَ حَدَثُهُ صَحَّتْ صَلاَتُهُ (38) .
وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْبَائِنِ ظَانًّا حَمْلَهَا فَبَانَتْ حَائِلاً: اسْتَرَدَّ.
وَشَبَّهَهُ الرَّافِعِيُّ: بِمَا إِذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ، ثُمَّ بَانَ خِلاَفُهُ، وَمَا إِذَا أَنْفَقَ عَلَى ظَنِّ إِعْسَارِهِ، ثُمَّ بَانَ يَسَارُهُ (39) .
13 - وَقَرِيبٌ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَاعِدَةُ الظُّهُورِ وَالاِنْكِشَافِ ذَكَرَهَا الْوَنْشَرِيسِيُّ (40) . وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا:
اسْتِرْجَاعُ النَّفَقَةِ الْمَدْفُوعَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْحَمْل إِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَامِلاً، عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ. وَوُجُوبُ رَدِّ قِسْمَةِ مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الإِْسْلاَمِ فِي الأَْجَل أَوْ قَبْلَهُ - بَعْدَمَا أَنْفَقَ أَوْلاَدُهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ مَالِهِ. قَال مَالِكٌ فِيهَا بِوُجُوبِ رَدِّ النَّفَقَةِ (41) .
14 - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَوْرَدَ ابْنُ رَجَبٍ عِدَّةَ قَوَاعِدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْهَا:
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ: وَهِيَ مَنْ تَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ يَظُنُّ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهُ فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ خِلاَفٌ، وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا:
مَا لَوْ بَاعَ مِلْكَ أَبِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ قَدْ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ وَيُقَال: رِوَايَتَانِ (42) .
وَمِنْهَا الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ:
مَنْ أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالُهُ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ يَظُنُّ لِنَفْسِهِ وِلاَيَةً عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خَطَأُ ظَنِّهِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأُ ظَنِّهِ، بِأَنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأُ الْمُتَسَبِّبِ، أَوْ أَقَرَّ بِتَعَمُّدِهِ لِلْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْمُتَسَبِّبُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى اجْتِهَادٍ مُجَرَّدٍ، كَمَنْ دَفَعَ مَالاً تَحْتَ يَدِهِ إِلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالِكُهُ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، أَوْ دَفَعَ مَالَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهُ لِحَقِّ اللَّهِ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مُسْتَحِقًّا ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلاَنِ (43) .
الْخَطَأُ فِي الْعِبَادَاتِ:
أ - الطَّهَارَةُ:
أَوَّلاً - الْخَطَأُ فِي الاِجْتِهَادِ فِي الأَْوَانِي وَالثِّيَابِ:
15 - مَنِ اجْتَهَدَ فِي أَوَانٍ أَوْ ثِيَابٍ ثُمَّ بَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ كَانَ نَجِسًا لَزِمَتْهُ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فَهُوَ كَالْحَاكِمِ إِذَا أَخْطَأَ النَّصَّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْل ابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (44) .
وَمَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةِ (لاَ عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ) (45) .
وَبَنَاهَا الْمَالِكِيَّةُ عَلَى قَاعِدَةِ. الظَّنُّ هَل يُنْقَضُ بِالظَّنِّ أَمْ لاَ؟ (46) . وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا.
وَلاَ تَرِدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوَاعِدِ جُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ، أَوْ طَهَارَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، فَإِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا، وَهَل يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَيَمُّمِهِ مَزْجُهُمَا أَوْ إِرَاقَتُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (47) .
وَبَنَوْا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَاعِدَةِ: إِذَا تَعَارَضَ الأَْصْل وَالظَّاهِرُ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ حُجَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا، كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالإِْخْبَارِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الأَْصْل بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَل كَانَ مُسْتَنَدُهُ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ الْغَالِبَةَ وَالْقَرَائِنَ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَتَارَةً يُعْمَل بِالأَْصْل وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى الظَّاهِرِ، وَتَارَةً يُعْمَل بِالظَّاهِرِ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى الأَْصْل، وَتَارَةً يَخْرُجُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ (48) .
أَمَّا فِي الثِّيَابِ إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي وَصَلَّى فِي كُل ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزَادَ صَلاَةً وَيَنْوِي بِكُل صَلاَةٍ الْفَرْضَ (49) . ثَانِيًا - الْخَطَأُ فِي الْوُضُوءِ:
16 - إِذَا غَلِطَ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ النَّوْمِ وَكَانَ حَدَثُهُ غَيْرَهُ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا غَلِطَ فِي النِّيَّةِ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثُ نَوْمٍ، فَغَلِطَ وَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ لِتَدَاخُل الأَْحْدَاثِ، أَمَّا إِنْ نَوَى غَيْرَ مَا صَدَرَ مِنْهُ عَمْدًا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِتَلاَعُبِهِ (50) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي مَبْحَثِ " إِذَا عَيَّنَ وَأَخْطَأَ " أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْل لاَ دَخْل لَهُمَا فِي هَذَا الْبَحْثِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِمَا (51) . وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ دَخَل الْمَاءَ مَدْفُوعًا، أَوْ مُخْتَارًا لِقَصْدِ التَّبَرُّدِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ إِزَالَةِ الْوَسَخِ صَحَّ وُضُوءُهُ. وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ مَقْصُودُ التَّحْصِيل لِغَيْرِهِ لاَ لِذَاتِهِ، فَكَيْفَمَا فَعَل حَصَل الْمَقْصُودُ وَصَارَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَاقِي شُرُوطِ الصَّلاَةِ وَلاَ يَفْتَقِرُ اعْتِبَارُهَا إِلَى أَنْ تُنْوَى (52) .
ثَالِثًا - الْخَطَأُ فِي الْغُسْل:
17 - إِذَا نَوَى الْمُغْتَسِل رَفْعَ جَنَابَةِ الْجِمَاعِ وَكَانَتْ جَنَابَتُهُ مِنَ احْتِلاَمٍ، وَإِذَا نَوَتِ الْمَرْأَةُ رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَكَانَ حَدَثُهَا مِنَ الْحَيْضِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ (53) .
وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ لاَ تُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْل، وَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ عَنِ الثَّوْبِ، وَالْبَدَنِ، وَالْمَكَانِ (54) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا تَسَاوَتِ الطَّهَارَتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِيمَا تَتَنَاوَلاَنِهِ مِنَ الأَْحْدَاثِ وَالأَْسْبَابِ وَفِيمَا تَمْنَعَانِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ نِيَّةَ إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ تَنُوبُ عَنِ الأُْخْرَى (55) .
وَإِذَا تَسَاوَتِ الطَّهَارَتَانِ عَنْ حَدَثٍ وَاخْتَلَفَتْ مَوَانِعُهُمَا، كَالْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ، فَإِنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَلاَ تَمْنَعُهُ الْجَنَابَةُ، فَإِنِ اغْتَسَلَتِ الْحَائِضُ تَنْوِي الْجَنَابَةَ دُونَ الْحَيْضِ، فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لاَ يُجْزِئُ الْحَائِضُ، وَفِي كِتَابِ الْحَاوِي لِلْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ يُجْزِئُ (56) .
وَقَال الزُّرْقَانِيُّ: الْغَلَطُ فِي النِّيَّةِ لاَ يَضُرُّ بِخِلاَفِ الْمُتَعَمِّدِ لأَِنَّهُ مُتَلاَعِبٌ (57) .
وَقَال الدُّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: وَإِنْ نَوَتِ امْرَأَةٌ جُنُبٌ وَحَائِضٌ بِغُسْلِهَا الْحَيْضَ، وَالْجَنَابَةَ مَعًا، أَوْ نَوَتْ أَحَدَهُمَا نَاسِيَةً أَوْ ذَاكِرَةً لِلآْخَرِ وَلَمْ تُخْرِجْهُ حَصَلاَ (58) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ إِذَا اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَلَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي أَوْقَاتٍ تُوجِبُ وُضُوءًا أَوْ غُسْلاً وَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا ارْتَفَعَ هُوَ، أَيِ: الَّذِي نَوَى رَفْعَهُ، وَارْتَفَعَ سَائِرُهَا؛ لأَِنَّ الأَْحْدَاثَ تَتَدَاخَل فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا، وَهَذَا مَا لَمْ يَخْرُجْ شَيْئًا مِنْهَا بِالنِّيَّةِ (59) .
رَابِعًا: الْخَطَأُ فِي التَّيَمُّمِ:
18 - مِنْ أَمْثِلَةِ الْخَطَأِ فِي التَّيَمُّمِ مَا يَأْتِي:
أ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ لاَ يَجِبُ فِيهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ، فَلَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدُ بِهِ الْوُضُوءَ جَازَ؛ لأَِنَّ الشُّرُوطَ يُرَاعَى وُجُودُهَا لاَ غَيْرُ، فَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ غَيْرَهُ (60) . وَقَال الْخَصَّافُ: يَجِبُ التَّمْيِيزُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ لَهُمَا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُمَيِّزُ بِالنِّيَّةِ كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ (61) .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْمَنْعَ، وَرَوَى ابْنُ مَسْلَمَةَ عَنْهُ الْجَوَازَ. قَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: اخْتَلَفَ قَوْل مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ يَنْوِي مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ (62) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ نَوَى الْمُتَيَمِّمُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ وَكَانَ جُنُبًا، أَوْ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ وَكَانَ مُحْدِثًا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ إِذَا كَانَ غَالِطًا (63) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ كَصَلاَةٍ، وَطَوَافٍ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، أَوْ نَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنِهِ؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا يُبِيحُ الصَّلاَةَ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّعْيِينِ تَقْوِيَةً لِضَعْفِهِ، وَصِفَةُ التَّعْيِينِ أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ صَلاَةِ الظُّهْرِ مَثَلاً مِنَ الْجَنَابَةِ إِنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ مِنَ الْحَدَثِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ مِنَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ وَالأَْصْغَرِ وَالنَّجَاسَةِ بِبَدَنِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَأَجْزَأَهُ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ يَدْخُل فِي الْعُمُومِ (64) .
ب - إِنْ كَانَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ فَأَخْطَأَ رَحْلَهُ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي الطَّلَبِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِ الرَّحْل (65) .
ج - إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْمَاءِ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ نَفَذَ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَعَادَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الاِسْتِعْمَال ثَابِتَةٌ بِعِلْمِهِ فَلاَ يَنْعَدِمُ بِظَنِّهِ، وَعَلَيْهِ التَّحَرِّي، فَإِذَا لَمْ يَفْعَل لاَ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَلأَِنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِهِ وَظَهَرَ خَطَأُ الظَّنِّ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ فَسَقَطَ الْفَرْضُ بِالتَّيَمُّمِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ (66) .
ب - الصَّلاَةُ:
أَوَّلاً: الْخَطَأُ فِي النِّيَّةِ:
وَمِنْ صُوَرِهِ:
19 - الصُّورَةُ الأُْولَى: الْخَطَأُ فِيمَا لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ التَّعْيِينُ لاَ يَضُرُّ قَالَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ (67) .
وَقَال السُّيُوطِيُّ: مَا لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ التَّعَرُّضُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً إِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَمْ يَضُرَّ (68) وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا عِنْدَهُمَا:
1 - تَعْيِينُ مَكَانِ الصَّلاَةِ وَزَمَانِهَا وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَلَوْ عَيَّنَ عَدَدَ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا صَحَّ؛ لأَِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَالْخَطَأُ فِيهِ لاَ يَضُرُّ وَتَلْغُو نِيَّةُ التَّعْيِينِ. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (69) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، لَكِنْ إِنْ نَوَى الظُّهْرَ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا لَمْ تَصِحَّ لِتَلاَعُبِهِ (70) .
2 - وَإِذَا عَيَّنَ الإِْمَامُ مَنْ يُصَلِّي بِهِ فَبَانَ غَيْرُهُ لاَ يَضُرُّ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلأَْصَحِّ تَضُرُّ، وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى وَهِيَ الأَْصَحُّ: لاَ تَضُرُّ (71) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الإِْمَامَةَ (72) .
3 - وَإِذَا عَيَّنَ الأَْدَاءَ فَبَانَ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ أَوِ الْقَضَاءَ، فَبَانَ أَنَّهُ بَاقٍ فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (73) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ يَصِحُّ قَضَاءً بِنِيَّةِ أَدَاءً وَعَكْسُهُ إِذَا بَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ، وَلاَ يَصِحُّ مَعَ الْعِلْمِ (74) .
20 - الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: وَعَبَّرَ عَنْهَا ابْنُ نُجَيْمٍ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ فَالْخَطَأُ فِيهِ يَضُرُّ (75) .
وَقَال السُّيُوطِيُّ: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ فَالْخَطَأُ فِيهِ مُبْطِلٌ، وَمَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ جُمْلَةً وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ تَفْصِيلاً إِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ ضَرَّ (76) .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا عِنْدَهُمَا:
1 - الْخَطَأُ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (77) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال الْخَرَشِيُّ: إِنْ خَالَفَتْ نِيَّتُهُ لَفْظَهُ، فَالْعِبْرَةُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ، كَنَاوِي ظُهْرٍ تَلَفَّظَ بِعَصْرٍ مَثَلاً، وَهَذَا إِذَا تَخَالَفَا سَهْوًا، وَأَمَّا إِنْ فَعَلَهُ مُتَعَمِّدًا فَهُوَ مُتَلاَعِبٌ، وَنُقِل عَنِ الإِْرْشَادِ أَنَّ الأَْحْوَطَ الإِْعَادَةُ أَيْ فِيمَا إِذَا فَعَل ذَلِكَ سَهْوًا، قَال الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهِ: لِلْخِلاَفِ فِي الشُّبْهَةِ إِذْ يُحْتَمَل تَعَلُّقُ النِّيَّةِ بِمَا سَبَقَ إِلَيْهِ لِسَانُهُ (78) .
2 - وَكَذَلِكَ إِذَا نَوَى الاِقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ.
وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ (79) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوِ اقْتَدَى شَخْصٌ بِمَنْ يُصَلِّي إِمَامًا بِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ وَلاَ يَدْرِي مَنْ هُوَ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَكَذَا إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ زَيْدٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَمْرٌو فِيمَا يَظْهَرُ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ الاِقْتِدَاءَ بِهِ إِنْ كَانَ زَيْدًا لاَ إِنْ كَانَ عَمْرًا، فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَبْطُل، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ زَيْدٌ لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ (80) .
3 - الْخَطَأُ فِي تَعْيِينِ الْمَيِّتِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ بِأَنْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى زَيْدٍ فَبَانَ غَيْرُهُ، أَوْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى الْمَيِّتِ الذَّكَرِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أُنْثَى، أَوْ عَكْسُهُ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ.
وَوَافَقَهُمَا الْمَالِكِيَّةُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى، فَقَالُوا: إِنْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ مَوْتَى يُرِيدُ بِهِ زَيْدًا فَبَانَ غَيْرُهُ جَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ، وَقَالُوا بِالصِّحَّةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى هَذَا الرَّجُل فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ، بِأَنْ نَوَى هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَبَانَتْ رَجُلاً، قَالُوا فَالْقِيَاسُ الإِْجْزَاءُ لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ فِي بَابِ الأَْيْمَانِ وَغَيْرِهَا (81) .
4 - لَوْ نَوَى قَضَاءَ ظُهْرِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَكَانَ عَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمِ الثُّلاَثَاءِ لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (82) .
وَلاَ يَضُرُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لأَِنَّهُ لاَ يَنْوِي الأَْيَّامَ اتِّفَاقًا، وَقَالُوا. إِنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ وُجُوبِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالأَْدَاءِ وَكَذَا ذِكْرُ الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (83) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ كَانَ الظُّهْرَانِ فَائِتَتَيْنِ فَنَوَى ظُهْرًا مِنْهُمَا وَلَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ تُجْزِهِ الظُّهْرُ الَّتِي صَلاَّهَا عَنْ إِحْدَاهُمَا، حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَةَ لأَِجْل اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَوَائِتِ (84) . قَالُوا: لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِي بِهَا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ إِجْمَاعًا، فَلَوْلاَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ لأََجْزَأَهُ (85) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ فَهَل يُجْزِئُهُ عَنْ ظُهْرِ الْيَوْمِ؟ يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا يُجْزِئُهُ لأَِنَّ الصَّلاَةَ مُعَيَّنَةٌ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي نِيَّةِ الْوَقْتِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ، أَوْ كَمَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ أَمْسٍ وَعَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمٍ قَبْلَهُ.
وَالثَّانِي: لاَ يُجْزِئُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِ عَيْنَ الصَّلاَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَضَاءَ عَصْرٍ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الظُّهْرِ (86) .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْخَطَأُ فِي الاِعْتِقَادِ دُونَ التَّعْيِينِ:
21 - وَمَثَّل لَهَا السُّيُوطِيُّ بِجُمْلَةِ أَمْثِلَةٍ مِنْهَا: 1 - لَوْ أَدَّى الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ فَكَانَ الثُّلاَثَاءَ صَحَّ.
2 - وَلَوْ غَلِطَ فِي الأَْذَانِ فَظَنَّ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَكَانَتِ الْعَصْرُ، قَال: لاَ أَعْلَمُ فِيهِ نَقْلاً وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الإِْعْلاَمُ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ (87) وَقَدْ حَصَل.
وَهَذِهِ الأَْمْثِلَةُ أَوْ بَعْضُهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوْ نَوَى قَضَاءَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْمِ وَهُوَ يَظُنُّهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ غَيْرُهُ جَازَ (88) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: قَال الزُّرْقَانِيُّ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ زَيْدٌ أَيِ: الإِْمَامَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَمْرٌو، فَإِنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ (89) . وَنَحْوُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (90) .
ثَانِيًا: الْخَطَأُ فِي دُخُول الْوَقْتِ:
22 - مَنْ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ كُل الصَّلاَةِ أَوْ بَعْضَهَا لَمْ تَجُزْ صَلاَتُهُ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ كَمَا هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلاَةِ فَهُوَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (91) أَيْ فَرْضًا مُؤَقَّتًا حَتَّى لاَ يَجُوزَ أَدَاءُ الْفَرْضِ قَبْل وَقْتِهِ، وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ فُرِضَتْ لأَِوْقَاتِهَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (92)
وَلِهَذَا تَكَرَّرَ وُجُوبُهَا بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ، وَتُؤَدَّى فِي مَوَاقِيتِهَا. فَلَوْ شَكَّ فِي دُخُول وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَأَتَى بِهَا، فَبَانَ أَنَّهُ فَعَلَهَا قَبْل الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُجْزِئُهُ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهِ لِتَرَدُّدِ النِّيَّةِ وَعَدَمِ تَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ مَعْرِفَةَ دُخُول الْوَقْتِ يَقِينًا بِأَنْ شَاهَدَ الشَّمْسَ غَارِبَةً، أَوْ ظَنًّا بِأَنِ اجْتَهَدَ لِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَمَنْ صَلَّى بِدُونِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ تَصِحُّ صَلاَتُهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. فَإِنْ صَلَّى مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِدُخُول الْوَقْتِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ أَعَادَ اتِّفَاقًا (93) . ثَالِثًا: الْخَطَأُ فِي الْقِبْلَةِ:
23 - اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ.
فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الْقِبْلَةِ: فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي لاِشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَعَدَمِ الْمُخْبِرِ بِهَا، وَلَمْ يُعِدِ الصَّلاَةَ إِنْ أَخْطَأَ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَلاَ وُسْعَ فِي إِصَابَةِ الْجِهَةِ حَقِيقَةً، فَصَارَتْ جِهَةُ التَّحَرِّي هُنَا كَجِهَةِ الْكَعْبَةِ لِلْغَائِبِ عَنْهَا، وَقَدْ قِيل فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (94) أَيْ قِبْلَةُ اللَّهِ نَزَلَتْ فِي الصَّلاَةِ حَال الاِشْتِبَاهِ، وَلَوْ عَلِمَ خَطَأَهُ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ تَحَوَّل رَأْيُهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا بِالتَّحَرِّي اسْتَدَارَ فِي الأَْوَّل إِلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَفِي الثَّانِي إِلَى جِهَةِ تَحَوُّل رَأْيِهِ إِلَيْهَا (95) .
24 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ لَوْ صَلَّى إِلَى جِهَةِ اجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، فَإِنْ كَانَ تَحَرِّيهِ مَعَ ظُهُورِ الْعَلاَمَاتِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ إِنِ اسْتَدْبَرَ، وَكَذَا لَوْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ، وَإِنْ كَانَ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِهَا فَلاَ إِعَادَةَ (96) .
25 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ صَلَّى ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: الأَْوَّل يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْقَضَاءِ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا مَضَى، كَالْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ ثُمَّ وُجِدَ النَّصُّ بِخِلاَفِهِ، وَالثَّانِي لاَ يَلْزَمُهُ لأَِنَّهُ جِهَةٌ تَجُوزُ الصَّلاَةُ إِلَيْهَا بِالاِجْتِهَادِ فَأَشْبَهَ إِذَا لَمْ يَتَيَقَّنِ الْخَطَأَ. وَإِنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ ثُمَّ رَأَى الْقِبْلَةَ فِي يَمِينِهَا أَوْ شِمَالِهَا لَمْ يُعِدْ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي الْيَمِينِ وَالشِّمَال لاَ يُعْلَمُ قَطْعًا فَلاَ يُنْتَقَضُ بِالاِجْتِهَادِ (97) .
26 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ إِلَى جِهَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ (98) . وَقَالُوا: إِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ فَأَخْطَأَ، أَوْ صَلَّى الأَْعْمَى بِلاَ دَلِيلٍ بِأَنْ لَمْ يَسْتَخْبِرْ مَنْ يُخْبِرُهُ وَلَمْ يَلْمِسَ الْمِحْرَابَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ بِهِ الْقِبْلَةَ أَعَادَا وَلَوْ أَصَابَا، أَوِ اجْتَهَدَ الْبَصِيرُ؛ لأَِنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَل اجْتِهَادٍ لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الاِسْتِدْلاَل بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا، وَلِوُجُودِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا، وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الإِْعَادَةُ عَلَيْهِمَا لِتَفْرِيطِهِمَا بِعَدَمِ الاِسْتِخْبَارِ أَوِ الاِسْتِدْلاَل بِالْمَحَارِيبِ (99) .
رَابِعًا: الْخَطَأُ فِي الْقِرَاءَةِ:
27 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: خَطَأُ الْقَارِئِ إِمَّا فِي الإِْعْرَابِ، أَوْ فِي الْحُرُوفِ، أَوْ فِي الْكَلِمَاتِ، أَوِ الآْيَاتِ، وَفِي الْحُرُوفِ إِمَّا بِوَضْعِ حَرْفٍ مَكَانَ آخَرَ أَوْ تَقْدِيمِهِ، أَوْ تَأْخِيرِهِ، أَوْ زِيَادَتِهِ، أَوْ نَقْصِهِ.
أَمَّا الإِْعْرَابُ فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرَ الْمَعْنَى لاَ تَفْسُدُ الصَّلاَةُ؛ لأَِنَّ تَغْيِيرَهُ خَطَأٌ لاَ يُسْتَطَاعُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ فَيُعْذَرُ، وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى تَغْيِيرًا فَاحِشًا مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ، مِثْل الْبَارِئِ الْمُصَوَّرِ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ} (100) بِرَفْعِ اسْمِ الْجَلاَلَةِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ - فَسَدَتْ فِي قَوْل الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ: فَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: لاَ تَفْسُدُ. وَمَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ أَحْوَطُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ يَكُونُ كُفْرًا، وَمَا يَكُونُ كُفْرًا لاَ يَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِكَلاَمِ النَّاسِ الْكُفَّارِ غَلَطًا وَهُوَ مُفْسِدٌ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ النَّاسِ سَاهِيًا مِمَّا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَكَيْفَ وَهُوَ كُفْرٌ، وَقَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْسَعُ؛ لأَِنَّ النَّاسَ لاَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الإِْعْرَابِ.
وَيَتَّصِل بِهَذَا تَخْفِيفُ الْمُشَدَّدِ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ، فَلِذَا قَال كَثِيرٌ بِالْفَسَادِ فِي تَخْفِيفِ - {رَبِّ الْعَالَمِينَ} - وَ - {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} - وَالأَْصَحُّ لاَ تَفْسُدُ.
وَأَمَّا فِي الْحُرُوفِ فَإِذَا وَضَعَ حَرْفًا مَكَانَ غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً أَوْ عَجْزًا، فَالأَْوَّل إِنْ لَمْ يُغَيِّرَ الْمَعْنَى وَكَانَ مِثْلُهُ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - إِنَّ الْمُسْلِمُونَ - لاَ تَفْسُدُ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَلَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - قَيَّامِينَ بِالْقِسْطِ - وَالتَّيَّابِينَ - وَالْحَيُّ الْقَيَّامُ - لَمْ تَفْسُدْ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَفْسُدُ. وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى فَسَدَتْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ. فَلَوْ قَرَأَ أَصْحَابَ الشَّعِيرِ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا - فَالْعِبْرَةُ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ عِنْدَهُمَا بِعَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْعِبْرَةُ بِوُجُودِ الْمِثْل فِي الْقُرْآنِ (101) .
وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَإِنْ غَيَّرَ، نَحْوَ قَوْسَرَةٍ فِي قَسْوَرَةٍ فَسَدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَمِنْهَا فَكُّ الْمُدْغَمِ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ نَحْوُ (وَانْهَا عَنِ الْمُنْكَرِ) بِالأَْلِفِ (وَرَادِدُوهُ إِلَيْكَ) لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ. وَإِنْ غَيَّرَ نَحْوُ (زَرَابِيبَ) مَكَانَ (زَرَابِيُّ) (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (وَإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) بِزِيَادَةِ الْوَاوِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَفْسُدُ.
وَكَذَا النُّقْصَانُ إِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ نَحْوُ (جَاءَهُمْ) مَكَانَ (جَاءَتْهُمْ) وَإِنْ غَيَّرَ فَسَدَ نَحْوُ (النَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُْنْثَى) بِلاَ وَاوٍ.
أَمَّا الْكَلِمَةُ مَكَانَ الْكَلِمَةِ فَإِنْ تَقَارَبَا مَعْنًى، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَالْحَكِيمِ مَكَانَ الْعَلِيمِ، لَمْ تَفْسُدِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمِثْل كَالْفَاجِرِ مَكَانَ الأَْثِيمِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ لَمْ يَتَقَارَبَا وَلاَ مِثْل لَهُ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ كَغَافِلِينَ فِي {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} فَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا. وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لَمْ تَفْسُدْ نَحْوُ {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا} ، وَإِنْ غَيَّرَ فَسَدَتْ نَحْوُ الْيُسْرِ مَكَانَ الْعُسْرِ وَعَكْسُهُ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِرًّا) لاَ تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ غَيَّرَتْ فَسَدَتِ الصَّلاَةُ لأَِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَهُ كَفَرَ، فَإِذَا أَخْطَأَ فِيهِ أَفْسَدَ (102) .
مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:
28 - بَحَثَ الْمَالِكِيَّةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صَلاَةِ الْمُقْتَدِي بِاللاَّحِنِ.
فَقَال الْخَرَشِيُّ: قِيل: تَبْطُل صَلاَةُ الْمُقْتَدِي بِلاَحِنٍ (103) مُطْلَقًا، أَيْ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ غَيَّرَ الْمَعْنَى كَكَسْرِ كَافِ {إِيَّاكَ} وَضَمِّ تَاءِ {أَنْعَمْتُ} أَمْ لاَ، وُجِدَ غَيْرُهُ أَمْ لاَ، إِنْ لَمْ تَسْتَوِ حَالَتُهُمَا أَوْ إِنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا؟ قَوْلاَنِ. ثُمَّ قَال: وَمَحَل الْخِلاَفِ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِ الصَّوَابِ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ مَنْ يُعَلِّمُهُ مَعَ قَبُول التَّعْلِيمِ، أَوِ ائْتَمَّ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ اللَّحْنَ فَصَلاَتُهُ وَصَلاَةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ بَاطِلَةٌ بِلاَ نِزَاعٍ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِكَلِمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي صَلاَتِهِ، وَمَنْ فَعَلَهُ سَاهِيًا لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَلاَ صَلاَةَ مَنِ اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَهَا عَنْ كَلِمَةٍ فَأَكْثَرَ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ عَجْزًا بِأَنْ لاَ يَقْبَل التَّعْلِيمَ فَصَلاَتُهُ وَصَلاَةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ صَحِيحَةٌ أَيْضًا قَطْعًا، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الأَْلْكِنَةِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ أَوْ لاَ.
وَإِنْ كَانَ عَجْزُهُ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ مَنْ يُعَلِّمُهُ مَعَ قَبُولِهِ التَّعْلِيمَ، فَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ وَصَلاَةَ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مِثْل الإِْمَامِ فِي اللَّحْنِ أَمْ لاَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ فَصَلاَتُهُ وَصَلاَةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ صَحِيحَةٌ إِنْ كَانَ مِثْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ بِأَنْ كَانَ يَنْطِقُ بِالصَّوَابِ فِي كُل قِرَاءَتِهِ، أَوْ صَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ صَوَابِ إِمَامِهِ فَإِنَّهُ مَحَل خِلاَفٍ.
وَهَل تَبْطُل صَلاَةُ الْمُقْتَدِي بِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وَظَاءٍ مَا لَمْ تَسْتَوِ حَالَتُهُمَا؟ قَال بِالْبُطْلاَنِ: ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَالْقَابِسِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ الْحَقِّ.
وَأَمَّا صَلاَتُهُ هُوَ فَصَحِيحَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَال: وَظَاهِرُهُ جَرَيَانُ هَذَا الْخِلاَفِ فِيمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْمَوَّاقِ تَقْيِيدُهُ بِمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ بَيْنَهُمَا فِي الْفَاتِحَةِ، وَذَكَرَ الْحَطَّابُ وَالنَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ مَا يُفِيدُ أَنَّ الرَّاجِحَ صِحَّةُ الاِقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَهُمَا، وَحَكَى الْمَوَّاقُ الاِتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّادِوَالسِّينِ كَمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ، وَكَذَا بَيْنَ الزَّايِ وَالسِّينِ (104) .
29 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِلاَحِنٍ بِمَا لاَ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَضَمِّ الْهَاءِ فِي {لِلَّهِ} فَإِنْ غَيَّرَ مَعْنًى فِي الْفَاتِحَةِ كَأَنْعَمْتُ بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ وَلَمْ يُحْسِنَ اللاَّحِنُ الْفَاتِحَةَ فَكَأُمِّيٍّ لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِهِ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ أَوْ لاَ، وَلاَ صَلاَتُهُ إِنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ وَإِلاَّ صَحَّتْ كَاقْتِدَائِهِ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ أَحْسَنَ اللاَّحِنُ الْفَاتِحَةَ وَتَعَمَّدَ اللَّحْنَ أَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَيْهِ وَلَمْ يُعِدِ الْقِرَاءَةَ عَلَى الصَّوَابِ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ مُطْلَقًا وَلاَ الاِقْتِدَاءُ بِهِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ كَجَرِّ اللاَّمِ فِي قَوْلِهِ {إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ} (105) صَحَّتْ صَلاَتُهُ وَصَلاَةُ الْمُقْتَدِي بِهِ حَال كَوْنِهِ عَاجِزًا عَنِ التَّعَلُّمِ، أَوْ جَاهِلاً بِالتَّحْرِيمِ، أَوْ نَاسِيًا كَوْنَهُ فِي الصَّلاَةِ (106) .
30 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ الأُْمِّيِّ وَهُوَ مَنْ لاَ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ يُدْغِمُ مِنْهَا حَرْفًا لاَ يُدْغَمُ، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيل الْمَعْنَى كَفَتْحِ هَمْزَةِ اهْدِنَا؛ لأَِنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الْهَدِيَّةِ لاَ الْهِدَايَةِ، وَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتُ وَكَسْرِهَا وَكَسْرِ كَافِ إِيَّاكَ، فَإِنْ لَمْ يَحِل الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَال نَعْبُدُ وَنُونِ نَسْتَعِينُ فَلَيْسَ أُمِّيًّا وَإِنْ أَتَى بِاللَّحْنِ الْمُحِيل لِلْمَعْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِصْلاَحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ لأَِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلاَمِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلاَمِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِصْلاَحِ اللَّحْنِ الْمُحِيل لِلْمَعْنَى قَرَأَهُ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ لِحَدِيثِ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (107) وَمَا زَادَ عَنِ الْفَاتِحَةِ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِعَمْدِهِ (108) .
خَامِسًا: الْكَلاَمُ فِي الصَّلاَةِ خَطَأٌ:
31 - إِنْ أَرَادَ الْمُصَلِّي قِرَاءَةً أَوْ ذِكْرًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلاَمُ النَّاسِ قَال فِي الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صَلاَتِهِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا مُخْطِئًا أَوْ قَاصِدًا اسْتَقْبَل الصَّلاَةَ لِحَدِيثِ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ (109) فَدَل أَنَّ بَعْدَ الْكَلاَمِ لاَ يَجُوزُ الْبِنَاءُ قَطُّ (110) وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَال: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ (111) . هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ يَسِيرِ الْكَلاَمِ وَكَثِيرِهِ وَقَالُوا: إِنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ خَطَأٌ لاَ يُفْسِدُ الصَّلاَةَ وَيُفْسِدُهَا الْكَلاَمُ الْكَثِيرُ (112) . وَتَفْصِيلُهُ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .
سَادِسًا: شَكُّ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ:
32 - إِنْ سَهَا الإِْمَامُ فِي صَلاَتِهِ فَسَبَّحَ اثْنَانِ يَثِقُ الإِْمَامُ بِقَوْلِهِمَا لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صَوَابُهُمَا أَوْ خَطَؤُهُمَا، وَهُوَ قَوْل الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ (113) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ إِلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَمَّا سَأَلَهُمَا أَحَقٌّ مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ (114) . فَقَالاَ نَعَمْ. مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا بِدَلِيل أَنَّهُ أَنْكَرَ مَا قَال ذُو الْيَدَيْنِ وَسَأَلَهُمَا عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ (115) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَؤُهُمَا لَمْ يَعْمَل بِقَوْلِهِمَا (116) . لأَِنَّ مَنْ شَكَّ فِي فِعْل نَفْسِهِ لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ إِلَى قَوْل غَيْرِهِ (117) . أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ الإِْمَامُ مِنْ صَوَابِهِ وَخَطَأِ الْمَأْمُومِينَ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْل أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي وَهُوَ قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الْمُخْبِرِينَ إِذَا كَانُوا كَثِيرِينَ كَثْرَةً ظَاهِرَةً بِحَيْثُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِمْ كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالشَّاهِدَيْنِ وَيَتْرُكُ يَقِينَ نَفْسِهِ (118) .
سَابِعًا: الْخَطَأُ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ:
33 - رَأَى الْمُسْلِمُونَ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ سَوَادًا فَظَنُّوهُ خَطَأً عَدُوًّا وَصَلَّوْا صَلاَةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ حَائِلٌ لاَ يُمْكِنُهُ الْوُصُول إِلَيْهِمُ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: تَلْزَمُهُمْ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (119) وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ (120) لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْمُبِيحُ فَأَشْبَهَ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ ثُمَّ عَلِمَ بِحَدَثِهِ، سَوَاءٌ اسْتَنَدَ الظَّنُّ لِخَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (121) ، وَلأَِنَّهُمْ تَيَقَّنُوا الْغَلَطَ فِي الْقِبْلَةِ (122) .
الثَّانِي: لاَ يُعِيدُونَ وَتُجْزِئُهُمْ صَلاَتُهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (123) . وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِوُجُودِ الْخَوْفِ حَال الصَّلاَةِ (124) .
ج - الزَّكَاةُ:
أَوَّلاً: الْخَطَأُ فِي الْخَرْصِ:
34 - قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا خَرَصَ الثَّمَرَةَ فَوُجِدَتْ أَكْثَرُ مِمَّا خَرَصَ يَأْخُذُ زَكَاةَ الزَّائِدِ، قِيل: وُجُوبًا، وَقِيل: اسْتِحْبَابًا، وَمَنْ قَال بِالْوُجُوبِ حَمَلَهُ عَلَى الْحَاكِمِ يَحْكُمُ ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّهُ خَطَأٌ صُرَاحٌ، وَمَنْ قَال بِالاِسْتِحْبَابِ حَمَلَهُ عَلَى التَّعْلِيل بِقِلَّةِ إِصَابَةِ الْخِرَاصِ.
أَمَّا إِذَا ثَبَتَ نَقْصُ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ ثَبَتَ النَّقْصُ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَمِل بِهَا، وَإِلاَّ لَمْ تَنْقُصِ الزَّكَاةُ، وَلاَ يُقْبَل قَوْل رَبِّهَا فِي نَقْصِهَا لاِحْتِمَال كَوْنِ النَّقْصِ مِنْهُ. وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ النَّقْصَ مِنْ خَطَأِ الْخَارِصِ نَقَصَتِ الزَّكَاةُ (125) .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَاعِدَةِ - الْوَاجِبُ الاِجْتِهَادُ أَوِ الإِْصَابَةُ (126) . 35 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّ الْخَارِصَ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَ الْقَدْرَ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ بِلاَ خِلاَفٍ. وَإِنْ بَيَّنَهُ، وَكَانَ يَحْتَمِل الْغَلَطَ فِي مِثْلِهِ كَخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي مِائَةٍ قُبِل قَوْلُهُ، وَحُطَّ عَنْهُ مَا ادَّعَاهُ، فَإِنِ اتَّهَمَهُ حَلَّفَهُ، وَفِي الْيَمِينِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا مُسْتَحَبَّةٌ. هَذَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى فَوْقَ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ، أَمَّا إِذَا ادَّعَى بَعْدَ الْكَيْل غَلَطًا يَسِيرًا فِي الْخَرْصِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ كَصَاعٍ مِنْ مِائَةٍ فَهَل يُحَطُّ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا. لاَ يُقْبَل لأَِنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ النَّقْصُ لاِحْتِمَال أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْكَيْل، وَلَوْ كِيل ثَانِيًا لَوَفَّى. وَالثَّانِي: يُقْبَل وَيُحَطُّ عَنْهُ؛ لأَِنَّ الْكَيْل تَعَيَّنَ وَالْخَرْصُ تَخْمِينٌ فَالإِْحَالَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى.
أَمَّا إِذَا ادَّعَى نَقْصًا فَاحِشًا لاَ يُجَوِّزُ أَهْل الْخِبْرَةِ وُقُوعَ مِثْلِهِ غَلَطًا فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي حَطِّ جَمِيعِهِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَهَل يُقْبَل فِي حَطِّ الْمُمْكِنِ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا يُقْبَل (127) .
36 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ ادَّعَى رَبُّ الْمَال غَلَطَ الْخَارِصِ وَكَانَ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلاً قُبِل قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلاً مِثْل أَنْ يَدَّعِيَ غَلَطَ النِّصْفِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يُقْبَل مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِنْ قَال لَمْ يَحْصُل فِي يَدِيَّ غَيْرُ هَذَا قُبِل مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهَا بِآفَةٍ لاَ نَعْلَمُهَا (128) .
ثَانِيًا: الْخَطَأُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ:
37 - إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَبَانَ خَطَؤُهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: يُجْزِئُهُ وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَالِكٍ إِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ السُّلْطَانُ أَوِ الْوَصِيُّ أَوْ مُقَدَّمُ الْقَاضِي وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا (129) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَال: بَايَعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلِيٌّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدَ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَال: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (130) فَجَوَّزَ ﷺ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ فَرِيضَةً أَوْ تَطَوُّعًا، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ الْحَال لاَ تَخْتَلِفُ، أَوْ لأَِنَّ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْفَرِيضَةِ، وَلأَِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى هَذِهِ الأَْشْيَاءِ إِنَّمَا هُوَ بِالاِجْتِهَادِ لاَ الْقَطْعِ فَيُبْنَى الأَْمْرُ عَلَى مَا يَقَعُ عِنْدَهُ كَمَا إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، وَلَوْ فُرِضَ تَكَرُّرُ خَطَئِهِ فَتَكَرَّرَتِ الإِْعَادَةُ أَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ لإِِخْرَاجِ كُل مَالِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزَّكَاةُ خُصُوصًا مَعَ كَوْنِ الْحَرَجِ مَدْفُوعًا عُمُومًا.
وَالْقَوْل الآْخَرُ: لاَ يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ إِلاَّ أَنَّهُ قَال لاَ يَسْتَرِدُّهُ (131) . وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ أَيْضًا إِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ رَبُّ الْمَال (132) . وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الإِْمَامُ وَيَسْتَرْجِعُ مِنَ الْمَدْفُوعِ إِلاَّ أَنْ يَتَعَذَّرَ الاِسْتِرْجَاعُ مِنَ الْقَابِضِ فَلاَ ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ رَبُّ الْمَال لَمْ يَجُزْ عَنِ الْفَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَّنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ بَيَّنَ رَجَعَ فِي عَيْنِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ فَفِي بَدَلِهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ الاِسْتِرْجَاعُ فَفِي الضَّمَانِ وَإِخْرَاجِ بَدَلِهَا قَوْلاَنِ: قَال النَّوَوِيُّ: الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ الإِْخْرَاجُ (133) .
وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي غَيْرِ مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا وَقَالُوا: يَسْتَرِدُّهَا رَبُّهَا بِزِيَادَتِهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً أَمْ مُنْفَصِلَةً (134) . وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل: بِأَنَّهُ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ، وَكَانَ بِإِمْكَانِهِ الْوُقُوفُ عَلَى مَدَى اسْتِحْقَاقِهِ أَوْ عَدَمِهِ فَصَارَ كَالأَْوَانِي وَالثِّيَابِ، فَإِذَا تَحَرَّى فِي الأَْوَانِي الطَّاهِرَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالنَّجِسَةِ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ مِنْهَا بِالتَّحَرِّي ثُمَّ ظَهَرَ خَطَؤُهُ أَعَادَ الصَّلاَةَ، وَمِثْلُهُ إِذَا قَضَى الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلاَفِهِ (135) . وَلأَِنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ وَهُوَ لاَ يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا فَلَمْ يُعْذَرْ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ (136) .
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ دَفْعِهَا خَطَأً إِلَى مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا لِكُفْرٍ أَوْ شَرَفٍ، وَبَيْنَ دَفْعِهَا لِمَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا، فَقَالُوا: لاَ تُجْزِئُ إِذَا دَفَعَهَا لِلْكَافِرِ أَوْ لِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا لِكَوْنِهِ هَاشِمِيًّا، وَلَهُ حَقُّ اسْتِرْدَادِ مَا دَفَعَ. لأَِنَّ الْمَقْصُودَ إِبْرَاءُ الذِّمَّةِ بِالزَّكَاةِ وَلَمْ يَحْصُل لِدَفْعِهَا لِلْكَافِرِ، فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ بِخِلاَفِ دَفْعِهَا لِلْغَنِيِّ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الثَّوَابُ وَلَمْ يَفُتْ (137) .
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ فِي عَدَمِ الاِسْتِرْدَادِ أَنَّ فَسَادَ جِهَةِ الزَّكَاةِ لاَ يَنْقُضُ الأَْدَاءَ (138) . د - الصَّوْمُ:
أَوَّلاً: الْخَطَأُ فِي صِفَةِ نِيَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ:
38 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (139) إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَطْلَقَ الصَّائِمُ نِيَّةَ الصَّوْمِ فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ نَوَى النَّفَل أَوْ وَصَفَهُ وَأَخْطَأَ الْوَصْفَ صَحَّ صَوْمُهُ.
قَال فِي الدُّرَرِ: وَصَحَّ الصَّوْمُ بِمُطْلَقِهَا أَيِ النِّيَّةِ، وَبِنِيَّةِ النَّفْل، وَبِخَطَأِ الْوَصْفِ فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الأُْصُول مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالإِْطْلاَقُ فِي الْمُتَعَيِّنِ تَعْيِينٌ، وَالْخَطَأُ فِي الْوَصْفِ لَمَّا بَطَل بَقِيَ أَصْل النِّيَّةِ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْمُطْلَقِ، نَظِيرُهُ الْمُتَوَحِّدُ فِي الدَّارِ إِذَا نُودِيَ بِيَا رَجُل أَوْ بِاسْمٍ غَيْرِ اسْمِهِ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ بِخِلاَفِ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَيْثُ لاَ تَعْيِينَ فِي وَقْتِهِ إِلاَّ إِذَا وَقَعَتِ النِّيَّةُ مِنْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ حَيْثُ يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى التَّعْيِينِ وَلاَ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ (140) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (صَوْمٌ، نِيَّةٌ) .
ثَانِيًا: الْخَطَأُ فِي الإِْفْطَارِ:
39 - مَنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا إِذَا تَمَضْمَضَ فَدَخَل الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ: يَبْطُل الصَّوْمُ وَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ عُذْرٌ لاَ يَغْلِبُ وُجُودُهُ بِخِلاَفِ النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ عُذْرٌ غَالِبٌ؛ وَلأَِنَّ الْوُصُول إِلَى الْجَوْفِ مَعَ التَّذَكُّرِ فِي الْخَطَأِ لَيْسَ إِلاَّ لِتَقْصِيرٍ فِي الاِحْتِرَازِ فَيُنَاسِبُ الْفَسَادَ، إِذْ فِيهِ نَوْعُ إِضَافَةٍ إِلَيْهِ بِخِلاَفِ النِّسْيَانِ (141) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ الْبُطْلاَنِ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّهُ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَبْطُل صَوْمُهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ وَغَرْبَلَةِ الدَّقِيقِ وَالذُّبَابِ (142) .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ بَالَغَ أَفْطَرَ وَإِلاَّ فَلاَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ بَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (143) فَنَهَاهُ عَنِ الْمُبَالَغَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وُصُول الْمَاءِ فِي الْمُبَالَغَةِ يُبْطِل صَوْمَهُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ مَعْنًى، وَلأَِنَّ الْمُبَالِغَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي الصَّوْمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ سَبَبٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَهُوَ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا جَرَحَ إِنْسَانًا فَمَاتَ جُعِل كَأَنَّهُ بَاشَرَ قَتْلَهُ (144) .
ثَالِثًا: الْخَطَأُ فِي تَعْيِينِ رَمَضَانَ لِلأَْسِيرِ:
40 - إِنِ اشْتَبَهَتِ الشُّهُورُ عَلَى أَسِيرٍ لَزِمَهُ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَصُومَ، فَإِنْ وَافَقَ صَوْمُهُ شَهْرًا قَبْل رَمَضَانَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ الإِْجْزَاءِ؛ لأَِنَّهُ أَدَّى الْعِبَادَةَ قَبْل وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا، فَلَمْ تُجْزِهِ كَمَنْ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ وَلأَِنَّهُ تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْقَضَاءِ فَلَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِمَا فَعَلَهُ، كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ قَبْل الْوَقْتِ.
وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ (145) .
رَابِعًا: الْخَطَأُ فِي الْوَقْتِ:
41 - لَوْ أَكَل الصَّائِمُ أَوْ جَامَعَ بِاجْتِهَادٍ يَظُنُّ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَقْتَ لَيْلٌ فَبَانَ خِلاَفُ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَسَحَّرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَإِذَا هُوَ طَالِعٌ، أَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَغْرُبْ، وَكَذَا لَوْ جَامَعَ ظَانًّا بَقَاءَ اللَّيْل فَبَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ مُتَعَمِّدًا بَل مُخْطِئًا، وَوَجَّهُوا قَوْلَهُمْ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَثْبُتُ بِمُطْلَقِ الإِْفْسَادِ سَوَاءٌ كَانَ صُورَةً وَمَعْنًى، أَوْ صُورَةً لاَ مَعْنًى، أَوْ مَعْنًى لاَ صُورَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَسَوَاءٌ كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ جَبْرًا لِلْفَائِتِ فَيَسْتَدْعِي فَوَاتَ الصَّوْمِ لاَ غَيْرُ، وَالْفَوَاتُ يَحْصُل بِمُطْلَقِ الإِْفْسَادِ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إِلَى الْجَبْرِ بِالْقَضَاءِ لِيَقُومَ مَقَامَ الْفَائِتِ فَيَنْجَبِرُ مَعْنًى، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَيَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِإِفْسَادٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الإِْفْطَارُ الْكَامِل بِوُجُودِ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ أَوِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَمَعْنًى مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مُبِيحٍ وَلاَ مُرَخِّصٍ وَلاَ شُبْهَةِ الإِْبَاحَةِ (146) .
أَمَّا الْجِمَاعُ بِلاَ عُذْرٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَدْ قَال الْحَنَابِلَةُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلاً أَوْ مُخْطِئًا، مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكْتُ: قَال مَا لَكَ: قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ (147) . قَال الْبَعْلِيُّ: وَحَكَى صَاحِبُ الرِّعَايَةِ رِوَايَةً: لاَ قَضَاءَ عَلَى مَنْ جَامَعَ يَعْتَقِدُهُ لَيْلاً فَبَانَ نَهَارًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (148) .
هـ - الْحَجُّ:
أَوَّلاً - الْخَطَأُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ:
42 - إِذَا أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَجْزَأَ وَتَمَّ حَجُّهُمْ وَلاَ قَضَاءَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَقَالُوا: إِنَّ وُقُوفَهُمْ صَحِيحٌ وَحَجَّتَهُمْ تَامَّةٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ. وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُمْ وَقَفُوا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَلاَ يَجُوزُ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ (149) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَل جَمَاعَةُ الْمَوْقِفِ لاَ أَكْثَرُهُمْ فَوَقَفُوا بِعَاشِرٍ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ وَأَنَّ اللَّيْلَةَ عَقِبَهُ لَيْلَةُ الْعَاشِرِ بِأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ لَيْلَةُ الثَّلاَثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَأَكْمَلُوا الْعِدَّةَ فَإِذَا هُوَ الْعَاشِرُ، وَاللَّيْلَةُ عَقِبَهُ لَيْلَةُ الْحَادِيَ عَشَرَ فَيُجْزِئُهُمْ، وَعَلَيْهِمْ دَمٌ، وَاحْتُرِزَ عَنْ خَطَأِ بَعْضِهِمْ وَلَوْ أَكْثَرَهُمْ فَوَقَفَ الْعَاشِرَ ظَنًّا أَنَّهُ التَّاسِعُ مُخَالِفًا لِظَنِّ غَيْرِهِ فَلاَ يُجْزِئُهُ. وَنَقَل اللَّخْمِيُّ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمَ الإِْجْزَاءِ إِذَا وَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ (150) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ إِنْ غَلِطُوا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَجْزَأَهُمْ وَتَمَّ حَجُّهُمْ وَلاَ قَضَاءَ، هَذَا إِذَا كَانَ الْحَجِيجُ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ قَلُّوا أَوْ جَاءَتْ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ فَظَنَّتْ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ أَفَاضُوا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ، وَآخَرُونَ أَصَحُّهُمَا لاَ يُجْزِئُهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ مُفْرِطُونَ؛ وَلأَِنَّهُ نَادِرٌ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي يُجْزِئُهُمْ كَالْجَمْعِ الْكَثِيرِ (151) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُ أَيْضًا (152) .
وَاسْتَدَلُّوا جَمِيعًا بِحَدِيثِ: يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ النَّاسُ فِيهِ (153) ، وَحَدِيثِ: الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَْضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ (154) . أَمَّا لَوْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ التَّاسِعُ فَإِنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ (155) ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ (156) وَالأَْصَحُّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُمْ. قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ إِجْزَاءِ الْوُقُوفِ فِيهِ وَبَيْنَ إِجْزَائِهِ بِالْعَاشِرِ، أَنَّ الَّذِينَ وَقَفُوا فِيهِ فَعَلُوا مَا تَعَبَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵊، لأَِمْرِهِ بِإِكْمَال الْعِدَّةِ حَيْثُ حَصَل الْغَيْمُ دُونَ اجْتِهَادٍ بِخِلاَفِهِ بِالثَّامِنِ فَإِنَّهُ اجْتِهَادُهُمْ، أَوْ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ بِالْبَاطِل (157) .
وَلأَِنَّهُ نَادِرٌ غَايَةَ النُّدْرَةِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ؛ وَلأَِنَّهُ خَطَأٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى دَلِيلٍ فَلَمْ يُعْذَرُوا فِيهِ (158) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُمْ لِحَدِيثِ يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ النَّاسُ فِيهِ قَالُوا: وَهُوَ نَصٌّ فِي الإِْجْزَاءِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَا خَطَأٌ وَصَوَابٌ لاَسْتُحِبَّ الْوُقُوفُ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لاَ خَطَأَ (159) .
وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلٌ لاِبْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ الإِْجْزَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ، قَال الْحَطَّابُ: يَعْنِي إِذَا أَخْطَأَ جَمَاعَةُ أَهْل الْمَوْسِمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَجِّ، فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، فَإِنَّ وُقُوفَهُمْ يُجْزِئُهُمْ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فَقَطْ مِمَّا إِذَا أَخْطَئُوا وَوَقَفُوا فِي الثَّامِنِ، فَإِنَّ وُقُوفَهُمْ لاَ يُجْزِئُهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ وَقِيل: يُجْزِئُهُمْ فِي الصُّورَتَيْنِ وَقِيل: لاَ يُجْزِئُ فِي الصُّورَتَيْنِ (160) .
ثَانِيًا: خَطَأُ الْحَجِيجِ فِي الْمَوْقِفِ:
43 - إِذَا أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ عَرَفَةَ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ، سَوَاءٌ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ (161) .
ثَالِثًا: الْخَطَأُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ:
44 - لَوِ اجْتَهَدَ الْحَجِيجُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمُوا ثُمَّ بَانَ الْخَطَأُ عَامًّا فَهَل يَنْعَقِدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: يَصِحُّ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ يُجْزِئُ وَلاَ يَنْعَقِدُ (162) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِحْرَامٌ، حَجٌّ) . رَابِعًا: قَتْل صَيْدِ الْحَرَمِ خَطَأً:
45 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ قَتْل الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ أَوْ مِنَ الْمُحْرِمِينَ حَرَامٌ يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْعَمْدُ، وَالْخَطَأُ، وَالسَّهْوُ، وَالنِّسْيَانُ وَالْجَهْل (163) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (164) إِلَى آخِرِ الآْيَةِ. وَيُنْظَرُ: (إِحْرَامٌ، حَرَمٌ) .
خَامِسًا - الْخَطَأُ فِي مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ:
46 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ جَمِيعَهَا يَسْتَوِي فِيهَا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ كَقَتْل الصَّيْدِ.
وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ مَا كَانَ إِتْلاَفًا كَحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَتْل الصَّيْدِ، وَبَيْنَ مَا كَانَ تَمَتُّعًا كَلُبْسٍ وَتَطَيُّبٍ (165) . وَفِي الْوَطْءِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (إِحْرَامٌ، حَجٌّ) .
- و - الأَْضَاحِيُّ:
الْخَطَأُ فِي ذَبْحِ الأُْضْحِيَّةِ:
47 - إِذَا غَلِطَ رَجُلاَنِ فَذَبَحَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَّةَ الآْخَرِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَأَصْل هَذَا أَنَّ مَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَحِل لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا. وَلاَ يُجْزِئُهُ عَنِ الأُْضْحِيَّةِ فِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْل زُفَرَ. وَفِي الاِسْتِحْسَانِ، يَجُوزُ وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الذَّابِحِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا تَعَيَّنَتْ لِلذَّبْحِ لِتَعَيُّنِهَا لِلأُْضْحِيَّةِ، حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا بِعَيْنِهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُبَدِّل بِهَا غَيْرَهَا، فَصَارَ الْمَالِكُ مُسْتَعِينًا بِكُل مَنْ يَكُونُ أَهْلاً لِلذَّبْحِ آذِنًا لَهُ دَلاَلَةً؛ لأَِنَّهَا تَفُوتُ بِمُضِيِّ هَذِهِ الأَْيَّامِ وَعَسَاهُ يَعْجِزُ عَنْ إِقَامَتِهَا بِعَوَارِضَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا ذَبَحَ شَاةً شَدَّ الْقَصَّابُ رِجْلَهَا. وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيَضْمَنُ، كَمَا إِذَا ذَبَحَ شَاةً اشْتَرَاهَا الْقَصَّابُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا تُجْزِئُ وَلاَ ضَمَانَ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ ضَمَانُهَا.
وَنَقَل الأَْثْرَمُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ اللَّحْمَ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا وَيُجْزِئُ، وَلَوْ فَرَّقَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَحْمَ مَا ذَبَحَهُ أَجْزَأَ لإِِذْنِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ (166) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْ مَالِكٍ إِلَى عَدَمِ الإِْجْزَاءِ، وَيَضْمَنُ كُل وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ الْقِيمَةَ، فَإِذَا غَرِمَ الْقِيمَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا مَذْبُوحَةً فَالأَْصَحُّ فِي قَوْل أَشْهَبَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهَا تُجْزِئُ أُضْحِيَّةً لِذَابِحِهَا.
وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ (167) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ ذَبَحَ كُلٌّ مِنْ رَجُلَيْنِ أُضْحِيَّةَ الآْخَرِ ضَمِنَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ أَيْ قِيمَتَهَا حَيَّةً وَقِيمَتَهَا مَذْبُوحَةً؛ لأَِنَّ إِرَاقَةَ الدَّمِ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ وَقَدْ فَوَّتَهَا، وَأَجْزَأَ كُلٌّ مِنْهَا عَنِ الأُْضْحِيَّةِ لَكِنْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا وَاجِبَةً بِنَذْرٍ فَيُفَرِّقُهَا صَاحِبُهَا؛ لأَِنَّهَا مُسْتَحَقَّةُ الصَّرْفِ لِجِهَةِ التَّضْحِيَةِ؛ وَلأَِنَّ ذَبْحَهَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، أَمَّا الْمُتَطَوَّعُ بِهَا وَالْوَاجِبَةُ بِالْجُعْل فَلاَ يُجْزِئُ ذَبْحُهَا عَنِ الأَْصْلِيَّةِ لاِفْتِقَارِهِ إِلَى نِيَّةٍ (168) .
ز - الْبُيُوعُ:
أَوَّلاً - بَيْعُ الْمُخْطِئِ:
48 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: بَيْعُ الْمُخْطِئِ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، وَصُورَتُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُول: سُبْحَانَ اللَّهِ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ - بِعْتُ هَذَا مِنْكَ بِأَلْفٍ، وَقَبِل الآْخَرُ - وَصَدَّقَهُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ خَطَأٌ. أَمَّا وَجْهُ انْعِقَادِهِ فَلاِخْتِيَارِهِ فِي الأَْصْل، وَوَجْهُ فَسَادِهِ لِعَدَمِ الرِّضَا كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ، فَيَمْلِكُ الْبَدَل بِالْقَبْضِ (169) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ؛ لأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي أَسْبَابِ انْتِقَال الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْقَصْدُ، فَمَنْ بَاعَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَوْ هَذَا التَّصَرُّفَ يُوجِبُ انْتِقَال الْمِلْكِ لاَ يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَلاَ نَحْوُهُ (170) .
ثَانِيًا - الْغَلَطُ فِي الْمَبِيعِ:
49 - إِذَا وَقَعَ الْغَلَطُ فِي جِنْسِ الْمَبِيعِ بِأَنِ اعْتَقَدَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسٍ مُعَيَّنٍ فَإِذَا بِهِ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ، مِثْل أَنْ يَبِيعَ يَاقُوتًا أَوْ مَاسًا فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ، أَوْ يَبِيعُ حِنْطَةً فَإِذَا هِيَ شَعِيرٌ.
وَكَذَا إِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَلَكِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَمَا أَرَادَهُ الْعَاقِدُ كَانَ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ عَدَا الْكَرْخِيِّ قَالُوا: إِنَّ الْغَلَطَ يَكُونُ مَانِعًا يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلاً لأَِنَّ الْبَيْعَ مَعْدُومٌ، وَقَال الْكَرْخِيُّ: هُوَ فَاسِدٌ (171) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَقَعَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْغَلَطِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْعَاقِدِ الآْخَرِ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَذَا الْغَلَطِ فَلاَ يُعْتَدُّ بِالْغَلَطِ. جَاءَ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيل: سُئِل مَالِكٌ عَمَّنْ بَاعَ مُصَلًّى فَقَال الْمُشْتَرِي: أَتَدْرِي مَا هَذَا الْمُصَلَّى؟ هِيَ وَاللَّهِ خَزٌّ فَقَال الْبَائِعُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ خَزٌّ وَلَوْ عَلِمْتُهُ مَا بِعْتُهُ بِهَذَا الثَّمَنِ، قَال مَالِكٌ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي وَلاَ شَيْءَ لِلْبَائِعِ.
وَكَذَا مَنْ بَاعَ حَجَرًا بِثَمَنٍ يَسِيرٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَاقُوتَةٌ أَوْ زَبَرْجَدَةٌ تَبْلُغُ مَالاً كَثِيرًا. أَمَّا إِذَا سَمَّى أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ اسْمِهِ، مِثْل أَنْ يَقُول الْبَائِعُ أَبِيعُكَ هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ فَيَجِدُهَا غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، أَوْ يَقُول الْمُشْتَرِي: بِعْ مِنِّي هَذِهِ الزُّجَاجَةَ ثُمَّ يَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ لاَ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ، وَالْبَيْعُ لاَ يَلْزَمُ الْبَائِعَ (172) .
وَكَذَلِكَ إِذَا سَمَّى الْعَاقِدُ الشَّيْءَ بِاسْمٍ يَصْلُحُ لَهُ كَقَوْل الْبَائِعِ: أَبِيعُكَ هَذَا الْحَجَرَ فَإِذَا هُوَ يَاقُوتَةٌ فَيَلْزَمُ الْبَائِعَ الْبَيْعُ، وَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ، وَأَمَّا إِذَا سَمَّى أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِثْل أَنْ يَقُول الْبَائِعُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ فَيَجِدُهَا غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، أَوْ يَقُول الْمُشْتَرِي: بِعْ مِنِّي هَذِهِ الزُّجَاجَةَ ثُمَّ يَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الشِّرَاءَ لاَ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ، وَالْبَيْعُ لاَ يَلْزَمُ الْبَائِعَ.
وَإِذَا أَبْهَمَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّسْمِيَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ، فَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: إِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الرَّدَّ كَالتَّصْرِيحِ (173) . وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالصِّحَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالْبُطْلاَنِ.
قَال الْقَلْيُوبِيُّ: لَوِ اشْتَرَى زُجَاجَةً يَظُنُّهَا جَوْهَرَةً فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ الْجَوْهَرَةِ وَإِلاَّ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَثُبُوتَ الْخِيَارِ قَال: وَفِيهِ نَظَرٌ (174) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال: الْبَائِعُ بِعْتُكَ هَذَا الْبَغْل بِكَذَا، فَقَال اشْتَرَيْتُهُ، فَبَانَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فَرَسًا أَوْ حِمَارًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَمِثْلُهُ بِعْتُكَ هَذَا الْجَمَل فَبَانَ نَاقَةً وَنَحْوَهُ، فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ لِلْجَهْل بِالْمَبِيعِ (175) .
ثَالِثًا - الْجِنَايَةُ عَلَى الْمَبِيعِ خَطَأً:
50 - الْجِنَايَةُ خَطَأً عَلَى الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، قَدْ تَكُونُ مِنَ الْبَائِعِ، أَوِ الْمُشْتَرِي، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي لُزُومِ الْبَيْعِ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ وَسُقُوطِ الْخِيَارِ، وَفِي الضَّمَانِ، خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (خِيَارٌ، ضَمَانٌ) .
ح - الإِْجَارَةُ:
أَوَّلاً: خَطَأُ النَّقَّادِ وَالْقَبَّانِ وَنَحْوِهِمَا:
51 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النَّقَّادَ إِنْ أَخْطَأَ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْمَل مَا أُمِرَ بِهِ.
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ الضَّمَانِ بِكَوْنِ النَّقَّادِ حَاذِقًا أَمِينًا وَإِلاَّ ضَمِنَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَخْطَأَ الْقَبَّانِيُّ (176) فِي الْوَزْنِ ضَمِنَ، كَمَا لَوْ غَلِطَ فِي النَّقْشِ الَّذِي عَلَى الْقَبَّانِ (177) .
ثَانِيًا: خَطَأُ الأُْجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ:
52 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَفَرِيقٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (178) : أَنَّ الأَْجِيرَ الْخَاصَّ لاَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِي يَدِهِ بِلاَ صُنْعِهِ، أَوْ هَلَكَ مِنْ عَمَلِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْفَسَادَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الأَْجِيرَ الْخَاصَّ كَالأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ (179) فِي الضَّمَانِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَال: وَالأُْجَرَاءُ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْجِيرَ الْمُشْتَرَكَ إِذَا تَلِفَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ بِتَعَدٍّ، أَوْ تَفْرِيطٍ جَسِيمٍ يَضْمَنُ. أَمَّا إِذَا تَلِفَ بِغَيْرِ هَذَيْنِ، فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَةٌ) .
ثَالِثًا - خَطَأُ الْكَاتِبِ:
53 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ وَرَقًا لِيَكْتُبَ لَهُ مُصْحَفًا وَيَنْقُطُهُ، وَيَعْجُمُهُ، وَيَعْشِرُهُ بِكَذَا مِنَ الأُْجْرَةِ فَأَخْطَأَ فِي بَعْضِ النُّقَطِ وَالْعَوَاشِرِ. قَال أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ فَعَل ذَلِكَ فِي كُل وَرَقَةٍ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لاَ يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ عَلَيْهِ وَاسْتَرَدَّ مِنْهُ مَا أَعْطَاهُ، أَيْ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْوَرَقِ، وَإِنْ وَافَقَهُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ أَعْطَاهُ حِصَّةَ مَا وَافَقَ مِنَ الْمُسَمَّى وَبِمَا خَالَفَ أَعْطَاهُ أَجْرَ الْمِثْل (180) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بِصِحَّةِ الاِسْتِئْجَارِ لِلنِّسَاخَةِ وَيُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ الْخَطِّ، وَرِقَّتَهُ، وَغِلَظَهُ، وَعَدَدَ الأَْوْرَاقِ وَسُطُورَ كُل صَفْحَةٍ كَذَا، وَقَدْرَ الْقَطْعِ إِنْ قَدَرْنَا بِالْمَحَل. وَإِذَا غَلِطَ النَّاسِخُ غَلَطًا فَاحِشًا فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْوَرَقِ وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ، وَإِلاَّ فَلَهُ الأُْجْرَةُ وَلاَ أَرْشَ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ الإِْصْلاَحُ (181) . رَابِعًا: خَطَأُ الطَّبِيبِ وَالْخَاتِنِ وَنَحْوِهِمَا:
54 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الطَّبِيبِ وَالْخَاتِنِ وَالْحَجَّامِ إِذَا فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا ذَوِي حِذْقٍ فِي صِنَاعَتِهِمْ وَلَهُمْ بِهَا بِصَارَةٌ وَمَعْرِفَةٌ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ لَمْ يَحِل لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مُبَاشَرَةُ الْقَطْعِ، وَإِذَا قُطِعَ مَعَ هَذَا كَانَ فِعْلاً مُحَرَّمًا فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ كَالْقَطْعِ ابْتِدَاءً.
الثَّانِي: أَنْ لاَ تَجْنِيَ أَيْدِيهِمْ فَيَتَجَاوَزُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ.
فَإِذَا وُجِدَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ لَمْ يَضْمَنُوا، لأَِنَّهُمْ قَطَعُوا قَطْعًا مَأْذُونًا فِيهِ فَلَمْ يَضْمَنُوا سِرَايَتَهُ، كَقَطْعِ الإِْمَامِ يَدَ السَّارِقِ، أَوْ فَعَلُوا فِعْلاً مُبَاحًا مَأْذُونًا فِي فِعْلِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ حَاذِقًا وَخَبَتْ يَدُهُ مِثْل أَنْ يَتَجَاوَزَ قَطْعُ الْخِتَانِ إِلَى الْحَشَفَةِ، أَوْ إِلَى بَعْضِهَا، أَوْ قَطَعَ فِي غَيْرِ مَحَل الْقَطْعِ، أَوْ يَقْطَعُ السِّلْعَةَ مِنْ إِنْسَانٍ فَيَتَجَاوَزُهَا، أَوْ يَقْطَعُ بِآلَةٍ كَآلَةٍ يَكْثُرُ أَلَمُهَا، أَوْ فِي وَقْتٍ لاَ يَصْلُحُ الْقَطْعُ فِيهِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ضَمِنَ فِيهِ كُلِّهِ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ لاَ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَأَشْبَهَ إِتْلاَفَ الْمَال (182) . ط - الْخَطَأُ فِي وَصْفِ اللُّقَطَةِ:
55 - إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ مِلْكِيَّةَ لُقَطَةٍ فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ لاَ يُسَلِّمُهَا إِلَيْهِ إِلاَّ إِذَا وَصَفَهَا وَصْفًا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا لَهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا أَخْطَأَ مُدَّعِي مِلْكِيَّةِ اللُّقَطَةِ فِي وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْصَابَةَ فِي بَعْضِ عَلاَمَاتِ اللُّقَطَةِ لاَ تَكْفِي لِدَفْعِهَا إِلَيْهِ، وَإِنَّ الإِْصَابَةَ فِي الْعَلاَمَاتِ كُلِّهَا شَرْطٌ (183) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَصَفَ وَاحِدًا مِنَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ (184) وَوَقَعَ الْجَهْل فِي الآْخَرِ أَوِ الْغَلَطُ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ:
قِيل: لاَ شَيْءَ لَهُ فِيهِمَا، وَقِيل: يَسْتَأْنِي فِيهِمَا، وَقِيل: يُعْطَى بَعْدَ الاِسْتِينَاءِ مَعَ الْجَهْل وَلاَ شَيْءَ لَهُ مَعَ الْغَلَطِ.
قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا أَعْدَل الأَْقْوَال، وَقَال: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْغَلَطِ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لاَ الْمُتَعَلِّقُ بِاللِّسَانِ (185) .
وَقَال الْخَرَشِيُّ: إِذَا غَلِطَ فَإِنْ قَال: الْوِكَاءُ مَثَلاً كَذَا، فَإِذَا هُوَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفِي وَلاَ تُدْفَعُ لَهُ. وَإِذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ أَوْ أَحَدَهُمَا وَأَصَابَ فِي ذَلِكَ وَأَخْطَأَ فِي صِفَةِ الدَّنَانِيرِ، بِأَنْ قَال مُحَمَّدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ يَزِيدِيَّةٌ فَلاَ شَيْءَ لَهُ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَقَالُوا: إِذَا عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَغَلِطَ فِي قَدْرِ الدَّرَاهِمِ بِزِيَادَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ بِأَنْ قَال: هِيَ عَشَرَةٌ فَإِذَا هِيَ خَمْسَةٌ، أَمَّا غَلَطُهُ بِالنَّقْصِ بِأَنْ قَال: هِيَ عِشْرُونَ فَإِذَا هِيَ ثَلاَثُونَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ (186) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (لُقَطَةٌ) .
ي - الْغَلَطُ فِي الشُّفْعَةِ:
56 - مِنْ صُوَرِ الْخَطَأِ أَوِ الْغَلَطِ فِي الشُّفْعَةِ أَنْ يَغْلَطَ الشَّفِيعُ فِي شَخْصِ الْمُشْتَرِي، أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَْرْكَانِ كَالْغَلَطِ فِي الثَّمَنِ. وَفِيمَا يَأْتِي بَيَانُ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ بِمِائَةٍ فَعَفَا الشَّفِيعُ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى بِخَمْسِينَ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ عَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ لِقَدْرٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَرْضَاهُ بِمِائَةٍ أَوْ لَيْسَ مَعَهُ مِائَةٌ.
وَإِنْ قَال: اشْتَرَيْتُ نِصْفَهُ بِمِائَةٍ فَعَفَا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى جَمِيعَهُ بِمِائَةٍ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ قَال إِنَّهُ اشْتَرَى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَعَفَا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اشْتَرَاهُ بِالنَّقْدِ الآْخَرِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَفَا لإِِعْوَازِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عِنْدَهُ، أَوْ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ.
وَإِنْ قَال: اشْتَرَيْتُ الشِّقْصَ فَعَفَا، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ وَكِيلاً فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُشْتَرِي غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَرْضَى مُشَارَكَةَ الْوَكِيل وَلاَ يَرْضَى مُشَارَكَةَ الْمُوَكِّل (187) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَخْبَرَ الشَّفِيعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فُلاَنٌ فَقَال: قَدْ سَلَّمْتُ لَهُ، فَإِذَا الْمُشْتَرِي غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمُجَاوَرَةِ، فَرِضَاهُ بِمُجَاوَرَةِ إِنْسَانٍ لاَ يَكُونُ رِضًا مِنْهُ بِمُجَاوَرَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ مِنْهُ مُفِيدٌ، كَأَنَّهُ قَال إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي فُلاَنًا فَقَدْ سَلَّمْتُ الشُّفْعَةَ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ. وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فُلاَنٌ وَآخَرُ مَعَهُ، صَحَّ تَسْلِيمُهُ فِي نَصِيبِ فُلاَنٍ وَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ فِي نَصِيبِ الآْخَرِ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِمُجَاوَرَةِ أَحَدِهِمَا فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ رِضًا بِمُجَاوَرَةِ الآْخَرِ (188) . وَلَوْ أَخْبَرَ أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ فَتَسْلِيمُهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَل فَلَهُ الشُّفْعَةُ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا أَسْقَطَ حَقَّهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ لأَِنَّهُ بَنَى تَسْلِيمَهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْخِطَابُ السَّابِقُ كَالْمُعَادِ فِيمَا بَنَى عَلَيْهِ مِنَ الْجَوَابِ، فَكَأَنَّهُ قَال سَلَّمْتُ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَلْفًا، وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى هَذَا التَّسْلِيمِ لِغَلاَءِ الثَّمَنِ، أَوْ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَحْصِيل الأَْلْفِ وَلاَ يَزُول هَذَا الْمَعْنَى إِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنَ الأَْلْفِ بَل يَزْدَادُ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَقَل مِنَ الأَْلْفِ فَقَدِ انْعَدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لأَِجْلِهِ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ فَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ، وَقَدْ يَرْغَبُ الْمَرْءُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ عِنْدَ قِلَّةِ الثَّمَنِ وَلاَ يَرْغَبُ فِيهِ عِنْدَ كَثْرَةِ الثَّمَنِ (189) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الشَّفِيعُ إِذَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِالثَّمَنِ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ لِكَثْرَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَنَ أَقَل مِمَّا أُخْبِرَ بِهِ فَلَهُ شُفْعَتُهُ وَلَوْ طَال الزَّمَانُ قَبْل ذَلِكَ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْقَطَ لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الثَّمَنِ.
وَكَذَلِكَ لاَ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ إِذَا أَسْقَطَهَا لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَى، بِأَنْ قِيل لَهُ فُلاَنٌ اشْتَرَى نِصْفَ نَصِيبِ شَرِيكِكَ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمِيعَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَهُ الْقِيَامُ بِالشُّفْعَةِ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ يَقُول لَمْ يَكُنْ لِي غَرَضٌ فِي أَخْذِ النِّصْفِ؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ بَعْدُ قَائِمَةٌ، فَلَمَّا عَلِمْتُ أَنَّهُ ابْتَاعَ الْكُل أَخَذْتُ لاِرْتِفَاعِ الشَّرِكَةِ وَزَوَال الضَّرَرِ، أَوْ لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الْمُشْتَرِي - بِكَسْرِ الرَّاءِ - قِيل لَهُ فُلاَنٌ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِكَ فَأَسْقَطَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي سُمِّيَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شُفْعَتَهُ كَائِنًا مَا كَانَ الشَّخْصُ.
وَكَذَلِكَ لاَ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ إِذَا قِيل لَهُ إِنَّ فُلاَنًا اشْتَرَى حِصَّةَ شَرِيكِكَ فِي الشِّقْصِ فَرَضِيَ بِهِ وَسَلَّمَ شُفْعَتَهُ لأَِجْل حُسْنِ سِيرَةِ هَذَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الشِّقْصَ اشْتَرَاهُ هُوَ وَشَخْصٌ آخَرُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِشُفْعَتِهِ، لأَِنَّهُ يَقُول إِنَّمَا رَضِيتُ بِشَرِكَةِ فُلاَنٍ وَحْدَهُ لاَ بِشَرِكَتِهِ مَعَ غَيْرِهِ (190) .
ك - النِّكَاحُ:
أَوَّلاً - الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ:
57 - يَرَى فَرِيقٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ، وَالتَّصْحِيفُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْءَ عَلَى خِلاَفِ مَا أَرَادَهُ كَاتِبُهُ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، كَتَجَوَّزْتُ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّاي؛ لأَِنَّهُ صَادِرٌ لاَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، بَل عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلاَ يَكُونُ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا لِعَدَمِ الْعَلاَقَةِ، بَل غَلَطًا فَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ أَصْلاً بِخِلاَفِ مَا لَوِ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ وَصَدَرَتْ عَنْ قَصْدٍ صَحَّ، لأَِنَّ ذَلِكَ وَضْعٌ جَدِيدٌ وَبِهِ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ (191) .
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْعَقْدُ بِلَفْظِ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ إِذَا نَطَقَ بِهِ الْعَامِّيُّ قَاصِدًا بِهِ مَعْنَى النِّكَاحِ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ لَفْظَ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ لاَ يَفْهَمُ مِنْهُ الْعَاقِدَانِ وَالشُّهُودُ إِلاَّ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّزْوِيجِ وَلاَ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُحْمَل كَلاَمُ كُل عَاقِدٍ وَحَالِفٍ وَوَاقِفٍ عَلَى عَرَفَةَ (192) .
وَقَال الْغَزَالِيُّ: الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ إِذَا لَمْ يُخِل بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (193) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نِكَاحٌ) .
ثَانِيًا - الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ:
58 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَأَشَارَ إِلَيْهَا، فَلاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّ تَعْرِيفَ الإِْشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ أَقْوَى مِنَ التَّسْمِيَةِ، لِمَا فِي التَّسْمِيَةِ مِنَ الاِشْتِرَاكِ لِعَارِضٍ فَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الإِْشَارَةِ، كَمَا لَوْ قَال: اقْتَدَيْتُ بِزَيْدٍ هَذَا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ يَصِحُّ (194) . وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ وَأَرَادَ تَزْوِيجَ الْكُبْرَى فَغَلِطَ فَسَمَّاهَا بِاسْمِ الصُّغْرَى صَحَّ لِلصُّغْرَى بِأَنْ كَانَ اسْمُ الْكُبْرَى عَائِشَةَ وَالصُّغْرَى فَاطِمَةَ، فَقَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَقَبِل، انْعَقَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَصِفْهَا بِالْكُبْرَى، فَلَوْ قَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي الْكُبْرَى فَاطِمَةَ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ لاَ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ عَلَى إِحْدَاهُمَا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنَةٌ كُبْرَى بِهَذَا الاِسْمِ، وَلاَ تَنْفَعُ النِّيَّةُ هُنَا وَلاَ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ بَعْدَ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنِ الْمُرَادِ (195) .
وَقَال شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ قَال أَبُو بَنَاتٍ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَاهُنَّ أَوْ بِنْتِي أَوْ فَاطِمَةَ وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً وَلَوْ غَيْرَ الْمُسَمَّاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، قَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ اخْتَلَفَتُ الزَّوْجَةُ مَعَ الزَّوْجِ فَقَالَتْ: لَسْتُ الْمُسَمَّاةَ فِي الْعَقْدِ، وَقَال الشُّهُودُ: بَل أَنْتِ الْمَقْصُودَةُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ سَمَّى غَيْرَكَ فِي الْعَقْدِ غَلَطًا وَوَافَقَهُمَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَل الْعِبْرَةُ بِقَوْلِهَا لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ النِّكَاحِ، أَوِ الْعِبْرَةُ بِقَوْل الشُّهُودِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالأَْقْرَبُ الأَْوَّل، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْغَلَطِ (196) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ سَمَّاهَا الْوَلِيُّ بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا صَحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ التَّعَدُّدِ وَلاَ تَعَدُّدَ هُنَا، وَكَذَا لَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا، بِأَنْ قَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةُ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لأَِنَّ الإِْشَارَةَ أَقْوَى، وَلَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَقُل بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ فَقَال الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَائِشَةُ فَقَبِل الزَّوْجُ، وَنَوَيَا فِي الْبَاطِنِ فَاطِمَةَ فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ، فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لاَ يُمَيِّزُهَا بَل يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا، وَلأَِنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ عَائِشَةُ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إِذَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِي مَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى (197) .
ثَالِثًا - الْغَلَطُ فِي الزَّوْجَةِ:
59 - إِذَا زُفَّتِ امْرَأَةٌ إِلَى غَيْرِ زَوْجِهَا وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا قَبْل ذَلِكَ فَوَطِئَهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ مَهْرُ الْمِثْل، وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ. وَيَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ بِهَذَا الْوَطْءِ (198) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ وَطِئَهَا غَلَطًا وَهِيَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا (199) .
وَمِنْ صُوَرِ الْغَلَطِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ أَبٌ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنُهُ عَلَى ابْنَتِهَا وَزُفَّتْ كُلٌّ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَوَطِئَهَا غَلَطًا:
قَال الشَّافِعِيَّةُ: انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ وَلَزِمَ كُلًّا لِمَوْطُوءَتِهِ مَهْرُ الْمِثْل، وَعَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا بِالْوَطْءِ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَفِيمَا يَلْزَمُ الثَّانِي مِنْهُمَا وُجُوهٌ (200) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ: إِنَّ وَطْءَ الأَْوَّل يُوجِبُ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ وَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ بِالْوَطْءِ حَلِيلَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُ الْمَوْطُوءَةِ عَنْ زَوْجِهَا؛ لأَِنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا بِتَمْكِينِهَا مِنْ وَطْئِهَا وَمُطَاوَعَتِهَا عَلَيْهِ، وَلاَ شَيْءَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَاطِئِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ يَرْجِعُ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ مُشَارِكَةٌ فِي إِفْسَادِ نِكَاحِهَا بِالْمُطَاوَعَةِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ لَوِ انْفَرَدَتْ بِهِ (201) .
رَابِعًا - طَلاَقُ الْمُخْطِئِ:
60 - مَنْ قَال لِزَوْجَتِهِ اسْقِينِي فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلاَ اعْتِبَارَ لِلْكَلاَمِ بِدُونِ الْقَصْدِ (202) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لِحُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مُخْتَارًا فِي التَّكَلُّمِ، وَلأَِنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ مَعْنَى اللَّفْظِ أَمْرٌ خَفِيٌّ وَفِي الْوُقُوفِ عَلَى قَصْدِهِ حَرَجٌ (203) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُرَادُ مِنَ الْقَصْدِ قَصْدُ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ الدَّال عَلَيْهِ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ مَدْلُولَهُ وَهُوَ حَل الْعِصْمَةِ.
وَقَالُوا إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ، فَالْتَوَى لِسَانُهُ فَتَكَلَّمَ بِالطَّلاَقِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ ثَبَتَ سَبْقُ لِسَانِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَيَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ (204) .
ل - الْخَطَأُ فِي الْجِنَايَاتِ:
أَوَّلاً - الْقَتْل الْخَطَأُ:
61 - الْوَاجِبُ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِل وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، وَالْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَيُرْجَعُ فِي تَعْرِيفِ الْقَتْل الْخَطَأِ وَصُوَرِهِ وَأَنْوَاعِهِ وَأَحْكَامِهِ وَآرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحَاتِ (قَتْلٌ، دِيَةٌ، كَفَّارَةٌ، إِرْثٌ) .
ثَانِيًا - مَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ خَطَأً:
62 - الْوَاجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِمَّا دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا فِي ذَهَابِ كُلٍّ مِنَ الْكَلاَمِ، وَالسَّمْعِ، وَاللِّسَانِ، وَالأَْنْفِ، وَفِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَوْ نِسْبَةٍ مِنَ الدِّيَةِ كَمَا فِي الْمُوضِحَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالآْمَّةِ، وَالْجَائِفَةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ) (205) .
ثَالِثًا - جِنَايَةُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَطْرَافِهِ خَطَأً:
63 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ قَتَل نَفْسَهُ خَطَأً لاَ تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِ وَلاَ تَحْمِل الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ. لأَِنَّ عَامِرَ بْنَ الأَْكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَةٍ وَلاَ غَيْرِهَا (206) ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ؛ وَلأَِنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ كَالْعَمْدِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْظْهَرِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ إِنْ قَتَل نَفْسَهُ، أَوْ أَرْشَ جُرْحِهِ لِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ رَجُلاً سَاقَ حِمَارًا فَضَرَبَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ فَطَارَتْ مِنْهَا شَظِيَّةٌ فَفَقَأَتْ عَيْنَهُ فَجَعَل عُمَرُ - ﵁ - دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ (207) .
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارَةِ فَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لاَ تَجِبُ؛ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْقَتْل فَإِذَا حَصَل الْقَتْل بَطَل الْخِطَابُ بِهَا كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنِ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِهِ (208) .
رَابِعًا - الْخَطَأُ فِي التَّصَادُمِ:
64 - التَّصَادُمُ قَدْ يَقَعُ مِنْ فَارِسَيْنِ، أَوْ مِنْ مَاشِيَيْنِ، أَوْ مِنْ سَفِينَتَيْنِ، وَقَدْ يَقَعُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ، وَالْوَاجِبُ فِي حَال الْخَطَأِ هَل يَضْمَنُ كُل وَاحِدٍ مَا تَلِفَ مِنَ الآْخَرِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ بِأَنْ يَضْمَنَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ قِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنَ الآْخَرِ؟ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (209) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَحَلُّهُ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ، إِتْلاَفٌ، قَتْلٌ، ضَمَانٌ) . خَامِسًا - فِي خَرْقِ السَّفِينَةِ خَطَأً:
65 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ خَرَقَ شَخْصٌ سَفِينَتَهُ عَامِدًا خَرْقًا يُهْلِكُ غَالِبًا، فَالْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ عَلَى الْخَارِقِ، وَخَرْقُهَا لِلإِْصْلاَحِ شِبْهُ عَمْدٍ، فَإِنْ أَصَابَ غَيْرَ مَوْضِعِ الإِْصْلاَحِ فَخَرَقَهُ فَخَطَأٌ مَحْضٌ (210) .
وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ إِذَا خَرَقَ السَّفِينَةَ خَطَأً فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ.
وَإِذَا قَامَ لِيُصْلِحَ مَوْضِعًا فَقَلَعَ لَوْحًا، أَوْ يُصْلِحَ مِسْمَارًا فَثَقَبَ مَوْضِعًا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ قَبِيل عَمْدِ الْخَطَأِ، أَوْ مِنْ قَبِيل الْخَطَأِ الْمَحْضِ؟
ذَهَبَ إِلَى الأَْوَّل الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، لأَِنَّهُ قَصَدَ فِعْلاً مُبَاحًا فَأَفْضَى إِلَى التَّلَفِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا، لَكِنْ إِنْ قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ مِنْ مَوْضِعٍ يَغْلِبُ أَنَّهُ لاَ يُتْلِفُهَا فَأَتْلَفَهَا فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ وَفِيهِ مَا فِيهِ (211) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي ضَمَانِ الْمَلاَّحِ: لَوْ دَخَلَهَا الْمَاءُ فَأَفْسَدَ الْمَتَاعَ فَلَوْ بِفِعْلِهِ وَحْدَهُ يَضْمَنُ بِالاِتِّفَاقِ، وَلَوْ بِلاَ فِعْلِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لاَ يَضْمَنُ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ.
وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي السَّفِينَةِ، فَلَوْ كَانَ لاَ يَضْمَنُ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزَ الْمُعْتَادَ؛ لأَِنَّ مَحَل الْعَمَل غَيْرُ مُسَلَّمٍ إِلَيْهِ (212) .
- الْخَطَأُ فِي الأَْيْمَانِ:
أَوَّلاً: الْخَطَأُ فِي حَلِفِ الْيَمِينِ:
66 - مَعْنَى الْخَطَأِ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَبْقُ اللِّسَانِ إِلَى غَيْرِ مَا قَصَدَهُ الْحَالِفُ وَأَرَادَهُ بِأَنْ أَرَادَ شَيْئًا فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُول: اسْقِنِي الْمَاءَ فَقَال: وَاللَّهِ لاَ أَشْرَبُ الْمَاءَ.
وَأَوْجَبُوا فِيهِ الْكَفَّارَةَ إِنْ حَنِثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (213) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالْيَمِينُ (214)
وَقَالُوا: إِنَّ الْكَفَّارَةَ تَرْفَعُ الإِْثْمَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ التَّوْبَةُ. وَخَالَفَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فِي انْعِقَادِ يَمِينِ الْمُخْطِئِ وَقَال: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لأَِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ جَعَل الْهَزْل بِالْيَمِينِ جِدًّا، وَالْهَازِل قَاصِدٌ لِلْيَمِينِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ شَرْعًا بَعْدَ مُبَاشَرَتِهِ السَّبَبَ مُخْتَارًا، وَالنَّاسِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَصْلاً وَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَ، وَكَذَا الْمُخْطِئُ لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ التَّلَفُّظَ بِهِ، بَل بِشَيْءٍ آخَرَ فَلاَ يَكُونُ الْوَارِدُ فِي الْهَازِل وَارِدًا فِي النَّاسِي الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ مُبَاشَرَةَ السَّبَبِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ نَصًّا وَلاَ قِيَاسًا. (215)
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْخَطَأِ:
الأَْوَّل - سَبْقُ اللِّسَانِ بِمَعْنَى غَلَبَتِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى لِسَانِهِ نَحْوُ: لاَ وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا، وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا.
الثَّانِي - انْتِقَالُهُ مِنْ لَفْظٍ لآِخَرَ وَالْتِفَاتُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ إِرَادَةِ النُّطْقِ بِغَيْرِهِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْقِسْمَ الأَْخِيرَ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيَدِينُ أَيْ يُقْبَل قَوْلُهُ دِيَانَةً، كَسَبْقِ اللِّسَانِ فِي الطَّلاَقِ، أَمَّا الأَْوَّل فَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ. (216)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِ الْيَمِينِ بِلاَ قَصْدٍ فِي حَال غَضَبِهِ: كَلاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ، وَكَذَا فِي حَال عَجَلَتِهِ، أَوْ صِلَةِ كَلاَمِهِ، أَوْ أَرَادَ الْيَمِينَ عَلَى شَيْءٍ فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا لاَ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَلاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ. (217) فَإِذَا حَلَفَ وَقَال: لَمْ أَقْصِدَ الْيَمِينَ صُدِّقَ، أَمَّا الْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالإِْيلاَءِ فَلاَ يُصَدَّقُ فِي الظَّاهِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِإِجْرَاءِ لَفْظِ الْيَمِينِ بِلاَ قَصْدٍ، بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ فَدَعْوَاهُ فِيهِمَا بِخِلاَفِ الظَّاهِرِ فَلاَ يُقْبَل، وَلَوِ اقْتَرَنَ بِالْيَمِينِ مَا يَدُل عَلَى الْقَصْدِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ عَلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ (218) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيُبَيِّنُ بِخِلاَفِهِ، وَمَنْ سَبَقَ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلاَ إِثْمَ فِي هَذَا النَّوْعِ وَلاَ كَفَّارَةَ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالُوا: إِنْ عَقَدَهَا (أَيِ الْيَمِينَ) عَلَى زَمَنٍ خَاصٍّ مَاضٍ يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ كَأَنْ حَلَفَ مَا فَعَل كَذَا يَظُنُّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ فَبَانَ بِخِلاَفِهِ حَنِثَ فِي طَلاَقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ، بِخِلاَفِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ أَوْ بِنَذْرٍ أَوْ ظِهَارٍ؛ لأَِنَّهُ مِنْ لَغْوِ الأَْيْمَانِ.
وَكَذَا إِذَا عَقَدَهَا عَلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ظَانًّا صِدْقَهُ فَلَمْ يَكُنْ كَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ يُطِيعُهُ فَلَمْ يَفْعَل، أَوْ ظَنَّ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خِلاَفَ نِيَّةِ الْحَالِفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (219)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَيْمَانٌ) .
ثَانِيًا - الْخَطَأُ فِي الْحِنْثِ:
67 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ سَوَاءٌ مَعَ الإِْكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ فِي الْيَمِينِ أَوِ الْحِنْثِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل الْحَقِيقِيَّ لاَ يَعْدَمُهُ الإِْكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ، وَكَذَا الإِْغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ ذَاكِرًا لِيَمِينِهِ مُخْتَارًا. (220)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْحِنْثُ هُوَ مُخَالَفَةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، فَمَنْ حَنِثَ مُخْطِئًا كَأَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارَ فُلاَنٍ فَدَخَلَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا غَيْرُهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْخَطَأِ أَيْضًا مَا إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لاَ يَتَنَاوَل مِنْهُ دَرَاهِمَ فَتَنَاوَل مِنْهُ ثَوْبًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقِيل بِعَدَمِ الْحِنْثِ، وَقِيل بِالْحِنْثِ إِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ قِيَاسًا عَلَى السَّرِقَةِ وَإِلاَّ فَلاَ حِنْثَ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ فَقَالُوا: مُتَعَلِّقُ الْخَطَأِ الْجَنَانُ، وَمُتَعَلِّقُ الْغَلَطِ اللِّسَانُ فَحَيْثُ قَالُوا بِالْحِنْثِ الْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْجَنَانِ لاَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْغَلَطِ اللِّسَانِيِّ فَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِ. وَمَثَّلُوا لِلْغَلَطِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَطَأِ: حَلَفَ أَنْ لاَ يُكَلِّمَ زَيْدًا فَكَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرٌو، أَوْ حَلَفَ لاَ يَذْكُرُ فُلاَنًا فَذَكَرَهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ الاِسْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. (221)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا حَلَفَ لاَ يَدْخُل هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا نَاسِيًا لِلْيَمِينِ أَوْ جَاهِلاً أَنَّهَا الدَّارُ الْمَحْلُوفَةُ عَلَيْهَا هَل يَحْنَثُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلاَقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْحِنْثِ قَوْله تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ} (222) وَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال. وَوَجْهُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَهُوَ الرَّاجِحُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} (223) الآْيَةَ، وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (224) وَالْيَمِينُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْعُمُومِ. (225)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ حَال كَوْنِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا إِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فَلاَ كَفَّارَةَ، لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. وَيَقَعُ الطَّلاَقُ وَالْعَتَاقُ إِذَا فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِهِمَا نَاسِيًا وَالْجَاهِل كَالنَّاسِي فَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَهَا جَاهِلاً بِأَنَّهَا دَارُهُ حَنِثَ فِي طَلاَقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ. (226)
ن - الْغَلَطُ فِي الْقِسْمَةِ:
68 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَقَاسَمَا أَرْضًا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا غَلَطًا، فَإِنْ كَانَ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لأَِنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ فَلَمْ تُقْبَل دَعْوَى الْغَلَطِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ.
فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَلَطِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ.
وَإِنْ كَانَتْ قِسْمَةَ اخْتِيَارٍ: فَإِنْ تَقَاسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَاسِمٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِأَخْذِ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُقْبَل، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ دُونَ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ قَسَمَ بَيْنَهُمَا قَاسِمٌ نَصَّبَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِأَخْذِ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ فَهُوَ كَقِسْمَةِ الإِْجْبَارِ فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. (227)
وَقَال فِي الْمُغْنِي: إِنَّهُ فِي كُل الأَْحْوَال - حَتَّى فِي صُورَةِ مَا تَمَّتْ قِسْمَتُهُ تَرَاضَيَا - إِنَّهُ مَتَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْغَلَطِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ، لأَِنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا فِي كَيْلِهِ (228) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ وَزَعَمَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ - وَكَانَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالاِسْتِيفَاءِ - لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي فَسْخَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُقُوعِهَا فَلاَ يُصَدَّقُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ اسْتُحْلِفَ الشُّرَكَاءُ فَمَنْ نَكَل مِنْهُمْ جَمَعَ بَيْنَ نَصِيبِ النَّاكِل وَالْمُدَّعِي فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمَا، لأَِنَّ النُّكُول حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً فَيُعَامَلاَنِ عَلَى زَعْمِهِمَا، وَإِنْ قَال أَصَابَنِي إِلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيَّ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهِ بِالاِسْتِيفَاءِ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ تَحَالَفَا وَفُسِخَتِ الْقِسْمَةُ؛ لأَِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي مِقْدَارِ مَا حَصَل لَهُ بِالْقِسْمَةِ فَصَارَ نَظِيرُ الاِخْتِلاَفِ فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ. (229)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ الْجَوْرَ وَالْغَلَطَ، فَإِنْ تَحَقَّقَ الْحَاكِمُ عَدَمَهُمَا مُنِعَ مُدَّعِيهِ مِنْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ أَشْكَل الأَْمْرُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَفَاحِشًا وَلَمْ يَثْبُتْ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ حَلَفَ الْمُنْكِرُ لِدَعْوَى صَاحِبِهِ أَنَّ الْقَاسِمَ لَمْ يَجْرِ، وَلَمْ يَغْلَطْ، فَإِنْ نَكَل الْمُنْكِرُ لِدَعْوَى صَاحِبِهِ قُسِمَ مَا ادَّعَى الآْخَرُ أَنَّهُ حَصَل بِهِ الْجَوْرُ وَالْغَلَطُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ نَصِيبِ كُلٍّ، وَأَمَّا إِذَا ثَبَتَ مَا ذُكِرَ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ، أَوْ كَانَ مُتَفَاحِشًا وَهُوَ مَا يَظْهَرُ لأَِهْل الْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالْجَوْرِ مَا كَانَ عَنْ عَمْدٍ، وَبِالْغَلَطِ مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ. (230)
س - الْخَطَأُ فِي الإِْقْرَارِ وَالْغَلَطُ فِيهِ:
69 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَال تَكْذِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ، بِأَنْ يَقُول غَلِطْتُ فِي الإِْقْرَارِ، قُبِل قَوْلُهُ فِي الأَْصَحِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَال الْمُقَرَّ بِهِ يُتْرَكُ فِي يَدِهِ، وَالثَّانِي: لاَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى هِيَ أَنَّهُ إِذَا كَذَّبَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ بِمَالٍ كَثَوْبٍ هَل يُتْرَكُ الْمَال فِي يَدِ الْمُقِرِّ أَوْ يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَحْفَظُهُ إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ؟ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَال يُتْرَكُ فِي يَدِهِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ يُنْتَزَعُ مِنْهُ فَالْمَسْأَلَةُ الأُْولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ. (231)
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِقْرَارٌ) .
ع - الْخَطَأُ فِي الشَّهَادَةِ:
70 - وَفِيهَا مَسَائِل:
أَوَّلاً - إِذَا قَال الشَّاهِدَانِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْل الْحُكْمِ بِهَا وَهِمْنَا أَوْ غَلِطْنَا فِي شَهَادَتِنَا بِدَمٍ أَوْ حَقٍّ عَلَى زَيْدٍ بَل هُوَ عَمْرٌو. قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ شَهِدَ عَدْلٌ فَلَمْ يَبْرَحْ عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَمْ يَطُل الْمَجْلِسُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ الْمَشْهُودُ لَهُ حَتَّى قَال: أَخْطَأْتُ بَعْضَ شَهَادَتِي، وَلاَ مُنَاقَضَةَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِجَمِيعِ مَا شَهِدَ بِهِ لَوْ عَدْلاً، وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقِيل يُقْضَى بِمَا بَقِيَ إِنْ تَدَارَكَهُ بِنُقْصَانٍ، وَإِنْ بِزِيَادَةٍ يُقْضَى بِهَا إِنِ ادَّعَاهَا الْمُدَّعِي؛ لأَِنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَهَا قَبْل الْقَضَاءِ يُجْعَل كَحُدُوثِهِ عِنْدَهَا.
قَال الزَّيْلَعِيُّ: ثُمَّ قِيل: يُقْضَى بِجَمِيعِ مَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلاً، حَتَّى لَوْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ثُمَّ قَال: غَلِطْتُ فِي خَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِأَلْفٍ؛ لأَِنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ أَوَّلاً صَارَ حَقًّا لِلْمُدَّعِي وَوَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ فَلاَ يَبْطُل بِرُجُوعِهِ.
وَقِيل: يُقْضَى بِمَا بَقِيَ لأَِنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْل الْقَضَاءِ كَحُدُوثِهِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ. ثُمَّ قَال: وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ: أَنَّ الشَّاهِدَ إِذَا قَال وَهِمْتُ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ فِي النُّقْصَانِ: يُقْبَل قَوْلُهُ إِذَا كَانَ عَدْلاً وَلاَ يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْل الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ. (232)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: سَقَطَتِ الشَّهَادَتَانِ: الأُْولَى لاِعْتِرَافِهِمَا بِأَنَّهُمَا عَلَى وَهْمٍ وَشَكٍّ، وَالثَّانِيَةُ لاِعْتِرَافِهِمَا بِعَدَمِ عَدَالَتِهِمَا حَيْثُ شَهِدَا عَلَى شَكٍّ، وَكَذَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَتْ فِي دَمٍ لاَ فِي مَالٍ فَلاَ تَسْقُطُ، وَيَدْفَعُ لِمَنْ شَهِدَا لَهُ بِهِ أَوَّلاً ثُمَّ يُغَرِّمَانِهِ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَالأَْكْثَرُ: لاَ يَغْرَمَانِ إِذَا قَالاَ وَهِمْنَا. (233)
وَفِي الْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ: إِذَا ادَّعَى الشَّاهِدُ الْغَلَطَ فَاخْتُلِفَ هَل يَلْزَمُهُ مَا لَزِمَ الْمُتَعَمِّدَ لِلْكَذِبِ أَمْ لاَ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي الأَْمْوَال لأَِنَّهَا تُضْمَنُ فِي الْخَطَأِ (234) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ قَبْل الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَصَدَقُوا فِي الأَْوَّل أَوْ فِي الثَّانِي فَلاَ يَبْقَى ظَنُّ الصِّدْقِ فِي الشَّهَادَةِ، أَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل اسْتِيفَاءِ مَالٍ اسْتُوْفِيَ، أَوْ قَبْل عُقُوبَةٍ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزِّنَى وَالشُّرْبِ، فَلاَ يُسْتَوْفَى لأَِنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ، وَالْمَال لاَ يَسْقُطُ بِهَا.
فَلَوْ كَانَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ لَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا، أَوْ قَتْل رِدَّةٍ، أَوْ رَجْمَ زِنًى أَوْ جَلْدَهُ وَمَاتَ الْمَجْلُودُ، وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا فَعَلَيْهِمْ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا فَلاَ قِصَاصَ، فَإِنْ قَال بَعْضُهُمْ تَعَمَّدْتُ وَقَال بَعْضُهُمْ أَخْطَأْتُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. (235)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا رَجَعَ شُهُودُ الأَْصْل بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالُوا غَلِطْنَا ضَمِنُوا لاِعْتِرَافِهِمْ بِتَعَمُّدِ الإِْتْلاَفِ بِقَوْلِهِمْ كَذَبْنَا، أَوْ بِخَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ غَلِطْنَا. (236)
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ قِصَاصٍ أَوْ شُهُودُ حَدٍّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَبْل الاِسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ الْقَوَدُ وَلاَ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عُقُوبَةٌ لاَ سَبِيل إِلَى جَبْرِهَا إِذَا اسْتُوْفِيَتْ بِخِلاَفِ الْمَال، وَلأَِنَّ رُجُوعَ الشُّهُودِ شُبْهَةٌ لاِحْتِمَال صِدْقِهِمْ، وَالْقَوَدُ وَالْحَدُّ يُدْرَآنِ بِالشُّبْهَةِ، وَوَجَبَتْ دِيَةُ قَوَدٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ وَقَدْ سَقَطَ أَحَدُهُمَا فَتَعَيَّنَ الآْخَرُ، وَيَرْجِعُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الشُّهُودِ.
وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمْ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ وَقَالُوا أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ مُخَفَّفَةٌ؛ لأَِنَّهُ خَطَأٌ، وَتَكُونُ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ لأَِنَّهُ بِإِقْرَارِهِمْ، وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِلُهُ. (237)
ثَانِيًا - مَسَائِل مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْغَلَطِ فِي الشَّهَادَةِ:
71 - الأُْولَى -
إِذَا غَلِطَ الشُّهُودُ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ مِنْ حُدُودِ الدَّارِ فَلاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ الْمُدَّعَى بِالْغَلَطِ نَظِيرُ مَا إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَتَرَكَا ذِكْرَ الثَّمَنِ جَازَ، وَلَوْ غَلَطَا فِي الثَّمَنِ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لأَِنَّهُ صَارَ عَقْدًا آخَرَ بِالْغَلَطِ. (238) الثَّانِيَةُ - إِذَا قَال شُهُودُ الأَْصْل أَشْهَدْنَا شُهُودَ الْفَرْعِ وَغَلِطْنَا، قَال مُحَمَّدٌ بِالضَّمَانِ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ بِعَدَمِهِ. (239)
الثَّالِثَةُ - الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ: قَال بَعْضُهُمْ: لاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَحْصُل غَلَطٌ لِلْعَقْل بِذَلِكَ وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِلْمَشْهُورِ. وَقِيل: إِنَّ الْغَلَطَ نَادِرٌ. (240)
الرَّابِعَةُ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ اتَّهَمَ الْقَاضِي الشَّاهِدَيْنِ بِالْغَلَطِ فَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِئَلاَّ يُرْعَبَ الشَّاهِدُ وَيَخْتَلِطَ عَقْلُهُ. (241) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُفَرَّقُ إِنِ ارْتَابَ فِي الشُّهُودِ. (242)
الْخَامِسَةُ - لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ شَخْصٍ مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ غَلَطٍ وَنِسْيَانٍ؛ لأَِنَّ الثِّقَةَ لاَ تَحْصُل بِقَوْلِهِ لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ مِمَّا غَلِطَ فِيهَا وَسَهَا. (243)
السَّادِسَةُ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: لاَ يَكْفِي فِي التَّعْدِيل قَوْل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ وَقَدْ غَلِطَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيَّ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ الاِكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ لاَ فِي التَّعْدِيل، وَقَوْلُهُ غَلِطَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ؛ لأَِنَّ إِنْكَارَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِعَدَالَتِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِنِسْبَتِهِ لِلْغَلَطِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ. (244)
ثَالِثًا - الشُّهُودُ إِذَا رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالُوا أَخْطَأْنَا هَل يُعَزَّرُونَ؟
قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: (245) لاَ يُعَزَّرُونَ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (246) هَذَا إِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَحْتَمِل الصِّدْقَ فِي الْخَطَأِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ عُزِّرُوا وَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُمْ.
قَال الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْخَرَشِيِّ: وَإِنْ أَشْكَل فَقَوْلاَنِ، وَقَال الرَّمْلِيُّ: وَإِنِ ادَّعَوْا الْغَلَطَ أَيْ فِي اسْتِحْقَاقِهِمُ التَّعْزِيرَ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ قَوْلَهُ: يُعَزَّرُ الشُّهُودُ سَوَاءٌ رَجَعُوا قَبْل الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ. قَال: وَلاَ يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ: لأَِنَّ الرُّجُوعَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَوْبَةٌ عَنْ تَعَمُّدِ الزُّورِ إِنْ تَعَمَّدَهُ، أَوِ السَّهْوِ وَالْعَجَلَةِ إِنْ كَانَ أَخْطَأَ فِيهِ، وَلاَ تَعْزِيرَ عَلَى التَّوْبَةِ وَلاَ عَلَى ذَنْبٍ ارْتَفَعَ بِهَا وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ. (247) ف - الْخَطَأُ فِي الْقَضَاءِ:
72 - قَال الزَّرْكَشِيُّ: مَدَارُ نَقْضِ الْحُكْمِ عَلَى تَبَيُّنِ الْخَطَأِ، وَالْخَطَأُ إِمَّا فِي اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ حَيْثُ تَبَيَّنَ النَّصُّ أَوِ الإِْجْمَاعُ أَوِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بِخِلاَفِهِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ، وَإِمَّا فِي السَّبَبِ حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ، كَشَهَادَةِ الزُّورِ. (248)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) .
الْخَطَأُ فِي تَنْفِيذِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ:
73 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: قَال الْكَاسَانِيُّ: إِذَا أَخْطَأَ الإِْمَامُ فَظَنَّ الْيَسَارَ يَمِينًا مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِ قَطْعِ الْيَمِينِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَنَظِيرُهُ لَوْ قَال الْحَاكِمُ لِمُقِيمِ الْحَدِّ: اقْطَعْ يَدَ السَّارِقِ، فَقَطَعَ الْيُسْرَى خَطَأً قَال: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ يَضْمَنُ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَيْسَ بِعُذْرٍ (249) . وَدَلِيلُهُمْ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ فِي الاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّهُ أَقَامَ الْيَسَارَ مُقَامَ الْيَمِينِ بِاجْتِهَادِهِ مُتَمَسِّكًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (250) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ، فَكَانَ هَذَا خَطَأً مِنَ الْمُجْتَهِدِ فِي الاِجْتِهَادِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَخْطَأَ الإِْمَامُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَطَعَ يَدَ السَّارِقِ الْيُسْرَى أَوَّلاً، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَنْ قَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَمَحَل الإِْجْزَاءِ إِذَا حَصَل الْخَطَأُ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ أَخْطَأَ فَقَطَعَ الرَّجُل وَقَدْ وَجَبَ قَطْعُ الْيَدِ، وَنَحْوِهِ، فَلاَ يُجْزِئُ، وَيُقْطَعُ الْعُضْوُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَيُؤَدِّي دِيَةَ الآْخَرِ. (251)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَا وَجَبَ بِخَطَأِ إِمَامٍ أَوْ نُوَّابِهِ فِي حَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ، وَحُكْمٍ فِي نَفْسٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ كَغَيْرِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي بَيْتِ الْمَال إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ؛ لأَِنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ قَطْعًا وَكَذَا خَطَؤُهُ فِي الْمَال. (252)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ فَتَلِفَ وَجَبَ الضَّمَانُ وَفِي مِقْدَارِهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: كَمَال الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: نِصْفُ الضَّمَانِ، وَسَوَاءٌ زَادَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ.
وَقَالُوا: إِذَا مَاتَ مِنَ التَّعْزِيرِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّهَا عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ فَلَمْ يَضْمَنْ مَنْ تَلِفَ بِهَا. ثُمَّ قَالُوا: وَكُل مَوْضِعٍ قُلْنَا يَضْمَنُ الإِْمَامُ فَهَل يَلْزَمُ عَاقِلَتَهُ أَوْ بَيْتَ الْمَال، رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: بَيْتُ الْمَال، لأَِنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ، فَلَوْ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَجْحَفَ بِهِمْ وَهَذَا أَصَحُّ.
وَالثَّانِيَةُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ بِخَطَئِهِ فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ. (253)
الْخَطَأُ فِي الْقِصَاصِ:
74 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَقَطَعَ الرَّجُل يَدَهُ فَمَاتَ ضَمِنَ الدِّيَةَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ الْقَطْعُ، وَهُوَ أَتَى بِالْقَتْل، وَفِي قَوْلِهِمَا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (254)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلْقِصَاصِ إِذَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ تَعَمُّدًا، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ بِالْمِسَاحَةِ، فَإِنْ نَقَصَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ ثَانِيًا لأَِنَّهُ قَدِ اجْتَهَدَ.
وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِذَا قَطَعَ الطَّبِيبُ (255) فِي الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَسِيرًا وَوَقَعَ الْقَطْعُ فِيمَا قَارَبَ كَانَ خَطَأً، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا لاَ يَشُكُّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ كَانَ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ كَانَتْ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ. (256)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ فَأَصَابَ غَيْرَ الْمَوْضِعِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخْطَأَ، فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْخَطَأُ فَالْقَوْل قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّ مَا يَدَّعِيهِ مُحْتَمَلٌ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْخَطَأُ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ وَلاَ يُسْمَعُ فِيهِ يَمِينُهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل مَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ وَيُقْتَصَّ فَقَدْ قَال فِي مَوْضِعٍ لاَ يُمْكِنُ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُ.
وَقَال: وَمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ فِي مُوضِحَةٍ فَاسْتَوْفَى أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً وَجَبَ عَلَيْهِ الأَْرْشُ. (257)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ خَطَأً مِثْل أَنْ يَسْتَحِقَّ قَطْعَ أُصْبُعٍ فَيَقْطَعُ اثْنَتَيْنِ، أَوْ جُرْحًا لاَ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، مِثْل أَنْ يَسْتَحِقَّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَاهَا هَاشِمَةً فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنَ الْجَانِي كَاضْطِرَابِهِ حَال الاِسْتِيفَاءِ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ. (258) حُكْمُ الْخَطَأِ فِي الْفَتْوَى مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ وَعَدَمُهُ:
75 - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَضْمِينِ الْمُفْتِي إِذَا أَخْطَأَ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: تَضْمِينُ الْمُفْتِي إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى فَتْوَاهُ ضَرَرٌ لِلْمُسْتَفْتِي قِيَاسًا عَلَى خَطَأِ الْقَاضِي،
وَالثَّانِي: عَدَمُ تَضْمِينِهِ لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ وَلَيْسَ مُبَاشِرًا. (259)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ شَيْئًا وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ضَمِنَ إِنِ انْتَصَبَ وَتَوَلَّى فِعْل مَا أَفْتَى فِيهِ، وَإِلاَّ كَانَتْ فَتْوَاهُ غُرُورًا قَوْلِيًّا، لاَ ضَمَانَ فِيهِ وَيُزْجَرُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ أُدِّبَ. (260)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عُمِل بِفَتْوَاهُ فِي إِتْلاَفٍ فَبَانَ خَطَؤُهُ، وَأَنَّهُ خَالَفَ دَلِيلاً قَاطِعًا فَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ كَانَ أَهْلاً لِلْفَتْوَى، وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً لِلْفَتْوَى، لأَِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ قَصَّرَ. حَكَاهُ أَبُو عَمْرٍو وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ الضَّمَانُ عَلَى قَوْلَيِ الْغُرُورِ الْمَعْرُوفَيْنِ فِي بَابَيِ الْغَصْبِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا، أَوْ يُقْطَعُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْفَتْوَى إِلْزَامٌ وَلاَ إِلْجَاءٌ. (261) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ بَانَ خَطَأُ الْحَاكِمِ فِي إِتْلاَفٍ، كَقَطْعٍ وَقَتْلٍ، لِمُخَالَفَةِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، أَوْ بَانَ خَطَأُ مُفْتٍ لَيْسَ أَهْلاً لِلْفُتْيَا ضَمِنَا، أَيِ الْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ حَصَل بِفِعْلِهِمَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَاهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ فِيمَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ مِمَّا يَقْبَل الاِجْتِهَادَ لاَ ضَمَانَ. (1)
__________
(1) سورة الأحزاب / 5
(2) لسان العرب والصحاح مادة: " خطو "
(3) النهاية في غريب الحديث والأثر 2 / 44، والمصباح المنير مادة: خطو ".
(4) التلويح 2 / 195 ط صبيح، وانظر الموسوعة المجلد السابع ص 166 مصطلح " أهلية ".
(5) تيسير التحرير 2 / 305
(6) منهاج الطالبين 2 / 115، والمهذب 1 / 233، وحاشية ابن عابدين 7 / 422
(7) حاشية العدوي على الخرشي 7 / 122
(8) لسان العرب
(9) شرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 142
(10) حاشية الدسوقي 2 / 142
(11) الفروق اللغوية ص 41
(12) تيسير التحرير 2 / 263، شرح فتح القدير 1 / 395، وحاشية ابن عابدين 1 / 614، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 302
(13) حاشية الجمل 1 / 446، وحاشية ابن عابدين 2 / 77، 6 / 147، وجمع الجوامع 1 / 68، 69، 2 / 193. وانظر غريب الحديث للهروي 3 / 149، والنهاية في غريب الحديث والأثر 5 / 50، وحاشية البيجوري على متن السنوسية ص 29 - النشر الطيب على توحيد ابن عاشر 1 / 355، والمفردات ص 362، 491، والمصباح المنير، ولسان العرب والشرح الصغير 4 / 243، ونهاية السول في شرح منهاج الأصوال بتحقيق المطيعي 1 - 5 / 3، وتيسير التحرير 2 / 264 و305 و306، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص 153، والإحكام في أصوال الأحكام للآمدي 1 / 117، وشرح فتح القدير 1 / 395.
(14) الإحكام في أصوال الأحكام 1 / 117، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 1 / 321، الإبهاج في شرح المنهاج 1 / 161، القواعد والفوائد الأصولية ص 39، تيسير التحرير 2 / 258، 307
(15) المفردات ص 542
(16) النهاية 5 / 263
(17) تيسير التحرير 2 / 290
(18) تيسير التحرير 2 / 307
(19) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 303، 304، حاشية البيجوري على السنوسية ص 29، النشر الطيب 2 / 27، وحاشية البناني على جمع الجوامع 1 / 111 - 164، غاية الوصول شرح لب الأصول ص 22، 23، والمنثور في القواعد 2 / 16 - 20، والفروق في اللغة 2 / 149 - 151
(20) التمهيد ص 48، 49 تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو.
(21) الموافقات 1 / 109، 161، 164، 165
(22) سورة التوبة / 43
(23) حديث: " إذا حكم الحاكم فاجتهد. . . " أخرجه البخاري (الفتح 13 / 318 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1342 - ط الحلبي) من حديث عمرو بن العاص.
(24) تيسير التحرير 2 / 306، فواتح الرحموت 1 / 165، ميزان الأصول ص 188.
(25) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". أخرجه ابن ماجه 1 / 659 - ط الحلبي) والحاكم (2 / 198 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس، واللفظ لابن ماجه، وصحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي.
(26) يقصد النسيان والإكراه.
(27) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 303، وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص 187 - 190، وحاشية ابن عابدين 1 / 615، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس - الحديث برقم 1394، 2929، المنثور في القواعد 2 / 122 هامش، والجزء الثاني من مختصر قواعد العلائي وكلام الأسنوي لأبي الثناء نور الدين محمود بن أحمد الحموي الفيومي المعروف بابن خطيب الدهشة ص 497، 498.
(28) المنثور في القواعد 2 / 122، 123
(29) حديث: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " أخرجه الطبراني عن ثوبان وفي إسناده يزيد بن ربيعة الرجحي، وهوضعيف كما قال الهيثمي (فيض القدير 4 / 34، 35) ويدل على معناه ما أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عباس " إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي (ابن ماجه 1 / 659 ط الحلبي، والحاكم 2 / 198 ط دائرة المعارف العثمانية)
(30) سورة البقرة / 286
(31) الجامع لأحكام القرآن 3 / 431، 432
(32) أحكام القرآن 1 / 437، 438
(33) البهجة شرح التحفة 2 / 286، 287، المنثور في القواعد 2 / 122، 123.
(34) الذخيرة للقرافي ص 65، والتمهيد ص 118، 119، الأحكام للآمدي 1 / 115 - 117، والمستصفى 1 / 84، 85 مطبوع مع فواتح الرحموت، وفواتح الرحموت 1 / 165 نفس الطبعة، تيسير التحرير 2 / 306، 307، فتح الباري 14 / 356، 357
(35) كشف الخفاء ومزيل الإلباس 1 / 522، 523
(36) القواعد والفوائد الأصولية ص 15
(37) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 161، شرح المجلة لعلي حيدر المسمى درر الحكام 1 / 64 القاعدة 72.
(38) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 157
(39) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 157
(40) إيضاح المسالك إلي قواعد الإمام مالك ص 215
(41) إيضاح المسالك إلي قواعد الإمام مالك ص 215
(42) القواعد لابن رجب ص 120
(43) القواعد لابن رجب ص 232
(44) درر الحكام شرح غرر الأحكام لمنلا خسرو 1 / 61، غمز عيون البصائر 1 / 193، والقوانين الفقهية ص 26، 27، والشرح الصغير 1 / 65، 66، ومنهاج الطالبين 1 / 138، المنثور في القواعد 2 / 123، والقواعد والفوائد الأصولية ص 96
(45) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 160، وشرح الأشباه المسمى غمز عيون البصائر 1 / 193، والأشباه والنظائر للسيوطي 157
(46) إيضاح المسالك في قواعد الإمام مالك ص 149
(47) الفوائد والقواعد الأصولية 95، والاختيارات الفقهية ص 5، المغني 1 / 57، المذهب الأحمد ص 4
(48) القواعد لابن رجب 367، 369
(49) المغني 1 / 75، القواعد والفوائد الأصولية ص 96
(50) شرح الزرقاني 1 / 63، والمجموع 1 / 335، الأشباه والنظائر للسيوطي 16، 17، وكشاف القناع 1 / 86
(51) الأشباه والنظائر ص 37
(52) شرح فتح القدير 1 / 32
(53) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 16، المجموع 1 / 335
(54) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 20
(55) المنتقى 1 / 50
(56) المنتقى 1 / 51
(57) شرح الزرقاني 1 / 101
(58) حاشية الدسوقي 1 / 133
(59) كشاف القناع 1 / 89، 90
(60) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 31
(61) ذات المصدر
(62) المنتقى 1 / 51
(63) المجموع 1 / 335، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 17
(64) كشاف القناع 1 / 175، 176
(65) حاشية الدسوقي 1 / 159، 160، شرح الخرشي 1 / 197 والمهذب 1 / 34، المجموع 1 / 266 وكشاف القناع 1 / 169
(66) المبسوط 1 / 122، حاشية رد المحتار 1 / 250، وحاشية العدوي على الخرشي 1 / 197، الشرح الصغير 1 / 190، 191 والمجموع 2 / 264 وكشاف القناع 1 / 170
(67) الأشباه والنظائر ص 34
(68) الأشباه والنظائر ص 15، 16
(69) الشرح الصغير1 / 305، الدسوقي 1 / 235
(70) كشاف القناع 1 / 314
(71) كشاف القناع 1 / 319
(72) حاشية الدسوقي 1 / 338 - الخرشي 1 / 268
(73) الشرح الصغير 1 / 305
(74) كشاف القناع 1 / 315
(75) الأشباه والنظائر ص 34
(76) الأشباه والنظائر ص 15، 16
(77) كشاف القناع 1 / 314
(78) الخرشي 1 / 266
(79) كشاف القناع 1 / 319
(80) شرح الزرقاني 2 / 24
(81) كشاف القناع 2 / 188
(82) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 34، وللسيوطي ص 16
(83) مواهب الجليل 1 / 516، 517
(84) كشاف القناع 1 / 315
(85) كشاف القناع 1 / 314
(86) المغني 1 / 409
(87) الأشباه والنظائر ص 17، والمجموع 1 / 336
(88) الأشباه والنظائر ص 34
(89) شرح الزرقاني 2 / 24
(90) كشاف القناع 1 / 319
(91) سورة النساء / 103
(92) سورة الإسراء 78، وما بعدها
(93) البدائع 1 / 349 والمبسوط 1 / 141، 154 وحاشية رد المحتار 1 / 370 وشرح الخرشي 1 / 217 وحاشية العدوي عليه وحاشية الجمل 1 / 407، والقواعد والفوائد الأصولية ص 90، والمغني 1 / 350 وقواعد ابن رجب ص 370، 371، وكشاف القناع 1 / 249، 257، 258
(94) سورة البقرة / 115
(95) درر الحكام شرح غرر الأحكام 1 / 61
(96) شرح الخرشي 1 / 257، القوانين الفقهية 42
(97) المجموع 3 / 222، 225
(98) المغني 1 / 395
(99) كشاف القناع 1 / 311
(100) سورة فاطر / 28
(101) شرح فتح القدير 1 / 322، 323
(102) شرح فتح القدير 1 / 323، 324
(103) اللاحن من اللحن، وهو: الخطأ في الإعراب، أو الخروج عن طريق العرب في استعمال الألفاظ.
(104) شرح الخرشي 2 / 25، 26
(105) سورة التوبة / 3
(106) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه 1 / 527
(107) حديث: " إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 13 / 251 - ط السلفية) ومسلم (2 / 975 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(108) كشاف القناع 1 / 480، 481
(109) حديث: " وليبن على صلاته ما لم يتكلم ". أخرجه الدارقطني (1 / 156 - ط دار المحاسن) من حديث علي بن أبي طالب موقوفا عليه.
(110) المبسوط 1 / 170، 171، حاشية رد المحتار 1 / 614، 615
(111) حديث: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ". أخرجه مسلم (1 / 381 - 382 - ط الحلبي) .
(112) الفواكه الدواني 1 / 261، حاشية الشرقاوي على التحرير 1 / 218، المغني 2 / 43
(113) حاشية رد المحتار 2 / 94، شرح الزرقاني 1 / 244، المغني 2 / 18
(114) حديث: " ذي اليدين ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 96 - ط السلفية)
(115) المغني 2 / 18
(116) المجموع 4 / 239
(117) المجموع 4 / 238
(118) المجموع 4 / 239، المغني 2 / 18، الدر المختار شرح تنوير الأبصار 2 / 94، شرح الزرقاني 1 / 244
(119) حاشية رد المحتار 2 / 186، كشاف القناع 2 / 20
(120) المجموع 4 / 432
(121) كشاف القناع 2 / 20
(122) المجموع 4 / 432
(123) شرح الزرقاني 2 / 71
(124) المجموع 4 / 432
(125) شرح الخرشي 2 / 176
(126) إيضاح المسالك - القاعدة الثامنة ص 151
(127) المجموع 4 / 486، فتح العزيز شرح الوجيز مطبوع مع المجموع 5 / 591، 592
(128) المغني 2 / 590
(129) شرح فتح القدير 2 / 275 والشرح الصغير وحاشية الصاوي 1 / 668، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك 151 والمنثور في القواعد 2 / 123، المجموع 6 / 230، 231
(130) حديث معن بن يزيد: " لك ما نويت يا يزيد ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 291 - ط السلفية) .
(131) شرح فتح القدير 2 / 275
(132) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 1 / 558، إيضاح المسالك 151
(133) المنثور في القواعد 2 / 123، المجموع 6 / 230، 231
(134) كشاف القناع 2 / 294، القواعد لابن رجب 232
(135) شرح فتح القدير 2 / 275، 276
(136) كشاف القناع 2 / 294
(137) كشاف القناع 2 / 295
(138) شرح فتح القدير 2 / 275
(139) درر الحكام شرح غرر الأحكام 1 / 197، 198، شرح فتح القدير 2 / 308، 309، المبسوط 3 / 60، 61 والبدائع 2 / 992 - 994، والمنتقى 2 / 41، والمجموع 6 / 294، 295، والمغني 3 / 87
(140) درر الحكام شرح غرر الأحكام 1 / 197، 198
(141) شرح فتح القدير 2 / 328، بدائع الصنائع 2 / 1024، حاشية رد المحتار 2 / 406، درر الحكام شرح غرر الأحكام 1 / 202 والشرح الصغير 1 / 709، والمجموع 6 / 326
(142) كشاف القناع 2 / 321 والمجموع 6 / 326
(143) حديث: " لقيط بن صبرة: " بالغ في الاستنشاق ". أخرجه الترمذي (3 / 146 - ط الحلبي) وقال: " حسن صحيح ".
(144) المجموع 6 / 326
(145) المبسوط 3 / 59 وشرح الخرشي 2 / 245 والمجموع 6 / 284 والمغني 3 / 146، والقواعد والفوائد الأصولية ص 90
(146) بدائع الصنائع 2 / 1024، 1030، والشرح الصغير 1 / 703، 706، 707، المنتقى 2 / 63، 65 والمنثور في القواعد 2 / 122 والمجموع 6 / 328، والقواعد والفوائد الأصولية ص 85، كشاف القناع 2 / 323، 324
(147) حديث أبي هريرة: " أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 163 - ط السلفية) ومسلم (2 / 781 - ط الحلبي) .
(148) كشاف القناع 2 / 323، 324، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلى ص 86
(149) البدائع 3 / 1099
(150) مواهب الجليل 3 / 95 وشرح الزرقاني 2 / 269
(151) المجموع 8 / 292
(152) كشاف القناع 2 / 525، والفروع 3 / 534، 535، المغني 3 / 474
(153) حديث: " يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه " أخرجه الدارقطني (2 / 224 - ط دار المحاسن) بإسنادين، وعلق عليهما شمس الحق العظيم آبادي في حاشيتة عليه: " وهذا الحديث مرسل، وكذا ما بعده وفيه الواقدي وهو ضعيف جدا ".
(154) حديث: " الصوم يوم تصومون، والفطر. . . . " أخرجه الترمذي (3 / 71 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة: وقال: " حديث حسن ".
(155) بدائع الصنائع 3 / 1096
(156) شرح الزرقاني 2 / 269
(157) شرح الزرقاني 2 / 269
(158) بدائع الصنائع 3 / 1096، المجموع 8 / 293
(159) كشاف القناع 2 / 525، مواهب الجليل 3 / 95، المجموع 8 / 293
(160) مواهب الجليل 3 / 95
(161) الأشباه والنظائر لابن نجيم 303، المنثور في القواعد للزركشي 2 / 122، المجموع 8 / 292، شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه 2 / 320، كشاف القناع 2 / 494
(162) المنثور في القواعد 2 / 122، وبدائع الصنائع 3 / 1174 ومواهب الجليل 3 / 18، 19 والمجموع 8 / 293 وزاد المسير 1 / 210، والقواعد والفوائد الأصولية ص 277
(163) فتح القدير 3 / 71، والقوانين الفقهية ص 92، والشرقاوي على التحرير 1 / 490 والمغني 3 / 452
(164) سورة المائدة / 95
(165) فتح القدير 3 / 24 - 48، والقوانين الفقهية 92 - 93، والشرقاوي على التحرير 1 / 491، وكشاف القناع 2 / 458
(166) الهداية 4 / 77، وكشاف القناع 3 / 14، والقواعد لابن رجب ص 237 القاعدة السادسة والتسعون.
(167) التاج والإكليل على هامش مواهب الجليل 3 / 252
(168) الشرقاوي على التحرير 2 / 469، 470
(169) تيسير التحرير 2 / 307
(170) الفروق 1 / 163، وتهذيب الفروق 1 / 179، ونهاية المحتاج 3 / 373، منهاج الطالبين 2 / 154، 155، وكشاف القناع 3 / 149، 150، المغني 7 / 319
(171) البدائع 6 / 2998، فتح القدير 5 / 201، المادة 208 من مجلة الأحكام العدلية.
(172) مواهب الجليل 4 / 466
(173) مواهب الجليل 4 / 466
(174) حاشية القليوبي على شرح الجلال المحلي على المنهاج 2 / 164، المجموع 12 / 334، 335
(175) كشاف القناع 3 / 165
(176) القباني: الوزان بالقبان، والقبان، الميزان ذو الذراع الطويلة المقسمة أقساما (المعجم الوسيط) .
(177) اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية لنجم الدين الرملى مطبوع مع جامع الفصولين 2 / 184 طبعة أولي سنة 1300 بالمطبعة الأزهرية، وجامع الفصولين 2 / 169، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 174، وحاشية القليوبي على منهاج الطالبين 2 / 218، ونهاية المحتاج 4 / 98 وكشاف القناع 3 / 247
(178) جامع الفصولين 2 / 171، مجمع الضمانات 27، 28 والفواكه الدواني 2 / 168، والمهذب 1 / 408، والمغني 5 / 432
(179) الأجير المشترك هو الذي يستحق الأجرة بالعمل لا بتسليم النفس وله أن يعمل للعامة وخلافه الأجير الخاص.
(180) مجمع الضمانات ص 50
(181) حاشية الجمل 3 / 545، نهاية المحتاج 4 / 98، 99
(182) جامع الفصولين 2 / 186، ودرر الحكام 2 / 236، والدر المختار 6 / 68، ومجمع الضمانات 47، 48، وشرح الخرشي 7 / 28، 8 / 110، 111، وشرح الزرقاني 7 / 27 - 29 والفواكه الدواني 2 / 168 ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 8 / 32، والمغني 5 / 440، وكشاف القناع 4 / 14، 35
(183) حاشية رد المحتار 4 / 282
(184) العفاص: الوعاء الذي يكون فيه اللقطة، والوكاء الحبل الذي يربط به فم ذلك الوعاء.
(185) حاشية العدوي على الخرشي 7 / 122
(186) الخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 123
(187) المهذب 1 / 380، 381، وكشاف القناع 4 / 143
(188) المبسوط 14 / 105
(189) المبسوط 14 / 105
(190) شرح الخرشي 6 / 172، 173
(191) تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه المسمي رد المحتار 3 / 18، 19
(192) حاشية ابن عابدين 3 / 20، 21
(193) نهاية المحتاج 6 / 207
(194) حاشية ابن عابدين 3 / 26
(195) فتح القدير 3 / 192، حاشية ابن عابدين 3 / 26
(196) نهاية المحتاج 6 / 209
(197) كشاف القناع 5 / 41، 42، الفروع 5 / 169، 170
(198) حاشية ابن عابدين 3 / 24، 38، 4 / 23، 26، الشرح الصغير 2 / 375، 453، كشاف القناع 5 / 72، منهاج الطالبين 3 / 243
(199) الشرح الصغير 2 / 345
(200) نهاية المحتاج 6 / 271
(201) المغني 7 / 51
(202) منهاج الطالبين 2 / 154، 155، نهاية المحتاج 3 / 373، المغني 7 / 319
(203) تيسير التحرير 2 / 306، فتح القدير 3 / 488
(204) شرح الخرشي 4 / 32، 33
(205) درر الحكام شرح غرر الأحكام 2 / 105 - 108، القوانين الفقهية 230، كفاية الأخيار 2 / 104 - 106، المذهب الأحمد في مذهب الإمام أحمد 178، 179
(206) حديث: " قصة عامر بن الاكوع ". أخرجها ابن عبد البر في الاستيعاب (2 / 786 - 787 ط مطبعة نهضة مصر وإسنادها صحيح.
(207) فتح القدير 10 / 231، الدر المختار 6 / 545، حاشية رد المحتار 6 / 638 قال " كأنه قتل نفسه فكان هدرا " سطر 21، وشرح الخرشي 8 / 49، 50، والمهذب 2 / 212، والمغني 8 / 371
(208) فتح القدير 10 / 231، حاشية رد المحتار 6 / 545، 638، والمهذب 2 / 217، والمغني 8 / 513، وشرح الخرشي 8 / 49، 50
(209)
(210) حاشية الشرقاوى على التحرير 2 / 379، حاشية القليوبي على المنهاج 4 / 152
(211) المغني 9 / 177
(212) مجمع الضمانات 48، 49
(213) سورة المائدة / 89
(214) حديث: " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، النكاح والطلاق واليمين " قال الزيلعي في نصب الراية (3 / 293 - ط المجلس العلمي بالهند) : " غريب " يعني أنه ليس له أصل بهذا اللفظ ثم قال: " وانما الحديث: النكاح والطلاق والرجعة " وهذا أخرجه الترمذي (3 / 481 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وحسنه.
(215) حاشية رد المحتار 3 / 708، فتح القدير 5 / 64، درر الحكام 2 / 39
(216) حاشية الدسوقي 2 / 127، شرح الزرقاني 3 / 51، شرح الخرشي 3 / 52
(217) كفاية الأخيار 2 / 153، المهذب 2 / 128، منهاج الطالبين 4 / 272، 273
(218) كفاية الأخيار 2 / 154، منهاج الطالبين 4 / 272، 273
(219) المذهب الأحمد في مذهب الإمام أحمد لابن الجوزي 196، وكشاف القناع 1 / 237
(220) درر الحكام شرح غرر الأحكام 2 / 40، وفتح القدير 5 / 65
(221) القوانين الفقهية ص 108، وحاشية الدسوقي 2 / 142
(222) سورة المائدة / 89
(223) سورة الأحزاب / 5
(224) حديث: " إن الله وضع. . . . " سبق تخريجه ف / 9
(225) كفاية الأخيار 2 / 155
(226) كشاف القناع 6 / 237، والمذهب الأحمد 196، والفروع 6 / 386، وحديث: " إن الله وضع عن أمتي ". سبق تخريجه ف / 9
(227) المهذب 2 / 309، والمغني 10 / 209
(228) المغني 10 / 209
(229) فتح القدير 9 / 447، 449
(230) شرح الخرشي 6 / 196
(231) منهاج الطالبين 3 / 5
(232) حاشية ابن عابدين 5 / 488، 489
(233) شرح الزرقاني 7 / 196
(234) القوانين الفقهية 206
(235) منهاج الطالبين 4 / 332، 333، حاشية الشرقاوي على التحرير 2 3، 504
(236) كشاف القناع 6 / 441، 442، المغني 10 / 325
(237) كشاف القناع 6 / 442، 443
(238) تكملة فتح القدير 8 / 162
(239) شرح فتح القدير 7 / 495، درر الحكام 2 / 394
(240) البهجة شرح التحفة 1 / 105
(241) البهجة شرح التحفة 1 / 98
(242) حاشية الشرقاوي على التحرير 2 / 496
(243) كشاف القناع 6 / 418
(244) درر الحكام 2 / 373، نهاية المحتاج 8 / 254
(245) شرح الخرشي 7 / 221، والمهذب 2 / 329، نهاية المحتاج 8 / 310، وكشاف القناع 6 / 418، وحاشية رد المحتار 5 / 504
(246) سورة الأحزاب / 5
(247) حاشية رد المحتار 5 / 504، شرح فتح القدير 7 / 478، 479
(248) المنثور في القواعد 2 / 69
(249) بدائع الصنائع 9 / 4275، 10 / 4779، ومجمع الضمانات 203، وشرح فتح القدير 5 / 290
(250) سورة المائدة / 38
(251) تبصرة الحكام 2 / 301، وشرح الخرشي 8 / 93 - 110
(252) نهاية المحتاج 8 / 31، ومنهاج الطالبين 4 / 208، 209، وحاشية القليوبي 2 / 286
(253) المغني 9 / 145، 146، 160، وكشاف القناع 6 / 60
(254) البدائع 10 / 4779
(255) المراد: الطبيب المباشر للقصاص.
(256) شرح الخرشي 8 / 15، 16
(257) المهذب 2 / 187
(258) المغني 8 / 286
(259) حاشية ابن عابدين 5 / 419
(260) حاشية الدسوقي 1 / 20
(261) المجموع 1 / 45
الموسوعة الفقهية الكويتية: 128/ 19