البحث

عبارات مقترحة:

الرحيم

كلمة (الرحيم) في اللغة صيغة مبالغة من الرحمة على وزن (فعيل) وهي...

القاهر

كلمة (القاهر) في اللغة اسم فاعل من القهر، ومعناه الإجبار،...

المبين

كلمة (المُبِين) في اللغة اسمُ فاعل من الفعل (أبان)، ومعناه:...

أَطْعِمَةٌ


من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

الأَطْعِمَةُ: جَمْعُ طَعامٍ، وهو: كُلُّ ما يُؤْكَلُ مُطْلَقاً وبِهِ قِوامُ البَدَنِ، يُقالُ: طَعِمَ الشَّيْءَ، يَطْعَمُهُ، طَعْماً، إذا: أَكَلَهُ أو ذاقَهُ، ويُطْلَقُ أيضاً على ما يُشْرَبُ مِن ماءٍ ونحْوِهِ.

إطلاقات المصطلح

يَرِد مُصْطلَح (أَطْعِمَة) في الفقه في مَواضِع، منها: كتاب البُيوع، باب: الرِّبا، وكتاب الذَّبائح، باب: صِفَة الذَّبْحِ، وفي كتاب الهَدْيِ والأَضاحِي، وفي كتاب الأيْمانِ، وغيرِها من الأبواب. ويُطْلَق في كتاب البَيْعِ، وفي كتاب الصَّيْدِ، ويُراد به: كُلُّ ما يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ مُطلَقاً.

جذر الكلمة

طعم

المعنى الاصطلاحي

كُلُّ ما يُؤْكَلُ عادَةً، ويَكونُ بِهِ قِوامُ البَدَنِ.

الشرح المختصر

الأَطْعِمَةُ: هي كُلُّ ما يُؤْكَلُ في العادَةِ، سَواءٌ كان لِلتَّغَذِّي، كالْقَمْحِ والماءِ، أم لِلتَّأَدُّمِ، كالزَّيْتِ، أمْ لِلتَّفَكُّهِ، كالتُّفّاحِ، أم لِلتَّداوِي والإِصْلاحِ، كالحَبَّةِ السَّوْداءِ والمِلْحِ. وتَنْقَسِمُ الأَطْعِمَةُ إلى نَوْعَيْنِ: حَيَوانِيَّةٍ، وغَيْرِ حَيَوانِيَّةٍ، ثم إنّ الحَيَوانَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَينِ رَئِيسِيَيْنِ: مائِيّ، وبَرِّيّ.

التعريف اللغوي المختصر

الأَطْعِمَةُ: جَمْعُ طَعامٍ، وهو: كُلُّ ما يُؤْكَلُ مُطْلَقاً وبِهِ قِوامُ البَدَنِ.

المراجع

* الذخيرة للقرافـي : (4/96)
* حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج : (4/258)
* المطلع على ألفاظ المقنع : (ص 380)
* المبدع في شرح المقنع : (9/169)
* طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية : (ص 339)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 291)
* المطلع على ألفاظ المقنع : (ص 380)
* المبدع في شرح المقنع : (9/169)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (5/123)
* تهذيب اللغة : (2/112)
* المحكم والمحيط الأعظم : (1/558)
* مقاييس اللغة : (3/410)
* مختار الصحاح : (ص 190)
* لسان العرب : (12/363)
* تاج العروس : (33/15) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الأَْطْعِمَةُ: جَمْعُ طَعَامٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: كُل مَا يُؤْكَل مُطْلَقًا، وَكَذَا كُل مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْقُوتُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ.
وَيُطْلِقُهُ أَهْل الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ الأَْقْدَمُونَ عَلَى الْقَمْحِ خَاصَّةً.
وَيُقَال: طَعِمَ الشَّيْءَ يَطْعَمُهُ (بِوَزْنِ: غَنِمَ يَغْنَمُ) طُعْمًا (بِضَمٍّ فَسُكُونٍ) إِذَا أَكَلَهُ أَوْ ذَاقَهُ. وَإِذَا اسْتُعْمِل هَذَا الْفِعْل بِمَعْنَى الذَّوَاقِ جَازَ فِيمَا يُؤْكَل وَفِيمَا يُشْرَبُ، (1) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} . (2) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل.
وَيَذْكُرُونَهُ أَيْضًا فِي الرِّبَا يُرِيدُونَ بِهِ (مَطْعُومَ الآْدَمِيِّينَ) سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّغَذِّي، كَالْقَمْحِ وَالْمَاءِ، أَمْ لِلتَّأَدُّمِ كَالزَّيْتِ، أَمْ لِلتَّفَكُّهِ كَالتُّفَّاحِ، أَمْ لِلتَّدَاوِي وَالإِْصْلاَحِ كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَالْمِلْحِ.
وَقَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ " الأَْطْعِمَةِ " عَلَى (كُل مَا يُؤْكَل وَمَا يُشْرَبُ، سِوَى الْمَاءِ وَالْمُسْكِرَاتِ) .
وَمَقْصُودُهُمْ: مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ أَوْ شُرْبُهُ، عَلَى سَبِيل التَّوَسُّعِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يُسْتَسَاغُ وَلاَ يُتَنَاوَل عَادَةً، كَالْمِسْكِ وَقِشْرِ الْبَيْضِ. (3) وَإِنَّمَا اسْتُثْنِيَ الْمَاءُ لأَِنَّ لَهُ بَابًا خَاصًّا بِاسْمِهِ، وَاسْتُثْنِيَتِ الْمُسْكِرَاتُ أَيْضًا، لأَِنَّهَا يُعَبِّرُ اصْطِلاَحًا عَنْهَا بِلَفْظِ (الأَْشْرِبَةِ) .
ثُمَّ إِنَّ مَوْضُوعَ الأَْطْعِمَةِ هُوَ عِنْوَانٌ يَدُل بِهِ عَلَى مَا يُبَاحُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يَحْرُمُ مِنْهَا.
وَأَمَّا آدَابُ الأَْكْل وَالشُّرْبِ فَإِنَّهَا يُتَرْجَمُ لَهَا بِكَلِمَةِ (الأَْدَبِ) وَيُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (أَكْلٌ، وَشُرْبٌ) .
كَمَا أَنَّ الْوَلاَئِمَ الْمَشْرُوعَةَ يُتَرْجَمُ لَهَا بِعَنَاوِينَ أُخْرَى تَخُصُّهَا، كَالْعَقِيقَةِ وَالْوَكِيرَةِ. (ر: إِطْعَامٌ) .

تَقْسِيمُ الأَْطْعِمَةِ
2 - تَنْقَسِمُ الأَْطْعِمَةُ إِلَى نَوْعَيْنِ: حَيَوَانِيَّةٍ، وَغَيْرِ حَيَوَانِيَّةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَيَوَانَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسَيْنِ: مَائِيٍّ، وَبَرِّيٍّ.
وَفِي كُلٍّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ أَنْوَاعٌ فِيهَا مَا يُؤْكَل وَفِيهَا مَا لاَ يُؤْكَل.
وَيَنْقَسِمُ الْمَأْكُول مِنَ الْحَيَوَانِ:
(أَوَّلاً) إِلَى: مُبَاحٍ، وَمَكْرُوهٍ.
(ثَانِيًا) إِلَى: مَا تُشْتَرَطُ الذَّكَاةُ فِي حِلِّهِ، وَمَا لاَ تُشْتَرَطُ.
3 - وَالْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ جَمِيعًا مِمَّا يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَكْلُهُ شَرْعًا أَوْ لاَ يَجُوزُ، وَلاَ يُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَل الإِْنْسَانَ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْنْسَانِ، بَل الْكَلاَمُ مَحْصُورٌ فِيمَا يَحِل لِلإِْنْسَانِ أَوْ لاَ يَحِل، بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا سِوَى الإِْنْسَانِ قَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَنْفَعَةِ الإِْنْسَانِ وَمَصْلَحَتِهِ، فَمِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الإِْنْسَانُ بِالأَْكْل وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِغَيْرِ الأَْكْل مِنْ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ.
4 - أَمَّا الإِْنْسَانُ نَفْسُهُ، الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْحَيَوَانِ جَمِيعًا وَاَلَّذِي سَخَّرَ لَهُ كُل مَا عَدَاهُ، فَلاَ يَدْخُل لَحْمُهُ فِي مَفْهُومِ الأَْطْعِمَةِ وَتَقْسِيمِهَا إِلَى حَلاَلٍ وَحَرَامٍ، لِكَرَامَتِهِ فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، أَيًّا كَانَتْ سُلاَلَتُهُ وَلَوْنُهُ وَدِينُهُ وَبِيئَتُهُ.فَحُرْمَةُ لَحْمِهِ عَلَى بَنِي جِنْسِهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمُصَرَّحٌ بِهَا فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. (4) وَلِذَلِكَ لاَ يَبْحَثُ الْفُقَهَاءُ عَنْ حُرْمَةِ لَحْمِهِ فِي بَابِ الأَْطْعِمَةِ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ فِي حَالاَتِ الاِضْطِرَارِ الاِسْتِثْنَائِيَّةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرُورَةٌ)
5 - وَيَجِبُ التَّنَبُّهُ إِلَى أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ الْمَأْكُول يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَادَةً عَنْ عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهَا بِإِحْدَى الْعِبَارَاتِ التَّالِيَةِ: " لاَ يَحِل أَكْلُهَا "، " يَحْرُمُ أَكْلُهَا "، " غَيْرُ مَأْكُولٍ "، " يُكْرَهُ أَكْلُهَا، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الأَْخِيرَةُ تُذْكَرُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَغْلَبِ الأَْنْوَاعِ، وَيُرَادُ بِهَا الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ عِنْدَمَا يَكُونُ دَلِيل حُرْمَتِهَا فِي نَظَرِهِمْ غَيْرَ قَطْعِيٍّ.
فَالْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ الْمَأْكُولَةِ وَاحِدٌ مِنْهَا حُرْمَةُ أَكْلِهِ قَطْعِيَّةٌ إِجْمَاعِيَّةٌ، وَهُوَ الْخِنْزِيرُ. وَفِي بَقِيَّتِهَا خِلاَفٌ قَوِيٌّ أَوْ ضَعِيفٌ، فَيَصِحُّ وَصْفُهَا بِالْحُرْمَةِ أَوْ بِالْكَرَاهَةِ (التَّحْرِيمِيَّةُ) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
6 - الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لَيْسَ مُنَصَّبًا عَلَى ذَوَاتِ الأَْطْعِمَةِ، وَإِنَّمَا عَلَى أَكْلِهَا أَوِ اسْتِعْمَالِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ حُكْمٌ جَامِعٌ لِلأَْطْعِمَةِ كُلِّهَا، لِذَلِكَ سَيُذْكَرُ حُكْمُ كُل نَوْعٍ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَيْهِ.
وَيَتَبَيَّنُ لِمَنْ تَتَبَّعَ مَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي أَبْوَابِ الأَْطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الأَْصْل فِي الأَْطْعِمَةِ الْحِل، وَلاَ يُصَارُ إِلَى التَّحْرِيمِ إِلاَّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ، وَأَنَّ لِتَحْرِيمِ الأَْطْعِمَةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ - وَلَوْ غَيْرَ حَيَوَانِيَّةٍ - أَسْبَابًا عَامَّةً عَدِيدَةً فِي الشَّرِيعَةِ مُتَّصِلَةً بِقَوَاعِدِهَا الْعَامَّةِ وَمَقَاصِدِهَا فِي إِقَامَةِ الْحَيَاةِ الإِْنْسَانِيَّةِ عَلَى الطَّرِيقِ الأَْفْضَل. وَكَذَلِكَ يَرَى الْمُتَتَبِّعُ أَسْبَابًا لِكَرَاهَةِ الأَْطْعِمَةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ غَيْرِ الأَْسْبَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ.
وَسَنَعْرِضُ فِيمَا يَلِي بِإِيجَازٍ أَمْثِلَةً لِذَلِكَ

مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ لأَِسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ:
7 - يَظْهَرُ مِنَ الاِسْتِقْرَاءِ وَتَتَبُّعِ تَعْلِيلاَتِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِيمَا يَحْكُمُونَ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْل الشَّيْءِ مَهْمَا كَانَ نَوْعَهُ لأَِحَدِ أَسْبَابِ خَمْسَةٍ:

السَّبَبُ الأَْوَّل: الضَّرَرُ اللاَّحِقُ بِالْبَدَنِ أَوِ الْعَقْل:
وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ:
8 - (مِنْهَا) الأَْشْيَاءُ السَّامَّةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَيَوَانِيَّةً كَالسَّمَكِ السَّامِّ، وَكَالْوَزَغِ وَالْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ السَّامَّةِ وَالزُّنْبُورِ وَالنَّحْل، وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا مِنْ مَوَادَّ سَامَّةٍ. أَمْ كَانَتْ نَبَاتِيَّةً كَبَعْضِ الأَْزْهَارِ وَالثِّمَارِ السَّامَّةِ. أَمْ جَمَادِيَّةً كَالزِّرْنِيخِ، فَكُل هَذِهِ تَحْرُمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، (5) وَلِقَوْل الرَّسُول ﷺ: مَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَل نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. (6) لَكِنْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ هَذِهِ السُّمُومَ إِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَضُرُّهُ. (7) وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَْدْوِيَةِ الَّتِي يَصِفُهَا الأَْطِبَّاءُ مُحْتَوِيَةٌ عَلَى السُّمُومِ بِالْقَدْرِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ الإِْنْسَانَ، بَل يُفِيدُهُ وَيَقْتُل جَرَاثِيمَ الأَْمْرَاضِ، كَمَا أَنَّ تَأَثُّرَ الأَْشْخَاصِ بِالسُّمُومِ أَنْوَاعًا وَمَقَادِيرَ يَخْتَلِفُ.
وَهَذَا لاَ تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، حَيْثُ الْمَفْهُومُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ تَعَاطِي الْقَدْرِ الضَّارِّ مِنْ هَذِهِ السُّمُومِ.
9 - (وَمِنْهَا) الأَْشْيَاءُ الضَّارَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَامَّةً، وَقَدْ ذُكِرَ مِنْهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ: الطِّينُ، وَالتُّرَابُ، وَالْحَجَرُ، وَالْفَحْمُ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل، وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَضُرُّهُ. وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ يَشْمَل مَا كَانَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ النَّبَاتِ أَوِ الْجَمَادِ.
وَيُعْرَفُ الضَّارُّ مِنْ غَيْرِ الضَّارِّ مِنْ أَقْوَال الأَْطِبَّاءِ وَالْمُجَرَّبِينَ.
وَلاَ فَرْقَ فِي الضَّرَرِ الْحَاصِل بِالسُّمَيَّاتِ أَوْ سِوَاهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَرَضًا جُسْمَانِيًّا أَيًّا كَانَ نَوْعَهُ، أَوْ آفَةً تُصِيبُ الْعَقْل كَالْجُنُونِ وَالْخَبَل.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الطِّينِ قَوْلَيْنِ: الْحُرْمَةَ، وَالْكَرَاهَةَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْحُرْمَةُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ حُرْمَةَ الطِّينِ وَالْحَجَرِ عَلَى مَنْ يَضُرَّانِهِ، وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ كَرَاهَةَ الْفَحْمِ، وَالتُّرَابِ، وَالطِّينِ الْكَثِيرِ الَّذِي لاَ يُتَدَاوَى بِهِ.
وَعَلَّل صَاحِبُ " مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى " الْكَرَاهَةَ بِالضَّرَرِ، مَعَ أَنَّهُ قَبْل ذَلِكَ جَعَل الضَّرَرَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ. (8) السَّبَبُ الثَّانِي: الإِْسْكَارُ أَوِ التَّخْدِيرُ أَوِ التَّرْقِيدُ:
10 - فَيَحْرُمُ الْمُسْكِرُ، وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، كَالْخَمْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ، وَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالنَّبِيذِ الشَّدِيدِ الْمُسْكِرِ، أَمْ مِنَ الْحَيَوَانِ كَاللَّبَنِ الْمَخِيضِ الَّذِي تُرِكَ حَتَّى تَخَمَّرَ وَصَارَ مُسْكِرًا.
وَيَحْرُمُ أَكْل كُل شَيْءٍ مُخَدِّرٍ (وَيُقَال لَهُ: الْمُفْسِدُ) ، وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ بِلاَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، كَالْحَشِيشَةِ.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا الْمُرَقِّدُ وَهُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْل وَالْحَوَاسَّ مَعًا، كَالأَْفْيُونِ وَالسَّيْكَرَانِ.
فَمَا كَانَ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ الَّتِي تُشْرَبُ شُرْبًا فَإِنَّهُ يَتْبَعُ مَوْضُوعَ الأَْشْرِبَةِ، وَيُرَى تَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِيهَا، وَقَدْ يُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا بِمُنَاسَبَةِ الضَّرَرِ. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُخَدَّرَاتِ أَوِ الْمُرَقِّدَاتِ الْجَامِدَةِ الَّتِي تُؤْكَل أَكْلاً فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا، وَقَدْ يُذْكَرُ فِي مَوْضُوعِ الأَْشْرِبَةِ بِالْمُنَاسَبَةِ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: النَّجَاسَةُ:
11 - فَيَحْرُمُ النَّجِسُ وَالْمُتَنَجِّسُ مَا لاَ يُعْفَى عَنْهُ: - فَالنَّجِسُ كَالدَّمِ.
- وَالْمُتَنَجِّسُ كَالسَّمْنِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ وَكَانَ مَائِعًا فَإِنَّهُ يَتَنَجَّسُ كُلُّهُ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا يُنَجَّسُ مَا حَوْل الْفَأْرَةِ فَقَطْ، فَإِذَا طُرِحَ مَا حَوْلَهَا حَل أَكْل بَاقِيهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُتَنَجِّسِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا سَقَطَ أَوْ سُمِّدَ بِنَجِسٍ، مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ لِتَنَجُّسِهِ،وَلاَ يَحِل حَتَّى يُسْقَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَنُقِل فِي الإِْنْصَافِ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ قَوْلُهُ: لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلاَ مُحَرَّمٍ، بَل يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيل لَبَنًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ. (9) وَمِمَّا يُذْكَرُ هُنَا أَنَّ رَوْثَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ، فَالتَّسْمِيدُ بِهِ لاَ يُحَرِّمُ الزَّرْعَ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَسْقِيِّ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ وَلاَ يَحْرُمُ. (10)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُتَنَجِّسِ - عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - الْبَيْضُ الَّذِي سُلِقَ بِمَاءٍ نَجِسٍ، (11) وَتَفْصِيلُهُ فِي (بَيْضٌ) .

السَّبَبُ الرَّابِعُ: الاِسْتِقْذَارُ عِنْدَ ذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ:
12 - وَمَثَّل لَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَالْعَرَقِ وَالْمَنِيِّ، فَكُل هَذِهِ طَاهِرَةٌ مِنَ الإِْنْسَانِ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا لِلاِسْتِقْذَارِ. وَاسْتَثْنَوْا مَا كَانَ الاِسْتِقْذَارُ فِيهِ لِعَارِضٍ كَغُسَالَةِ يَدٍ فَلاَ تَحْرُمُ. (12) وَمَثَّل الْحَنَابِلَةُ لِلْمُسْتَقْذَرَاتِ بِالرَّوَثِ وَالْبَوْل وَالْقَمْل وَالْبُرْغُوثِ. (13) وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقُولُونَ: إِنَّ رَوَثَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ، وَكَذَا بَوْلُهُ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُمَا لِلاِسْتِقْذَارِ. فَالْقَذَارَةُ لاَ تُنَافِي الطَّهَارَةَ إِذْ لَيْسَ كُل طَاهِرٍ يَجُوزُ أَكْلُهُ. (14)

السَّبَبُ الْخَامِسُ: عَدَمُ الإِْذْنِ شَرْعًا لِحَقِّ الْغَيْرِ:
13 - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَكْلَهُ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ مَالِكُهُ وَلاَ الشَّارِعُ، وَذَلِكَ الْمَغْصُوبُ أَوِ الْمَسْرُوقُ أَوِ الْمَأْخُوذُ بِالْقِمَارِ أَوْ بِالْبِغَاءِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، كَأَكْل الْوَلِيِّ مَال مُوَلِّيهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَكْل نَاظِرِ الْوَقْفِ مِنْ مَال الْوَقْفِ. وَأَكْل الْمُضْطَرِّ مِنْ مَال غَيْرِهِ، فَإِنَّهُمْ مَأْذُونُونَ مِنَ الشَّارِعِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلاَمِ عَنْ حَالَةِ الاِضْطِرَارِ. وَفِي قَضِيَّةِ عَدَمِ الإِْذْنِ الشَّرْعِيِّ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي يَحِل أَكْلُهُ يُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ وَحُرْمَةِ الْفِعْل غَيْرِ الْمَأْذُونِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَاعِل.
فَإِذَا غَصَبَ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ شَاةً مَثَلاً، أَوْ سَرَقَهَا فَذَبَحَهَا بِصُورَةٍ مُسْتَوْفِيَةٍ شَرَائِطَهَا، فَإِنَّ الذَّبِيحَةَ تَكُونُ لَحْمًا طَاهِرًا مَأْكُولاً، وَلَكِنَّ الذَّابِحَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِذَبْحِهَا دُونَ إِذْنٍ مِنْ صَاحِبِهَا وَلاَ إِذْنِ الشَّرْعِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا. وَكَذَلِكَ لاَ يَحِل لَهُ وَلاَ لِغَيْرِهِ أَكْل شَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا دُونَ إِذْنٍ أَيْضًا لِمَانِعِ حَقِّ الْغَيْرِ. (15) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي: (غَصْبٌ) (وَذَبَائِحُ) . مَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ لأَِسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ:
14 - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ (16) أَمْثِلَةً لِلأَْطْعِمَةِ الْمَكْرُوهَةِ، مِنْهَا الأَْمْثِلَةُ التَّالِيَةُ:
أ - الْبَصَل وَالثُّومُ وَالْكُرَّاثُ وَنَحْوُهَا مِنْ ذَوَاتِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، فَيُكْرَهُ أَكْل ذَلِكَ، لِخُبْثِ رَائِحَتِهِ مَا لَمْ يُطْبَخْ، فَإِنْ أَكَلَهُ كُرِهَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَكَل ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ لِيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ (17) وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لأَِجْل الصَّلاَةِ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ.
ب - الْحَبُّ الَّذِي دَاسَتْهُ الْحُمُرُ الأَْهْلِيَّةُ أَوِ الْبِغَال، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَل.
ج - مَاءُ الْبِئْرِ الَّتِي بَيْنَ الْقُبُورِ وَبَقْلِهَا، لِقُوَّةِ احْتِمَال تَسَرُّبِ التَّلَوُّثِ إِلَيْهَا.
د - اللَّحْمُ النِّيءُ وَاللَّحْمُ الْمُنْتِنُ، قَال صَاحِبُ " الإِْقْنَاعِ " مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِكَرَاهَتِهِمَا، لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. (18)
الْحَيَوَانُ الْمَائِيُّ: حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ:
15 - الْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ الْمَائِيِّ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ، مِلْحًا كَانَ أَوْ عَذْبًا، مِنَ الْبِحَارِ أَوِ الأَْنْهَارِ أَوِ الْبُحَيْرَاتِ أَوِ الْعُيُونِ أَوِ الْغُدْرَانِ أَوِ الآْبَارِ أَوِ الْمُسْتَنْقَعَاتِ أَوْ سِوَاهَا. وَلاَ يَحِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَائِيِّ شَيْءٌ سِوَى السَّمَكِ فَيَحِل أَكْلُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَا فُلُوسٍ (قُشِّرَ) أَمْ لاَ.
وَهُنَاكَ صِنْفَانِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَائِيِّ اخْتَلَفَ فِيهِمَا الْحَنَفِيَّةُ، لِلاِخْتِلاَفِ فِي كَوْنِهِمَا مِنَ السَّمَكِ أَوْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَائِيَّةِ الأُْخْرَى، وَهُمَا الْجِرِّيثُ، وَالْمَارْمَاهِيُّ. (19) فَقَال الإِْمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِعَدَمِ حِل أَكْلِهِمَا، لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْحِل فِيهِمَا، لأَِنَّهُمَا مِنَ السَّمَكِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ السَّمَكِ مَا كَانَ طَافِيًا، فَإِنَّهُ لاَ يُؤْكَل عِنْدَهُمْ. وَالطَّافِي: هُوَ الَّذِي مَاتَ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ، بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، سَوَاءٌ أَعَلاَ فَوْقَ وَجْهِ الْمَاءِ أَمْ لَمْ يَعْل، وَهُوَ الصَّحِيحُ. (وَإِنَّمَا يُسَمَّى طَافِيًا إِذَا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ وَلَوْ لَمْ يَعْل فَوْقَ سَطْحِ الْمَاءِ نَظَرًا إِلَى الأَْغْلَبِ، لأَِنَّ الْعَادَةَ إِذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَنْ يَعْلُوَ) . (20)
وَإِنَّ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الطَّافِي احْتِمَال فَسَادِهِ وَخُبْثِهِ حِينَمَا يَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهِ وَيُرَى طَافِيًا لاَ يُدْرَى كَيْفَ وَمَتَى مَاتَ؟ فَأَمَّا الَّذِي قُتِل فِي الْمَاءِ قَتْلاً بِسَبَبٍ حَادِثٍ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا صِيدَ بِالشَّبَكَةِ وَأُخْرِجَ حَتَّى مَاتَ فِي الْهَوَاءِ.
وَإِذَا ابْتَلَعَتْ سَمَكَةٌ سَمَكَةً أُخْرَى فَإِنَّ السَّمَكَةَ الدَّاخِلَةَ تُؤْكَل، لأَِنَّهَا مَاتَتْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ هُوَ ابْتِلاَعُهَا.
وَإِذَا مَاتَ السَّمَكُ مِنَ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ أَوْ كَدَرِ الْمَاءِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
(إِحْدَاهُمَا) : أَنَّهُ لاَ يُؤْكَل، لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ الثَّلاَثَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ غَالِبًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّمَكَ فِيهَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَيُعْتَبَرُ طَافِيًا.
(وَالثَّانِيَةُ) : أَنَّهُ يُؤْكَل، لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ الثَّلاَثَةَ أَسْبَابٌ لِلْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ مَيِّتًا بِسَبَبٍ حَادِثٍ فَلاَ يُعْتَبَرُ طَافِيًا، وَهَذَا هُوَ الأَْظْهَرُ، وَبِهِ يُفْتَى. وَإِذَا أُخِذَ السَّمَكُ حَيًّا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُمَاتَ.
وَاسْتَدَل مَنْ حَرَّمَ الطَّافِيَ بِالأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ:
أ - بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلاَ تَأْكُلُوهُ. (21) وَرَوَى نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا أَيْضًا.
ب - بِآثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّهُمْ نُهُوا عَنْ أَكْل الطَّافِي. وَلَفْظُ جَابِرٍ فِي رِوَايَةٍ: مَا طَفَا فَلاَ تَأْكُلُوهُ، وَمَا كَانَ عَلَى حَافَّتَيْهِ أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَا حَسِرَ الْمَاءُ عَنْ ضِفَّتَيِ الْبَحْرِ فَكُل، وَمَا مَاتَ فِيهِ طَافِيًا فَلاَ تَأْكُل.
وَلَفْظُ عَلِيٍّ: " مَا طَفَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ فَلاَ تَأْكُلُوهُ.
وَلَفْظُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لاَ تَأْكُل مِنْهُ - أَيْ مِنْ سَمَكٍ وَفِي الْبَحْرِ - طَافِيًا (22) .
16 - وَذَهَبَ مَنْ عَدَا الْحَنَفِيَّةَ إِلَى إِبَاحَةِ كُل حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ بِلاَ تَذْكِيَةٍ وَلَوْ طَافِيَةً (23) حَتَّى مَا تَطُول حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ، كَالتِّمْسَاحِ وَالسُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ الْبَحْرِيَّيْنِ. وَلاَ يَعُدُّ الْفُقَهَاءُ طَيْرَ الْمَاءِ بَحْرِيًّا، لأَِنَّهُ لاَ يَسْكُنُ تَحْتَ سَطْحِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَوْقَهُ وَيَنْغَمِسُ فِيهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ثُمَّ يَطِيرُ، وَلِهَذَا لاَ يَحِل عِنْدَهُمْ إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي كَلْبِ الْبَحْرِ وَخِنْزِيرِهِ قَوْلٌ بِالإِْبَاحَةِ، وَآخَرُ بِالْكَرَاهَةِ، وَالرَّاجِحُ فِي كَلْبِ الْمَاءِ الإِْبَاحَةُ، وَفِي خِنْزِيرِهِ الْكَرَاهَةُ، (أَيِ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْسَانِ الْمَاءِ (24) ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ قَلْيِ السَّمَكِ وَشَيِّهِ مِنْ غَيْرِ شَقِّ بَطْنِهِ وَلَوْ حَيًّا. قَالُوا: وَلاَ يُعَدُّ هَذَا تَعْذِيبًا، لأَِنَّ حَيَاتَهُ خَارِجَ الْمَاءِ كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ. (25)
17 - وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ذَبْحُ مَا تَطُول حَيَاتُهُ كَسَمَكَةٍ كَبِيرَةٍ. وَيَكُونُ الذَّبْحُ مِنْ جِهَةِ الذَّيْل فِي السَّمَكِ، وَمِنَ الْعُنُقِ فِيمَا يُشْبِهُ حَيَوَانَ الْبَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا تَطُول حَيَاتُهُ كُرِهَ ذَبْحُهُ وَقَطْعُهُ حَيًّا.
وَهَذَا التَّعْمِيمُ فِي الْحِل هُوَ أَصَحُّ الْوُجُوهِ عِنْدَهُمْ. وَهُنَاكَ سِوَاهُ وَجْهَانِ آخَرَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لاَ يَحِل مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ سِوَى السَّمَكِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ مَا يُؤْكَل مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ كَاَلَّذِي عَلَى صُورَةِ الْغَنَمِ يَحِل، وَمَا لاَ يُؤْكَل مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ كَاَلَّذِي عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ وَالْحِمَارِ لاَ يَحِل.
وَيَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْحَيَوَانُ (الْبَرْمَائِيُّ) (26) أَيِ الَّذِي يُمْكِنُ عَيْشُهُ دَائِمًا فِي كُلٍّ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْبَرِّ مَأْكُولٌ. وَقَدْ مَثَّلُوا لَهُ بِالضُّفْدَعِ، وَالسَّرَطَانِ، وَالْحَيَّةِ، وَالنَّسْنَاسِ، (27) وَالتِّمْسَاحِ، وَالسُّلَحْفَاةِ. (28) وَتَحْرِيمُ هَذَا النَّوْعِ الْبَرْمَائِيِّ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " وَأَصْلُهَا وَاعْتَمَدَهُ الرَّمْلِيُّ. لَكِنْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي " الْمَجْمُوعِ " أَنَّ جَمِيعَ مَا يَكُونُ سَاكِنًا فِي الْبَحْرِ فِعْلاً تَحِل مَيْتَتُهُ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَيْشُهُ فِي الْبَرِّ، إِلاَّ الضُّفْدَعُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْخَطِيبِ وَابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ، وَزَادَا عَلَى الضُّفْدَعِ كُل مَا فِيهِ سُمٌّ.
وَعَلَى هَذَا فَالسَّرَطَانُ وَالْحَيَّةُ وَالنَّسْنَاسُ وَالتِّمْسَاحُ وَالسُّلَحْفَاةُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ سَاكِنَةَ الْبَحْرِ بِالْفِعْل تَحِل، وَلاَ عِبْرَةَ بِإِمْكَانِ عَيْشِهَا فِي الْبَرِّ، وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةَ الْبَرِّ بِالْفِعْل تَحْرُمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّنِيلِسِ: (29) فَأَفْتَى ابْنُ عَدْلاَنَ بِحِلِّهِ، وَنُقِل عَنِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ الإِْفْتَاءُ بِتَحْرِيمِهِ. (30)
وَلاَ يُعْتَبَرُ الإِْوَزُّ وَالْبَطُّ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لأَِنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ فِي الْبَحْرِ دَائِمًا، فَهِيَ مِنْ طُيُورِ الْبَرِّ، فَلاَ تَحِل إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ كَمَا يَأْتِي (ف 41) .
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ابْتِلاَعُ السَّمَكِ حَيًّا إِذَا لَمْ يَضُرَّ، وَكَذَا أَكْل السَّمَكِ الصَّغِيرِ بِمَا فِي جَوْفِهِ، وَيَجُوزُ قَلْيُهُ وَشَيُّهُ مِنْ غَيْرِ شَقِّ بَطْنِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ حَيًّا، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلاَ يَتَنَجَّسُ بِهِ الدُّهْنُ. (31)
18 - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْحَيَوَانِ الْبَرْمَائِيِّ، كَكَلْبِ الْمَاءِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِل بِالتَّذْكِيَةِ.
وَزَادُوا بِالإِْضَافَةِ لِلضُّفْدَعِ اسْتِثْنَاءَ الْحَيَّةِ وَالتِّمْسَاحِ، فَقَالُوا بِحُرْمَةِ الثَّلاَثَةِ: فَالضُّفْدَعُ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا، وَالْحَيَّةُ لاِسْتِخْبَاثِهَا، وَالتِّمْسَاحُ لأَِنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ بِهِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوا سَمَكَ الْقِرْشِ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقِرْشَ نَوْعٌ مِنَ السَّمَكِ لاَ يَعِيشُ إِلاَّ فِي الْبَحْرِ بِخِلاَفِ التِّمْسَاحِ.
وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ كَيْفِيَّةَ ذَكَاةِ السَّرَطَانِ أَنْ يُفْعَل بِهِ مَا يُمِيتُهُ، بِأَنْ يُعْقَرَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ. (32)
وَإِذَا أُخِذَ السَّمَكُ حَيًّا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُمَاتَ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَيُكْرَهُ شَيُّهُ حَيًّا، لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ بِلاَ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ سَرِيعًا فَيُمْكِنُ انْتِظَارُ مَوْتِهِ. (33)
19 - وَفِي حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ مَذَاهِبُ أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُول: إِنَّ مَا عَدَا السَّمَكَ مِنْهَا يُؤْكَل بِشَرِيطَةِ الذَّكَاةِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقُول كَذَلِكَ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَحِل عِنْدَهُ إِنْسَانُ الْمَاءِ وَلاَ خِنْزِيرُهُ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: تَحْرِيمُ مَا سِوَى السَّمَكِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَثَانِيهِمَا: الْحِل بِالذَّبْحِ كَقَوْل ابْنِ أَبِي لَيْلَى (34) .
20 - وَدَلِيل الْجُمْهُورِ الَّذِينَ أَحَلُّوا كُل مَا يَسْكُنُ جَوْفَ الْمَاءِ وَلاَ يَعِيشُ إِلاَّ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} . (35) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} ، (36) فَلَمْ يُفَرِّقْ ﷿ بَيْنَ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ سَمَكًا وَمَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمٍ آخَرَ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ أَوْ إِنْسَانِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لاَ تَجْعَلُهُ خِنْزِيرًا أَوْ إِنْسَانًا.
وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِل عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِل مَيْتَتُهُ. (37)
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حِل جَمِيعِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَحْرَ سَوَاءٌ أُخِذَ حَيًّا أَمْ مَيِّتًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ طَافِيًا أَمْ لاَ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ دَابَّةِ الْعَنْبَرِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، قَال حَدَّثَنِي جَابِرٌ، قَال: بَعَثَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا (38) لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً. قَال أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَال: نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْل. وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبْطَ، (39) ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ وَنَأْكُلُهُ. قَال: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِل الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ (40) الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ. قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ؟ ثُمَّ قَال: لاَ، بَل نَحْنُ رُسُل رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ، فَكُلُوا. فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلاَثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأَيْتَنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ (41) بِالْقِلاَل (42) الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفَدْرَ (43) كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَل أَعْظَمُ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ تَحْتَهَا. (44) وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. (45) فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَال: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ، فَهَل مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ ، فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. (46)
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ: عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ:
(أَوَّلاً) عَلَى أَنَّ حَيَوَانَ الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ السَّمَكِ يَحِل أَكْلُهُ فِي حَالَتَيِ الاِخْتِيَارِ وَالضَّرُورَةِ.
(ثَانِيًا) عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ.
(ثَالِثًا) عَلَى حِل الطَّافِي، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي هَل مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِسَبَبِ حَادِثٍ.
(رَابِعًا) عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ لِلسَّمَكِ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتْ مَيْتَتُهُ حَلاَلاً فَصَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ.
هَذَا، وَالْفَسِيخُ إِنْ كَانَ صَغِيرًا كَانَ طَاهِرًا فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، لأَِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَمَّا فِي بَطْنِهِ، لِعُسْرِ تَنْقِيَةِ مَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالدَّرْدِيرِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَلِجُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ. وَإِذَا اعْتُبِرَ طَاهِرًا فَإِنَّ أَكْلَهُ مَعَ تَفَسُّخِهِ وَالتَّغَيُّرُ فِي رَائِحَتِهِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْعًا رَأْيُ الطِّبِّ فِي ضَرَرِهِ أَوْ عَدَمِهِ: فَإِنْ قَال الأَْطِبَّاءُ الثِّقَاتُ: إِنَّهُ ضَارٌّ يَكُونُ أَكْلُهُ مَحْظُورًا شَرْعًا لِضَرَرِهِ بِالصِّحَّةِ، وَإِلاَّ فَلاَ. (47)
الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ: حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ:
21 - الْمَقْصُودُ بِالْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ: مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنَ الدَّوَابِّ أَوِ الطُّيُورِ. وَيُقْسَمُ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهِ وَخَصَائِصِهِ وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ أَحْكَامٍ إِلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ نَوْعًا:

النَّوْعُ الأَْوَّل: الأَْنْعَامُ:
22 - الأَْنْعَامُ (بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) جَمْعُ نَعَمٍ (بِفَتْحَتَيْنِ) وَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَل ثَلاَثَةَ أَنْوَاعٍ هِيَ: الإِْبِل، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْبَقَرُ عِرَابًا أَمْ جَوَامِيسَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَنَمُ ضَأْنًا أَمْ مَعْزًا، فَكُلُّهَا حَلاَلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَنِدِ إِلَى نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {وَالأَْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ، (48) وَمِنْهَا قَوْلُهُ جَل شَأْنُهُ {اللَّهُ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} . (49) وَاسْمُ الأَْنْعَامِ يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَهْل اللُّغَةِ. (50)
النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْرْنَبُ:
23 - الأَْرْنَبُ حَلاَلٌ أَكْلُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَال: أَنْفَجْنَا (51) أَرْنَبًا فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا وَجِئْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَال: بِفَخِذِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ. (52)
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ (أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَنَّهُ قَال: صِدْتُ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةَ، (53) فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا. (54)
ثُمَّ إِنَّهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَطَابِ، وَلَيْسَتْ ذَاتَ نَابٍ تَفْتَرِسُ بِهِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهَا، فَهَذِهِ الْمَنَاطَاتُ تَسْتَوْجِبُ حِلَّهَا كَمَا سَيُرَى فِي الأَْنْوَاعِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَقَدْ أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (55) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْحَيَوَانَاتُ الْمُفْتَرِسَةُ:
24 - الْمُرَادُ بِالْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ: كُل دَابَّةٍ لَهَا نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَهْلِيَّةً كَالْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ الأَْهْلِيِّ، (56) أَمْ وَحْشِيَّةً كَالأَْسَدِ وَالذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ وَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ وَالدُّلُقِ (وَهُوَ أَبُو مُقْرِضٍ) وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَابْنِ آوَى وَالْفِيل.
وَحُكْمُهَا: أَنَّهَا لاَ يَحِل شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ قَال بِحِلِّهِمَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (57) .
25 - وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا النَّوْعِ كُلِّهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأَْمْثِلَةِ - بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَكْل كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ. (58)
وَمَنِ اسْتَثْنَى الضَّبُعَ مِنْهُمُ اسْتَدَل بِأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهَا مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَال: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ أَآكُلُهَا؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ؟ قَال: نَعَمْ. (59) وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَال: أَخْبَرَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَأْكُل الضِّبَاعَ، قَال نَافِعٌ: فَلَمْ يُنْكِرِ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ.
26 - وَالْقَوْل الْمَشْهُورُ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا أَكْل الْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَهْلِيَّةً كَالسِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ، أَمْ مُتَوَحِّشَةً كَالذِّئْبِ وَالأَْسَدِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْقِرْدِ وَالنَّسْنَاسِ قَوْلٌ بِالإِْبَاحَةِ، وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ لَكِنْ صَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ. (60) 27 - لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ أَبَاحُوا بَعْضَ الأَْمْثِلَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا: بِالإِْضَافَةِ إِلَى الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ كَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَنْيَابَهَا ضَعِيفَةٌ.
وَقَالُوا فِي السِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ، وَالأَْهْلِيِّ، وَابْنِ آوَى، وَالنِّمْسِ، وَالدُّلُقِ: إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي الأَْصَحِّ، وَقِيل فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ الأَْخِيرَةِ كُلِّهَا بِالْحِل عِنْدَهُمْ. (61)
28 - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَبَاحُوا مِنَ الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ الضَّبُعَ فَقَطْ. وَقَالُوا: إِنَّ فِي الثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ رِوَايَةً بِالإِْبَاحَةِ. (62)
29 - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. . .} إِلَخِ الآْيَةَ (63) فَإِنَّ لُحُومَ السِّبَاعِ لَيْسَتْ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الآْيَةُ، فَتَكُونُ مُبَاحَةً، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْل كُل ذِي نَابٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ. (64)
النَّوْعُ الرَّابِعُ: كُل وَحْشٍ لَيْسَ لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ وَلَيْسَ مِنَ الْحَشَرَاتِ (65) :
30 - وَذَلِكَ كَالظِّبَاءِ، وَبَقَرِ الْوَحْشِ، وَحُمُرِ الْوَحْشِ، وَإِبِل الْوَحْشِ. وَهَذَا النَّوْعُ حَلاَلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا تَأَنَّسَ حِمَارُ الْوَحْشِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحِمَارِ الأَْهْلِيِّ، وَحُكْمُ الأَْهْلِيِّ سَيَأْتِي ر: ف 46) . فَإِنْ عَادَ إِلَى التَّوَحُّشِ رَجَعَ مُبَاحًا كَمَا كَانَ. (66)

النَّوْعُ الْخَامِسُ: كُل طَائِرٍ لَهُ مِخْلَبٌ صَائِدٌ:
31 - وَذَلِكَ كَالْبَازِي وَالْبَاشِقِ وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعُقَابِ، وَهَذَا النَّوْعُ - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأَْمْثِلَةِ - مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَحَرَامٌ فِي بَاقِي الْمَذَاهِبِ، (67) إِلاَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ قَالُوا فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ: إِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الطُّيُورِ مُبَاحَةٌ وَلَوْ كَانَتْ جَلاَّلَةً (68) ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهَا. وَمَال الْمَازِرِيُّ لِحَمْل النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ. (69)
32 - وَمِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ هَذَا النَّوْعِ أَوْ كَرَاهَتِهِ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (70) وَالْمُرَادُ مِخْلَبٌ يَصِيدُ بِهِ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى ذَا مِخْلَبٍ عِنْدَ الْعَرَبِ إِلاَّ الصَّائِدُ بِمِخْلَبِهِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا الدِّيكُ وَالْعَصَافِيرُ وَالْحَمَامُ وَسَائِرُ مَا لاَ يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ فَلاَ تُسَمَّى ذَوَاتَ مَخَالِبَ فِي اللُّغَةِ، (71) لأَِنَّ مَخَالِبَهَا لِلاِسْتِمْسَاكِ وَالْحَفْرِ بِهَا، وَلَيْسَتْ لِلصَّيْدِ وَالاِفْتِرَاسِ.
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِالْحَصْرِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} . (72)

النَّوْعُ السَّادِسُ: الطَّائِرُ الَّذِي لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيَفَ غَالِبًا:
33 - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْغُرَابِ الأَْسْوَدِ الْكَبِيرِ وَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ عَبَّرُوا بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْعُ الشَّارِعِ الأَْكْل، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَلِيل الْمَنْعِ لَيْسَ قَطْعِيًّا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّحْرِيمِ وَبِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. وَكِلاَ النَّوْعَيْنِ لاَ يَأْكُل غَالِبًا إِلاَّ الْجِيَفَ، فَهُمَا مُسْتَخْبَثَانِ عِنْدَ ذَوِي الطَّبَائِعِ السَّلِيمَةِ، وَيَدْخُل فِي هَذَا النَّوْعِ النَّسْرُ، لأَِنَّهُ لاَ يَأْكُل سِوَى اللَّحْمِ مِنْ جِيَفٍ وَسِوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا مِخْلَبٍ صَائِدٍ. (73)
34 - وَيَحِل غُرَابُ الزَّرْعِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الزَّاغُ وَهُوَ غُرَابٌ أَسْوَدُ صَغِيرٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ.
وَثَانِيهِمَا: الْغُدَافُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ غُرَابٌ صَغِيرٌ لَوْنُهُ كَلَوْنِ الرَّمَادِ، وَكِلاَهُمَا يَأْكُل الزَّرْعَ وَالْحَبَّ وَلاَ يَأْكُل الْجِيَفَ. وَبِحِلِّهِمَا أَيْضًا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (74)
35 - وَأَمَّا الْعَقْعَقُ، وَهُوَ غُرَابٌ نَحْوُ الْحَمَامَةِ حَجْمًا، طَوِيل الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، حَلاَلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِلُّهُ، لأَِنَّهُ يُخْلَطُ فَيَأْكُل الْجِيَفَ وَالْحَبَّ، فَلاَ يَكُونُ مُسْتَخْبَثًا.
36 - وَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالأَْسْمَاءِ، وَلاَ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَلاَ بِالأَْلْوَانِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِنَوْعِ غِذَائِهِ: فَاَلَّذِي لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيَفَ غَالِبًا مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَاَلَّذِي يَخْلِطُ حَلاَلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، وَاَلَّذِي لاَ يَأْكُل الْجِيَفَ حَلاَلٌ اتِّفَاقًا، هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (75)
37 - وَالْمَالِكِيَّةِ أَبَاحُوا الْغِرْبَانَ كُلَّهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَدَمُ جَوَازِ آكِلَةِ الْجِيَفِ. (76)
38 - وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الْغِرْبَانِ أَوْ كَرَاهَتِهَا التَّحْرِيمِيَّةِ (إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ) حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسُ فَوَاسِقَ تُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا. (77) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَيْضًا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (78) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. (79)
فَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أُبِيحَ قَتْلُهُ، وَكَذَا سَائِرُ الْغِرْبَانِ الَّتِي يَدُل عَلَيْهَا عُمُومُ لَفْظِ " الْغُرَابِ " فِي الأَْحَادِيثِ الأُْخْرَى.
وَمَا أُبِيحَ قَتْلُهُ فَلاَ ذَكَاةَ لَهُ، لأَِنَّ كَلِمَةَ الْقَتْل مَتَى أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إِلَى إِزْهَاقِ الرُّوحِ بِأَيَّةِ وَسِيلَةٍ اسْتَطَاعَهَا الإِْنْسَانُ، فَلَوْ حَل بِالذَّكَاةِ لَكَانَ إِزْهَاقُ رُوحِهِ بِغَيْرِهَا إِضَاعَةً لِلْمَال، وَقَدْ نَهَى ﵊ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَنْ يَأْكُل الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسِقًا؟ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَال: كَرِهَ رِجَالٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَكْل الْحِدَاءِ وَالْغُرَابِ حَيْثُ سَمَّاهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ فَوَاسِقِ الدَّوَابِّ الَّتِي تُقْتَل فِي الْحَرَمِ.
39 - وَحُجَّةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ إِبَاحَةَ الْقَتْل لاَ دَلاَلَةَ فِيهَا عَلَى تَحْرِيمِ الأَْكْل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ. . .} الآْيَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُرَابَ لَيْسَ فِي الآْيَةِ، فَيَكُونُ مُبَاحَ الأَْكْل. 40 - وَحُجَّةُ مَنِ اسْتَثْنَى إِبَاحَةَ بَعْضِ الأَْنْوَاعِ مِنَ الْغِرْبَانِ أَنَّ الأَْحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا وَصْفُ الْغُرَابِ بِالأَْبْقَعِ أَشْعَرَتْ أَنَّ الْغُرَابَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ خُبْثَهُ، وَقَدْ لُوحِظَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ كَوْنُهُ لاَ يَأْكُل إِلاَّ الْجِيفَةَ غَالِبًا، فَحُمِلَتِ الأَْحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُلْحِقَ بِالأَْبْقَعِ مَا مَاثَلَهُ وَهُوَ الْغُدَافُ الْكَبِيرُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَقْعَقِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ أَنْظَارِهِمْ فِي كَوْنِهِ يُكْثِرُ مِنْ أَكْل الْجِيفَةِ أَوْ لاَ يُكْثِرُ.

النَّوْعُ السَّابِعُ: كُل طَائِرٍ ذِي دَمٍ سَائِلٍ، وَلَيْسَ لَهُ مِخْلَبٌ صَائِدٌ، وَلَيْسَ أَغْلَبُ أَكْلِهِ الْجِيَفَ:
41 - وَذَلِكَ كَالدَّجَاجِ، وَالْبَطِّ، وَالإِْوَزِّ، وَالْحَمَامِ مُسْتَأْنَسًا وَمُتَوَحِّشًا، وَالْفَوَاخِتِ، (80) وَالْعَصَافِيرِ، وَالْقَبَجِ، (81) وَالْكُرْكِيِّ، (82) وَالْخُطَّافِ، (83) وَالْبُومِ، (84) وَالدُّبْسِيِّ، (85) وَالصُّلْصُل، (86) وَاللَّقْلَقِ (87) ، وَاللِّحَامِ، (88) وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، وَالْخُفَّاشِ (الْوَطْوَاطِ) .
فَكُل هَذَا مَأْكُولٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (89)
42 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِإِبَاحَةِ هَذَا النَّوْعِ كُلِّهِ وَلَوْ جَلاَّلَةً فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ، إِلاَّ الْخُفَّاشُ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ فِيهِ الْكَرَاهَةُ، وَقِيل بِكَرَاهَةِ الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْل أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. (90) وَقِيل بِالْكَرَاهَةِ فِي الْخُطَّافِ أَيْضًا، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْكَرَاهَةَ فِيهِ بِمَا يُعَشِّشُ فِي الْبُيُوتِ احْتِرَامًا لِمَنْ عُشِّشَ عِنْدَهُ. (91)
43 - وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي فِي هَذَا النَّوْعِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ يَحْرُمُ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهِ، وَمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِ، وَمَا اسْتُخْبِثَ، وَيَحِل مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّطْبِيقِ: فَالرَّخَمَةُ وَالْخُفَّاشُ وَاللَّقْلَقُ وَالْخُطَّافُ وَالسِّنُونُو تَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَالْبُغَاثَةُ (92) تَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالْبَبَّغَاءُ وَالطَّاوُوسُ يَحْرُمَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِخُبْثِ غِذَائِهِمَا، وَيَحِلاَّنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَالأَْخْيَل، وَيُسَمَّى: الشَّقْرَاقَ (93) يَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِخُبْثِهِ، وَيَحِل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَبُو زُرَيْقٍ، وَيُسَمَّى: الدِّرْبَابَ (94) أَوِ الْقَيْقَ، نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِخُبْثِهِ، وَمُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَحِل.
وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ يَحْرُمَانِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِمَا.
وَيَحْرُمُ الْعَقْعَقُ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ أَيْضًا، لأَِنَّهُ يَأْكُل الْجِيَفَ كَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (ر: ف 33) . وَالنَّعَامَةُ، وَالْكُرْكِيُّ، وَالْحُبَارَى، وَالدَّجَاجُ، وَالْبَطُّ، وَالإِْوَزُّ، وَالْغَرَنِيقُ، وَسَائِرُ طُيُورِ الْمَاءِ - سِوَى اللَّقْلَقِ - كُلُّهَا مِمَّا يُؤْكَل عَلَى الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، وَكَذَا الْحَمَامُ، وَهُوَ اسْمٌ لِكُل مَا عَبَّ وَهَدَرَ كَالْقَمَرِيِّ، وَالدُّبْسِيِّ، وَالْيَمَامِ، وَالْفَوَاخِتِ، وَالْقَطَا، وَالْحَجَل. وَكَذَلِكَ الْعُصْفُورُ
وَكُل مَا عَلَى شَكْلِهِ، كَالْعَنْدَلِيبِ الْمُسَمَّى بِالْهَزَارِ، وَالصَّعْوَةِ، وَالزُّرْزُورِ، حَلاَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، لأَِنَّهَا مَعْدُودَةٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، (كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ فِي بَعْضٍ مِنْهَا عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ) .

النَّوْعُ الثَّامِنُ: الْخَيْل:
44 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى إِبَاحَةِ الْخَيْل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِرَابًا أَمْ بَرَاذِينَ. (95)
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْل. (96) وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ. (97)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، إِلَى حِل أَكْلِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
وَحُجَّتُهُمْ هِيَ اخْتِلاَفُ الأَْحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الْبَابِ وَاخْتِلاَفِ السَّلَفِ، فَذَهَبُوا إِلَى كَرَاهَةِ الْخَيْل احْتِيَاطًا، وَلأَِنَّ فِي أَكْلِهَا تَقْلِيل آلَةِ الْجِهَادِ. (98)
45 - وَبِنَاءً عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ يُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ سُؤْرَ الْفَرَسِ وَلَبَنَهَا طَاهِرَانِ، لأَِنَّ كَرَاهَةَ أَكْل الْخَيْل لَيْسَتْ لِنَجَاسَتِهَا، بَل لاِحْتِرَامِهَا، لأَِنَّهَا آلَةُ الْجِهَادِ، وَفِي تَوْفِيرِهَا إِرْهَابُ الْعَدُوِّ، (99) كَمَا يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . (100)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ إِلَى الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ بِالتَّحْرِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. (101)
وَحُجَّتُهُمْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} (102) فَالاِقْتِصَارُ عَلَى الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ يَدُل عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَأْكُولَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ مَأْكُولَةً لَقَال: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، كَمَا قَال قَبْل ذَلِكَ: {وَالأَْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} . وَكَذَا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومِ الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرِ، وَكُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (103)
وَلَمَّا كَانَتْ دَلاَلَةُ الآْيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ كَانَ الْحُكْمُ هُوَ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَلاَ مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا (تَحْرِيمًا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ الْمَنْعُ بِالْمَعْنَى الشَّامِل لِمَا كَانَ دَلِيلُهُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا.

النَّوْعُ التَّاسِعُ: الْحِمَارُ الأَْهْلِيُّ:
46 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى حُرْمَةِ أَكْلِهِ. وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ عَبَّرُوا بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَسَوَاءٌ أَبَقِيَ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ أَمْ تَوَحَّشَ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ. (104)
وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمْرِ الأَْهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْل. (105)
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ نَقَل تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ تِسْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَسَانِيدَ كَالشَّمْسِ، فَهُوَ نَقْل تَوَاتُرٍ لاَ يَسَعُ أَحَدًا خِلاَفُهُ. (106)
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُؤْكَل مَعَ الْكَرَاهَةِ أَيِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
47 - وَقَدْ نَقَل ابْنُ قُدَامَةَ: أَنَّ الإِْمَامَ أَحْمَدَ قَال: إِنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِهُوا الْحُمُرَ الأَْهْلِيَّةَ، (107) وَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَال: لاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي تَحْرِيمِهَا، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَانَا يَقُولاَنِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} . (108) تَلاَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَال: مَا خَلاَ هَذَا فَهُوَ حَلاَلٌ، وَأَنَّ عِكْرِمَةَ وَأَبَا وَائِلٍ لَمْ يَرَيَا بِأَكْل الْحُمُرِ بَأْسًا.
وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ أَنَّ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ قَال بِإِبَاحَتِهَا.
وَصَفْوَةُ الْقَوْل أَنَّ فِيهَا ثَلاَثَةَ مَذَاهِبَ:
(الأَْوَّل) التَّحْرِيمُ أَوِ الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ.
(وَالثَّانِي) الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ.
(وَالثَّالِثُ) الإِْبَاحَةُ. (109) النَّوْعُ الْعَاشِرُ: الْخِنْزِيرُ:
48 - الْخِنْزِيرُ حَرَامٌ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} . (110)
49 - قَال الأَْلُوسِيُّ: " خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهِ أَيْضًا حَرَامٌ، خِلاَفًا لِلظَّاهِرِيَّةِ، (111) لأَِنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُؤْكَل مِنَ الْحَيَوَانِ، وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ كَالتَّابِعِ لَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ الأَْلُوسِيُّ أَنَّهُ خَصَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ بِالذِّكْرِ، مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهِ حَرَامٌ، لإِِظْهَارِ حُرْمَةِ مَا اسْتَطَابُوهُ وَفَضَّلُوهُ عَلَى سَائِرِ اللُّحُومِ وَاسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ ". (112)
50 - وَالضَّمِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} ، فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَل بِهَا الْقُرْآنُ رَاجِعٌ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَيْهِ (113) وَهُوَ الْخِنْزِيرُ نَفْسُهُ، فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ بِعَيْنِهِ رِجْسٌ، فَهُوَ كُلُّهُ رِجْسٌ وَبَعْضُ الرِّجْسِ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ، فَالْخِنْزِيرُ كُلُّهُ حَرَامٌ، لاَ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ شَعْرُهُ وَلاَ غَيْرُهُ.

النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْحَشَرَاتُ:
51 - الْحَشَرَاتُ قَدْ تُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْهَوَامِّ فَقَطْ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى صِغَارِ الدَّوَابِّ كَافَّةً مِمَّا يَطِيرُ أَوْ لاَ يَطِيرُ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الثَّانِي الأَْعَمُّ. (114) وَالْحَشَرَاتُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(115) مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ (ذَاتِيٌّ) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: الْحَيَّةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْخُلْدُ، وَالضَّبُّ، وَالْيَرْبُوعُ، وَابْنُ عُرْسٍ، وَالْقُنْفُذُ.
(116) مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ (ذَاتِيٌّ) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: الْوَزَغُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْعَظَاءَةُ، (117) وَالْحَلَزُونُ الْبَرِّيُّ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالْقُرَادُ، وَالْخُنْفُسَاءُ، وَالنَّمْل، وَالْبُرْغُوثُ، وَالْجَرَادُ، وَالزُّنْبُورُ، وَالذُّبَابُ وَالْبَعُوضُ.
52 - وَهَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْحَشَرَاتِ إِلَى ذَوَاتِ دَمٍ سَائِلٍ وَغَيْرِ سَائِلٍ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي كَوْنِهَا مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا، وَلَكِنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ هُوَ نَجَاسَتُهَا وَطَهَارَتُهَا، فَذَاتُ الدَّمِ السَّائِل تَنْجُسُ مَيْتَتُهَا. وَتَتَنَجَّسُ بِهَا الْمَائِعَاتُ الْقَلِيلَةُ، بِخِلاَفِ مَا لَيْسَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ النَّوْعَانِ فِي مَوْضُوعِ الأَْطْعِمَةِ هُنَا لِوَحْدَةِ الْحُكْمِ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الأَْكْل أَوْ عَدَمِهِ.
وَلَمَّا كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الْجَرَادِ وَالضَّبِّ وَالدُّودِ حُكْمٌ خَاصٌّ بِكُلٍّ مِنْهَا حَسُنَ إِفْرَادُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ.

الْجَرَادُ:
53 - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى حِل الْجَرَادِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلِّهِ الْحَدِيثُ الْقَائِل: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَال وَالْكَبِدُ. (118)
- وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَى تَذْكِيَةِ الْجَرَادِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بُدَّ مِنْ تَذْكِيَتِهِ بِأَنْ يَفْعَل بِهِ مَا يُعَجِّل مَوْتَهُ بِتَسْمِيَةٍ وَنِيَّةٍ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ كَرِهُوا ذَبْحَ الْجَرَادِ وَقَطْعَهُ حَيًّا. وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ قَلْيِهِ مَيْتًا دُونَ إِخْرَاجِ مَا فِي جَوْفِهِ، وَلاَ يَتَنَجَّسُ بِهِ الدُّهْنُ.
وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ قَلْيُهُ وَشَيُّهُ حَيًّا عَلَى الرَّاجِحِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ التَّعْذِيبِ، وَقِيل: يَحِل ذَلِكَ فِيهِ كَمَا يَحِل فِي السَّمَكِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْل عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ، لأَِنَّ حَيَاةَ الْجَرَادِ مُسْتَقِرَّةٌ لَيْسَتْ كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ، بِخِلاَفِ السَّمَكِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ (119) .
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَلْيِهِ وَشَيِّهِ حَيًّا، فَذَهَبُوا إِلَى مِثْل الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ إِبَاحَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا تَعْذِيبٌ، لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَاجَةِ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ قَدْ تَطُول فَيَشُقُّ انْتِظَارُ مَوْتِهِ. (120)

الضَّبُّ:
54 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الضَّبِّ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، (121) فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. قَال خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ: أَنَّهُمْ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ فِي إِحْدَى الْغَزَوَاتِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ الصَّحَابَةُ ضِبَابًا فَحَرَشُوهَا وَطَبَخُوهَا، فَبَيْنَمَا كَانَتِ الْقُدُورُ، تَغْلِي بِهَا عَلِمَ بِذَلِكَ الرَّسُول ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ فَأَلْقُوا بِهَا. (122) وَاعْتَبَرَ الْجُمْهُورُ مَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِهِ مَنْسُوخًا، لأَِنَّ حَدِيثَ الإِْبَاحَةِ مُتَأَخِّرٌ، لأَِنَّهُ حَضَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ.
وَمِمَّنْ كَرِهَ الضَّبَّ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عِنْدَهُمَا تَحْرِيمِيَّةً، وَهَذَا عِنْدَئِذٍ يَتَّفِقُ مَعَ الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ، وَيُحْتَمَل أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ. (123)
وَحُجَّةُ مَنْ قَال بِكَرَاهَتِهِ تَنْزِيهًا تَعَارُضُ أَدِلَّةِ الإِْبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ، فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا احْتِيَاطًا.

الدُّودُ:
55 - تَنَاوَلَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ تَفْصِيلاَتٍ عَنِ الدُّودِ إِيجَازُهَا فِيمَا يَلِي: قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ دُودَ الزُّنْبُورِ وَنَحْوِهِ قَبْل أَنْ تُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ لاَ بَأْسَ بِأَكْلِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، فَإِنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ. وَعَلَى هَذَا لاَ يَجُوزُ أَكْل الْجُبْنِ أَوِ الْخَل أَوِ الثِّمَارِ بِدُودِهَا (124) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ مَاتَ الدُّودُ وَنَحْوُهُ فِي طَعَامٍ وَتَمَيَّزَ عَنِ الطَّعَامِ أُخْرِجَ مِنْهُ وُجُوبًا، فَلاَ يُؤْكَل مَعَهُ، وَلاَ يُطْرَحُ الطَّعَامُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ، لأَِنَّ مَيْتَتَهُ طَاهِرَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنِ اخْتَلَطَ بِالطَّعَامِ وَتَهَرَّى طُرِحَ الطَّعَامُ، لِعَدَمِ إِبَاحَةِ نَحْوِ الدُّودِ الْمَيِّتِ بِهِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، فَيُلْقَى لِكَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ دَابَّةٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الدُّودُ غَيْرَ الْمُتَمَيِّزِ قَلِيلاً.
وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فِي الطَّعَامِ جَازَ أَكْلُهُ مَعَهُ. هَذَا كُلُّهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الدُّودُ وَنَحْوُهُ تَوَلَّدَ فِي الطَّعَامِ (أَيْ عَاشَ وَتَرَبَّى فِيهِ) ، سَوَاءٌ أَكَانَ فَاكِهَةً أَمْ حُبُوبًا أَمْ تَمْرًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَكْلُهُ مَعَهُ عِنْدَهُمْ، قَل أَوْ كَثُرَ، مَاتَ فِيهِ أَوْ لاَ، تَمَيَّزَ أَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ. (125)
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَلْحَظُونَ فِيهِ حِينَئِذٍ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَحِل أَكْل الدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ فِي طَعَامٍ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ بِثَلاَثِ شَرَائِطَ:
الأُْولَى: - أَنْ يُؤْكَل مَعَ الطَّعَامِ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، فَإِنْ أُكِل مُنْفَرِدًا لَمْ يَحِل.
الثَّانِيَةُ: - أَلاَّ يُنْقَل مُنْفَرِدًا، فَإِنْ نُقِل مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ. وَهَاتَانِ الشَّرِيطَتَانِ مَنْظُورٌ فِيهِمَا أَيْضًا إِلَى مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.
الثَّالِثَةُ: - أَلاَّ يُغَيِّرَ طَعْمَ الطَّعَامِ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ إِنْ كَانَ مَائِعًا، فَإِنْ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ وَلاَ شُرْبُهُ، لِنَجَاسَتِهِ حِينَئِذٍ.
وَيُقَاسُ عَلَى الدُّودِ السُّوسُ الْمُتَوَلِّدُ فِي نَحْوِ التَّمْرِ وَالْبَاقِلاَءِ إِذَا طُبِخَا، فَإِنَّهُ يَحِل أَكْلُهُ مَا لَمْ يُغَيِّرِ الْمَاءَ.
وَكَذَا النَّمْل إِذَا وَقَعَ فِي الْعَسَل وَنَحْوِهِ فَطُبِخَ (126) .
وَقَال أَحْمَدُ فِي الْبَاقِلاَءِ الْمُدَوَّدِ: تَجَنُّبُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَذَّرْ فَأَرْجُو. (127) وَقَال عَنْ تَفْتِيشِ التَّمْرِ الْمُدَوَّدِ: لاَ بَأْسَ بِهِ. (128) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَل يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ. (129) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ أَحْسَنُ.

بَقِيَّةُ الْحَشَرَاتِ:
56 - لِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ بَقِيَّةِ الْحَشَرَاتِ، مَا عَدَا الْجَرَادَ وَالضَّبَّ، وَالدُّودَ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: - حُرْمَةُ أَصْنَافِ الْحَشَرَاتِ كُلِّهَا، لأَِنَّهَا تُعَدُّ مِنَ الْخَبَائِثِ لِنُفُورِ الطَّبَائِعِ السَّلِيمَةِ مِنْهَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ. (130)
الثَّانِي: - حِل أَصْنَافِهَا كُلِّهَا لِمَنْ لاَ تَضُرُّهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْحِل تَذْكِيَتَهَا: فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ ذُكِّيَتْ كَمَا يُذَكَّى الْجَرَادُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ ذُكِّيَتْ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ أَمَامِ الْعُنُقِ بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْفَأْرِ إِذَا عُلِمَ وُصُولُهُ إِلَى النَّجَاسَةِ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فَهُوَ مُبَاحٌ. (131)
الثَّالِثُ: - التَّفْصِيل بِتَحْرِيمِ بَعْضِ أَصْنَافِهَا دُونَ بَعْضٍ: فَالشَّافِعِيَّةُ: قَالُوا بِإِبَاحَةِ الْوَبَرِ، وَأُمِّ حُبَيْنٍ، وَالْيَرْبُوعِ، وَابْنِ عُرْسٍ، وَالْقُنْفُذِ. أَمَّا أُمُّ حُبَيْنٍ فَلِشَبَهِهَا بِالضَّبِّ، وَأَمَّا الْبَقِيَّةُ فَلأَِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَخْبَثَةٍ (132) .
وَالْحَنَابِلَةُ خَالَفُوا الشَّافِعِيَّةَ فِي الْقُنْفُذِ وَابْنِ عُرْسٍ، فَقَالُوا بِحُرْمَتِهِمَا، وَلَهُمْ رِوَايَتَانِ فِي الْوَبَرِ وَالْيَرْبُوعِ أَصَحُّهُمَا الإِْبَاحَةُ. (133)

النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ: الْمُتَوَلِّدَاتُ، وَمِنْهَا: الْبِغَال:
57 - يُقْصَدُ بِالْمُتَوَلِّدَاتِ مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ. وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ:
الصِّنْفُ الأَْوَّل: مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ حَلاَلَيْنِ. وَهُوَ حَلاَلٌ بِلاَ خِلاَفٍ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مُحَرَّمَيْنِ أَوْ مَكْرُوهَيْنِ تَحْرِيمًا. وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا بِلاَ خِلاَفٍ.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَالثَّانِي حَلاَلٌ مَعَ الإِْبَاحَةِ أَوْ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الصِّنْفِ: الْبِغَال. وَفِي حُكْمِهَا تَفْصِيلٌ:
58 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْبَغْل وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُتَوَلِّدَاتِ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأَْصْلَيْنِ. (134) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ هَذِهِ التَّبِيعَةَ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالتَّوَلُّدِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ وَلَدَتِ الشَّاةُ كَلْبَةً دُونَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا نَزَا عَلَيْهَا كَلْبٌ فَإِنَّهَا تَحِل، لِعَدَمِ الْيَقِينِ بِتَوَلُّدِهَا مِنْ كَلْبٍ، لأَِنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْخِلْقَةُ عَلَى خِلاَفِ صُورَةِ الأَْصْل، وَإِنْ كَانَ الْوَرَعُ تَرْكَهَا.
وَحُجَّتُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأَْصْلَيْنِ، أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُمَا فَيَجْتَمِعُ فِيهِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ، فَيُغَلَّبُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا. وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي، أَوِ الْحَاظِرُ وَالْمُبِيحُ، غُلِّبَ جَانِبُ الْمَانِعِ الْحَاظِرِ احْتِيَاطًا (135) .
59 - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْبِغَال تَابِعَةٌ لِلأُْمِّ، فَالْبَغْل الَّذِي أُمُّهُ أَتَانٌ (حِمَارَةٌ) يُكْرَهُ أَكْل لَحْمِهِ تَحْرِيمًا تَبَعًا لأُِمِّهِ، وَاَلَّذِي أُمُّهُ فَرَسٌ يَجْرِي فِيهِ الْخِلاَفُ الَّذِي فِيهِ الْخَيْل: فَيَكُونُ مَكْرُوهًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُبَاحًا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ. فَلَوْ فُرِضَ تَوَلُّدُهُ بَيْنَ حِمَارٍ وَبَقَرَةٍ، أَوْ بَيْنَ حِصَانٍ وَبَقَرَةٍ فَهُوَ مُبَاحٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْحَنَفِيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ فِي الْمَذْهَبِ، تَبَعًا لأُِمِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَا يُقَال فِي الْبِغَال يُقَال فِي كُل مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ، (136) فَالتَّبَعِيَّةُ لِلأُْمِّ هِيَ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَيُعْرَفُ مِنَ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَتِهِ لاِبْنِ عَابِدِينَ (137) أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلأُْمِّ وَلَوْ وَلَدَتِ الْمَأْكُولَةُ مَا صُورَتُهُ صُورَةُ غَيْرِ الْمَأْكُول، كَمَا لَوْ وَلَدَتِ الشَّاةُ ذِئْبًا فَإِنَّهُ يَحِل. (138)
60 - وَالْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا يَقُولُونَ بِقَاعِدَةِ التَّبَعِيَّةِ لِلأُْمِّ فِي الْحُكْمِ مَعَ بَعْضِ اخْتِلاَفٍ: فَهُمْ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِأَلاَّ يَأْتِيَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ عَلَى صُورَةِ الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّهُ عِنْدَئِذٍ يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَتِ الأُْمُّ مُبَاحَةً، كَمَا لَوْ وَلَدَتِ الشَّاةُ خِنْزِيرًا. وَكَذَلِكَ لاَ يُجَوِّزُونَ أَكْل مُبَاحٍ وَلَدَتْهُ مُحَرَّمَةٌ، كَشَاةٍ مِنْ أَتَانٍ (وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ) وَلاَ عَكْسُهُ أَيْضًا، كَأَتَانٍ مِنْ شَاةٍ (عَلَى خِلاَفِ الْقَاعِدَةِ) وَلَكِنَّ هَذَا الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَى صُورَةِ الْمُبَاحِ إِذَا نَسَل يُؤْكَل نَسْلُهُ عِنْدَهُمْ حَيْثُ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْمُبَاحِ، لِبُعْدِهِ عَنْ أُمِّهِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْبَغْل قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّحْرِيمُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَثَانِيهِمَا: الْكَرَاهَةُ (139) دُونَ تَفْرِيقٍ أَيْضًا بَيْنَ كَوْنِ أُمِّهِ فَرَسًا أَوْ أَتَانًا، اعْتِمَادًا عَلَى أَدِلَّةٍ أُخْرَى فِي خُصُوصِ الْبَغْل غَيْرِ قَاعِدَةِ التَّوَلُّدِ.
61 - وَحُجَّةُ مَنْ قَال: إِنَّ الْبَغْل يَتْبَعُ أُمَّهُ أَنَّهُ قَبْل خُرُوجِهِ مِنْهَا هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهَا: حِلًّا، وَحُرْمَةً، وَكَرَاهَةً، فَيَبْقَى هَذَا الْحُكْمُ بَعْدَ خُرُوجِهِ اسْتِصْحَابًا.
وَحُجَّةُ مَنْ أَطْلَقَ التَّحْرِيمَ أَوِ الْكَرَاهَةَ التَّحْرِيمِيَّةَ. مِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: {وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} . (140) فَقَدْ بَيَّنَتِ الآْيَةُ مَزَايَاهَا أَنَّهَا رَكَائِبُ وَزِينَةٌ، وَسَكَتَتْ عَنِ الأَْكْل فِي مَقَامِ الاِمْتِنَانِ فَيَدُل عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَأْكُولَةٍ.
وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: حَرَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ - لُحُومَ الْحُمُرِ الإِْنْسِيَّةِ وَلُحُومَ الْبِغَال، وَكُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (141)
وَحَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَالْخَيْل وَالْبِغَال. (142)
وَحُجَّةُ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ هِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ دَلاَلَةِ الآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . .} فَقَالُوا: إِنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةٌ، عَمَلاً بِهَذِهِ الآْيَةِ الأَْخِيرَةِ، وَلَيْسَتْ وَاضِحَةَ الإِْبَاحَةِ لِلْخِلاَفِ فِي دَلاَلَةِ الآْيَةِ الأُْولَى وَالأَْحَادِيثِ، فَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً.
وَحُجَّةُ مَنْ قَال بِالإِْبَاحَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَْرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا} .
وَقَال أَيْضًا: {وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} وَلَمْ يَذْكُرْ فِيمَا فَصْل تَحْرِيمَ الْبَغْل، فَهُوَ حَلاَلٌ.
وَالْقَوْل بِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الْحِمَارِ فَيَكُونُ مِثْلَهُ قَوْلٌ لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ مُنْذُ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ هُوَ مُغَايِرٌ لِلْحِمَارِ، وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ. (143)

النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: كُل حَيَوَانٍ لَمْ يَعْرِفْهُ الْعَرَبُ فِي أَمْصَارِهِمْ:
62 - الْمُرَادُ بِهَذَا النَّوْعِ مَا كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ مِنْ قَبْل عِنْدَ الْعَرَبِ أَهْل اللُّغَةِ الَّتِي نَزَل بِهَا الْقُرْآنُ فِي أَمْصَارِهِمْ وَأَشْبَهَ مَا اسْتَطَابُوهُ أَوِ اسْتَخْبَثُوهُ.
فَمَا كَانَ مُشَبَّهًا لِمَا اسْتَطَابُوهُ فَهُوَ حَلاَلٌ أَكْلُهُ. وَمَا كَانَ مُشَبَّهًا لِمَا اسْتَخْبَثُوهُ فَهُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِل لَهُمْ قُل أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (144) أَيْ مَا اسْتَطَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، لأَِنَّهُ هُمُ السَّائِلُونَ الَّذِينَ وُجِّهَ إِلَيْهِمُ الْجَوَابُ. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} أَيْ مَا اسْتَخْبَثُوهُ، فَاَلَّذِينَ تُعْتَبَرُ اسْتِطَابَتُهُمْ وَاسْتِخْبَاثُهُمْ إِنَّمَا هُمْ أَهْل الْحِجَازِ، لأَِنَّ الْكِتَابَ نَزَل عَلَيْهِمْ وَخُوطِبُوا بِهِ أَوَّلاً. وَالْمُعْتَبَرُ مِنْهُمْ أَهْل الأَْمْصَارِ لاَ أَهْل الْبَوَادِي، لأَِنَّ هَؤُلاَءِ يَأْكُلُونَ لِلضَّرُورَةِ مَا يَجِدُونَ مَهْمَا كَانَ.
فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَيَوَانِ فِي أَمْصَارِ الْحِجَازِ يُرَدُّ إِلَى أَقْرَبِ مَا يُشْبِهُهُ فِي بِلاَدِهِمْ. فَإِنْ أَشْبَهَ مَا اسْتَطَابُوهُ حَل، وَإِنْ أَشْبَهَ مَا اسْتَخْبَثُوهُ حَرُمَ. وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِمَّا عِنْدَهُمْ حَل، لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً. . .} (145) الآْيَةَ.
هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. (146) وَصَرَّحَ بِنَحْوِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ اخْتِلاَفَاتٍ يَسِيرَةٍ تُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةِ كُتُبِهِمْ. (147)
63 - وَالْمَالِكِيَّةُ يُحِلُّونَ كُل مَا لاَ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ. (148)
فَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يَعْتَبِرُونَ اسْتِطَابَةَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْل الْحِجَازِ وَلاَ اسْتِخْبَاثَهُمْ وَلاَ الْمُشَابَهَةَ أَسَاسًا فِي تَفْسِيرِ الطَّيِّبَاتِ.
وَمِمَّا يُسْتَدَل بِهِ عَلَى ذَلِكَ مَجْمُوعُ الآْيَاتِ الثَّلاَثِ التَّالِيَةِ، هِيَ قَوْله تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا} ، وَقَوْلُهُ: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ. .} الآْيَةَ، وَقَوْلُهُ: {وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (149) فَمِنْهَا يُعْرَفُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ مَا اسْتَثْنَاهُ النَّصُّ مِنْ عُمُومِ الآْيَةِ الأُْولَى، فَيَبْقَى مَا سِوَاهُ دَاخِلاً فِي عُمُومِهَا الْمُبِيحِ. مَا يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول لِسَبَبٍ عَارِضٍ:
64 - هُنَاكَ حَالاَتٌ عَارِضَةٌ تَجْعَل بَعْضَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا أَكْلُهَا شَرْعًا، وَلَوْ ذُكِّيَتِ التَّذْكِيَةَ الْمَقْبُولَةَ شَرْعًا. فَإِذَا زَالَتْ أَسْبَابُ الْحُرْمَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ الْعَارِضَةِ عَادَ الْحَيَوَانُ حَلاَلاً دُونَ حَرَجٍ.
هَذِهِ الأَْسْبَابُ الْعَارِضَةُ مِنْهَا مَا يَتَّصِل بِالإِْنْسَانِ، وَمِنْهَا مَا يَتَّصِل بِالْحَيَوَانِ نَفْسِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَّصِل بِهِمَا مَعًا. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:
أَسْبَابُ التَّحْرِيمِ الْعَارِضَةِ:

أ - الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ:
65 - هَذَا سَبَبٌ يَقُومُ بِالإِْنْسَانِ، فَحَالَةُ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ تُجْعَل مِنَ الْمَحْظُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُ حَيَوَانِ الصَّيْدِ الْبَرِّيِّ، مَا دَامَ الشَّخْصُ مُحْرِمًا لَمْ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ. فَإِذَا قَتَل حَيَوَانًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ صَيْدًا، أَوْ أَمْسَكَهُ فَذَبَحَهُ، كَانَ كَالْمَيْتَةِ حَرَامُ اللَّحْمِ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُحْرِمِ نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ اصْطَادَهُ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ أَوْ خَارِجَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. . .} الآْيَةَ. (150)
66 - وَالْمُرَادُ بِحَيَوَانِ الصَّيْدِ الْبَرِّيِّ الْحَيَوَانُ الْمُتَوَحِّشُ الْمُمْتَنِعُ، أَيْ غَيْرُ الآْهِل كَالظِّبَاءِ وَالْحَمَامِ.
أَمَّا الآْهِل كَالدَّوَاجِنِ مِنَ الطُّيُورِ، وَالأَْنْعَامِ مِنَ الدَّوَابِّ فَهُوَ حَلاَلٌ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ الْمَائِيُّ حَلاَلٌ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} . (151) وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ. (152)

ب - وُجُودُ حَيَوَانِ الصَّيْدِ فِي نِطَاقِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ:
67 - وَيَشْمَل مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ وَالأَْرْضَ الْمُحِيطَةَ بِهَا إِلَى الْحُدُودِ الْمُقَرَّرَةِ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ، وَالْمَعْرُوفَةَ بِحُدُودِ الْحَرَمِ. وَهَذَا سَبَبٌ يَتَّصِل بِالْحَيَوَانِ نَفْسِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي حِمَايَةِ الْحَرَمِ الآْمِنِ. فَكُل حَيَوَانٍ مِنْ حَيَوَانِ الصَّيْدِ الْبَرِّيِّ الْمَأْكُول يَقْطُنُ فِي نِطَاقِ الْحَرَمِ، أَوْ يَدْخُل فِيهِ دُونَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ امْتِلاَكٌ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ إِذَا قُتِل أَوْ ذُبِحَ أَوْ عُقِرَ كَانَ لَحْمُهُ حَرَامًا كَالْمَيْتَةِ، وَلَوْ كَانَ قَاتِلُهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْمَكَانِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} ، (153)
وَبِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتَحَ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ. (154)
هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
68 - وَهُنَاكَ اجْتِهَادَاتٌ تَرَى جَرَيَانَ هَذَا التَّحْرِيمِ أَيْضًا فِي حَيَوَانِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ، وَهُوَ مَدِينَةُ الرَّسُول ﷺ وَالأَْرْضُ الْمُحِيطَةُ بِهَا إِلَى الْحُدُودِ الْمُقَرَّرَةِ لَهَا فِي النُّصُوصِ، وَفِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عِيرٍ إِلَى ثَوْرٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا (155) وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (156)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ حُكْمًا وَدَلِيلاً وَبَيَانُ حُدُودِ الْحَرَمَيْنِ يُرَى فِي مَحَلِّهِ مِنْ مَوْضُوعِ الْحَجِّ وَمَوْضُوعِ الصَّيْدِ.
وَهُنَاكَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَصَيْدِ الْمُحْرِمِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ، وَيُعْتَبَرُ كَالْمَيْتَةِ عَلَى صَائِدِهِ فَقَطْ عُقُوبَةً لَهُ. وَلَكِنَّهُ يَكُونُ لَحْمًا حَلاَلاً فِي ذَاتِهِ، فَيَجُوزُ لِغَيْرِ صَائِدِهِ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ. وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيَرَى قَوْمٌ تَحْرِيمَ صَيْدِ الْمُحْرِمِ فِي أَرْضِ الْحِل عَلَى صَائِدِهِ فَقَطْ، وَيَرَى آخَرُونَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سِوَاهُ مِنَ الْمُحْرِمِينَ دُونَ الْمُحِلِّينَ. (157)
السَّبَبُ الْعَارِضُ الْمُوجِبُ لِلْكَرَاهَةِ:

الْحَيَوَانَاتُ الْجَلاَّلَةُ:
69 - الْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ مَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ الأَْصْل بِسَبَبٍ عَارِضٍ اقْتَضَى هَذِهِ الْكَرَاهَةَ، فَإِذَا زَال الْعَارِضُ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ. وَلَمْ يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ سِوَى الْحَيَوَانَاتِ الْجَلاَّلَةِ. (158) فَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الْجَلاَّلَةَ هِيَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرُ أَوِ الْغَنَمُ الَّتِي أَغْلَبُ أَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ فَيُكْرَهُ أَكْلُهَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومِ الإِْبِل الْجَلاَّلَةِ، (159) وَلأَِنَّهَا إِذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ يَتَغَيَّرُ لَحْمُهَا وَيُنْتِنُ، فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالطَّعَامِ الْمُنْتِنِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْجَلاَّلَةِ أَنْ تُشْرَبَ أَلْبَانُهَا. (160) أَيْضًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ لَحْمَهَا إِذَا تَغَيَّرَ يَتَغَيَّرُ لَبَنُهَا.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ رُكُوبِهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا أَنْتَنَتْ فَيَمْتَنِعُ مِنَ اسْتِعْمَالِهَا حَتَّى لاَ يَتَأَذَّى النَّاسُ بِنَتِنِهَا.
وَقِيل: لاَ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهَا، وَلَوْ لِغَيْرِ الأَْكْل، وَالأَْوَّل هُوَ الأَْصَحُّ، لأَِنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِهَا، بَل لِعَارِضٍ جَاوَرَهَا، فَكَانَ الاِنْتِفَاعُ بِهَا حَلاَلاً فِي ذَاتِهِ، مَمْنُوعًا لِغَيْرِهِ.
70 - وَتَزُول الْكَرَاهِيَةُ بِحَبْسِهَا عَنْ أَكْل النَّجَاسَةِ وَعَلَفِهَا بِالْعَلَفِ الطَّاهِرِ.
وَهَل لِحَبْسِهَا تَقْدِيرٌ زَمَنِيٌّ، أَوْ لَيْسَ لَهُ تَقْدِيرٌ؟ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَال: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لاَ يُوَقِّتُ فِي حَبْسِهَا، وَقَال: تُحْبَسُ حَتَّى تَطِيبَ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا.
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّاقَةِ وَالشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ الْجَلاَّلاَتِ أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ جَلاَّلَةً إِذَا أَنْتَنَتْ وَتَغَيَّرَتْ وَوُجِدَ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ، فَهِيَ الَّتِي لاَ يُؤْكَل لَحْمُهَا وَلاَ يُشْرَبُ لَبَنُهَا. هَذَا إِذَا كَانَتْ لاَ تَخْلِطُ وَلاَ تَأْكُل إِلاَّ الْجِلَّةَ أَوِ الْعَذِرَةَ (161) غَالِبًا، فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ جَلاَّلَةً فَلاَ تُكْرَهُ، لأَِنَّهَا لاَ تُنْتِنُ.
71 - وَلاَ يُكْرَهُ أَكْل الدَّجَاجَةِ الْمُخْلاَةِ (162) وَإِنْ كَانَتْ تَتَنَاوَل النَّجَاسَةَ، لأَِنَّهَا لاَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا أَكْلُهَا، بَل تَخْلِطُهَا بِالْحَبِّ. وَقِيل: إِنَّمَا لاَ تُكْرَهُ، لأَِنَّهَا لاَ تُنْتِنُ كَمَا تُنْتِنُ الإِْبِل، وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّتِنِ. وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْجَدْيِ إِذَا ارْتَضَعَ بِلَبَنِ خِنْزِيرَةٍ حَتَّى كَبِرَ: إِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ، لأَِنَّ لَحْمَهُ لاَ يَتَغَيَّرُ وَلاَ يُنْتِنُ. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلنَّتِنِ لاَ لِتَنَاوُل النَّجَاسَةِ.
وَالأَْفْضَل أَنْ تُحْبَسَ الدَّجَاجَةُ الْمُخْلاَةُ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّنَزُّهِ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا فِي جَوْفِهَا مِنَ النَّجَاسَةِ يَزُول فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبًا.
هَذِهِ خُلاَصَةُ مَا أَفَادَهُ صَاحِبُ " الْبَدَائِعِ " (163) وَيُؤْخَذُ مِنَ " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ " وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَيْهِ، وَتَقْرِيرُ الرَّافِعِيِّ أَنَّ كَرَاهَةَ الْجَلاَّلَةِ تَنْزِيهِيَّةٌ لاَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَأَنَّ صَاحِبَ " التَّجْنِيسِ " اخْتَارَ حَبْسَ الدَّجَاجَةِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَالشَّاةِ أَرْبَعَةً، وَالإِْبِل وَالْبَقَرَةِ عَشْرَةً، وَأَنَّ السَّرَخْسِيَّ قَال: الأَْصَحُّ عَدَمُ التَّقْدِيرِ وَأَنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تَزُول الرَّائِحَةُ الْمُنْتِنَةُ. (164)
72 - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ قَرِيبٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا ظَهَرَ تَغَيُّرٌ فِي لَحْمِ الْجَلاَّلَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنَ الدَّوَابِّ أَمْ مِنَ الطُّيُورِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّغَيُّرُ فِي الطَّعْمِ أَمِ اللَّوْنِ أَمِ الرِّيحِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ لأَِصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الرَّافِعِيِّ الْحُرْمَةُ، وَعِنْدَ النَّوَوِيِّ الْكَرَاهَةُ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، لأَِنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِتَغَيُّرِ اللَّحْمِ فَلاَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
وَيُلْحَقُ بِالْجَلاَّلَةِ وَلَدُهَا الَّذِي يُوجَدُ فِي بَطْنِهَا بَعْدَ ذَكَاتِهَا، إِذَا وُجِدَ مَيِّتًا وَظَهَرَ فِيهِ التَّغَيُّرُ، وَكَذَلِكَ الْعَنْزُ الَّتِي رُبِّيَتْ بِلَبَنِ كَلْبَةٍ أَوْ خِنْزِيرَةٍ إِذَا تَغَيَّرَ - لَحْمُهَا. فَإِنْ عُلِفَتِ الْجَلاَّلَةُ، أَوْ لَمْ تُعْلَفْ، فَطَابَ لَحْمُهَا حَل بِلاَ كَرَاهَةٍ، لِزَوَال عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ التَّغَيُّرُ. وَلاَ تَقْدِيرَ لِمُدَّةِ الْعَلَفِ. وَتَقْدِيرُهَا بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الْبَعِيرِ، وَثَلاَثِينَ فِي الْبَقَرِ، وَسَبْعَةٍ فِي الشَّاةِ، وَثَلاَثَةٍ فِي الدَّجَاجَةِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ. وَلاَ يَكْفِي الْغُسْل أَوِ الطَّبْخُ لِلْحُكْمِ بِطِيبِ اللَّحْمِ. (165) وَإِذَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ أَكْل الْجَلاَّلَةِ حَرُمَ أَوْ كُرِهَ سَائِرُ أَجْزَائِهَا كَبَيْضِهَا وَلَبَنِهَا، وَيُكْرَهُ رُكُوبُهَا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، لأَِنَّ لِعَرَقِهَا حُكْمَ لَبَنِهَا وَلَحْمِهَا.
73 - وَرَوَى الْحَنَابِلَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ قَوْلَيْنِ:
(أَوَّلُهُمَا) أَنَّ الْجَلاَّلَةَ تَحْرُمُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الأَْصْحَابُ.
(الثَّانِي) أَنَّهَا تُكْرَهُ. (166)
وَرَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا تَزُول بِهِ الْكَرَاهَةُ رِوَايَتَيْنِ:
(إِحْدَاهُمَا) أَنَّ الْجَلاَّلَةَ مُطْلَقًا تُحْبَسُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ.
(الثَّانِيَةُ) أَنَّ الطَّائِرَ يُحْبَسُ ثَلاَثَةً، وَالشَّاةَ سَبْعَةً، وَمَا عَدَا ذَلِكَ (مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَنَحْوِهِمَا فِي الْكِبَرِ) أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ الطُّيُورَ وَالأَْنْعَامَ الْجَلاَّلَةَ مُبَاحَةٌ، لَكِنْ قَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْجَلاَّلَةَ. (167)
وَدَلِيل تَحْرِيمِ الْجَلاَّلَةِ عِنْدَ مَنْ حَرَّمَهَا مَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْل الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا. (168)
وَوَجْهُ حَبْسِهَا ثَلاَثًا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَكْلَهَا حَبَسَهَا ثَلاَثًا وَأَطْعَمَهَا الطَّاهِرَاتِ (169) .
وَوَجْهُ حَبْسِ الإِْبِل أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الإِْبِل الْجَلاَّلَةِ أَنْ يُؤْكَل لَحْمُهَا، وَلاَ يُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَلاَ يُحْمَل عَلَيْهَا إِلاَّ الأُْدُمَ. (170) وَلاَ يَرْكَبُهَا النَّاسُ حَتَّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. (171)
أَجْزَاءُ الْحَيَوَانِ وَمَا انْفَصَل مِنْهُ:
حُكْمُ الْعُضْوِ الْمُبَانِ:
74 - إِنَّ الْعُضْوَ الَّذِي يُبَانُ مِنَ الْحَيَوَانِ، أَيْ يُفْصَل مِنْهُ، يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي حِل أَكْلِهِ وَحُرْمَتِهِ بِحَسَبِ الأَْحْوَال. وَتَفْصِيل ذَلِكَ كَمَا يَلِي:

أ - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ:
يُعْتَبَرُ كَمَيْتَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ فِي حِل الأَْكْل وَحُرْمَتِهِ، فَالْمُبَانُ مِنَ السَّمَكِ الْحَيِّ أَوِ الْجَرَادِ الْحَيِّ يُؤْكَل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ مَيْتَتَهُمَا تُؤْكَل.
وَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ فِي الْجَرَادِ: إِنْ كَانَتِ الإِْبَانَةُ خَالِيَةً عَنْ نِيَّةِ التَّذْكِيَةِ، أَوْ خَالِيَةً عَنِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَل الْمُبَانُ، وَإِنْ كَانَتْ مَصْحُوبَةً بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ أُكِل الْمُبَانُ إِنْ كَانَ هُوَ الرَّأْسُ، وَلاَ يُؤْكَل إِنْ كَانَ جَنَاحًا أَوْ يَدًا أَوْ نَحْوَهُمَا.
وَالْمُبَانُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ ذَاتِ الدَّمِ السَّائِل لاَ يُؤْكَل، سَوَاءٌ أَكَانَ أَصْلُهُ مَأْكُولاً كَالأَْنْعَامِ، أَمْ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ مَيْتَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا لاَ تُؤْكَل بِلاَ خِلاَفٍ، (172) فَكَذَلِكَ مَا أُبِينَ مِنْهُ حَيًّا، فَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ. (173)

ب - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمَيْتَةِ:
حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمَيْتَةِ فِي الأَْكْل وَعَدَمِهِ بِلاَ خِلاَفٍ.

ج - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمُذَكَّى الْمَأْكُول فِي أَثْنَاءِ تَذْكِيَتِهِ قَبْل تَمَامِهَا:
حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبَانِ مِنَ الْحَيِّ. فَلَوْ قَطَعَ إِنْسَانٌ حُلْقُومَ الشَّاةِ وَبَعْضَ مَرِّيئِهَا لِلتَّذْكِيَةِ، فَقَطَعَ إِنْسَانٌ آخَرُ يَدَهَا أَوْ أَلْيَتَهَا، فَالْمَقْطُوعُ نَجِسٌ حَرَامُ الأَْكْل، كَالْمَقْطُوعِ مِنَ الْحَيِّ، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ أَيْضًا.

د - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمُذَكَّى الْمَأْكُول بَعْدَ تَمَامِ تَذْكِيَتِهِ وَقَبْل زُهُوقِ رُوحِهِ:
يَحِل أَكْلُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُذَكَّى، لأَِنَّ بَقَاءَ رَمَقٍ مِنَ الْحَيَاةِ هُوَ رَمَقٌ فِي طَرِيقِ الزَّوَال الْعَاجِل، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَوْتِ. (174)

هـ - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمَصِيدِ بِآلَةِ الصَّيْدِ: إِمَّا أَنْ يَبْقَى الْمَصِيدُ بَعْدَ إِبَانَتِهِ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَإِمَّا أَنْ تَصِيرَ حَيَاتُهُ حَيَاةَ مَذْبُوحٍ: فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: يَكُونُ عُضْوًا مُبَانًا مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ، فَيَكُونُ كَمَيْتَتِهِ.
وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: يَكُونُ عُضْوًا مُبَانًا بِالتَّذْكِيَةِ، وَيَخْتَلِفُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، لأَِنَّ لَهُ صِفَتَيْنِ شِبْهَ مُتَعَارِضَتَيْنِ:
(الصِّفَةُ الأُْولَى) أَنَّهُ عُضْوٌ أُبِينَ قَبْل تَمَامِ التَّذْكِيَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُبَانِ مِنَ الْحَيِّ فَلاَ يَحِل.
(وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ التَّذْكِيَةَ سَبَبٌ فِي حِل الْمُذَكَّى، وَكُلٌّ مِنَ الْمُبَانِ وَالْمُبَانِ مِنْهُ مُذَكًّى، لأَِنَّ التَّذْكِيَةَ بِالصَّيْدِ هِيَ تَذْكِيَةٌ لِلْمَصِيدِ كُلِّهِ لاَ لِبَعْضِهِ، فَيَحِل الْعُضْوُ كَمَا يَحِل الْبَاقِي.
وَلِهَذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (175) (ر: صَيْدٌ) .

حُكْمُ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى:
75 - لاَ شَكَّ أَنَّ التَّذْكِيَةَ حِينَمَا تَقَعُ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول تَقْتَضِي إِبَاحَةَ أَكْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الأَْجْزَاءِ حُكْمٌ خَاصٌّ: فَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ مَثَلاً، حَرَامٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَهُوَ مَا سَال مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَمَا بَقِيَ بِمَكَانِ الذَّبْحِ، وَمَا تَسَرَّبَ إِلَى دَاخِل الْحَيَوَانِ مِنَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ. وَأَمَّا مَا بَقِيَ فِي الْعُرُوقِ وَاللَّحْمِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَال وَالْقَلْبِ فَإِنَّهُ حَلاَل الأَْكْل، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ طُبِخَ اللَّحْمُ فَظَهَرَتِ الْحُمْرَةُ فِي الْمَرَقِ لَمْ يَنْجُسْ وَلَمْ يَحْرُمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ أَشْيَاءَ تُكْرَهُ أَوْ تَحْرُمُ مِنَ الذَّبِيحَةِ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل مَا قَالُوهُ وَمَا قَالَهُ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ:
76 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: (176) يَحْرُمُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ سَبْعَةٌ: الدَّمُ الْمَسْفُوحُ، وَالذَّكَرُ، وَالأُْنْثَيَانِ، وَالْقُبُل (أَيْ فَرْجُ الأُْنْثَى وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَيَا) ، وَالْغُدَّةُ، وَالْمَثَانَةُ (وَهِيَ مَجْمَعُ الْبَوْل) ، وَالْمَرَارَةُ (وَهِيَ وِعَاءُ الْمُرَّةِ الصَّفْرَاءِ، وَتَكُونُ مُلْصَقَةً بِالْكَبِدِ) .
وَهَذِهِ الْحُرْمَةُ فِي نَظَرِهِمْ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: {وَيُحِل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} ، (177) وَهَذِهِ السَّبْعَةُ مِمَّا تَسْتَخْبِثُهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ فَكَانَتْ مُحَرَّمَةً، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى خُبْثِهَا، لِمَا رَوَى الأَْوْزَاعِيُّ عَنْ وَاصِل بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَال: كَرِهَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الشَّاةِ: الذَّكَرَ، وَالأُْنْثَيَيْنِ، وَالْقُبُل، وَالْغُدَّةَ، وَالْمَرَارَةَ، وَالْمَثَانَةَ، وَالدَّمَ. (178)
وَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ قَطْعًا، بِدَلِيل أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الأَْشْيَاءِ السِّتَّةِ وَبَيْنَ الدَّمِ فِي الْكَرَاهَةِ، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
77 - وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: الدَّمُ حَرَامٌ، وَأَكْرَهُ السِّتَّةَ. فَأَطْلَقَ وَصْفَ الْحَرَامِ عَلَى الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَسَمَّى مَا سِوَاهُ مَكْرُوهًا، لأَِنَّ الْحَرَامَ الْمُطْلَقَ مَا ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَحُرْمَةُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ قَدْ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا. . .} الآْيَةَ، وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ أَيْضًا عَلَى حُرْمَتِهِ. فَأَمَّا حُرْمَةُ مَا سِوَاهُ مِنَ الأَْجْزَاءِ فَلَمْ تَثْبُتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ بَل بِالاِجْتِهَادِ، أَوْ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْمُحْتَمِل لِلتَّأْوِيل، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} ، أَوْ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ. لِذَلِكَ فَصَّل أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصْفِ فَسَمَّى الدَّمَ حَرَامًا، وَالْبَاقِي مَكْرُوهًا.
وَقِيل: إِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الأَْجْزَاءِ السِّتَّةِ تَنْزِيهِيَّةٌ، لَكِنَّ الأَْوْجَهَ كَمَا فِي " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ " أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ. (179)
78 - هَذَا، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا مَرَّ.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِثْقَال أَكْل عَشْرَةٍ - دُونَ تَحْرِيمٍ - الأُْنْثَيَانِ وَالْعَسِيبُ وَالْغُدَّةُ وَالطِّحَال وَالْعُرُوقُ وَالْمَرَارَةُ وَالْكُلْيَتَانِ وَالْمَثَانَةُ وَأُذُنَا الْقَلْبِ. (180)
79 - وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا بِكَرَاهَةِ أَكْل الْغُدَّةِ وَأُذُنِ الْقَلْبِ. أَمَّا الْغُدَّةُ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَرِهَ أَكْلَهَا، رَوَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَأَمَّا أُذُنُ الْقَلْبِ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِهَا، نَقَل ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ الْحَنْبَلِيُّ. (181)
حُكْمُ مَا انْفَصَل مِنَ الْحَيَوَانِ
80 - مِنَ الْمُقَرَّرِ فِي مَوْضُوعِ " النَّجَاسَةِ " أَنَّ الْمَائِعَاتِ الْمُنْفَصِلَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالْفَضَلاَتِ، وَالْبَيْضِ، وَالْجَنِينِ، تَارَةً تَكُونُ نَجِسَةً، وَتَارَةً تَكُونُ طَاهِرَةً، فَمَا كَانَ نَجِسًا مِنْهَا فِي مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ فَهُوَ غَيْرُ مَأْكُولٍ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا فَتَارَةً يَكُونُ مَأْكُولاً، وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ مَأْكُولٍ، إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنَ الطَّهَارَةِ حِل الأَْكْل، فَإِنَّ الطَّاهِرَ قَدْ يَكُونُ مُضِرًّا أَوْ مُسْتَقْذَرًا فَلاَ يَحِل أَكْلُهُ.
وَيَكْفِينَا هُنَا أَنْ نَضْرِبَ أَمْثِلَةً لِمَا يَكْثُرُ السُّؤَال عَنْهُ:

أَوَّلاً - الْبَيْضُ:
81 - إِنْ خَرَجَ الْبَيْضُ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ فِي حَال حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ شَرْعًا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ مِمَّا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّذْكِيَةِ كَالسَّمَكِ، فَبَيْضُهُ مَأْكُولٌ إِجْمَاعًا، إِلاَّ إِذَا فَسَدَ.
وَفَسَّرَ الْمَالِكِيَّةُ الْبَيْضَ الْفَاسِدَ بِأَنَّهُ مَا فَسَدَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ بِعَفَنٍ، أَوْ صَارَ دَمًا، أَوْ صَارَ مُضْغَةً، أَوْ فَرْخًا مَيِّتًا.
وَفَسَّرَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ الَّذِي تَغَيَّرَ بِحَيْثُ أَصْبَحَ غَيْرَ صَالِحٍ لِلتَّخَلُّقِ، فَلاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمْ صَيْرُورَتُهُ دَمًا، إِذَا قَال أَهْل الْخِبْرَةِ: إِنَّهُ صَالِحٌ لِلتَّخَلُّقِ. 82 - وَإِنْ خَرَجَ الْبَيْضُ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ بَعْدَ مَوْتِهِ دُونَ تَذْكِيَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الذَّكَاةِ، كَالدَّجَاجِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يُؤْكَل سَوَاءٌ أَتَصَلَّبَتْ قِشْرَتُهُ أَمْ لاَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُؤْكَل. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُؤْكَل مَا تَصَلَّبَتْ قِشْرَتُهُ فَقَطْ.
وَحَكَى الزَّيْلَعِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا إِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلاَ يُؤْكَل عِنْدَهُمَا إِلاَّ إِذَا كَانَ جَامِدًا.
83 - وَإِنْ خَرَجَ الْبَيْضُ مِنْ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الدَّمِ السَّائِل، كَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ، فَبَيْضُهُ نَجِسٌ تَبَعًا لِلَحْمِهِ، فَلاَ يَكُونُ مَأْكُولاً.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الدَّمِ السَّائِل كَالزُّنْبُورِ فَبَيْضُهُ طَاهِرٌ تَبَعًا لِلَحْمِهِ، وَمَأْكُولٌ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ.
وَالْمَالِكِيَّةُ يَحِل عِنْدَهُمْ كُل الْبَيْضِ الْخَارِجِ مِنَ الْحَيِّ أَوِ الْمُذَكَّى، لأَِنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَبِيضُ لاَ تَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ إِلَى مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ، بَل كُلُّهَا مُبَاحُ الأَْكْل، إِلاَّ مَا لاَ يُؤْمَنُ سُمُّهُ كَالْوَزَغِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ. فَكَذَلِكَ بَيْضُهُ إِنْ كَانَ يَضُرُّ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَإِلاَّ فَلاَ، فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هِيَ لِلضَّرَرِ.
وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ بَيْضَ الْحَيِّ غَيْرِ الْمَأْكُول طَاهِرٌ مَأْكُولٌ:
أَمَّا كَوْنُهُ طَاهِرًا فَلأَِنَّهُ أَصْل حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، (182) وَأَمَّا كَوْنُهُ مَأْكُولاً فَلأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْذَرٍ، لَكِنْ قَال ابْنُ الْمُقْرِي فِي الرَّوْضِ " وَفِي بَيْضِ مَا لاَ يُؤْكَل تَرَدُّدٌ " (183)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ بَيْضَ غَيْرِ الْمَأْكُول نَجِسٌ لاَ يَحِل أَكْلُهُ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ لِهَذَا أَنَّ الْبَيْضَ بَعْضُ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولٍ فَبَعْضُهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ. (184)

ثَانِيًا: اللَّبَنُ:
84 - إِنْ خَرَجَ اللَّبَنُ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ فَهُوَ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ فِي إِبَاحَةِ التَّنَاوُل وَكَرَاهَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمُحَرَّمِ: الآْدَمِيِّ، فَلَبَنُهُ مُبَاحٌ، وَإِنْ كَانَ لَحْمُهُ مُحَرَّمًا، لأَِنَّ تَحْرِيمَهُ لِلتَّكْرِيمِ لاَ لِلاِسْتِخْبَاثِ.
وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَوِ الْمَكْرُوهِ الْخَيْل، بِنَاءً عَلَى مَا نُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ، فَفِي لَبَنِهَا عَلَى هَذَا رَأْيَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ تَابِعٌ لِلَّحْمِ فَيَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا.
(وَثَانِيهِمَا) : - وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّهُ مُبَاحٌ، لأَِنَّ تَحْرِيمَ الْخَيْل أَوْ كَرَاهَتَهَا لِكَوْنِهَا آلَةَ الْجِهَادِ لاَ لاِسْتِخْبَاثِ لَحْمِهَا، وَاللَّبَنُ لَيْسَ آلَةَ الْجِهَادِ. وَنُقِل عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي لَبَنِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ. وَإِنْ خَرَجَ اللَّبَنُ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ فَهُوَ مَأْكُولٌ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ خَرَجَ مِنْ آدَمِيَّةٍ مَيِّتَةٍ فَهُوَ مَأْكُولٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الآْدَمِيَّ لاَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. (185) وَكَذَا أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ مَعَ قَوْلِهِ بِنَجَاسَةِ الآْدَمِيِّ الْمَيِّتِ يَقُول: إِنَّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ الْمَيْتَةِ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ، خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ.
وَإِنْ خَرَجَ اللَّبَنُ مِنْ مَيِّتَةِ الْمَأْكُول، كَالنَّعْجَةِ مَثَلاً، فَهُوَ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيَرَى صَاحِبَاهُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ حَرَامٌ لِتَنَجُّسِهِ بِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ، وَهُوَ ضَرْعُ الْمَيْتَةِ الَّذِي تَنَجَّسَ بِالْمَوْتِ.
وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِطَهَارَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَْنْعَامِ لَعِبْرَةٌ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} . (186)
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَالِصًا فَلاَ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ مَجْرَاهُ، وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ سَائِغًا وَهَذَا يَقْتَضِي الْحِل، وَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَالْمِنَّةُ بِالْحَلاَل لاَ بِالْحَرَامِ (187) .

(ثَالِثًا) : الإِْنْفَحَةُ
85 - الإِْنْفَحَةُ (188) هِيَ مَادَّةٌ بَيْضَاءُ صَفْرَاوِيَّةٌ فِي وِعَاءٍ جِلْدِيٍّ، يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ أَوِ الْحَمَل الرَّضِيعِ، يُوضَعُ مِنْهَا قَلِيلٌ فِي اللَّبَنِ الْحَلِيبِ فَيَنْعَقِدُ وَيَتَكَاثَفُ وَيَصِيرُ جُبْنًا، يُسَمِّيهَا النَّاسُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ: (مَجْبَنَةٌ) . وَجِلْدَةُ الإِْنْفَحَةِ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى: كَرِشًا، إِذَا رَعَى الْحَيَوَانُ الْعُشْبَ.
فَالإِْنْفَحَةُ إِنْ أُخِذَتْ مِنْ مُذَكًّى ذَكَاةً شَرْعِيَّةً فَهِيَ طَاهِرَةٌ مَأْكُولَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَإِنْ أُخِذَتِ الإِْنْفَحَةُ مِنْ مَيِّتٍ، أَوْ مُذَكًّى ذَكَاةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ فَهِيَ نَجِسَةٌ غَيْرُ مَأْكُولَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَطَاهِرَةٌ مَأْكُولَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، سَوَاءٌ كَانَتْ صُلْبَةً أَمْ مَائِعَةً قِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ كَمَا سَبَقَ.
وَقَال الصَّاحِبَانِ: إِنْ كَانَتْ صُلْبَةً يُغْسَل ظَاهِرُهَا وَتُؤْكَل، وَإِنْ كَانَتْ مَائِعَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ لِنَجَاسَةِ وِعَائِهَا بِالْمَوْتِ فَلاَ تُؤْكَل. (189) وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْجُبْنَ الْمَصْنُوعَ مِنْ لَبَنِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول إِذَا عُقِدَ بِإِنْفَحَةِ الْمُذَكَّى ذَكَاةً شَرْعِيَّةً فَهُوَ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ بِالاِتِّفَاقِ، وَإِنْ عُقِدَ بِإِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ فَهُوَ عَلَى الْخِلاَفِ.

رَابِعًا - الْجَنِينُ:
86 - جَنِينُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول إِنْ خَرَجَ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيْتَةٍ لاَ يَحِل إِلاَّ إِنْ أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ، فَذُكِّيَ ذَكَاةً شَرْعِيَّةً.
وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مُذَكَّاةٍ ذَكَاةً شَرْعِيَّةً اخْتِيَارِيَّةً أَوِ اضْطِرَارِيَّةً فَهُنَاكَ حَالَتَانِ:
(الْحَالَةُ الأُْولَى) : أَنْ يَخْرُجَ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، بِأَنْ يَكُونَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً أَوْ جَنِينًا غَيْرَ كَامِل الْخِلْقَةِ فَلاَ يَحِل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّهُ مَيْتَةٌ، إِذْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمَوْتِ تَقَدُّمُ الْحَيَاةِ. قَال تَعَالَى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} . (190) فَمَعْنَى قَوْلِهِ: (كُنْتُمْ أَمْوَاتًا) كُنْتُمْ مَخْلُوقِينَ بِلاَ حَيَاةٍ، وَذَلِكَ قَبْل أَنْ تُنْفَخَ فِيهِمُ الرُّوحُ.
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ جَنِينًا كَامِل الْخِلْقَةِ - أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ - وَلِهَذِهِ الْحَالَةِ صُوَرٌ:
(الصُّورَةُ الأُْولَى) : أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَتَجِبُ تَذْكِيَتُهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْل التَّذْكِيَةِ فَهُوَ مَيْتَةٌ اتِّفَاقًا.
(الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا حَيَاةَ مَذْبُوحٍ، فَإِنْ أَدْرَكْنَا ذَكَاتَهُ وَذَكَّيْنَاهُ حَل اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُذَكَّ حَل أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ حَيَاةَ الْمَذْبُوحِ كَلاَ حَيَاةٍ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ حَيًّا، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ فَمَاتَ يُؤْكَل، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِمَا: إِنَّ ذَكَاةَ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ إِنْ سَارَعْنَا إِلَيْهِ بِالذَّكَاةِ فَمَاتَ قَبْلَهَا حَل، لأَِنَّ حَيَاتَهُ حِينَئِذٍ كَلاَ حَيَاةٍ، وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَيِّتًا بِذَكَاةِ أُمِّهِ، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي حِلِّهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَنْبُتَ شَعْرُ جَسَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَامَل، وَلاَ يَكْفِي شَعْرُ رَأْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ.
(الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) : أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا، وَيُعْلَمُ أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ قَبْل تَذْكِيَةِ أُمِّهِ، فَلاَ يَحِل اتِّفَاقًا، وَيُعْرَفُ مَوْتُهُ قَبْل ذَكَاةِ أُمِّهِ بِأُمُورٍ، مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا فِي بَطْنِهَا فَتُضْرَبُ فَتَسْكُنُ حَرَكَتُهُ، ثُمَّ تُذَكَّى، فَيَخْرُجُ مَيِّتًا، وَمِنْهَا: أَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مَيِّتًا ثُمَّ تُذَكَّى.
(الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ) : أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا بَعْدَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ بِمُدَّةٍ لِتَوَانِي الْمُذَكِّي فِي إِخْرَاجِهِ فَلاَ يَحِل اتِّفَاقًا لِلشَّكِّ فِي أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ أَوْ بِالاِنْخِنَاقِ لِلتَّوَانِي فِي إِخْرَاجِهِ.
(الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ) : أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا عَقِبَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلَمَ مَوْتُهُ قَبْل التَّذْكِيَةِ، فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ التَّذْكِيَةِ لاَ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ مَحَل الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. فَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يَحِل، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِأَكْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا الإِْشْعَارَ. وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وَالْجَنِينُ الَّذِي لَمْ يُدْرَكْ حَيًّابَعْدَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ مَيْتَةٌ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ حَيَاةَ الْجَنِينِ مُسْتَقِلَّةٌ، إِذْ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ فَتَكُونُ تَذْكِيَتُهُ مُسْتَقِلَّةً.
وَحُجَّةُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْجُمْهُورِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ (191) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ تَبَعٌ لأُِمِّهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، أَمَّا حَقِيقَةٌ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلأَِنَّهُ يُبَاعُ بِبَيْعِ الأُْمِّ، وَلأَِنَّ جَنِينَ الأُْمِّ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا، وَالْحُكْمُ فِي التَّبَعِ يَثْبُتُ بِعِلَّةِ الأَْصْل، وَلاَ تُشْتَرَطُ لَهُ عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ، لِئَلاَّ يَنْقَلِبَ التَّبَعُ أَصْلاً. (192)

تَنَاوُل الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا:
87 - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ الاِضْطِرَارَ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ فِي خَمْسَةِ مَوَاطِنَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
(الأَْوَّل) - الآْيَةُ 173 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
(الثَّانِي) - الآْيَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . (الثَّالِثُ) - الآْيَةَ مِنْ سُورَةِ الأَْنْعَامِ، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
(الرَّابِعُ) - الآْيَةُ مِنْ سُورَةِ الأَْنْعَامِ، وَقَدْ جَاءَ فِيهَا: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} .
(الْخَامِسُ) - الآْيَةُ مِنْ سُورَةِ النَّحْل، وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
88 - فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} مَعْنَاهُ: فَمَنْ دَفَعَتْهُ الضَّرُورَةُ وَأَلْجَأَتْهُ إِلَى تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، بِأَنْ يَخَافَ عِنْدَ تَرْكِ تَنَاوُلِهَا ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ مَثَلاً.
(وَالْبَاغِي) ، هُوَ الَّذِي يَبْغِي عَلَى غَيْرِهِ فِي تَنَاوُل الْمَيْتَةِ، بِأَنْ يُؤْثِرَ نَفْسَهُ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ، فَيَنْفَرِدُ بِتَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فَيَهْلَكُ الآْخَرُ مِنَ الْجُوعِ.
وَقِيل: الْبَاغِي هُوَ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ، وَسَيَأْتِي الْخِلاَفُ فِيهِ (ف / 100) .
(وَالْعَادِي) : هُوَ الَّذِي يَتَجَاوَزُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَيَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ، أَوْ يَتَجَاوَزُ حَدَّ الشِّبَعِ، عَلَى الْخِلاَفِ الآْتِي.
(وَالْمَخْمَصَةُ) : الْمَجَاعَةُ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي مَخْمَصَةٍ} . إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْحَالَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا وُقُوعُ الاِضْطِرَارِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ الاِحْتِرَازَ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي لاَ مَجَاعَةَ فِيهَا، فَإِنَّ الْمُضْطَرَّ فِي غَيْرِ الْمَجَاعَةِ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُل كَالْمُضْطَرِّ فِي الْمَجَاعَةِ.
(وَالْمُتَجَانِفُ لِلإِْثْمِ) هُوَ الْمُنْحَرِفُ الْمَائِل إِلَيْهِ، أَيِ الَّذِي يَقْصِدُ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ، وَهُوَ الْبَغْيُوَالْعُدْوَانُ الْمَذْكُورَانِ فِي الآْيَاتِ الأُْخْرَى. (193)
89 - وَمِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا مَخْمَصَةٌ، فَمَا يَحِل لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ؟ فَقَال: إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلاً فَشَأْنُكُمْ بِهَا. (194)
غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمَقْصُودِ بِالإِْبَاحَةِ، وَفِي حَدِّ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ، وَفِي تَفْصِيل الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يُبِيحُهَا الاِضْطِرَارُ، وَتَرْتِيبُهَا عِنْدَ التَّعَدُّدِ، وَفِي الشِّبَعِ أَوِ التَّزَوُّدِ مِنْهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِل. وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا يَأْتِي. الْمَقْصُودُ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا:
90 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَقْصُودِ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، فَقَال بَعْضُهُمْ: الْمَقْصُودُ جَوَازُ التَّنَاوُل وَعَدَمِهِ، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} . وَهَذَا الْقَوْل ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَال آخَرُونَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ وُجُوبُ تَنَاوُلِهَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (195) وَقَوْلُهُ ﷿: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} . (196) وَلاَ شَكَّ أَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ يُعْتَبَرُ قَاتِلاً لِنَفْسِهِ، وَمُلْقِيًا بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، لأَِنَّ الْكَفَّ عَنِ التَّنَاوُل فِعْلٌ مَنْسُوبٌ لِلإِْنْسَانِ.
91 - وَلاَ يَتَنَافَى الْقَوْل بِالْوُجُوبِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَعَ قَوْله تَعَالَى: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} لأَِنَّ نَفْيَ الإِْثْمِ فِي الأَْكْل عَامٌّ يَشْمَل حَالَتَيِ الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ، فَإِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالْوُجُوبِ عُمِل بِهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (197) فَنَفْيُ الْجُنَاحِ عَنِ التَّطَوُّفِ، أَيِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَفْهُومٌ عَامٌّ قَدْ خُصِّصَ بِمَا دَل عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ فَرْضِيَّتِهِ. (198)

حَدُّ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ:
92 - قَال أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ: مَعْنَى الضَّرُورَةِ فِي الآْيَاتِ خَوْفُ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِتَرْكِهِ الأَْكْل. وَقَدِ انْطَوَى تَحْتَهُ مَعْنَيَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنْ يَحْصُل فِي وَضْعٍ لاَ يَجِدُ غَيْرَ الْمَيْتَةِ.
(وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا مَوْجُودًا، وَلَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهَا بِوَعِيدٍ يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ. وَكِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ بِالآْيَةِ عِنْدَنَا لاِحْتِمَالِهِمَا. (199)
وَحَالَةُ الإِْكْرَاهِ يُؤَيِّدُ دُخُولَهَا فِي مَعْنَى الاِضْطِرَارِ قَوْل الرَّسُول ﵊: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (200)
وَيُؤْخَذُ مِنَ " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ " أَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَل خَوْفَ الْهَلاَكِ، وَخَوْفَ الْعَجْزِ عَنِ الصَّلاَةِ قَائِمًا أَوْ عَنِ الصِّيَامِ. (201)
وَفَسَّرَ " الشَّرْحُ الصَّغِيرُ " لِلْمَالِكِيَّةِ الضَّرُورَةَ بِخَوْفِ الْهَلاَكِ أَوْ شِدَّةِ الضَّرَرِ. (202)
وَفَسَّرَهَا الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي " نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ " بِخَوْفِ الْمَوْتِ أَوِ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُل مَحْذُورٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَكَذَا خَوْفُ الْعَجْزِ عَنِ الْمَشْيِ، أَوِ التَّخَلُّفِ عَنِ الرُّفْقَةِ إِنْ حَصَل لَهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَكَذَا إِجْهَادُ الْجُوعِ إِيَّاهُ بِحَيْثُ لاَ يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الصَّبْرُ.
وَالْمَحْذُورُ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ حُدُوثُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوِ اسْتِحْكَامُهُ، أَوْ زِيَادَةُ مُدَّتِهِ، أَوْ حُصُول شَيْنٍ فَاحِشٍ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، بِخِلاَفِ الشَّيْنِ الْفَاحِشِ فِي عُضْوٍ بَاطِنٍ. وَالظَّاهِرُ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمَهْنَةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالْبَاطِنُ: بِخِلاَفِهِ.
وَيُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ قَوْل الطَّبِيبِ الْعَدْل فِي الرِّوَايَةِ. وَإِذَا كَانَ الْمُضْطَرُّ عَارِفًا فِي الطِّبِّ عَمِل بِمُقْتَضَى مَعْرِفَتِهِ، وَلاَ يُعْمَل بِتَجْرِبَتِهِ إِنْ كَانَ مُجَرِّبًا، عَلَى مَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ. وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: يُعْمَل بِهَا، وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ فَقْدِ الطَّبِيبِ. (203)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الضَّرُورَةَ أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ فَقَطْ لاَ مَا دُونَهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقِيل: إِنَّهَا تَشْمَل خَوْفَ التَّلَفِ أَوِ الضَّرَرَ، وَقِيل: أَنْ يَخَافَ تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا أَوْ مَرَضًا أَوِ انْقِطَاعًا عَنِ الرُّفْقَةِ يُخْشَى مَعَهُ الْهَلاَكُ. (204)

تَفْصِيل الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي تُبِيحُهَا الضَّرُورَةُ:
93 - ذُكِرَ فِي الآْيَاتِ السَّابِقَةِ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمَوْقُوذَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطِيحَةِ، وَمَا أَكَل السَّبُعُ، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تُبِيحُهَا الضَّرُورَةُ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَكَذَا كُل حَيَوَانٍ حَيٍّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لاَ تُؤْكَل يَحِل لِلْمُضْطَرِّ قَتْلُهُ بِذَبْحٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَبْحٍ لِلتَّوَصُّل إِلَى أَكْلِهِ. وَكَذَا مَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ لِنَجَاسَتِهِ، وَيُمَثِّلُونَ لَهُ بِالتِّرْيَاقِ الْمُشْتَمِل عَلَى خَمْرٍ وَلُحُومِ حَيَّاتٍ.
أَمَّا مَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ يَقْتُل الإِْنْسَانَ إِذَا تَنَاوَلَهُ، كَالسُّمُومِ، فَإِنَّهُ لاَ تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، لأَِنَّ تَنَاوُلَهُ اسْتِعْجَالٌ لِلْمَوْتِ وَقَتْلٌ لِلنَّفْسِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ. 94 - وَاخْتَلَفَتِ الاِجْتِهَادَاتُ فِي الْخَمْرِ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَشْرَبُهَا مَنْ خَافَ الْعَطَشَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَلاَ يَشْرَبُ إِلاَّ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهَا تَدْفَعُهُ. (205)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الْخَمْرَ الصِّرْفَةَ لِلْعَطَشِ، (206) وَإِنَّمَا يَشْرَبُهَا مَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَلَمْ يَجِدْ مَا يُزِيل الْغُصَّةَ سِوَى الْخَمْرِ. (207)

شُرُوطُ إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ:
95 - إِنَّ الْفُقَهَاءَ فِي كَلاَمِهِمْ عَنِ الاِضْطِرَارِ وَأَحْكَامِهِ الاِسْتِثْنَائِيَّةِ لَمْ يَجْمَعُوا شُرُوطَ إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ لِمُضْطَرٍّ تَحْتَ عِنْوَانٍ خَاصٍّ بِالشُّرُوطِ، بَل يَجِدُهَا الْمُتَتَبِّعُ مُفَرَّقَةً فِي خِلاَل الْمَسَائِل وَالأَْحْكَامِ.
وَيُسْتَخْلَصُ مِنْ كَلاَمِهِمْ عَنْ حَالاَتِ الاِضْطِرَارِ وَأَحْكَامِهَا أَنَّ الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لإِِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ لِلْمُضْطَرِّ نَوْعَانِ:
(205) شُرُوطٌ عَامَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ لِجَمِيعِ أَحْوَال الاِضْطِرَارِ.
(206) شُرُوطٌ عَامَّةٌ اشْتَرَطَتْهَا بَعْضُ الْمَذَاهِبِ دُونَ سِوَاهَا. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:

(أَوَّلاً) - الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا:
96 - يُشْتَرَطُ فِي إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ بِوَجْهٍ عَامٍّ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ:
(الأَْوَّل) - أَلاَّ يَجِدَ طَعَامًا حَلاَلاً وَلَوْ لُقْمَةً، فَإِنْ وَجَدَهَا وَجَبَ تَقْدِيمُهَا، فَإِنْ لَمْ تُغْنِهِ حَل لَهُ الْمُحَرَّمُ.
(الثَّانِي) - أَلاَّ يَكُونَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ بِحَيْثُ لاَ يَنْفَعُهُ تَنَاوُل الطَّعَامِ، فَإِنِ انْتَهَى إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَحِل لَهُ الْمُحَرَّمُ. (210)
(الثَّالِثُ) - أَلاَّ يَجِدَ مَال مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مِنَ الأَْطْعِمَةِ الْحَلاَل، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ بَعْضُ تَفْصِيلٍ بَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:
97 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ خَافَ الْمُضْطَرُّ الْمَوْتَ جُوعًا، وَمَعَ رَفِيقِهِ طَعَامٌ لَيْسَ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْخُذَ بِالْقِيمَةِ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْقِيمَةَ حَالاً لَزِمَتْهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.
وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لأَِنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّ " الاِضْطِرَارَ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغَيْرِ ". (211)
وَكَذَا يَأْخُذُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي لِغَيْرِهِ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، فَإِنْ مَنَعَهُ صَاحِبُهُ قَاتَلَهُ الْمُضْطَرُّ بِلاَ سِلاَحٍ، لأَِنَّ الرَّفِيقَ الْمَانِعَ فِي هَذِهِ الْحَال ظَالِمٌ. فَإِنْ خَافَ الرَّفِيقُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا تُرِكَ لَهُ بَعْضُهُ. (212)
وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْجُوعَ أَوِ الْعَطَشَ بِالْمُحَرَّمَاتِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ مَعَ وُجُودِ حَلاَلٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ لَيْسَ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ، وَالْمُضْطَرُّ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ.
وَجَوَّزَ الْمَالِكِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَال مُقَاتَلَةَ صَاحِبِ الطَّعَامِ بِالسِّلاَحِ بَعْدَ الإِْنْذَارِ، بِأَنْ يُعْلِمَهُ الْمُضْطَرُّ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُعْطِهِ قَاتَلَهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، لِوُجُوبِ بَذْل طَعَامِهِ لِلْمُضْطَرِّ، وَإِنْ قَتَلَهُ الآْخَرُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. (213)
98 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا وَلَمْ يَجِدِ الْمُضْطَرُّ سِوَاهُ، أَكَل مِنْهُ وَغَرِمَ عِنْدَ قُدْرَتِهِ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتَهُ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، حِفْظًا لِحَقِّ الْمَالِكِ. فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا، (214) فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَاضِرُ مُضْطَرًّا أَيْضًا لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلأَْوَّل إِنْ لَمْ يَفْضُل عَنْهُ، بَل هُوَ أَوْلَى، لِحَدِيثٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. . . (215)
لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ إِيثَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ كَانَ الأَْوَّل مُسْلِمًا مَعْصُومًا، وَاسْتَطَاعَ الثَّانِي الصَّبْرَ عَلَى التَّضْيِيقِ عَلَى نَفْسِهِ. فَإِنْ فَضَل بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ شَيْءٌ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلأَْوَّل. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الطَّعَامِ الْحَاضِرِ مُضْطَرًّا لَزِمَهُ إِطْعَامُ الْمُضْطَرِّ. فَإِنْ مَنَعَهُ، أَوْ طَلَبَ زِيَادَةً عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل بِمِقْدَارٍ كَثِيرٍ جَازَ لِلْمُضْطَرِّ قَهْرُهُ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ، وَيَكُونُ دَمُ الْمَانِعِ حِينَئِذٍ مُهْدَرًا. وَإِنْ قَتَل الْمَالِكُ الْمُضْطَرَّ فِي الدَّفْعِ عَنْ طَعَامِهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ.
وَإِنْ مَنَعَ الْمَالِكُ الطَّعَامَ عَنِ الْمُضْطَرِّ فَمَاتَ هَذَا جُوعًا لَمْ يَضْمَنْهُ الْمَانِعُ بِقِصَاصٍ وَلاَ دِيَةٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِعْلاً مُهْلِكًا. فَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ الْمَالِكُ الطَّعَامَ، وَلَكِنْ طَلَبَ ثَمَنًا، وَلَوْ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل بِمِقْدَارٍ يَسِيرٍ، لَزِمَ الْمُضْطَرَّ قَبُولُهُ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ قَهْرُهُ. وَلَوْ أَطْعَمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا فَلاَ عِوَضَ لَهُ عَلَى الأَْرْجَحِ، حَمْلاً لَهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ الْمُعْتَادَةِ فِي الطَّعَامِ، وَلاَ سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ. وَقِيل: يَلْزَمُهُ ثَمَنُ الْمِثْل، لأَِنَّهُ خَلَصَ مِنَ الْهَلاَكِ بِذَلِكَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْبَدَل، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْعِوَضِ صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُصَدَّقْ لَرَغِبَ النَّاسُ عَنْ إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ، وَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الضَّرَرِ. (216)

(ثَانِيًا) - الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا:
99 - اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الشَّرَائِطِ الْمُبِيحَةِ لأَِكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ لِلْمُضْطَرِّ: فَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ نَفْسُهُ مَعْصُومَ الدَّمِ. فَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ مُهْدَرَ الدَّمِ شَرْعًا كَالْحَرْبِيِّ، وَالْمُرْتَدِّ، وَتَارِكِ الصَّلاَةِ الَّذِي اسْتَوْجَبَ الْقَتْل، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْل الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ مَيْتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إِلاَّ إِذَا تَابَ. أَمَّا مُهْدَرُ الدَّمِ الَّذِي لاَ تُفِيدُ تَوْبَتُهُ عِصْمَةَ دَمِهِ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالْقَاتِل فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَدَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَقِيل: لاَ يَأْكُل الْمَيْتَةَ حَتَّى يَتُوبَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَوْبَتُهُ مُفِيدَةً لِعِصْمَتِهِ.
وَقِيل: لاَ يَتَوَقَّفُ حِل الْمَيْتَةِ لَهُ عَلَى تَوْبَتِهِ. (217)
100 - وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَلاَّ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ أَوْ بِإِقَامَتِهِ. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحِل لَهُ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَتُوبَ.
وَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ بِإِقَامَتِهِ هُوَ الَّذِي نَوَى بِسَفَرِهِ أَوْ إِقَامَتِهِ الْمَعْصِيَةَ، أَيْ هُوَ الَّذِي سَافَرَ أَوْ أَقَامَ لأَِجْل الْمَعْصِيَةَ، كَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ نَاوِيًا قَطْعَ الطَّرِيقَ، وَكَذَا الَّذِي قَصَدَ بِسَفَرِهِ أَوْ إِقَامَتَهُ أُمُورًا مُبَاحَةً ثُمَّ قَلَبَهُ مَعْصِيَةً، كَمَنْ سَافَرَ أَوْ أَقَامَ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَل السَّفَرَ أَوِ الإِْقَامَةُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ.
وَأَمَّا الْعَاصِي فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ - وَهُوَ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا، وَفِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ عَصَى بِتَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ بِالزِّنَى وَهُوَ غَيْرُ مُحْصَنٍ، أَوْ بِالسَّرِقَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَلاَ يَتَوَقَّفُ حِل أَكْلِهِ لِلْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى تَوْبَتِهِ. وَمِثْلُهُ الْعَاصِي فِي إِقَامَتِهِ، كَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي بَلَدِهِ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ، وَعَصَى فِيهَا بِنَحْوِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الأَْكْل مِنَ الْمُحَرَّمِ إِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى التَّوْبَةِ. (218)
وَالْوَجْهُ لِمَنْعِ الْمُسَافِرِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ أَنَّ أَكْل الْمَيْتَةِ رُخْصَةٌ، وَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ إِقَامَتِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَيْضًا فِي الأَْكْل الْمَذْكُورِ عَوْنٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلاَ يَجُوزُ.
101 - أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، فَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُضْطَرِّ عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ، لإِِطْلاَقِ النُّصُوصِ وَعُمُومِهَا. (1)
__________
(1) لسان العرب، وتاج العروس مادة: (طعم) .
(2) سورة البقرة / 249.
(3) انظر كتب الشافعية وغيرهم في مباحث الربا والكفارة والفدية والأطعمة، وخاصة مطالب أولي النهى في الفقه الحنبلي 6 / 308.
(4) الدر المختار بحاشية ابن عابدين 1 / 136، والشرح الصغير 1 / 323، ونهاية المحتاج 8 / 152، ومطالب أولي النهى 6 / 323.
(5) سورة النساء / 29.
(6) حديث: " من تحسى سما. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 247 - ط السلفية) .
(7) الشرح الصغير 2 / 183 طبعة دار المعارف، ومطالب أولي النهى 6 / 309.
(8) المراجع السابقة، والظاهر أن هذا الخلاف ليس خلاف دليل وبرهان، وإنما هو خلاف مبني على التجربة.
(9) الإنصاف 10 / 368، والمغني مع الشرح الكبير 11 / 82.
(10) ابن عابدين 5 / 217، والخرشي 1 / 88، وتحفة المحتاج 8 / 149.
(11) الشرح الصغير 1 / 57 ط - دار المعارف، وتحفة المحتاج 8 / 149.
(12) مثلوا أيضا للاستقذار لسبب عارض باللحم إذا أنتن، فلا يحرم (تحفة المحتاج 8 / 148) ، ومعنى ذلك قطعا أنه لا يحرم استقذارا، فلا ينافي أنه يحرم طبا للضرر إذا كان إنتانه قد وصل إلى درجة ضارة، فإن الشافعية كغيرهم في تحريم تناول ما يضر (اللجنة) .
(13) مطالب أولي النهى 6 / 309.
(14) المرجع السابق.
(15) بداية المجتهد 1 / 452.
(16) حاشية ابن عابدين على الدر المختار 1 / 136 و 139 و 5 / 217، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1 / 19 و 322 - 325، وشرح الخرشي على خليل 1 / 88، ونهاية المحتاج 8 / 148 - 149، ومطالب أولي النهى 6 / 308 - 309 و 315 و 317.
(17) حديث: " من أكل ثوما أو بصلا. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 7 / 575 - ط السلفية) ومسلم (1 / 394 - ط الحلبي) واللفظ له.
(18) الظاهر بالنسبة للمنتن بأن يقيد بأنه يكون تغيرا طفيفا، أما إذا اشتد نتنه حتى خيف ضرره فإن أكله عندئذ يجب أن يخضع لقاعدة الضرر التي تقتضي التحريم. (اللجنة) .
(19) الجريث - بكسر وتشديد الراء - سمك أسود، وقيل: نوع من السمك مدور كالترس. والمارماهي: سمك في صورة الحية. كذا في الدر المختار على تنوير الأبصار من كتب الحنفية، وحاشية " رد المحتار " لابن عابدين (5 / 195) والمارماهي ضبط بالشكل في لسان العرب (مادة جريث
(20) البدائع 5 / 35 - 36، وحاشية ابن عابدين 5 / 195، والخانية 3 / 356 بهامش الهندية.
(21) حديث: " ما ألقى البحر. . . . . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 1081 - ط الحلبي) ، وأبو داود (4 / 166 ط عزت عبيد دعاس) وصوب أبو داود وقفه. وفي التعليق على سنن ابن ماجه قال الدميري: هو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ لا يجوز الاحتجاج به.
(22) الآثار عن جابر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵃ في النهي عن أكل الطافي أخرجها بن حزم في المحلى (7 / 394) ، وأعلها بالضعف والانقطاع.
(23) قد يبدو أن المذاهب التي تحظر أكل الطافي من السمك تطمئن إليها النفس من الناحية الطبية أكثر، لأن السمكة الطافية التي ماتت حتف أنفها، وطفت فوق الماء قد تكون فسدت وتفسخت لمضي زمن على موتها كاف لفسادها، إذ لا يدرى متى كان موتها، فالطافي مظنة للفساد، فالتحرز عنه أليق بقواعد الشريعةالتي حرمت الخبائث. وقد نص الفقهاء على عدم جواز أكل اللحم إذا فسد وقالوا: إن الحظر هنا لسبب طبي نظرا لضرره.
(24) إن المراجع العلمية الحديثة التي بين أيدينا يستفاد منها أن إنسان الماء (ويسمي بالفرنسية: سيرين (Sirene)) هو حيوان أسطوري يوصف في القصص الخيالية بأن نصفه الأعلى امرأة ونصفه الأسفل سمكة (ر: معجم وموسوعة لا روس الفرنسية في كلمة (Sirene)) . وقد نقلنا كلام فقهاء المذاهب في حكم إنسان الماء كما ورد في مصادره، حرصا على أمانة نقل الفقه في هذه الموسوعة، ورأينا أن نثبت هنا هذ. الملاحظة حوله. على أننا نرى أن صنيع الفقهاء القدامى في ذكر هذه الأنواع وتقرير الحكم الفقهي فيها لا محل لنقده بأنهم يذكرون أحكام أنواع من الحيوان أسطورية، ذلك لأن الفقهاء وقفوا أمام أخبار ووقائع يرويها الصيادون وغيرهم
(25) الشرح الصغير 1 / 312 و 322 - 323، والرهوني مع كنون 3 / 42، والخرشي على مختصر خليل 1 / 83.
(26) التسمية بالبرمائي من الموسوعة أخذا من لغة العصر.
(27) النسناس: بفتح النون ويجوز كسرها: حيوان يوجد بجزائر الصين، يثب على رجل واحدة، وله عين واحدة، يقتل الإنسان إذا ظفر به، وينقز (أي يثب صعدا ويقفز) كنقز الطير (ر: حاشية البجيرمي على شرح المنهج 4 / 304، ومحيط المحيط مادة: نسنس) .
(28) السلحفاة: بضم السين وكسرها مع فتح اللام وسكون الحاء، وفيها لغات أخرى: دابة برية ونهرية وبحرية، لها أربع قوائم، تختفي بين طبقتين عظميتين صقيلتين، والكبار من البحرية تبلغ مقدارا عظيما، ويقال لها: اللجأة أيضا، والذكر يقال له: الغيلم. وهي معربة عن لفظ "سولاح باي" بالفارسية (محيط المحيط)
(29) قال الدميري: " الدنيلس هو نوع من الصدف والحلزون " ويظهر من مجموع ما قالوه فيه أنه الصدف الصغير الذي يسمى في مصر: أم الخلول.
(30) لعل الإفتاء بالتحريم مبني على ما قيل من أن الدنيلس هو أصل السرطان، فإذا كان السرطان محرما كان أصله محرما. والإفتاء بالحل مبني على أن كلا من الدنيلس والسرطان أصل برأسه، أو على أن السرطان الذي يعيش في البحر حلال، وإن أمكن عيشه في البر، كما صححه النووي في المجموع (ر: حياة الحيوان للدميري 1 / 339، وتحفة المحتاج لابن حجر مع حاشية الشرواني 8 / 175) .
(31) نهاية المحتاج 8 / 143، وشرح المنهج مع حاشية البجيرمي 4 / 304، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني 8 / 112 - 114، 175، وأسنى المطالب 1 / 554.
(32) المقنع لابن قدامة 3 / 529، ومطالب أولي النهى 6 / 315 و 329.
(33) البدائع 5 / 35 - 36، وابن عابدين 5 / 195، والصاوي على الشرح الصغير 1 / 323، والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 115، والخرشي على مختصر خليل 1 / 93، ونهاية المحتاج 8 / 142، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني 8 / 174 - 175، وحاشية البجيرمي على المنهج 6 / 303 - 304، ومطالب أولي النهى 6 / 328.
(34) البدائع 5 / 35، والمحلى 7 / 394.
(35) سورة فاطر / 12.
(36) سورة المائدة / 96.
(37) حديث: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". أخرجه مالك (1 / 22 - ط الحلبي) وصححه البخاري وغيره، (التلخيص الحبير 1 / 9 ط الشركة الفنية المتحدة) .
(38) العير: هي الإبل بأحمالها.
(39) ورق الشجر يخبط بعصا أو نحوها فينتشر، تأكله الإبل
(40) الكثيب (بالثاء المثلثة) : التل من الرمل.
(41) وقب العين: هو نقرتها، أو التجويف الذي تقع فيه.
(42) جمع قلة (بضم القاف وتشديد اللام) وهي: الجرة الكبيرة.
(43) الفدر (بكسر الفاء وفتح الدال) : جمع فدرة، وهي: القطعة من كل شيء.
(44) أي: من تحت الضلع، والضلع مؤنثة.
(45) وشائق جميع وشيقة، وهي: القطعة من اللحم الذي يؤخذ فيغلى قليلا ولا ينضج، ويحمل في الأسفار. وقيل: هي القديد.
(46) حديث جابر: " بعثنا رسول الله ﷺ. . . . . . " أخرجه مسلم (3 / 1536 - ط الحلبي) .
(47) البجيرمي على منهج الطلاب 4 / 304، ومثله في البجيرمي على الإقناع 1 / 89، 92، والشرح الصغير بحاشية الصاوي 1 / 22، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 1 / 212، ومطالب أولي النهى 1 / 234.
(48) سورة النحل / 5.
(49) سورة غافر / 79.
(50) البدائع 5 / 35 - 36، والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 115، ونهاية المحتاج 8 / 142، ومطالب أولي النهى 6 / 328.
(51) نفجت الأرنب: ثارت، كما في القاموس، وأنفجها: أثارها.
(52) حديث أنس: " أنفجنا أرنبا. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 661 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1547 - ط الحلبي) .
(53) المروة واحدة المرو، وهي: حجارة بيض رقاق براقة تقدح منها النار، (ر: المعجم الوسيط) وقد يكون لها حد صالح للقطع كالسكين.
(54) حديث: محمد بن صفوان " صدت أرنين فذبحتهما بمروة. . . " أخرجه أبو داود (3 / 249 - ط عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (2 / 1080 - ط الحلبي) ، وصححه البخاري كما في نصب الراية (4 / 201 - ط المجلس العلمي) .
(55) البدائع 5 / 39، والشرح الصغير للدردير 1 / 322، ونهاية المحتاج 8 / 143، والشرح الكبير بأسفل المغني لابن قدامة 11 / 81 و 82، والمحلى لابن حزم 7 / 432، والبحر الزخار 4 / 325.
(56) السنور: هو الهر، أي القط.
(57) البدائع 5 / 39، وحاشية ابن عابدين 5 / 194.
(58) حديث: " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " أخرجه مالك (2 / 496 - ط الحلبي) ، أخرجه مسلم (3 / 1534 - ط الحلبي) بلفظ مقارب.
(59) حديث جابر في الضبع أخرجه الترمذي (4 / 252 - ط الحلبي) وابن ماجه (2 / 1078 - ط الحلبي) وصححه البخاري كما في التلخيص (4 / 152 - ط دار المحاسن) .
(60) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 104 طبع المكتبة الكبرى.
(61) نهاية المحتاج 8 / 143 - 144.
(62) المقنع 3 / 525 - 528.
(63) سورة الأنعام / 145.
(64) المنتقى 3 / 131.
(65) فإن كان له ناب يفترس به فهو من النوع الثالث المتقدم المحظور عند الجمهور، (ر: ف / 24) وإن كان معدودا من الحشرات فهو من النوع الحادي عشر الذي سيأتي حكمه (ر: ف / 51) .
(66) انظر المراجع الآتية في النوع الثامن: الخيل (ف / 44 حاشية) .
(67) البدائع 5 / 39، ونهاية المحتاج 8 / 144، والمقنع 3 / 527، والمحلى 7 / 403، والبحر الزخار 4 / 329.
(68) الجلالة مأخوذة من الجلة (بتثليث الجيم وتشديد اللام) وهي البعر ونحوه من روث الحيوان، فسميت الدابة جلالة إذا كانت تتغذى بالجلة ونحوها من النجاسات كما في القاموس.
(69) الوهوني وكنون 3 / 39.
(70) حديث ابن عباس: " نهى رسول الله ﷺ عن أكل ذي ناب من السباع. . ". أخرجه مسلم (3 / 1534 - ط الحلبي) .
(71) المحلى 4 / 405.
(72) سورة الأنعام / 145.
(73) أي: بل له منسر، وهو من الطائر الجارح شبيه المنقار لغير الجارح، أما المخلب فهو شبيه الظفر للإنسان. . (المصباح: خلب ونسر، وحياة الحيوان للدميري 2 / 410 ط بولاق) .
(74) نهاية المحتاج 8 / 143، والمقنع 3 / 527.
(75) البدائع 5 / 40، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار 5 / 194.
(76) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 119، ونهاية المحتاج 8 / 143، والمقنع 3 / 527.
(77) الحديا: (بضم الحاء وتشديد الياء) تصغير: الحدأة، وزان (عتبة) وهي طائر من الجوارح (وتسميها العامة الحداية) وجمعها حدأ كعنب، وحداء ككساء. والمراد بالفواسق هنا: المؤذيات.
(78) حديث عائشة: " خمس من الدواب كلهن فاسق. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 34) ومسلم (2 / 857 - ط الحلبي) .
(79) حديث ابن عمر: " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهم من جناح. . . " أخرجه مسلم (2 / 858 - ط الحلبي) .
(80) الفواخت: جمع فاختة وهي من الحمام الذي له طوق، وسميت بذلك، لأن لونها يشبه الفخت (بفتح فسكون) وهو ضوء القمر أول ما يبدو.
(81) القبج (بفتح القاف والباء) : الحجل، والكروان، واحدته قبجة (بفتحتين) وتطلق على الذكر والأنثى (القاموس، وحياة الحيوان، وتاج العروس، والمعجم الوسيط) .
(82) الكركي: (بوزن: كرسي) طائر يقرب من الوزة، أبتر الذنب رمادي اللون في خده علامات سود، وهو قليل اللحم، صلب العظم، يأوي إلى الماء أحيانا، وجمعه كراكي (بفتح أوله وتشديد آخره) .
(83) الخطاف - بضم فتشديد - طائر أسود يقال له: زوار الهند.
(84) البوم والبومة - بصم أولهما - طائر لا يبرز في النهار لضعف باصرته، يحب الوحدة ويسكن الخراب، ولذلك يتشاؤم به.
(85) الدبسي (بوزن: كرسي) طائر أدكن يقرقر.
(86) الصلصل (بصم الصادين) طائر صغير يسميه العجم: الفاختة.
(87) اللقلق (بفتح اللامين) ويقال له: اللقلاق (بزيادة ألف قبل آخره) طائر أعجمي نحو الأوزة طويل العنق، وكنيته عند أهل العراق: أبو خديج، وهو يأكل الحيات ويوصف بالفطنة والذكاء.
(88) اللحام (باللام) هكذا في نسخة حاشية ابن عابدين، ولم نعثر عليه في اللسان ولا في غيره، ولعله تحريف عن النحام (بنون مضمومة، وتخفيف الحاء) وهو طائر أحمر على خلقة الأوز، ويقال له بالفارسية: " سرخ آوى " يكون آحادا وأزواجا في الطيران، والواحدة نحامة.
(89) المراجع السابقة في مبحث الأرنب (ف / 23) ، وحاشية ابن عابدين 5 / 194.
(90) حديث ابن عباس: " نهى ﷺ عن قتل أربع من الدواب. . . " أخرجه أبو داود (5 / 418 - 419 ط عزت عبيد دعاس) وقواه البيهقي وقال ابن حجر: " رجاله رجال الصحيح " (التلخيص الحبير 2 / 270 - ط دار المحاسن) .
(91) حاشيتا الرهوني وكنون 3 / 38.
(92) البغاث - بتثليث الباء، والضم أشهر - طائر أبغث (أي أغبر) منقط، رمادي اللون، أصفر من الرخمة بطيء الطيران (ر: المصباح القاموس) وقيل: هو كل مالا يصيد من صغار الطير كالعصافير، فهو اسم نوع، وهذا ليس حله محل خلاف. فالمقصود هنا المعنى الأول الذي يقع ع
(93) الشقراق: ويقال فيه أيضا: شقراق (كقرطاس) وشرقرق (كسفرجل) ، وبصيغ أخرى، وهو طائر مرقط بخضرة وحمرة وبياض، ويكون بأرض الحرم كما في القاموس.
(94) الدرباب: هكذا جاء في مطالب أولي النهى من كتب الحنابلة (6 / 311) وفي حياة الحيوان للدميري: درباب (بالدال المهملة وبالباء الموحدة بعد الراء) ووصفوه بأنه مرقط بين الغراب والشقراق شبها، ولم نره كذلك في شيء من معجمات اللغة، بل ذكر في مادة (قيق) من مع
(95) البراذين: الخيل غير العربية، والعراب: الخيل العربية.
(96) حديث جابر: " نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 648 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1541 - ط الحلبي) .
(97) حديث أسماء: " نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 648 ط السلفية) ومسلم (3 / 1541 - ط الحلبي) .
(98) البدائع 5 / 38 - 39، وحاشية ابن عابدين 1 / 148 و 5 / 193، ونهاية المحتاج 8 / 143، والمقنع 3 / 528، والمغني مع الشرح الكبير 11 / 66، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 117، وحاشيتا الرهوني وكنون 3 / 39.
(99) الدر المختار بحاشية رد المختار 5 / 193 - 194، ونقل هنا في رد المحتار عن الطحطاوي أن الخلاف في خيل البر، أما خيل البحر فلا تؤكل عند الحنفية اتفاقا.
(100) سورة الأنفال / 60.
(101) ابن عابدين 5 / 193، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 117.
(102) سورة النحل / 8.
(103) حديث خالد: " نهى النبي ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال. . . . " ذكره ابن حزم (7 / 408 ط المنيرية) وأعله الإمام أحمد وغيره كذا في التلخيص (4 / 1 ط دار المحاسن) .
(104) حديث أنس أن رسول الله ﷺ أمر مناديا فنادى. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 653 - ط السلفية) .
(105) حديث جابر. سبق تخريجه (ف / 44) .
(106) المحلى 7 / 406 - 407.
(107) المقصود أنهم كرهوها تحريما، فإن ابن قدامة قال: أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية قال أحمد: خمسة عشر. . . . إلخ (ر: المغني 11 / 65) . فاستدلال ابن قدامة على تحريم الأكثر بهذه العبارة دليل على أن المقصود كراهة التحريم التي يعبر كثير من الفقهاء وقال الكاساني الحنفي في البدائع (5 / 37) : " نحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم الحمر الأهلية، إذ المحرم المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به، فأما ما كانت حرمته محل الاجتهاد فلا يسمى محرما (على الإطلاق) ، فنسميه مكروها فنقول بوجوب الامتناع عن أكلها عم
(108) سورة الأنعام / 145.
(109) البدائع 5 / 37، والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 117، ونهاية المحتاج 8 / 144، والمقنع 3 / 525، والمغني 11 / 65 - 66، والمحلى 7 / 406 - 407.
(110) سورة الأنعام / 145. قال صاحب تفسير المنار (2 / 98) في معرض بيانه حكمة الشريعة في تحريمه: " حرم الله لحم الخنزير فإنه قذر، لأن أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم، كما ثبت بالتجربة، وأكل لحمه من أسباب الدودة القتالة ويقال: إن له تأثير
(111) وقوله: " خلافا للظاهرية " فيه نظر، فإنه لم يخالف فيه أحد، بل نقل ابن حزم الظاهري في المحلى (7 / 390، 391، 430) حكاية الإجماع على تحريم كل أجزائه، وأقرها حيث قال: " لا يحل أكل شيء من الخنزير، لا لحمه ولا شحمه، ولا جلده، ولا عصبه، ولا غضروفه، وممن حكى هذا الإجماع: النيسابوري في تفسيره، فقد قال: " وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم وتخصيص اللحم بالذكر، لأن معظم الانتفاع متعلق به ". (ر: تفسير النيسابوري بهامش الطبري 2 / 119) . لكن نسب بعض الحنابلة إلى داود الظاهري القول بأن ما عدا اللحم من الخنزير جائز الأكل (ر: مطالب أولي النهى 6 / 321) وفي هذه النسبة نظر، فإن ابن حزم قد أحاط بمذهب داود إمام الظاهرية، وليس بمعقول أن يغفله في هذه المسألة وإن خالفه، بل ليس بمعقول أن يسلم حكاية الإجماع إذا كان داود قد ذهب إلى حل ذلك. ومن عادة ابن حزم إذا خالف داود أن يحكي مذهبه ويبدي مخالفته له. وفي "
(112) تفسير روح المعاني 2 / 42.
(113) إن قيل: إن الضمير إنما يعود لأقرب مذكور سوى المضاف إليه فإنه ليس متحدثا عنه وإنما المتحدث عنه هو المضاف فيعود الضمير إليه، وإن كان المضاف إليه أقرب منه. أجيب: بأن الضمير هنا عائد إلى المضاف إليه لإفادته معنى تأسيسيا، إذ لو عاد هنا إلى المضاف كان تأكي
(114) القاموس وشرحه تاج العروس مادة: (حشر) . ويؤخذ من تاج العروس (مادة همم) أن بعض اللغويين يقول: الهوام هي: الحيات وكل ذي سم يقتل سمه، وأما ما تسم ولا تقتل كالزنبور والعقرب فهي السوام، وأما ما لا تقتل ولا تسم ولكنها تقم من الأرض أي تأكل منها فهي القوا
(115)
(116)
(117) العظاءة: بفتح العين، دويبة من الزواحف ذوات الأربع تعرف في مصر باسم السحلية، وفي سواحل الشام بالسقاية. من أنواعها الضباب وسوام أبرص (ر: المعجم الوسيط ومعجم متن اللغة، مادة عظو) .
(118) حديث: " أحلت لنا ميتتان ودمان:. . . . . . " رواه ابن ماجه (2 / 1073 - ط الحلبي) والدارقطني (4 / 272 - ط دار المحاسن) من حديث ابن عمر مرفوعا وفي إسناده ضعف، والصواب أنه موقوف وله حكم الرفع (التلخيص 1 / 25 - 26 ط دار المحاسن) .
(119) نهاية المحتاج 8 / 107، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني 8 / 174 - 175، وحاشية البجيرمي على المنهج 6 / 303.
(120) المراجع السابقة في السمك (ف / 18) .
(121) محنوذ: أي مشوي وحديث ابن عباس: دخلت أنا وخالد بن الوليد. . أخرجه مسلم (3 / 1543 - ط الحلبي) .
(122) حديث عبد الرحمن بن حسنة " أنهم أصابتهم مجاعة في إحدى الغزوات. . . " أخرجه أحمد (4 / 196 - ط الميمنية) وابن حبان (موارد الظمآن ص 1070 - ط السلفية) وصححه ابن حجر في الفتح (9 / 665 - 666 - ط السلفية) .
(123) المحلى لابن حزم 7 / 431.
(124) البدائع 5 / 35 - 36، وحاشية ابن عابدين 5 / 194، والخانية بهامش الفتاوى الهندية 3 / 358.
(125) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1 / 323.
(126) نهاية المحتاج 8 / 107.
(127) أي يرجو أن لا يكون في أكله حرج.
(128) مطالب أولي النهى 6 / 313، والمغني 8 / 605.
(129) وقد روى عن النبي ﷺ " أنه أتي بتمر عتيق فجعل يفتشه يخرج السوس منه " أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث أنس بن مالك ﵁ وقال المنذري: هذا مرسل (عون المعبود 3 / 426 ط الهند، وسنن ابن ماجه 2 / 106 ط عيسى الحلبي) .
(130) الخانية بهامش الفتاوى الهندية 3 / 358.
(131) الخرشي على خليل 1 / 81، 88، والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 115، والصاوي على الشرح الصغير 1 / 323 وفيها تفصيلات أخرى لمتأخري فقهاء المالكية تنظر هناك.
(132) نهاية المحتاج 8 / 144.
(133) المقنع 3 / 526، 529، ومطالب أولي النهى 6 / 309، 314.
(134) نهاية المحتاج 8 / 144، 146، والمقنع 3 / 527، والمغني مع الشرح الكبير 11 / 66.
(135) المجلة وشروحها، المادة / 46.
(136) البدائع 5 / 37.
(137) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 1 / 150، 5 / 193، 197.
(138) وهذا يناقض ما في حاشية ابن عابدين، فإما أن يكون مبنيا على القول بأن المعتبر هو غلبة الشبه - كما قاله ملا مسكين - وإما أن يكون مبنيا على أن تبعية الأم مشروطة بكون المتولد مخالفا للأب في النوع.
(139) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 117، وبداية المجتهد 1 / 455، والخرشي علي الخليل 1 / 86.
(140) سورة النحل / 8.
(141) حديث جابر بن عبد الله " حرم رسول الله ﷺ - يعني يوم خيبر - لحوم الحمر الإنسية. . . . . " أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وقال الشوكاني: حديث جابر أصله في الصحيحين وهو بهذا اللفظ بسند لا بأس به (تحفة الأحوذي 5 / 53، 54 نشر السلفية و 8 / 116 ط المطبعة العثمانية المصرية) .
(142) حديث خالد: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر والخيل والبغال. أخرجه الطحطاوي في مشكل الآثار (4 / 165 ط دائرة المعارف النظامية) . عن طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير من حديث جابر ﵁، وقال: إن أهل الحديث يضعفون حديث عكرمة ع (نيل الأوطار 8 / 112 ط المطبعة العثمانية المصرية) .
(143) انظر في هذه الحجج المراجع السابقة ذكرها في ف 57، 58، 59، يرئ القارئ اختلاف الفقهاء في أحكام صور من هذه المتولدات مستغربة، كما لو ولدت الشاة خنزيرا أو أتانا (حمارة) ، أو ولدت الأتان شاة، أو تولد بين الكلب والشاة حيوان ذو شبهين، رأسه يشبه أحدهما وجس
(144) سورة المائدة / 4.
(145) سورة الأنعام / 145.
(146) حاشية ابن عابدين 5 / 194.
(147) البجيرمي على الخطيب 4 / 257، ومطالب أولي النهى 6 / 311.
(148) الشرح الصغير 1 / 322.
(149) موطن الآية الأولى: البقرة / 29، والثانية الأنعام / 145، والثالثة: الأنعام 119.
(150) سورة المائدة / 95.
(151) سورة المائدة / 96.
(152) الدسوقي 2 / 72.
(153) سورة آل عمران / 97.
(154) حديث ابن عباس " إن هذا البلد حرام. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 449 - ط السلفية) ومسلم (2 / 986 - 987 ط الحلبي) .
(155) حديث علي: " المدينة حرم. . . " أخرج الشطر الأول من الحديث " المدينة حرم ما بين عير وثور " البخاري ومسلم، وأخرج الشطر الثاني " لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها. . . . " أبو داود من حديث علي ﵁ مرفوعا، وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح وأصله في الصحيحين (فتح الباري 12 / 42 ط السلفية، وصحيح مسلم 2 / 994، 995 ط عيسى الحلبي، وسنن أبي داود 2 / 532 ط استنبول، ونيل الأوطار 5 / 100، 101 ط دار الجيل) .
(156) المجموع للنووي 7 / 330 و 442.
(157) المجموع 7 / 330، والشرح الكبير بأسفل المغني 11 / 250.
(158) الجلالة: سبق تعريفه هامش (62) .
(159) حديث: " أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الإبل الجلالة، أخرجه الدراقطني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ " نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يذكيها وسنن البيهقي 9 / 333 ط الهند) .
(160) حديث أن رسول الله صلى عليه وسلم " نهى عن الجلالة أن تشرب ألبانها " سبق تخريجه آنفا.
(161) العذرة (بفتح فكسر) : هي براز الإنسان، أي الفضلات الغائطية التي تخرج منه، وقد تستعمل فيما يخرج من كل حيوان، وأصل معنى العذرة فناء الدار، ثم سمي بها السلح والرجيع، لأنه كان يلقى بأفنية الدور، كما سمي براز الإنسان غائطا، لأن الإنسان في العادة يلتمس
(162) الدجاجة المخلاة (بتشديد اللام وبصيغة المفعول من التخلية) هي المرسلة التي تخالط النجاسات وليست محبوسة في حظيرة أو بيت لتعلف علفا، كما في رد المحتار (1 / 149) .
(163) بدائع الصنائع 5 / 39 - 40.
(164) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين عليه 5 / 194 - 196 و 217 وتقرير الرافعي 2 / 305.
(165) نهاية المحتاج 8 / 147 - 148.
(166) المغني 11 / 71 - 73، والمحلى لابن حزم 7 / 410.
(167) الشرح الصغير بحاشية الصاوي 1 / 223، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي 2 / 115، وحاشيتا الرهوني وكنون علي الزرقاني في باب المباح 3 / 39، وباب الأعيان النجسة 1 / 67، وبداية المجتهد 1 / 452.
(168) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها " رواه أبو داود (4 / 148 - 149 - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (4 / 270 ط الحلبي) وذكر ابن حجر في التلخيص (4 / 156 - نشر اليماني) الاختلاف في سنده، وذكر له شاهدا وقواه.
(169) الأثر عن ابن عمر بلفظ: " كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا " أخرجه ابن أبي شيبة (8 / 335 - ط الدار السلفية) وصححه ابن حجر في الفتح (9 / 648 - ط السلفية) .
(170) الأدم بضمتين: الجلود، جمع أديم، وهو الجلد.
(171) حديث: عبد الله بن عمر أنه قال " نهى رسول الله عن الإبل الجلالة " أخرجه الدارقطني (4 / 283 - ط دار المحاسن) والبيهقي (9 / 333 - ط دائرة المعارف العثمانية) . وقال البيهقي: ليس هذا بالقوي.
(172) مواهب الجليل 3 / 228، والمحلى لابن حزم 7 / 449.
(173) حديث: " ما قطع من البهيمة. . . . " رواه أحمد (5 / 218 - ط الميمنية) وأبو داود (3 / 277 - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (4 / 74 ط استنبول) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(174) المحلى لابن حزم 7 / 449، والمغني لابن قدامة بأعلى الشرح الكبير 11 / 53، وحاشية ابن عابدين 5 / 197.
(175) يؤيد هذا النظر الثاني حل الغنمة مثلا إذا فصل رأسها كله بالذبح.
(176) البدائع 5 / 61، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 5 / 61، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 5 / 437.
(177) سورة الأعراف / 157.
(178) حديث مجاهد: " كره رسول الله من الشاة. . . . " أخرجه البيهقي (10 / 7 ط - دائرة المعارف العثمانية) وأعله بالانقطاع ثم رواه من حديث ابن عباس وضعفه.
(179) البدائع 5 / 61، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 5 / 477.
(180) التاج والإكليل بهامش الحطاب 3 / 227.
(181) مطالب أولي النهى 6 / 317، لكن قال ابن قدامة في المغني (11 / 89) " يكره أكل الغدة وأذن القلب، لما روي عن مجاهد قال: كره رسول الله ﷺ من الشاة ستا. . . . (وذكر بينها هذين) ولأن النفس تعافهما وتستخبثهما، ولا أظن أحمد كرههما إلا لذلك، لا للخبر لأنه قال فيه:
(182) أي: لأن كل حيوان طاهر عند الشافعية ما دام حيا سوى الخنزير أو الكلب وما تولد منهما أو من أحدهما كما هو موضح في موضوع النجاسات.
(183) وقال البلقيني: " إن كلام المجموع مخالف لنص الأم والنهاية والتتمة والبحر على منع أكله، وإن قلنا بطهارته، وليس في كتب المذهب ما يخالف هذا النص " اهـ. أسنى المطالب 1 / 570.
(184) حاشية ابن عابدين 5 / 194، والبدائع 5 / 43، وتبيين الحقائق 1 / 26، والخرشي على خليل 1 / 85، ونهاية المحتاج 1 / 226، 227، والمجموع للنووي 2 / 556، وأسنى المطالب 1 / 570، ومطالب أولي النهى 1 / 233 - 234.
(185) يلاحظ أن كلا من المالكية والشافعية والحنابلة لهم قولان والراجح عند الجميع طهارة ميتة الآدمي. وللحنفية قولان أيضا، والراجح عندهم النجاسة.
(186) سورة النحل / 66.
(187) البدائع 5 / 43، وحاشية ابن عابدين 1 / 135 و 5 / 194، 216، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 1 / 26، والخرشي على خليل 1 / 85، والمغني بأعلى الشرح الكبير 11 / 66، والشرح الكبير بأسفل المغني 1 / 303، ومطالب أولي النهى 1 / 233، ونهاية المحتاج 1 / 227.
(188) الإنفحة: بكسر الهمزة فسكون النون وفتح الفاء مع تشديد الحاء المهملة وعدمه، ويقال فيها أيضا: منفحة بالميم (بكسر فسكون) .
(189) البدائع 5 / 43، والخرشي على خليل 1 / 85، ونهاية المحتاج 1 / 227، والمغني بأعلى الشرح الكبير 11 / 89.
(190) سورة البقرة / 28.
(191) حديث " ذكاة الجنين ذكاة أمه " أخرجه الترمذي واللفظ له وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (تحفة الأحوذي 5 / 48 نشر السلفية، وعون المعبود 3 / 62 - 63 ط الهند، وسنن ابن ماجه 2 / 1067 ط عيسى الحلبي) .
(192) ابن عابدين 5 / 193، وجواهر الإكليل 1 / 216، وبداية المجتهد 1 / 442، وحاشيتا قليوبي وعميرة 4 / 262، والمغني 8 / 579، 580.
(193) وهذه الآيات الحكيمة كانت هي أساس قاعدة الضرورات وأحكامها الاستثنائية، تلك القاعدة التي صاغها الفقهاء بقولهم: والضرورات تبيح المحظورات. (الأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية الحموي 1 / 118، ومجلة الأحكام العدلية وشروحها المادة / 21) وكانت بها الشريعة مت
(194) حديث أبي واقد: " إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا. . . . . " أخرجه أحمد (5 / 218 - ط الميمنية) وقال اليهثمي في المجمع: (5 / 50 - ط القدسي) رجاله ثقات.
(195) سورة النساء / 29.
(196) سورة البقرة / 195.
(197) سورة البقرة / 158.
(198) الدر المختار بحاشية ابن عابدين 5 / 215، والشرح الصغير 1 / 323، 324، وحاشية العدوي على شرح الخرشي على خليل 2 / 226، ونهاية المحتاج 8 / 150، والمقنع 3 / 530.
(199) أحكام القرآن للجصاص 1 / 150.
(200) حديث: " إن الله وضع عن أمتي. . . . " أخرجه ابن ماجه (1 / 659 - ط الحلبي) وقال ابن حجر: " رجاله ثقات " (فيض القدير 2 / 267 - ط المكتبة التجارية) .
(201) الدر المختار 5 / 215.
(202) الشرح الصغير 1 / 323.
(203) نهاية المحتاج 8 / 150، والبيجوري على ابن قاسم 1 / 91، 92.
(204) المقنع 3 / 531.
(205) ابن عابدين 5 / 215، والمحلى 7 / 426.
(206) واستثنى الشافعية ما لو زاد عطشه جدا حتى كاد يشرف على الهلاك فإنه يحل له حينئذ شربها (نهاية المحتاج 8 / 12) .
(207) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1 / 323، ونهاية المحتاج 8 / 150، ومطالب أولي النهى 6 / 211، وأحكام القرآن للجصاص 1 / 150، والمحلى لابن حزم 7 / 426.
(208) ابن عابدين 5 / 215، والمحلى 7 / 426.
(209) واستثنى الشافعية ما لو زاد عطشه جدا حتى كاد يشرف على الهلاك فإنه يحل له حينئذ شربها (نهاية المحتاج 8 / 12) .
(210) نهاية المحتاج 8 / 150.
(211) مطالب أولي النهى 6 / 323، 324، والمجلة م / 33.
(212) حاشية ابن عابدين 5 / 215 و 265 أما إن استعمل المالك سلاحا لمنعه من حقه فالظاهر أن للمضطر مقابلته حينئذ بالسلاح للدفاع عن نفسه (اللجنة) .
(213) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1 / 323.
(214) أي ولم يجد سواه ولو ميتة أيضا.
(215) حديث: " ابدأ بنفسك. . . . " أخرجه مسلم (2 / 693 - ط الحلبي) والنسائي (5 / 70 - ط المكتبة التجارية) .
(216) نهاية المحتاج مع حاشيتي الرشيدي والشبراملسي 8 / 152، والمقنع 3 / 531.
(217) نهاية المحتاج 8 / 170، 171، وحاشية البجيرمي على المنهج 4 / 208.
(218) نهاية المحتاج 8 / 150، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج 8 / 188، ومطالب أولي النهى 6 / 318، 319.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 123/ 5