البحث

عبارات مقترحة:

الرقيب

كلمة (الرقيب) في اللغة صفة مشبهة على وزن (فعيل) بمعنى (فاعل) أي:...

الخلاق

كلمةُ (خَلَّاقٍ) في اللغة هي صيغةُ مبالغة من (الخَلْقِ)، وهو...

البر

البِرُّ في اللغة معناه الإحسان، و(البَرُّ) صفةٌ منه، وهو اسمٌ من...

الخوف

الخوفُ من المقامات العليّة، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، وكلّما كان العبدُ أقرب إلى ربّه، كانَ أشد خشيةً ممن دونه. وهو عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروهٍ في المستقبل، ومما يُعين على اكتساب الخوف وتحقيقه: تفريغُ القلبِ من الخوفِ من غير الله، وتدبّر القرآن، ومعرفة الله عزّ وجل معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته. وقد رتّب الله عز وجل على الالتزام به فوائد عظيمة، منها: أنه سبب لدخول الجنة، وأنّه أمانٌ للخائفين يوم الفزع الأكبر، وأنّه سببٌ لنيل مغفرة الله تبارك وتعالى، وأنّه يسوق العبد إلى امتثال المأمور واجتناب المحظور.

التعريف

التعريف لغة

الخوف في اللغة: الفزع والهم. انظر "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (3 /141) و"مختار الصحاح" للرازي (ص193)

التعريف اصطلاحًا

الخوف في الاصطلاح: عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروهٍ في المستقبل. انظر "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة (ص287)، "إحياء علوم الدين" للغزالي (4 /145). وقال الجرجاني: «الخوف: توقع حلول مكروهٍ أو فوات محبوب». "التعريفات" للجرجاني (ص107). وقيل: «هربُ القلب من حلول المكروه عند استشعاره». "مدراج السالكين" لابن القيم (1 /512).

الفروق

الفرق بين الخوف و الخشية

الخوفُ: هربُ القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشيةُ أخصُّ من الخوف؛ فإنّ الخشية للعلماءِ بالله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فهيَ خوفٌ مقرونٌ بمعرفة؛ وذلك لأنه كلّما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كلّما كانت المعرفة به أتمّ والعلمُ به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. فالخوفُ: حركة، والخشية: انجماعٌ وانقباضٌ وسكون. والخوفُ لعامّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين. انظر "مدارج السالكين" لابن القيم (1 /513)، "تفسير ابن كثير" (3 /553).

الفرق بين الخوف و الرهبة

الرّهبة مأخوذة من الرهب، وهو الخوف مع الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90] انظر "مدارج السالكين" لابن القيم (1 /512). وقيل: «الرّهبة: طول الخوف واستمراره». "الفروق اللغوية" للعسكري (ص241). وقيل: «الرّهبة: خوفٌ معه تحيّر». "الكليات" للكفوي (429). ولذلك فالرّهبة أخصُّ من مُطلق الخوف، فهي خوفٌ مع تحرّز واضطراب الخائف وارتعاده، فيحصل له بسبب ذلك رهبة تُخالجُ شعوره، فتدفعه إلى مُجانبة مواطِن الهَلكة، فيحصلُ له الهرب من المخاوف. انظر "أعمال القلوب" للسبت (2 /123).

الفرق بين الخوف و الوَجَل

الوجل: هو خوفٌ مع رجفان القلب لذكرِ من يخافُ سلطانه وعقوبته لرؤيته. انظر "مدارج السالكين" لابن القيم (1 /513) ويُقال: «الخائف إن لَم يكُن مُطمئناً فهو وَجِل». "الفروق اللغوية" للعسكري (243). فالوجل أخصُّ من الخوف وأعلى مرتبة منه.

الفضل

الخوفُ من المقامات العليّة، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، وكلّما كان العبدُ أقرب إلى ربّه، كانَ أشد خشيةً ممن دونه. وقد وصف الله تعالى الملائكة، بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾، والأنبياء بقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39] وإنّما كان خوف المقرّبين أشدّ؛ لأنهم يُطالبون بما لا يُطالب به غيرهم، فيُراعون تلك المنزلة تلك المنزلة؛ ولأنّ الواجب لله من الشكر على المنزلة، فيُضاعف بالنّسبة لعلوّ تلك المنزلة. انظر "فتح الباري" لابن حجر (11 /319) والخوف هو علامة صحّة الإيمان، وترحّله من القلب علامة ترحّل الإيمان منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. انظر "مدارج السالكين" لابن القيم (1 /515) يقول أبو سليمان الداراني: «أصلُ كلّ خيرٍ في الدّنيا والآخرة الخوف من الله تعالى». أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (9 /259). يقول ابن قدامة: «فضيلة كل شيءٍ بقدر إعانته على طلب السّعادة، وهي لقاء الله تعالى، والقرب منه، فكلّ ما أعان على ذلك فهو فضيلة. قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، وقال تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]» "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة (ص290).

الأدلة

القرآن الكريم

الخوف في القرآن الكريم
ذُكِرَ الخوف في القرآن الكريم في موضاع كثيرة، ففي القرآن العظيم فرضَ الله الخوف والخشية منه على جميع المُكلّفين، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150]. ومَدَح الله عزّ جل الخائفين، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾ [النور: 36-38]. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16]. وقد جعل الله أهل الخوف والخشية من أولي الألباب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾. [الرّعد: 19-21]. ووعد الله الخائفين منه بالنّصر والتّمكين لهم في الأرض في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)﴾. [إبراهيم: 13-14].

السنة النبوية

الخوف في السنة النبوية
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «أسرف رجلٌ على نفسِه فلما حضرَه الموتُ أوصى بنيهِ فقال إذا أنا متُّ فأَحْرِقوني ثم اسحَقُوني ثم ذروني في الريحِ في البحرِ فواللهِ لئن قدر عليَّ ربي ليُعذِّبنِّي عذابًا ما عذَّبَه أحدًا قال ففعلوا به ذلك فقال للأرضِ أدِّي ما أخذتِ فإذا هو قائمٌ فقال له ما حملَك على ما صنعتَ قال خشيتَك أو مخافتَك يا ربِّ فغفرَ له لذلك». أخرجه مسلم (2757). وأخرج الترمذي (2311) عن أبي هريرة قال: «لا يَلِجُ النارَ رجلٌ بكَى من خَشيَةِ اللهِ حتى يعودَ اللبَنُ في الضَّرْعِ ، ولا يجتَمِعُ غُبَارٌ في سبيلِ اللهِ ودُخَانُ جهنَّمَ». وجاء في حديث السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله: «.....وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّه». أخرجه البخاري (660).

أقوال أهل العلم

«إن أخوف ما أخاف إذا لقيت ربي تبارك وتعالى أن يقول لي: قد علمتَ فماذا عملتَ فيما علمت». أَبُو الدَّرْدَاء "الزهد" لأحمد بن حنبل (ص170).
«الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيته، فتلك الخشية». سَعيد بن جُبَير "الزهد" لابن المبارك في زيادة نعيم بن حماد (ص35).
«الّذي يهيجُ من الخوف حتى يسكُن في القلب دوام المُراقبة في السر والعلانية». ابن المُبَارَك "الرسالة القشيرية" للقشيري (1 /348).
«ينبغي للقلبِ أن لا يكون الغالبُ عليه إلا الخوف، فإنّه إذا غلب الرّجاءُ على القلبِ فسد القلب». سُلَيمان الدَّاراني "الرسالة القشيرية" للقشيري (1 /349).
«ومَنْ يَنتحِبْ مِنْ خَشيَةِ اللَّهِ قُلْ لَهُ*****طَفَأْتَ لَظَى وَاحْرَزْتَ كلَّ التَّعَبُّدِ فعَينٌ بَكَتْ مِنْ خشيَةِ اللَّهِ حُرِّمَتْ*****على النارِ في نَصِّ الحديثِ الْمُسَدَّدِ». المَرْداوي "الألفية في الآداب الشرعية" (ص67).
دع جُفُوني يحقُّ لي أن أنوحا*****لم تدع لي الذنوب قلبًا صحيحا أخلقَتْ بهجتي أكفُّ المعاصي*****ونَعَانِيْ المشيب نعيًا فصيحا كلما قلتُ قد برا جُرحُ قلبيْ*****عادَ قلبِي من الذنُوبِ جَريحا إنما الفوزُ والنعيمُ لعبدٍ*****جاء في الحشر آمنًا مُسترِيحا محمد بن أحمد بن يحيى، أبو عبد الله العثماني الديباجي "المنتظم" لابن الجوزي (17/279-280).

وسائل الاكتساب

أوّلاً: تفريغُ القلب من الخوفِ من غير الله، وملؤه بالخوفِ من الله: يقول ابن القيم رحمه الله عن المُهاجر إلى ربّه: «فيُهاجر بقلبه من محبّة غير الله إلى محبّته، ومن عبودية غيره إلى عبوديّته، ومن خوف غيره ورجائه والتّوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتّوكل عليه، ومن دُعاء غيره، وسؤاله، والخضوع له، والذّل والاستكانة له، إلى دعائه وسؤاله والخضوع له، والذّل له، والاستكانة له، وهذا بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]، والتّوحيد المطلوب من العبد: هو الفِرار من الله إليه» "الرسالة التبوكية" لابن القيم (ص16) ثانياً: تدبّر القرآن: فالمتدبّر لآيات الله سبحانه يجدُ فيها من الوعيد لمن عصى الله ما يدعوه إلى الخوفِ منه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. قال السعدي: «أي: خضعوا لآيات الله، وخشعوا لها، وأثّرت في قلوبهم من الإيمان والرّغبة والرّهبة ما أوجب لهم البُكاء والإنابة والسّجود لربهم» "تفسير السعدي" (ص1005). ثالثاً: معرفة الله عزّ وجل معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته: فبالعلم بها يزداد المُسلم معرفةً بربّه سبحانه، فيزداد خوفاً منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] والعلم الذي يورث الخشية هو العلم بالمعبود عزّ وجل، بأسمائه وصفاته، والعلم بالطّريق الموصل إليه، والعلم بحدوده ومعالم الطريق التي وصفها للسّالكين من أجل أن يسلكوها. فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة للعبد، مع معرفةٍ بالنّفس، بحيث لا يتعدّى طوره، فيعرف أنّه ضعيف عاجزٌ مسكين؛ فإنّ ذلك يُثمر الثّمار اليانعة في نفسه، فلا يتطاول، ولا يتكبّر، وإنّما يكونُ حاله الإشفاق، والإخبات، والتّواضع، والوَجَل، والخوف من الله عزّ وجل. انظر "أعمال القلوب" للسبت (2 /149) رابعاً: اليقين الرّاسخ بوعد الله ووعيده، وتصديق كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلّم: فلو آمن الإنسان بالله وحده، وَجزمَ يقيناً بما بعد الحياة من الجنّة والنّار، وما أعدّ الله لأهل هذه وهذه إجمالاً وتفصيلاً؛ لما اجترأ يوماً أن يتخطى شريعة الله أو ينتهك محارم الله الّتي حذره من تخطيها، ببقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 299]. انظر "الخوف من الله تعالى" لمحمد شومان (ص59). يقول ابن تيمية: «كلّ عاصٍ لله فهو جاهل، وكلّ خائفٍ منه فهو عالم مُطيع لله، وإنّما يكونُ جاهلاً لنقص خوفه من الله؛ إذ لو تمَّ خوفه من الله لَم يعص، كما قال ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترارِ باللهِ جهلاً، وذلك لأنّ تصوّر المَخُوف يوجِبُ الهرب منه، وتصوّر المحبوب يوجبُ طلبه، فإذا لك يهرُب من هذا، ولَم يطلُب هذا، دلّ على أنّه لم يتصوّره تصوّراً تامّاً» "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (7 /22- 23). وقال ابن جزي: «الخوف من الله تعالى، وهو اللجام القامع عن المعاصي، وسببه: معرفة شدة عذاب الله». "القوانين الفقهية" (ص636). خامسًا: الوقوف عند الآيات الكونيّة الّتي يخوّف الله عزّ وجل بها عباده: كالخسوف والكسوف، وتغيّر الأحوال الأرضية والسّماويّة، ومما يقع من البلايا والأهوال العِظام، من الزلازل والبراكين؛ فلو أنّ الناس تفكروا في هذه الآيات العظام، وما أجراه الله تعالى على المكذّبين من العذاب والنقم، فبقيت بعض آثارهم، وما يُجريه الله سبحانه في هذه العصور من ألوان العقوبات، وما يُجريه من بعض الجوائح التي تُصيب النّاس؛ لرأوا في ذلك أعظم العبر. انظر "أعمال القلوب" للسبت (2 /159) سابعاً: الدّعاء: فالعبدُ فقيرٌ إلى ربه كل الافتقار، فهو بحاجةٍ شديدة إلى عونه وتسديده وتأييده، وأن يُفتح على قلبه، فينبغي للعبد أن يُلحَّ في الطّلب والسؤال، وأن يسأل ربه قائمًا وقاعدًا، وأن يذكره بقلبٍ خائفٍ يخشاه ويهابه. انظر "أعمال القلوب" للسبت (2 /159).

الفوائد والمصالح

ثمرات الخوف من الله وفوائده كثيرة، منها: أنّه سبب موصل لجنة الله عز وجل، كما أنّه سبب للخلاص من عذاب الله تبارك وتعالى في الدّنيا والآخرة. أنّه أمانٌ للخائفين يوم الفزع الأكبر؛ كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رواه ابن المبارك في "الزهد" (157)، وحسنه الألباني في "الصحيحة" (742). أنّه سبب لنيل مغفرة الله تبارك وتعالى: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنّه قال: «إذا أرادَ عَبْدِي أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فلا تَكْتُبُوها عليه حتَّى يَعْمَلَها، فإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها بمِثْلِها، وإنْ تَرَكَها مِن أجْلِي فاكْتُبُوها له حَسَنَةً، وإذا أرادَ أنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْها فاكْتُبُوها له حَسَنَةً، فإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها له بعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ». أخرجه البخاري (7501). أنّه يورث المهابة: فيكون للخائف من الله عز وجل من الهيبة في قلوب الخلق ما لا يكون للمسترسلين في معصية الله تعالى، الذين لا يرفعون لخشيته رأساً. أنّه يحمل صاحبه على الإحسان إلى الخلق وترك ظلمهم. أنّه سائق يسوق العبد إلى امتثال المأمور واجتناب المحظور، فيعمل بطاعة الله، ويقمع هذه النفس التي تريد أن تستولي عليه بالشهوات، فيكون من أهل الورع الكامل الّذي يُجتنَب فيه الحرام، ويُتقّى فيه المكروه، وفضول المُباح. أنّه سببٌ للتوفيق والرّحمة. انظر "أعمال القلوب" للسبت (2 /165-174). يقول الغزالي: «إنّه يقمع الشهوات، ويكدر اللذات، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة، كما يصيرُ العسل مكروهاً عند من يشتهيه إذا علم أنّ فيه سمًّا، فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويذل القلب ويستكين، ويُفارقه الكبر والحقد والحسد، ويصير مستوعب الهم لخوفه، والنظر في عاقبته، فلا يتفرّغ لغيره، ولا يكون له شغلٌ إلا المُراقبة والمُحاسبة والمُجاهدة». "إحياء علوم الدين" للغزالي (4 /16).

نماذج وقصص

خوف النّبي : عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضَاحِكًا حتَّى أرَى منه لَهَوَاتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، قالَتْ: وكانَ إذَا رَأَى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ في وجْهِهِ، قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أنْ يَكونَ فيه المَطَرُ، وأَرَاكَ إذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ في وجْهِكَ الكَرَاهيةُ، فَقالَ: يا عَائِشَةُ ما يُؤْمِنِّي أنْ يَكونَ فيه عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بالرِّيحِ، وقدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ، فَقالوا: هذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا». أخرجه البُخاري (4828). عن عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ قال: «رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي وفي صدرِه أَزِيزٌ كأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ البُكاءِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم». أخرجه أبو دواد (904). خوف عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حذيفة بن اليمان الذي هو أمين سرّ رسول الله ، والذي أطلعه رسول الله صلى الله عليه وسلّم على أسماء المُنافقين، فقال له: أُنشدك بالله! ألم يسمّني رسول الله صلى الله عليه وسلّم منهم؟ وكان عمر رضي الله عنه يسمع آيةً فيمرض فيُعاد أيامًا. وأخذ يومًا نبتةً من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه النبتة، يا ليتني لم أكُ شيئاً مذكوراً، يا ليتَ أمّي لم تلدني. وكانَ في وجهه خطّان أسودان من البكاء. انظر "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة (ص298) خوف التّابعين: كان علي بن الحسين إذا توضأ اصفرَّ وتغيّر، فيُقال: ما لك؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ وكان محمد بن واسع يبكي عامة الليل لا يكاد يفتُر. وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته. وبكى ليلة فبكى أهل الدار، فلما تجلت عنهم العبرة. قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرتُ منصرف القوم من بين يدي الله تعالى، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير. ثمّ صرخ وغشي عليه. ولما أراد المنصور بيت المقدس، نزل براهب كان ينزل به عمر بن عبد العزبز فقال له: أخبرني بأعجب رأيت من عمر. فقال: باتَ ليلة على سطح غرفتي هذه وهو من رخام ، فإذا أنا بماء يقطرُ من الميزاب، فصعدت فإذا هو ساجد، وإذا دموع عينه تنحدر من الميزاب. انظر "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة (ص299). خوف العلماء: قال أبو شامة في ترجمة الإمام فخر الدين ابن عساكر رحمهما الله تعالى في "المذيل على الروضتين" (1/362-363): «سمعت عليه معظم كتاب "دلائل النبوة" للحافظ أبي بكر البيهقي وغيره، وكان رقيق القلب، سريع الدمعة، فكنت أشاهده في أثناء قراءة تلك الأحاديث عليه يبكي عند سماع ما يتلى منها، ويردد مواضع المواعظ منها، نحو الشعر المنسوب إلى قس بن ساعدة: في الذاهبين الأوليـ*****ـن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردًاـ*****للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها*****يمضي الأصاغر والأكابر لا من مضى يأتي إليكـ*****ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محالةـ*****حيث صار القوم صائر فكان رحمه الله يُرَدِّدُها، ويبكي».