البحث

عبارات مقترحة:

المؤخر

كلمة (المؤخِّر) في اللغة اسم فاعل من التأخير، وهو نقيض التقديم،...

الباطن

هو اسمٌ من أسماء الله الحسنى، يدل على صفة (الباطنيَّةِ)؛ أي إنه...

الله

أسماء الله الحسنى وصفاته أصل الإيمان، وهي نوع من أنواع التوحيد...

الإبْرَاءُ


من معجم المصطلحات الشرعية

إسقاط الإنسان حقاً له في ذمة إنسان آخر، أو تمليك له . يشهد له تكليم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم غرماء جابر ليضعوا عنه . وكان المراد إبراء جزئي من الدين . البخاري :1996.


انظر : حاشية ابن عابدين، 5/302، التوضيح لخليل 6/262، الإنصاف للمرداوي، 4/410، التعريفات للجرجاني، ص 141.

تعريفات أخرى

  • يطلق على الاسقاط، وإن كان أعم منه .
هذا المصطلح مرادف لـ الإسقاط .

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

الإبْراءُ: التَّخْلِيصُ والتَّنْزِيهُ، يُقال: أَبْرَأْتُ الرَّجُلَ مِن الدَّيْنِ، أُبْرِئُهُ، إِبْراءً، أيْ: خَلَّصتُهُ ونَزَّهتُهُ مِنْهُ، ويأْتي بِـمعنى: السَّلامَة والـمُعافاة، ومِنْهُ سُمِّيَت الـمُعافَاةُ مِن الـمَرَضِ إِبْراءً، والبَرِيءُ: السَّلِيمُ، يُقال: بَرِئَ زَيْدٌ مِن العَيْبِ، أيْ: سَلِمَ، ويُسْتَعْمَلُ الإِبْراءُ بِـمعنى: التَّباعُد مِن الشَّيْءِ، والإِبْراءُ مِن الذَّنبِ: إِبْعادُ إِثْـمِهِ وإِزالَةُ العُقُوبَةِ عنه، وأَصْلُه مِن البُرْءِ، وهو: القَطْعُ، تقول: بَرِئْتُ مِن الشَّيْءِ: إذا أَزَلْتَهُ عن نفْسِكَ وقَطَعْتَ أَسْبابَهُ، وبَرِئْتُ مِن الدَّيْنِ، أي: انْقَطَعَ عَنِّي. ومِن مَعانِيه أيضًا: الـخُروجُ والإِزالَةُ والـخَلْقُ.

إطلاقات المصطلح

يَرِد مُصْطلَح (إِبْراء) في مَواطِنَ مِن الفقه، منها: كتاب النِّكاحِ، باب: الصَّداق، وكتاب البُيوعِ، باب: الرِّبا، وباب: الوَكالَة، والوَصِيَّة، والـحَوالَة، والغَصْب، والإِفْلاس، والضَّمان، وفي كتاب الـجِناياتِ، باب: القِصاص والدِّيّات، وكتاب حَدّ القَذْفِ، وكتاب القَضاء، باب: الدَّعاوَى، وغير ذلك. وَيُطْلَق في كتاب البُيوعِ، ويُراد به: القَبْضُ والِاسْتِيفاءُ. وَيُطْلَق في كتاب الإِجارَةِ، باب: شُروط الِإجارَةِ، وباب: الـجُعالَة، ويُراد به: تَـمامُ التَّخَلُّصِ والـمُعافاةِ مِن الـمَرَضِ. ويُطْلَق في عِلم العَقِيدَةِ، باب: تَوْحِيد الأَسْماءِ والصِّفاتِ، وباب: تَوْحِيد الرُّبُوبِيَّةِ، ويُراد به: الـخَلْقُ.

جذر الكلمة

برأ

المعنى الاصطلاحي

إِسْقاطُ حَقٍّ أو مالٍ ثَابِتٍ في ذمَّةِ غيره له.

الشرح المختصر

الإِبْراءُ: هو إِسْقاطُ الـحَقِّ الشَّخْصِي الذي يكون على غَيْرِه مُلْزَمًا بِوَفائِهِ، سَواءً كان هذا الـحَقُّ مالًا في ذِمَّتِهِ، كَالقَرْضِ، أو حَقًّا عليه، كالـقِصاصِ، وينقسمُ إلى قِسمَين: 1- إِبْراءُ الإِسْقاطِ، وهو الـمَقْصودُ هنا. 2- إِبْراءُ الاِسْتِيفاءِ، وهو: الاِعْتِرافُ بِالقَبْضِ والاِسْتِيفاءِ لِلْحَقِّ الثّابِتِ لِشَخْصٍ في ذِمَّةِ آخَرَ، وهذا يُبْحَثُ في باب: الإِقْرار. وينقسِم مِن حيثُ العُمومُ والخُصوصُ إلى قسمين: 1- العامُّ، وهو: ما يُبْرَأُ بِهِ عن كُلِّ عَيْنٍ ودَيْنٍ وحَقٍّ . 2- الـخاصُّ، كأَن يقولَ مثلًا: أَبْرَأْتُهُ مِن دَيْنِ كذا عَن هذه الدّارِ.

التعريف اللغوي المختصر

الإبْراءُ: التَّخْلِيصُ والتَّنْزِيهُ، ويأْتي بِـمعنى: السَّلامَة والـمُعافاة، وأَصْلُه مِن البُرْءِ، وهو: القَطْع، تقول: بَرِئْتُ مِن الدَّيْنِ، أي: انْقَطَعَ عَنِّي.

التعريف

إسقاط الإنسان حقاً له في ذمة إنسان آخر، أو تمليك له.

المراجع

* معجم مقاييس اللغة : (1/236)
* النهاية في غريب الحديث والأثر : (1/112)
* المغرب في ترتيب المعرب : (ص 38)
* مختار الصحاح : (ص 31)
* المصباح المنير في غريب الشرح الكبير : (1/47)
* معجم اللغة العربية المعاصرة : (1/179)
* الكليات : (ص 33)
* التعريفات للجرجاني : (ص 141)
* طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية : (ص 34)
* الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) : (4/276)
* الفروق للقرافي : 2/110 - الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) : (4/276)
* فتح القدير لابن الهمام : (6/310)
* الـمجموع شرح الـمهذب : (10/100)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 38)
* القاموس الفقهي : (ص 34)
* التوقيف على مهمات التعاريف : (ص 36) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ بِالإِْبْرَاءِ:
1 - مِنْ مَعَانِي الإِْبْرَاءِ فِي اللُّغَةِ: التَّنْزِيهُ وَالتَّخْلِيصُ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الشَّيْءِ. قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: بَرِئَ: تَخَلَّصَ وَتَنَزَّهَ وَتَبَاعَدَ، فَالإِْبْرَاءُ عَلَى هَذَا: جَعْل الْمَدِينِ - مَثَلاً - بَرِيئًا مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ. وَالتَّبْرِئَةُ: تَصْحِيحُ الْبَرَاءَةِ، وَالْمُبَارَأَةُ: الْمُصَالَحَةُ عَلَى الْفِرَاقِ.
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَهُوَ إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَلاَ تُجَاهَهُ، كَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَحَقِّ السُّكْنَى الْمُوصَى بِهِ، فَتَرْكُهُ لاَ يُعْتَبَرُ إِبْرَاءً، بَل هُوَ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ. وَقَدِ اخْتِيرَ لَفْظُ (إِسْقَاطٍ) فِي التَّعْرِيفِ - بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ فِي الإِْبْرَاءِ مَعْنَيَيْنِ، هُمَا الإِْسْقَاطُوَالتَّمْلِيكُ - تَغْلِيبًا لأَِحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنْ وَجْهِ إِسْقَاطٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي. (1)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَرَاءَةُ، وَالْمُبَارَأَةُ، وَالاِسْتِبْرَاءُ:
2 - (الْبَرَاءَةُ) : هِيَ أَثَرُ الإِْبْرَاءِ، وَهِيَ مَصْدَرُ بَرِئَ. فَهِيَ مُغَايِرَةٌ لَهُ فِي الْفِقْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ كَمَا تَحْصُل بِالإِْبْرَاءِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِفِعْل الدَّائِنِ، تَحْصُل بِأَسْبَابٍ أُخْرَى غَيْرِهِ، كَالْوَفَاءِ وَالتَّسْلِيمِ مِنَ الْمَدِينِ أَوِ الْكَفِيل، وَتَحْصُل الْبَرَاءَةُ بِالاِشْتِرَاطِ، كَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّبَرُّؤِ أَيْضًا، وَتَفْصِيلُهُ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَالْكَفَالَةِ.
وَقَدْ تَحْصُل الْبَرَاءَةُ بِإِزَالَةِ سَبَبِ الضَّمَانِ، أَوْ بِمَنْعِ صَاحِبِ التَّضْمِينِ مِنْ إِزَالَتِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ إِنْ أَرَادَ رَدْمَهَا فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ صِيغَةُ إِبْرَاءٍ (2) .
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ التَّبَايُنَ بَيْنَهُمَا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل مِنْ تَقْيِيدِ الْبَرَاءَةِ بِالإِْبْرَاءِ أَوِ الإِْسْقَاطِ لِتَمْيِيزِهَا عَنِ الْبَرَاءَةِ بِالاِسْتِيفَاءِ. وَفِي ذَلِكَ يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ: الْبَرَاءَةُ بِالإِْبْرَاءِ لاَ تَتَحَقَّقُ بِفِعْل الْكَفِيل، بَل بِفِعْل الطَّالِبِ - أَيْ الدَّائِنِ - فَلاَ تَكُونُ حِينَئِذٍ مُضَافَةً إِلَى الْكَفِيل. وَنَحْوَهُ بَحَثَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَلْفِيقِ شَهَادَتَيْ الإِْبْرَاءِ وَالْبَرَاءَةِ، كَأَنْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَبْرَأَهُ، وَآخَرُ بِأَنَّهُ بَرِئَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَرَجَّحُوا جَوَازَهُ وَاعْتِبَارَ الشَّهَادَةِ مُسْتَكْمِلَةَ النِّصَابِ (3)
3 - أَمَّا (الْمُبَارَأَةُ) فَهِيَ مُفَاعَلَةٌ وَتَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْبَرَاءَةِ (4) . وَهِيَ فِي الاِصْطِلاَحِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخُلْعِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهُوَ بَذْل الْمَرْأَةِ الْعِوَضَ عَلَى طَلاَقِهَا. لَكِنَّهَا تَخْتَصُّ بِإِسْقَاطِ الْمَرْأَةِ عَنِ الزَّوْجِ حَقًّا لَهَا عَلَيْهِ. فَالْمُبَارَأَةُ صُورَةٌ خَاصَّةٌ لِلإِْبْرَاءِ تَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لإِِيقَاعِ الزَّوْجِ الطَّلاَقَ - إِجَابَةً لِطَلَبِ الزَّوْجَةِ غَالِبًا - مُقَابِل عِوَضٍ مَالِيٍّ تَبْذُلُهُ لِلزَّوْجِ، هُوَ تَرْكُهَا مَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ، كَالْمَهْرِ الْمُؤَجَّل، أَوِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي الْعِدَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِهَا أَيُّ حَقٍّ إِلاَّ بِالتَّسْمِيَةِ، خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْقَائِلَيْنِ بِسُقُوطِ جَمِيعِ حُقُوقِهَا الزَّوْجِيَّةِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ (الْخُلْعِ (3)) .
وَلاِبْنِ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ رِسَالَةٌ فِي الطَّلاَقِ الْمُوَقَّعِ فِي مُقَابَلَةِ الإِْبْرَاءِ، حَقَّقَ فِيهَا أَنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا لِوُقُوعِهِ بِعِوَضٍ، وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: مَتَى ظَهَرَ كَذَا وَأَبْرَأْتِنِي مِنْ مَهْرِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَيْسَ بَائِنًا؛ لأَِنَّهُ جَعَل الطَّلاَقَ مُعَلَّقًا بِالإِْبْرَاءِ، فَالإِْبْرَاءُ شَرْطٌ لِلطَّلاَقِ وَلَيْسَ عِوَضًا (5) .
4 - وَأَمَّا (الاِسْتِبْرَاءُ) فَهُوَ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، أَيْ طَهَارَتُهُ مِنْ مَاءِ الْغَيْرِ. وَهُوَ حَيْثُ لاَ تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ عِدَّةٌ. وَأَحْكَامُهُ مُفَصَّلَةٌ فِي مُصْطَلَحِهِ. وَالْمَعْنَى الآْخَرُ: هُوَ طَلَبُ نَقَاءِ الْمَخْرَجَيْنِ مِمَّا يُنَافِي التَّطَهُّرَ، وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءِ الْحَاجَةِ) . (6)

ب - الإِْسْقَاطُ:
5 - الإِْسْقَاطُ لُغَةً: الإِْزَالَةُ، وَاصْطِلاَحًا: إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ أَوْ مُسْتَحِقٍّ. وَهُوَ قَدْ يَقَعُ عَلَى حَقٍّ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ، عَلَى سَبِيل الْمَدْيُونِيَّةِ (كَالْحَال فِي الإِْبْرَاءِ) كَمَا قَدْ يَقَعُ عَلَى حَقٍّ ثَابِتٍ بِالشَّرْعِ لَمْ تُشْغَل بِهِ الذِّمَّةُ (كَحَقِّ الشُّفْعَةِ) وَيَكُونُ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، فَالإِْبْرَاءُ أَخَصُّ مِنَ الإِْسْقَاطِ، فَكُل إِبْرَاءٍ إِسْقَاطٌ، وَلاَ عَكْسَ (7) .
وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ نَوْعٌ مِنَ الإِْسْقَاطِ تَقْسِيمُ الْقَرَافِيِّ الإِْسْقَاطَ إِلَى نَوْعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: بِعِوَضٍ، كَالْخُلْعِ. وَالآْخَرُ: بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَمَثَّل لَهُ بِالإِْبْرَاءِ مِنَ الدُّيُونِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ. (8) وَالإِْسْقَاطُ مُتَمَحِّضٌ لِسُقُوطِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، فِي حِينِ أَنَّ الإِْبْرَاءَ مُخْتَلِفٌ فِي أَنَّهُ إِسْقَاطٌ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، أَوْ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ، أَوْ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
هَذَا وَإِنَّ الْقَلْيُوبِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَفَادَ أَنَّ غَيْرَ الْقِصَاصِ لاَ يُسَمَّى تَرْكُهُ إِسْقَاطًا، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: إِبْرَاءٌ (9) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَأْلُوفِ الْمَذْهَبِ.
وَقَدْ يُسْتَعْمَل الإِْبْرَاءُ فِي مَوْطِنِ الإِْسْقَاطِ، كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، فَالإِْبْرَاءُ مِنَ الْعَيْبِ كِنَايَةٌ عَنْ إِسْقَاطِ الْخِيَارِ.

ج - الْهِبَةُ:
6 - الْهِبَةُ لُغَةً: الْعَطِيَّةُ الْخَالِيَةُ عَنِ الأَْعْوَاضِ وَالأَْغْرَاضِ، أَوِ التَّبَرُّعُ بِمَا يَنْفَعُ الْمَوْهُوبَ لَهُ مُطْلَقًا. وَهِيَ شَرْعًا: تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلاَ عِوَضٍ (10) .
وَالَّذِي يُوَافِقُ الإِْبْرَاءَ مِنَ الْهِبَةِ هُوَ هِبَةُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، فَهِيَ وَالإِْبْرَاءُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لاَ يُجِيزُونَ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْجُمْلَةِ فَالإِْبْرَاءُ مُخْتَلِفٌ عَنْ هِبَةِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، لِلاِتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الإِْبْرَاءِ بَعْدَ قَبُولِهِ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ، وَالسَّاقِطُ لاَ يَعُودُ كَمَا تَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الْمَشْهُورَةُ. (11) أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ - عَلَى الْخِلاَفِ وَالتَّفْصِيل الَّذِي مَوْطِنُهُ الْهِبَةُ وَالدَّيْنُ - فَلاَ صِلَةَ لَهُ بِالإِْبْرَاءِ.

د - الصُّلْحُ:
7 - الصُّلْحُ لُغَةً: التَّوْفِيقُ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُصَالَحَةِ. وَهُوَ شَرْعًا: عَقْدٌ بِهِ يُرْفَعُ النِّزَاعُ وَتُقْطَعُ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُتَصَالِحَيْنِ بِتَرَاضِيهِمَا (12) .
وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِقْهًا أَنَّ الصُّلْحَ يَكُونُ عَنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ. فَإِذَا كَانَ عَنْ إِقْرَارٍ، وَكَانَتِ الْمُصَالَحَةُ عَلَى إِسْقَاطِ جُزْءٍ مِنَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَأَدَاءِ الْبَاقِي، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُشْبِهُ الصُّلْحُ الإِْبْرَاءَ؛ لأَِنَّهَا أَخْذٌ لِبَعْضِ الْحَقِّ وَإِبْرَاءٌ عَنْ بَاقِيهِ. أَمَّا إِنْ كَانَ الصُّلْحُ هُنَا عَلَى أَخْذِ بَدَلٍ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ.
وَكَذَلِكَ الْحَال إِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ وَتَضَمَّنَ إِسْقَاطَ الْجُزْءِ مِنْ حَقِّهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّعِي إِبْرَاءٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، فِي حِينِ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ افْتِدَاءٌ لِلْيَمِينِ وَقَطْعٌ لِلْمُنَازَعَةِ.
وَقَدْ جَعَل ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الصُّلْحَ عَلَى نَوْعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِسْقَاطٌ وَإِبْرَاءٌ، وَقَال: هُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَالآْخَرُ: صُلْحٌ عَلَى عِوَضٍ، وَقَال فِيهِ: هُوَ جَائِزٌ إِلاَّ إِنْ أَدَّى إِلَى حَرَامٍ (13) . هـ - الإِْقْرَارُ:
8 - مِنْ مَعَانِي الإِْقْرَارِ فِي اللُّغَةِ: الإِْيقَانُ وَالاِعْتِرَافُ. وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ فِي الاِصْطِلاَحِ فَهُوَ: الإِْخْبَارُ بِحَقِّ الْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ (14) .
وَالإِْقْرَارُ قَدْ يَرِدُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ إِقْرَارًا بِالْبَرَاءَةِ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِمَّا إِبْرَاءُ اسْتِيفَاءٍ، وَإِمَّا إِبْرَاءُ إِسْقَاطٍ كَمَا سَيَأْتِي. وَكُلٌّ مِنَ الإِْقْرَارِ بِالاِسْتِيفَاءِ وَالإِْبْرَاءِ عَلَى إِطْلاَقِهِ يَقْطَعُ النِّزَاعَ وَيَفْصِل الْخُصُومَةَ. فَالْمُرَادُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَلِذَا عُبِّرَ بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ وَإِنْ اخْتَلَفَا مَفْهُومًا. (15)
وَدَعْوَى الإِْبْرَاءِ تَتَضَمَّنُ إِقْرَارًا، فَإِذَا قَال: أَبْرَأْتَنِي مِنْ كَذَا، أَوْ: أَبْرِئْنِي، فَهُوَ إِقْرَارٌ وَاعْتِرَافٌ بِشَغْل الذِّمَّةِ وَادِّعَاءٌ لِلإِْسْقَاطِ، وَالأَْصْل عَدَمُهُ. وَعَلَيْهِ بَيِّنَةُ الإِْبْرَاءِ أَوِ الْقَضَاءُ. (16)

و الضَّمَانُ:
9 - الضَّمَانُ لُغَةً: الْكَفَالَةُ وَالاِلْتِزَامُ بِالشَّيْءِ. وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْتِزَامُ حَقٍّ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ أَوْ إِحْضَارُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَالضَّمَانُ عَكْسُ الإِْبْرَاءِ، فَهُوَ يُفِيدُ انْشِغَال الذِّمَّةِ
فِي حِينِ يُطْلَقُ الإِْبْرَاءُ عَلَى خُلُوِّهَا، وَلِصِلَةِ الضِّدِّيَّةِ هَذِهِ وَضَعَ الشَّافِعِيَّةُ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الإِْبْرَاءِ فِي بَابِ الضَّمَانِ. (17) هَذَا وَإِنَّ لِلإِْبْرَاءِ صِلَةً بِالضَّمَانِ، وَهِيَ أَنَّهُ أَحَدُ الأَْسْبَابِ لِسُقُوطِهِ، بَل إِنَّ لَهُ مَدْخَلاً إِلَى أَكْثَرِ الاِلْتِزَامَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَطَرَّقُ لَهُ فِي سُقُوطِهَا؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَسْقُطَ بِالْوَفَاءِ - أَيْ الأَْدَاءِ - أَوِ الْمُقَاصَّةِ أَوِ الإِْبْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (18)

ز - الْحَطُّ:
10 - الْحَطُّ لُغَةً: الْوَضْعُ، أَوِ الإِْسْقَاطُ (19) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِسْقَاطُ بَعْضِ الدَّيْنِ أَوْ كُلِّهِ. فَالْحَطُّ إِبْرَاءٌ مَعْنًى، وَلِذَا قَدْ يُطْلَقُ الْحَطُّ عَلَى الإِْبْرَاءِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالْكُل أَوِ الْجُزْءِ. وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَال الْحَطِّ لِلإِْبْرَاءِ عَنْ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ، أَمَّا الإِْبْرَاءُ فَهُوَ عَنْ كُلِّهِ (20) .
وَقَدْ جَاءَ فِي كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ تَسْمِيَةُ وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ إِبْرَاءً، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إِبْرَاءٌ جُزْئِيٌّ. وَقَال الْقَاضِي زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: صُلْحُ الْحَطِيطَةِ إِبْرَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يُشْعِرُ بِقَنَاعَةِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقَلِيل عَنِ الْكَثِيرِ. (21)

ح - التَّرْكُ:
11 - مِنْ مَعَانِي التَّرْكِ فِي اللُّغَةِ: الإِْسْقَاطُ، يُقَال: تَرَكَ حَقَّهُ: إِذَا أَسْقَطَهُ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ (22) . وَمِنْ صِلَتِهِ بِالإِْبْرَاءِ مَا جَاءَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ (التَّرْكِ) كَأَنْ يَقُول: تَرَكْتُ الدَّيْنَ، أَوْ: لاَ آخُذُهُ مِنْكَ، فَهِيَ كِنَايَةُ إِبْرَاءٍ. وَلَكِنْ نَقَل الْقَاضِي زَكَرِيَّا الْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ إِبْرَاءٌ صَرِيحٌ. وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَالْمُقْرِي (23) .
وَالتَّرْكُ يُسْتَعْمَل لِلإِْسْقَاطِ عُمُومًا بِحَيْثُ يَحْصُل بِهِ مَا يَحْصُل بِلَفْظِ الإِْسْقَاطِ وَيُعْطَى أَحْكَامَهُ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي عِدَادِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُ الإِْسْقَاطُ فِيهَا إِلَى قَبُولٍ - كَالإِْبْرَاءِ عِنْدَهُمْ - فِي حِينِ يَحْتَاجُ لَفْظُ الصُّلْحِ إِلَى الْقَبُول (24) .
وَقَدْ يُطْلَقُ التَّرْكُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنِ اسْتِعْمَال الْحَقِّ دُونَ إِسْقَاطِهِ، كَتَرْكِ الزَّوْجَةِ حَقَّهَا فِي الْقَسْمِ وَمَنْحِهِ لِلزَّوْجَةِ الأُْخْرَى، فَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ وَطَلَبَ الْقَسْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَل.
وَالْغَالِبُ أَنْ يُسْتَعْمَل لَفْظُ التَّرْكِ فِي الدَّعْوَى، فَالْمُدَّعِي فِي أَشْهَرِ تَعْرِيفَاتِهِ " مَنْ إِذَا تَرَكَ (أَيْ دَعْوَاهُ) تُرِكَ " وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ دَفْعٌ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَصَل لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي التَّرْكُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الْكَيْدَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيُلْزَمُ بِالاِسْتِمْرَارِ فِي الدَّعْوَى لِلْفَصْل فِيهَا. وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لَهُ فِي كَذَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُ طَلَبُ دَفْعِ التَّعَرُّضِ (25) . صِفَةُ الإِْبْرَاءِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
12 - الإِْبْرَاءُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَعْرِضُ لَهُ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ الْمَعْرُوفَةُ:
فَيَكُونُ وَاجِبًا إِذَا سَبَقَهُ اسْتِيفَاءٌ؛ لأَِنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِالْبَرَاءَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَدْل الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل} (26) وَالْمُؤَكَّدِ بِالْحَدِيثِ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (27) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي بَابِ السَّلَمِ: إِذَا أَحْضَرَ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَال السَّلَمِ الْحَال لِغَرَضِ الْبَرَاءَةِ أُجْبِرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى الْقَبُول أَوِ الإِْبْرَاءِ. فَهَذَا وَاجِبٌ تَخْيِيرِيٌّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُفْلِسِ فَلَهُ إِجْبَارُ الْغُرَمَاءِ عَلَى أَخْذِ الْعَيْنِ إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ، أَوْ إِبْرَائِهِ. (28)
وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، كَمَا لَوْ جَاءَ ضِمْنَ عَقْدٍ بَاطِلٍ، لأَِنَّ اسْتِبْقَاءَ الْبَاطِل حَرَامٌ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بُطْلاَنِ الإِْبْرَاءِ.
وَتَعْرِضُ لَهُ الْكَرَاهَةُ فِيمَا إِذَا أَبْرَأَ وَارِثَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حَيْثُ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ، وَمُسْتَنَدُ الْكَرَاهَةِ مَا فِي ذَلِكَ الإِْبْرَاءِ مِنْ تَضْيِيعِ وَرَثَتِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ هَمَّ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (29) . أَمَّا الثُّلُثُ فَقَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ.
13 - عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْغَالِبَ لَهُ النَّدْبُ، وَلِذَا يَقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: " الإِْبْرَاءُ مَطْلُوبٌ، فَوُسِّعَ فِيهِ، بِخِلاَفِ الضَّمَانِ " (30) ذَلِكَ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الإِْحْسَانِ؛ لأَِنَّهُ فِي الْغَالِبِ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ الْحَقِّ عَنِ الْمُعْسِرِ الَّذِي يُثْقِل الدَّيْنُ كَاهِلَهُ. وَحَتَّى إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ لِمَنْ لاَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ، فَإِنَّهُ مِمَّا يَزِيدُ الْمَوَدَّةَ بَيْنَ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ، فَلاَ يَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (31) وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ حِينَ قَامَ بِوَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ، وَخَبَرُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، حِينَ أَعْسَرَا، حَيْثُ ثَبَتَ حَضُّهُ ﵊ الدَّائِنِينَ عَلَى إِسْقَاطِ كُل الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ عَنْهُمْ (32) . وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الإِْبْرَاءَ لِلْمُعْسِرِ أَفْضَل مِنَ الْقَرْضِ، وَأَنَّ الْقَرْضَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَفْضَل مِنْهُ. (33)
وَالإِْبْرَاءُ فِي غَيْرِ الأَْحْوَال الْمُشَارِ إِلَيْهَا هُوَ عَلَى أَصْل الإِْبَاحَةِ الْجَارِيَةِ فِي مُعْظَمِ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِهَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَلاَ سِيَّمَا فِي حَالَةِ عَجْزِ الْمُبْرِئِ عَنْ تَحْصِيل حَقِّهِ مِنْ مُنْكِرِهِ؛ لأَِنَّ الإِْحْسَانَ هُنَا غَيْرُ وَارِدٍ، لِفُقْدَانِ مَحَلِّهِ.

أَقْسَامُ الإِْبْرَاءِ:
14 - يُقَسِّمُ بَعْضُ الْمُؤَلِّفِينَ الإِْبْرَاءَ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِبْرَاءُ الإِْسْقَاطِ، وَإِبْرَاءُ الاِسْتِيفَاءِ. وَيَعْتَبِرُونَ الأَْوَّل مِنْهُمَا هُوَ الْجَدِيرُ بِالْبَحْثِ تَحْتَ هَذَا الاِسْمِ، فِي حِينِ أَنَّ الثَّانِيَ (الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الاِعْتِرَافِ بِالْقَبْضِ وَالاِسْتِيفَاءِ لِلْحَقِّ الثَّابِتِ لِشَخْصٍ فِي ذِمَّةِ آخَرَ) هُوَ نَوْعٌ مِنَ الإِْقْرَارِ. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ فِي صُورَةِ الإِْبْرَاءِ فِي الْكَفَالَةِ الْوَاقِعِ مِنَ الطَّالِبِ (الدَّائِنِ) إِنْ جَاءَ بِلَفْظِ " بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَال " بَرِئَ الْكَفِيل وَالْمَدِينُ كِلاَهُمَا مِنَ الْمُطَالِبِ، وَرَجَعَ الْكَفِيل بِالْمَال عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لأَِنَّهُ بَرَاءَةُ قَبْضٍ وَاسْتِيفَاءٍ، كَأَنَّهُ قَال: دَفَعْتَ إِلَيَّ. أَمَّا إِنْ قَال: بَرِئْتَ مِنَ الْمَال، أَوْ: أَبْرَأْتُكَ، بِدُونِ لَفْظِ (إِلَيَّ) فَلاَ رُجُوعَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ إِبْرَاءُ إِسْقَاطٍ، لاَ إِقْرَارٌ بِالْقَبْضِ. عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ الْكَفَالَةُ. (34)
وَوَجْهُ اعْتِبَارِهِمَا قِسْمَيْنِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الإِْبْرَاءِ وَالإِْقْرَارِ يُرَادُ بِهِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَفَصْل الْخُصُومَةِ وَعَدَمُ جَوَازِ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَهُمَا. فَالْمُرَادُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ. وَلِذَا عَبَّرُوا بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ وَإِنِ اخْتَلَفَا مَفْهُومًا. (35)
وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ لَيْسَ لِلإِْبْرَاءِ فِي ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِثَمَرَةِ الإِْبْرَاءِ وَمَقْصُودِهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الإِْقْرَارَ - وَمِنْهُ الإِْقْرَارُ بِالاِسْتِيفَاءِ - غَيْرُ الإِْبْرَاءِ فِي الشُّرُوطِ وَالأَْرْكَانِ وَالآْثَارِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فِي حِينِ يَخْتَصُّ إِبْرَاءُ الإِْسْقَاطِ بِالدُّيُونِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَسَيَقْتَصِرُ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لأَِنَّ تَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِإِبْرَاءِ الاِسْتِيفَاءِ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (إِقْرَار) .
وَلَمْ نَقِفْ فِي غَيْرِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهَذَا التَّقْسِيمِ لِلإِْبْرَاءِ. وَإِنْ كَانَتْ لِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ صُوَرٌ يُمَيِّزُونَ فِيهَا بَيْنَ بَرَاءَةِ الاِسْتِيفَاءِ وَبَرَاءَةِ الإِْسْقَاطِ.
وَهُنَاكَ تَقْسِيمٌ آخَرُ لِلإِْبْرَاءِ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، تَبَعًا لِلصِّيغَةِ الَّتِي يَرِدُ بِهَا، وَيَظْهَرُ أَثَرُهَا فَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الإِْبْرَاءُ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ تَحْتَ عُنْوَانِ (أَنْوَاع الإِْبْرَاءِ) بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الأَْرْكَانِ.

الإِْبْرَاءُ لِلإِْسْقَاطِ أَوِ التَّمْلِيكِ:
15 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الإِْبْرَاءِ، هَل هُوَ لِلإِْسْقَاطِ أَوِ التَّمْلِيكِ. وَتَبَايَنَتْ أَقْوَال الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِتَوْجِيهِ الأَْحْكَامِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ لِكُل مَذْهَبٍ رَأْيٌ غَالِبٌ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لِلإِْسْقَاطِ. قَال السُّبْكِيُّ: لَوْ كَانَ الإِْبْرَاءُ تَمْلِيكًا لَصَحَّ الإِْبْرَاءُ مِنَ الأَْعْيَانِ.

الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: مَا نَقَلَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ. قَال الْقَاضِي زَكَرِيَّا: الإِْبْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ تَمْلِيكًا، الْمَقْصُودُ مِنْهُ الإِْسْقَاطُ. (36)
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: مَا نَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ أَيْضًا، أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحَنَابِلَةِ جَزَمُوا بِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَقَالُوا: إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ إِسْقَاطٌ، فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهُ ثُمَّ سَقَطَ (37) .
وَهُنَاكَ اتِّجَاهٌ آخَرُ ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، هُوَ أَنَّ الإِْبْرَاءَ - فِي غَيْرِ مُقَابَلَتِهِ لِلطَّلاَقِ - تَمْلِيكٌ مِنَ الْمُبْرِئِ، إِسْقَاطٌ عَنِ الْمُبْرَأِ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ مَالاً فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ، بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ عِلْمِ الأَْوَّل دُونَ الثَّانِي (38) . غَلَبَةِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ تَسَاوِيهِمَا:
16 - الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ اشْتِمَال الإِْبْرَاءِ عَلَى كِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ: الإِْسْقَاطِ وَالتَّمْلِيكِ، وَفِي كُل مَسْأَلَةٍ تَكُونُ الْغَلَبَةُ لأَِحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ تَبَعًا لِلْمَوْضُوعِ، كَالإِْبْرَاءِ عَنِ الأَْعْيَانِ، فَهُوَ لِلتَّمْلِيكِ؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ. أَمَّا فِي الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ فَيَجْرِي الْمَعْنَيَانِ كِلاَهُمَا. فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ مِنْ أَنَّ الإِْبْرَاءَ عَنِ الدَّيْنِ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَمَعْنَى الإِْسْقَاطِ، وَمَثَّل لِمَا غَلَبَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ، وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ. (39)
وَمَثَّل بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ لِمَا غَلَبَ فِيهِ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لاَ يَهَبُهُ، فَأَبْرَأَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، وَهَذَا إِسْقَاطٌ. وَأَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ الإِْبْرَاءُ عَنِ الزَّكَاةِ، لاِنْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ.
وَنَقَل الْقَاضِي زَكَرِيَّا عَنِ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ قَوْلَهُ: " الْمُخْتَارُ أَنَّ كَوْنَ الإِْبْرَاءِ تَمْلِيكًا أَوْ إِسْقَاطًا مِنَ الْمَسَائِل الَّتِي لاَ يُطْلَقُ فِيهَا تَرْجِيحٌ، بَل يَخْتَلِفُ الرَّاجِحُ بِحَسَبِ الْمَسَائِل، لِقُوَّةِ الدَّلِيل وَضَعْفِهِ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ مَالاً فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ.
وَمِمَّا غَلَبَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَرْجِيحُهُمْ اشْتِرَاطَ الْقَبُول فِي الإِْبْرَاءِ، كَمَا سَيَأْتِي. (40) عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَا يَصْلُحُ بِالاِعْتِبَارَيْنِ (الإِْسْقَاطِ وَالتَّمْلِيكِ بِالتَّسَاوِي) . وَمِنْهُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْوَارِثُ مَدِينَ مُوَرِّثِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَوْتِهِ، ثُمَّ بَانَ مَيِّتًا، فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ إِسْقَاطٌ يَصِحُّ، وَكَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ تَمْلِيكًا؛ لأَِنَّ الْوَارِثَ لَوْ بَاعَ عَيْنًا قَبْل الْعِلْمِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ ثُمَّ ظَهَرَ مَوْتُهُ صَحَّ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَهُنَا بِالأَْوْلَى (41) .

اخْتِلاَفُ الْحُكْمِ بِاخْتِلاَفِ الاِعْتِبَارِ:
17 - قَدْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلاَفِ اعْتِبَارِ الإِْبْرَاءِ، هَل هُوَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا لَوْ وَكَّل الدَّائِنُ الْمَدِينَ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ صَحَّ التَّوْكِيل، نَظَرًا إِلَى جَانِبِ الإِْسْقَاطِ، وَلَوْ نَظَرَ إِلَى جَانِبِ التَّمْلِيكِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ. (42)
أَرْكَانُ الإِْبْرَاءِ
تَمْهِيدٌ:
18 - لِلإِْبْرَاءِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، بِحَسَبِ الإِْطْلاَقِ الْوَاسِعِ لِلرُّكْنِ، لِيَشْمَل كُل مَا هُوَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الشَّيْءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ مَاهِيَّتِهِ أَمْ خَارِجًا عَنْهَا، كَالأَْطْرَافِ وَالْمَحَل، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. فَالأَْرْكَانُ عِنْدَهُمْ هُنَا: الصِّيغَةُ وَالْمُبْرِئُ (صَاحِبُ الْحَقِّ أَوِ الدَّائِنُ) وَالْمُبْرَأُ (الْمَدِينُ) وَالْمُبْرَأُ مِنْهُ (مَحَل الإِْبْرَاءِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ)
وَرُكْنُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الصِّيغَةُ فَقَطْ، أَمَّا الْمُتَعَاقِدَانِ وَالْمَحَل فَهِيَ أَطْرَافُ الْعَقْدِ وَلَيْسَتْ رُكْنًا، لِمَا سَبَقَ. الصِّيغَةُ:
19 - الأَْصْل فِي الصِّيغَةِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول مَعًا فِي الْعَقْدِ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَرَى تَوَقُّفَ الإِْبْرَاءِ عَلَى الْقَبُول. أَمَّا مَنْ لاَ يَرَى حَاجَةَ الإِْبْرَاءِ إِلَيْهِ فَالصِّيغَةُ هِيَ الإِْيجَابُ فَقَطْ.

الإِْيجَابُ:
20 - يَحْصُل إِيجَابُ الإِْبْرَاءِ بِجَمِيعِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَهُوَ التَّخَلِّي عَمَّا لِلدَّائِنِ عِنْدَ الْمَدِينِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ وَاضِحَ الدَّلاَلَةِ عَلَى الأَْثَرِ (سُقُوطُ الْحَقِّ وَالْمُبْرَأِ مِنْهُ) ، فَيَحْصُل بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَيْهِ صَرَاحَةً أَوْ كِنَايَةً مَحْفُوفَةً بِالْقَرِينَةِ، سَوَاءٌ أُورِدَ مُسْتَقِلًّا أَمْ تَبَعًا ضِمْنَ عَقْدٍ آخَرَ. (43)
وَلاَ بُدَّ أَنْ يَنْتَفِيَ احْتِمَال الْمُعَاوَضَةِ، أَوْ قَصْدُ مُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ، كَمَا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا، فَهُوَ صُلْحٌ بِمَالٍ، عَلَى خِلاَفٍ سَيَأْتِي فِيمَا بَعْدُ. وَكَذَا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ مِنْ حُلُول الدَّيْنِ، فَهُوَ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، لاَ لِسُقُوطِهَا.
وَالإِْبْرَاءُ الْمُطْلَقُ هُوَ مِنَ الإِْسْقَاطَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ اتِّفَاقًا. فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ الْمُؤَقَّتُ، كَأَنْ يَقُول: أَبْرَأْتُكَ مِمَّا لِي عَلَيْكَ سَنَةً، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. وَهُوَ مُسْتَفَادُ عِبَارَاتِ غَيْرِهِمْ فِي حَال الإِْطْلاَقِ. أَمَّا تَقْيِيدُ الإِْبْرَاءِ بِأَنَّهُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ فَهُوَ لَيْسَ مِنَ الإِْبْرَاءِ الْمُطْلَقِ وَإِنْ سَمَّاهُ ابْنُ الْهُمَامِ تَجَوُّزًا (إِبْرَاءً مُؤَقَّتًا) . (44)
وَمِثْل الْقَوْل فِي ذَلِكَ الْكِتَابَةُ الْمَرْسُومَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ، أَوِ الإِْشَارَةُ الْمَعْهُودَةُ، بِشُرُوطِهِمَا الْمُفَصَّلَةِ فِي مَوْطِنِهِمَا.
21 - وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى لَفْظِ الإِْبْرَاءِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَى حُصُول الإِْيجَابِ بِهِ - أَمْثِلَةً عَدِيدَةً لِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الإِْبْرَاءِ. وَلَمْ يَنُصَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى انْحِصَارِ الصِّيغَةِ فِيمَا أَشَارُوا إِلَيْهِ، وَمِنْ تِلْكَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا صِيغَتُهُ: الإِْسْقَاطُ، وَالتَّمْلِيكُ، وَالإِْحْلاَل، وَالتَّحْلِيل، وَالْوَضْعُ، وَالْعَفْوُ، وَالْحَطُّ، وَالتَّرْكُ، وَالتَّصَدُّقُ، وَالْهِبَةُ، وَالْعَطِيَّةُ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَإِنَّمَا صَحَّ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ انْصَرَفَ إِلَى مَعْنَى الإِْبْرَاءِ. ثُمَّ نَقَل عَنِ الْحَارِثِيِّ قَوْلَهُ: لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ، لاِنْتِفَاءِ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ. (45) كَمَا اسْتَدَل مِنْ مَثَّل بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوِ التَّصَدُّقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَهْرِ {إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وقَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الدِّيَةِ {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا} وقَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ إِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وَبِقَوْلِهِ ﵊ دَاعِيًا لإِِبْرَاءِ الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ (46) وَقَدْ يَحْصُل الإِْبْرَاءُ بِصِيغَةٍ يَدُل تَرْكِيبُهَا عَلَيْهِ، كَأَنْ يَقُول: لَيْسَ لِي عِنْدَ فُلاَنٍ حَقٌّ، أَوْ: مَا بَقِيَ لِي عِنْدَهُ حَقٌّ، أَوْ: لَيْسَ لِي مَعَ فُلاَنٍ دَعْوَى، أَوْ: فَرَغْتُ مِنْ دَعْوَايَ الَّتِي هِيَ مَعَ فُلاَنٍ، أَوْ: تَرَكْتُهَا. (47)
22 - وَيُسْتَفَادُ مِمَّا أَوْرَدَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مِنْ تَعْقِيبٍ عَلَى مَا جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ أَنَّ هُنَاكَ صِيَغًا مُخَصِّصَةٌ لِلإِْبْرَاءِ مِنَ الأَْمَانَاتِ أَوِ الدُّيُونِ، وَأُخْرَى لاَ يَحْصُل عُمُومُ الإِْبْرَاءِ إِلاَّ بِهَا - يُسْتَفَادُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْعُرْفِ فِيمَا يَحْصُل بِهِ الإِْبْرَاءُ أَصْلاً، أَوْ تَعْمِيمًا، أَوْ تَخْصِيصًا بِمَوْضُوعٍ دُونَ آخَرَ، كَمَا يُنْظَرُ إِلَى الْقَرَائِنِ فِي الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَهَا أَكْثَرُ مِنْ إِطْلاَقٍ. وَمِنْ ذَلِكَ عِبَارَةُ " بَرِئْتُ مِنْ فُلاَنٍ " الَّتِي تَحْتَمِل نَفْيَ الْمُوَالاَةِ وَالْبَرَاءَةَ مِنَ الْحُقُوقِ. فَإِذَا جَرَى الْعُرْفُ، أَوْ دَلَّتِ الْقَرَائِنُ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا هِيَ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يُمَثِّلُوا بِهِ لِلإِْيجَابِ عَنِ الإِْبْرَاءِ، كَعِبَارَةِ " التَّنَازُل " أَوِ " التَّخَلِّي عَنِ الْحَقِّ ". فَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْعُرْفِ (48) . الْقَبُول:
23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الإِْبْرَاءَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول أَوْ لاَ، عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ حَاجَةِ الإِْبْرَاءِ إِلَى الْقَبُول، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ) وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لأَِشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَهَؤُلاَءِ يَرَوْنَ أَنَّ الإِْبْرَاءَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ، وَالإِْسْقَاطَاتُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ، كَالطَّلاَقِ، وَالْعِتْقِ، وَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَالْقِصَاصِ، بَل قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ الْمَذْهَبُ، سَوَاءٌ أَقُلْنَا: الإِْبْرَاءُ إِسْقَاطٌ أَمْ تَمْلِيكٌ. (49)
الاِتِّجَاهُ الآْخَرُ: حَاجَةُ الإِْبْرَاءِ إِلَى الْقَبُول، وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ، أَيْ تَمْلِيكُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ لَهُ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيل الْهِبَةِ، وَهِيَ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقَبُول. (50) قَال الْقَرَافِيُّ: يَتَأَكَّدُ ذَلِكَ - أَيْ الاِفْتِقَارُ لِلْقَبُول - بِأَنَّ الْمِنَّةَ قَدْ تَعْظُمُ فِي الإِْبْرَاءِ، وَذَوُو الْمُرُوءَاتِ وَالأَْنَفَاتِ يَضُرُّ ذَلِكَ بِهِمْ، لاَ سِيَّمَا مِنَ السَّفَلَةِ، فَجَعَل صَاحِبُ الشَّرْعِ لَهُمْ قَبُول ذَلِكَ أَوْ رَدَّهُ، نَفْيًا لِلضَّرَرِ الْحَاصِل مِنَ الْمِنَنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. (51) وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَرْبِطُونَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْل وَبَيْنَ الْخِلاَفِ فِي مَعْنَى الإِْبْرَاءِ، عَلَى مَا سَبَقَ.
24 - وَلاَ فَرْقَ فِي الْحَاجَةِ إِلَى الْقَبُول أَوْ عَدَمِهَا بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِالإِْبْرَاءِ، أَوِ التَّعْبِيرِ بِهِبَةِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، وَإِثْبَاتُ الْفَرْقِ هُوَ مَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِذْ قَالُوا فِيهَا بِالْحَاجَةِ لِلْقَبُول لِمَا فِي اللَّفْظِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَهَا آكَدَ فِي الاِفْتِقَارِ لِلْقَبُول - عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الإِْبْرَاءِ عُمُومًا - لأَِنَّهَا نَصٌّ فِي التَّمْلِيكِ، وَهُوَ خِلاَفُ مَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، لِنَظَرِهِمْ إِلَى وَحْدَةِ الْمَقْصُودِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الإِْبْرَاءِ.
هَذَا، وَبِالرَّغْمِ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنِ اعْتِبَارِ الْقَبُول مَحْدُودًا بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ مَا دَامَ قَائِمًا فَقَدِ اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْقَبُول فِي صُورَةِ مَنْ يُوَكِّل فِي إِبْرَاءِ نَفْسِهِ. (52)
وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ، وَلَوْ بِالسُّكُوتِ عَنِ الْقَبُول زَمَانًا، فَلَهُ الْقَبُول بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَال الْقَرَافِيُّ: إِنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. (53)
25 - وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ عَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى الْقَبُول: الْعُقُودَ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، كَالصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ (أَيْ عَنْ رَأْسِ مَال السَّلَمِ) فَيَتَوَقَّفُ فِيهَا الإِْبْرَاءُ عَلَى الْقَبُول؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ عَنْ بَدَل الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ يَفُوتُ بِهِ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ، وَفَوَاتُهُ يُوجِبُ بُطْلاَنَ الْعَقْدِ، وَنَقْضُ الْعَقْدِ لاَ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُول الآْخَرِ، فَإِنْ قَبِلَهُ بَرِئَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ لاَ يَبْرَأُ. وَهَذَا بِخِلاَفِ سَائِرِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْفَسْخِ لِعَقْدٍ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ مِنْ وَجْهٍ، وَمَعْنَى الإِْسْقَاطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. أَمَّا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَوْ عَنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَهُوَ جَائِزٌ بِدُونِ قَبُولٍ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِسْقَاطُ شَرْطٍ. (54)

رَدُّ الإِْبْرَاءِ:
26 - يَنْبَنِي اخْتِلاَفُ النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخِلاَفِ فِي أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ. وَالَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حَاجَتُهُ لِلْقَبُول أَوْ عَدَمُ حَاجَتِهِ. فَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ حَاجَتِهِ لِلْقَبُول، ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ كَالْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْخِيَارِ وَالطَّلاَقِ، لاَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، كَالْهِبَةِ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُول (وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الآْخَرِ وَمَعَهُمْ فِي هَذَا الْحَنَفِيَّةُ الَّذِينَ رَاعَوْا مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى الْقَبُول عِنْدَهُمْ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ) يَرَوْنَ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ. وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ هَل يَتَقَيَّدُ الرَّدُّ بِمَجْلِسِ الإِْبْرَاءِ، أَوْ هُوَ عَلَى إِطْلاَقِهِ. وَالَّذِي فِي الْبَحْرِ وَالْحَمَوِيِّ عَلَى الأَْشْبَاهِ إِطْلاَقُ صِحَّةِ الرَّدِّ فِي مَجْلِسِ الإِْبْرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَالرَّدُّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ مَا يَصْدُرُ مِنَ الْمُبْرِئِ، أَوْ مِنْ وَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَخَالَفَ فِي الثَّانِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (55) .
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَسَائِل لاَ يَرْتَدُّ فِيهَا الإِْبْرَاءُ بِالرَّدِّ وَهِيَ:
1، 2 - الإِْبْرَاءُ فِي الْحَوَالَةِ (وَالْكَفَالَةِ عَلَى الأَْرْجَحِ) لأَِنَّهُمَا مُتَمَحِّضَانِ لِلإِْسْقَاطِ، لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ فِي حَقِّ الْكَفِيل، لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ مَالٍ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ، وَالإِْسْقَاطُ الْمَحْضُ لاَ يَحْتَمِل الرَّدَّ لِتَلاَشِي السَّاقِطِ، بِخِلاَفِ التَّأْخِيرِ، لِعَوْدِهِ بَعْدَ الأَْجَل.
3 - إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الإِْبْرَاءِ طَلَبٌ مِنَ الْمُبْرَأِ بِأَنْ قَال: أَبْرِئْنِي، فَأَبْرَأَهُ فَرَدَّ، لاَ يَرْتَدُّ. 4 - إِذَا سَبَقَ لِلْمُبْرَأِ أَنْ قَبِلَهُ ثُمَّ رَدَّهُ لاَ يَرْتَدُّ. (56)
الْمُبْرِئُ وَشُرُوطُهُ:
27 - الإِْبْرَاءُ كَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَصَرِّفِ بِهِ الأَْهْلِيَّةُ التَّامَّةُ لِلتَّعَاقُدِ، مِنْ عَقْلٍ وَبُلُوغٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَلاَمِ عَنِ الأَْهْلِيَّةِ وَالْعَقْدِ. وَلَكِنَّ الأَْهْلِيَّةَ الْمَطْلُوبَةَ هُنَا هِيَ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ، بِأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ أَوِ الْمَدْيُونِيَّةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ (الْحَجْرِ) .
وَتُشْتَرَطُ الْوِلاَيَةُ؛ لأَِنَّ كُل إِبْرَاءٍ لاَ يَخْلُو مِنْ حَقٍّ يَجْرِي التَّنَازُل عَنْهُ (بِإِسْقَاطِهِ أَوْ تَمْلِيكِهِ) ، لِذَا لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ التَّنَازُل مِنْ قِبَل صَاحِبِ الْحَقِّ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَتَصَرَّفُ عَنْهُ، فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ إِلاَّ بِأَنْ يَكُونَ لِلْمُبْرِئِ وِلاَيَةٌ عَلَى الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ أَوْ مُوَكَّلاً بِالإِْبْرَاءِ مِنْهُ، أَوْ مُتَصَرِّفًا بِالْفُضَالَةِ عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَحِقَتْهُ الإِْجَازَةُ مِنَ الْمَالِكِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (فُضُولِيّ) .
وَالْعِبْرَةُ فِي وِلاَيَةِ الْمُبْرِئِ عَلَى الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ هُوَ بِمَا فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ لاَ بِمَا فِي الظَّنِّ. فَلَوْ أَبْرَأَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَال أَبِيهِ ظَانًّا بَقَاءَ أَبِيهِ حَيًّا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا حِينَ الإِْبْرَاءِ صَحَّ؛ لأَِنَّ الْمُبْرَأَ مِنْهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ حِينَ الإِْبْرَاءِ فِي الْوَاقِعِ.
وَيُشْتَرَطُ الرِّضَا، فَإِبْرَاءُ الْمُكْرَهِ لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ مَعَ الْهَزْل لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْقْرَارِ بِفَرَاغِ الذِّمَّةِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الإِْكْرَاهُ. (57)
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مِمَّا يَشُوبُ شَرِيطَةَ الرِّضَا أَنْ يَعْلَمَ الْمَدِينُ وَحْدَهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ، فَيَكْتُمُهُ عَنِ الدَّائِنِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْتَكْثِرَهُ فَلاَ يُبْرِئَهُ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ صَادِرٌ حِينَئِذٍ عَنْ إِرَادَةٍ غَيْرِ مُعْتَبَرَةٍ. (58)
التَّوْكِيل بِالإِْبْرَاءِ:
28 - يَصِحُّ التَّوْكِيل بِالإِْبْرَاءِ وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنَ الإِْذْنِ الْخَاصِّ بِهِ، وَلاَ يَكْفِي لَهُ إِذْنُ الْوَكَالَةِ بِعَقْدٍ مَا (59) ، وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ بِشَأْنِ السَّلَمِ أَنَّهُ إِذَا أَبْرَأَ وَكِيل الْمُسَلَّمِ الْمُسَلَّمَ إِلَيْهِ بِلاَ إِذْنٍ لَمْ يَبْرَأْ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ. فَلَوْ قَال لَهُ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ: لَسْتَ وَكِيلاً وَالسَّلَمُ لَكَ وَأَبْرَأْتَنِي مِنْهُ، نَفَذَ الإِْبْرَاءُ ظَاهِرًا، وَتَعَطَّل بِذَلِكَ حَقُّ الْمُسَلِّمِ، وَغَرِمَ لَهُ الْوَكِيل قِيمَةَ رَأْسِ الْمَال لِلْحَيْلُولَةِ، فَلاَ يَغْرَمُ بَدَل الْمُسَلَّمِ فِيهِ كَيْلاَ يَكُونَ اعْتِيَاضًا عَنْهُ. كَمَا خَصَّ الْحَنَفِيَّةُ إِبْرَاءَ الْوَكِيل وَالْوَصِيِّ فِيمَا وَجَبَ بِعَقْدِهِمَا، وَيَضْمَنَانِ. وَلاَ يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يَجِبْ بِعَقْدِهِمَا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَكِيل مَأْذُونًا بِالإِْبْرَاءِ فَوَكَّل غَيْرَهُ بِهِ فَأَجْرَاهُ فِي حُضُورِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ. (60) وَإِنْ وَكَّلَهُ بِإِبْرَاءِ غُرَمَائِهِ، وَكَانَ الْوَكِيل مِنْهُمْ لَمْ يُبْرِئْ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّ الْمُخَاطَبَ لاَ يَدْخُل فِي عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ لَهُ عَلَى الأَْصَحِّ، فَإِنْ قَال: وَإِنْ شِئْتَ فَأَبْرِئْ نَفْسَكَ، فَلَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ وَكَّل الْمَدِينَ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ. (61)
إِبْرَاءُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ:
29 - يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُبْرِئُ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بِحَسَبِ الْمُبْرَأِ، فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَالدَّيْنُ يُجَاوِزُ ثُلُثَ التَّرِكَةِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ لَهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ الْمُبْرَأُ وَارِثًا تَوَقَّفَ الإِْبْرَاءُ كُلُّهُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ. وَإِذَا أَبْرَأَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ أَحَدَ مَدْيُونِيهِ، وَالتَّرِكَةُ مُسْتَغْرَقَةٌ بِالدُّيُونِ، لَمْ يَنْفُذْ إِبْرَاؤُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ (62) وَتَفْصِيل ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ (مَرَضِ الْمَوْتِ) .

الْمُبْرَأُ وَشُرُوطُهُ:
30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْمُبْرَأِ، فَلاَ يَصِحُّ. الإِْبْرَاءُ لِمَجْهُولٍ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، فَلَوْ أَبْرَأَ أَحَدَ مَدِينِيهِ عَلَى التَّرَدُّدِ لَمْ يَصِحَّ، خِلاَفًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. (63)
فَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُبْرَأِ تَعْيِينًا كَافِيًا. كَمَا أَنَّ الإِْقْرَارَ بِبَرَاءَةِ كُل مَدِينٍ لَهُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ إِذَا كَانَ يَقْصِدُ مَدِينًا مُعَيَّنًا أَوْ أُنَاسًا مَحْصُورِينَ. (64)
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبْرَأِ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِالْحَقِّ، بَل يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ لِلْمُنْكِرِ أَيْضًا، بَل حَتَّى لَوْ جَرَى تَحْلِيفُ الْمُنْكِرِ يَصِحُّ إِبْرَاؤُهُ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ الْمُبْرِئَ يَسْتَقِل بِالإِْبْرَاءِ - لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إِلَى الْقَبُول - فَلاَ حَاجَةَ فِيهِ إِلَى تَصْدِيقِ الْغَرِيمِ. (65)

الْمُبْرَأُ مِنْهُ (الْمَحَل) وَشُرُوطُهُ:
31 - يَخْتَلِفُ الْمُبْرَأُ مِنْهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحُقُوقِ أَوِ الدُّيُونِ أَوِ الأَْعْيَانِ. وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَنْ ذَلِكَ فِي (مَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ) . وَتَبَعًا لِلاِخْتِلاَفِ السَّابِقِ بَيَانُهُ، فِي أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ أَوِ الْغَالِبُ فِيهِ أَحَدُهُمَا، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول، فَمَنْ نَظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ اشْتَرَطَ الْعِلْمَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ تَمْلِيكُ الْمَجْهُول، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَعْنَى الإِْسْقَاطِ ذَهَبَ إِلَى الصِّحَّةِ.
فَالاِتِّجَاهُ الأَْوَّل الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) أَنَّ الإِْبْرَاءَ مِنَ الْمَجْهُول صَحِيحٌ، بَل صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيل بِالإِْبْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الْمُبْرَأُ مِنْهُ مَجْهُولاً لِكُلٍّ مِنَ الثَّلاَثَةِ (الْمُوَكِّل، وَالْوَكِيل، وَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ) لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ - كَمَا قَالُوا - هِبَةٌ، وَهِبَةُ الْمَجْهُول جَائِزَةٌ. وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ بِمَا لَوْ أَبْرَأَ ذِمَّةَ غَرِيمِهِ، وَهُمَا لاَ يَعْلَمَانِ بِكَمْ هِيَ مَشْغُولَةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ جَهَالَةَ السَّاقِطِ لاَ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ.
وَيَقْرَبُ مِنْهُ الاِتِّجَاهُ الثَّانِي، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، وَهُوَ صِحَّةُ الإِْبْرَاءِ مَعَ الْجَهْل إِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَوْ كَتَمَهُ طَالِبُ الإِْبْرَاءِ خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ الْمُبْرِئُ لَمْ يُبْرِئْهُ، لَمْ يَصِحَّ.
أَمَّا الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ عَنِ الْمَجْهُول مُطْلَقًا. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَجْهُول بَيْنَ مَجْهُول الْجِنْسِ أَوِ الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ، حَتَّى الْحُلُول وَالتَّأْجِيل وَمِقْدَارِ الأَْجَل. كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الإِْبْرَاءُ ضِمْنَ مُعَاوَضَةٍ كَالْخُلْعِ، اشْتُرِطَ عِلْمُ الطَّرَفَيْنِ بِالْمُبْرَأِ عَنْهُ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ فَيَكْفِي عِلْمُ الْمُبْرِئِ وَحْدَهُ، وَلاَ أَثَرَ لِجَهْل الشَّخْصِ الْمُبْرَأِ. (66)
32 - وَمِمَّا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجْهُول مَا لاَ تَسْهُل مَعْرِفَتُهُ، بِخِلاَفِ مَا تَسْهُل مَعْرِفَتُهُ، كَإِبْرَائِهِ مِنْ حِصَّتِهِ فِي تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِ، لأَِنَّهُ وَإِنْ جَهِل قَدْرَ حِصَّتِهِ، لَكِنْ يَعْلَمُ قَدْرَ تَرِكَتِهِ، فَتَسْهُل مَعْرِفَةُ الْحِصَّةِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَمَانِ الْمَجْهُول، فَلاَ يَصِحُّ وَإِنْ أَمْكَنَتْ مَعْرِفَتُهُ؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يُحْتَاطُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ إِثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ، فِي حِينِ أَنَّ الإِْبْرَاءَ يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ. وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيل لَيْسَ مَوْضِعَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ صُورِيَّةٌ. وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول صُورَتَيْنِ، هُمَا: الإِْبْرَاءُ مِنْ الدِّيَةِ الْمَجْهُولَةِ، وَمَا إِذَا ذَكَرَ غَايَةً يَتَيَقَّنُ أَنَّ حَقَّهُ دُونَهَا، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ لِلإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول، بِأَنْ يُبْرِئَهُ عَمَّا يَتَأَكَّدُ أَنَّهُ أَزْيَدُ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَضَافَ الرَّمْلِيُّ إِلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مَا لَوْ أَبْرَأَ إِنْسَانًا مِمَّا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْل؛ لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصِيَّةِ. (67)
وَمِنْ صُوَرِ الْمَجْهُول: الإِْبْرَاءُ مِنْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ، قَال الْحَلْوَانِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَصِحُّ، وَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ، كَمَا فِي الطَّلاَقِ لإِِحْدَى زَوْجَتَيْهِ. قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يَعْنِي ثُمَّ يُقْرِعُ عَلَى الْمَذْهَبِ. (68)
شُرُوطٌ لِلإِْبْرَاءِ فِي ذَاتِهِ:
أ - شَرْطُ عَدَمِ مُنَافَاتِهِ لِلشَّرْعِ:
33 - مِمَّا هُوَ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَدُل عَلَيْهِ الْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ لِلشَّرِيعَةِ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الإِْبْرَاءِ أَنْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرْعِ، كَإِبْرَاءِ مَنْ شَرَطَ التَّقَابُضَ فِي الصَّرْفِ، وَالإِْبْرَاءِ مِنْ حَقِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ أَوِ الْوَصِيَّةِ (عَلَى خِلاَفٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ) وَالإِْبْرَاءِ مِنْ حَقِّ السُّكْنَى فِي بَيْتِ الْعِدَّةِ، وَحَقِّ الْوِلاَيَةِ عَلَى الصَّغِيرِ. (69) لأَِنَّ كُل مَا يُؤَدِّي إِلَى تَغَيُّرِ الْمَشْرُوعِ بَاطِلٌ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ تَغْيِيرَ حُكْمِ اللَّهِ. (70)
كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يُؤَدِّيَ الإِْبْرَاءُ إِلَى ضَيَاعِ حَقِّ الْغَيْرِ، كَالإِْبْرَاءِ مِنَ الأُْمِّ الْمُطَلَّقَةِ عَنْ حَقِّ الْحَضَانَةِ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الصَّغِيرِ مَعَ وُجُودِ حَقٍّ لِلْحَاضِنَةِ أَيْضًا، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ. (71)

ب - شَرْطُ سَبْقِ الْمِلْكِ:
34 - يُشْتَرَطُ سَبْقُ مِلْكِ الْمُبْرِئِ لِلْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُ الإِْنْسَانِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ دُونَ إِنَابَةٍ مِنْهُ، أَوْ فَضَالَةٍ عَنْهُ (عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ) . وَهَذَا الشَّرْطُ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي حَالَةِ الظُّهُورِ بِمَظْهَرِ الْمَالِكِ، حَتَّى عِنْدَ الَّذِينَ يُجِيزُونَ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ؛ لأَِنَّ الْفُضُولِيَّ هُوَ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِيمَا تَظْهَرُ مِلْكِيَّةُ غَيْرِهِ لَهُ، وَإِلاَّ كَانَ مِنْ بَيْعِ مَا لاَ يَمْلِكُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. . . وَتَدُل عَلَى هَذَا الشَّرْطِ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ مِمَّا تَفْصِيلُهُ فِي (الأَْهْلِيَّة) (وَالْعَقْد) وَمَا قَرَّرُوهُ فِي الْمُقَاصَّةِ بَيْنَ الدُّيُونِ مِنْ أَنَّهَا تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ مِلْكِ الدَّائِنِ لِلدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَأَنَّ الْمَدِينَ عِنْدَ الإِْيفَاءِ يَمْلِكُ مِثْل الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الدَّائِنِ، فَتُقْضَى الدُّيُونُ بِأَمْثَالِهَا لاَ بِأَعْيَانِهَا. وَمِثْل الإِْيفَاءِ: الإِْبْرَاءُ فِي وُرُودِهِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ الْمُبْرِئُ فِي ذِمَّةِ الشَّخْصِ الْمُبْرَأِ. (72)
وَمِمَّا يَدُل عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ الْخِلاَفُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي إِبْرَاءِ الْمُحَال الْمُحِيل عَنِ الدَّيْنِ، حَيْثُ لاَ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لاِنْتِقَال الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيل، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْل الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ، خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ الْقَائِل بِأَنَّهَا نَقْل الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ، فَيُصَادِفُ الإِْبْرَاءُ ذِمَّةً مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ. (73)
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْبُلْقِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، بِقَوْلِهِ:
" فِي مَسْأَلَةِ الإِْبْرَاءِ يَمْلِكُ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ، وَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ، وَقَدْ نَفَذَ الإِْبْرَاءُ لِحُصُولِهِ فِي مِلْكِ الْمَدْيُونِ قَهْرًا مِمَّنْ كَانَ يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ " أَيْ عِنْدَ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُ الْقَبُول كَمَا سَبَقَ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْل عَمِيرَةَ: " إِنَّ صِحَّةَ الإِْبْرَاءِ تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبْقِ الْمِلْكِ " (74) وَمِنْهُ قَوْل ابْنِ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَقِبَ حَدِيثِ لاَ طَلاَقَ وَلاَ عِتْقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ وَالإِْبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا " (75) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَصْرِيحِ الدَّرْدِيرِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْهِبَةِ وَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ فِي مَال غَيْرِهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سَبْقُ مِلْكِ الْمُبْرِئِ لِمَا أَبْرَأَ مِنْهُ. (76) بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِضَرُورَةِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ حَيْثُ عَلَّل الْمَاوَرْدِيُّ مِنْهُمْ عَدَمَ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ عَنْ بَدَل الصَّرْفِ قَبْل التَّقَابُضِ بِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ. (77)
وَهَل يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُبْرِئِ بِمِلْكِهِ مَا يُبْرِئُ مِنْهُ، أَمْ يَكْفِي تَحَقُّقُ مِلْكِهِ إِيَّاهُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ وَلَوْ اعْتَقَدَ عَدَمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ لِلأَْبِ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ، فَأَبْرَأَهُ مِنْهُ الاِبْنُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَوْتَ أَبِيهِ، فَبَانَ مَيِّتًا، أَيْ فَظَهَرَ أَنَّ الاِبْنَ الْمُبْرِئَ يَمْلِكُهُ فِي الْوَاقِعِ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ سَوَاءٌ اعْتُبِرَ الإِْبْرَاءُ إِسْقَاطًا أَوْ تَمْلِيكًا، كَمَا سَبَقَ، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا بَيْنَ كَوْنِ الإِْبْرَاءِ إِسْقَاطًا فَيَصِحُّ، أَوْ تَمْلِيكًا فَلاَ يَصِحُّ (78) . وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى تَصْرِيحٍ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

الإِْبْرَاءُ بَعْدَ سُقُوطِ الْحَقِّ أَوْ دَفْعِهِ:
35 - الإِْبْرَاءُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ السَّاقِطَ بِقَضَائِهِ الْمُطَالَبَةُ، لاَ أَصْل الدَّيْنِ، وَلِذَا قَالُوا: الدَّيْنَانِ يَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا (أَيْ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ) وَذَلِكَ لأَِنَّهُ تُقْضَى الدُّيُونُ بِأَمْثَالِهَا فَتَسْقُطُ مُطَالَبَةُ كُلٍّ لِلآْخَرِ لاِنْشِغَال ذِمَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدَيْنِ الآْخَرِ. فَإِذَا أَبْرَأَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَانَ لِلْمَدِينِ الرُّجُوعُ بِمَا أَدَّاهُ إِذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إِسْقَاطٍ. أَمَّا إِذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ فَلاَ رُجُوعَ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مِنَ الصِّيغَةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَقْسَامِ الإِْبْرَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ الْبَرَاءَةَ، فَاخْتَارَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تُحْمَل عَلَى الاِسْتِيفَاءِ لِعَدَمِ فَهْمِ غَيْرِهَا فِي عَصْرِهِ.
وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الإِْطْلاَقِ هُوَ الْعُرْفُ.
وَعَلَيْهِ لَوْ عَلَّقَ طَلاَقَ الْمَرْأَةِ بِإِبْرَائِهَا لَهُ مِنَ الْمَهْرِ ثُمَّ دَفَعَهُ لَهَا، لاَ يَبْطُل التَّعْلِيقُ، فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةَ إِسْقَاطٍ صَحَّتْ وَوَقَعَ الطَّلاَقُ وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا دَفَعَهُ.
وَمِثْلُهُ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَنْ إِنْسَانٍ ثُمَّ أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ عَلَى وَجْهِ الإِْسْقَاطِ فَلِلْمُتَبَرِّعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا تَبَرَّعَ بِهِ. (79)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا يُشْبِهُ هَذِهِ الصُّوَرَ إِلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّ الضَّامِنَ لَوْ قَضَى الدَّيْنَ ثُمَّ أَبْرَأَهُ عَنْهُ الْغَرِيمُ بَعْدَ قَبْضِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ إِنْ وَهَبَهُ بَعْضَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ. (80)
وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى رَأْيٍ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ.

ج - وُجُوبُ الْحَقِّ، أَوْ وُجُودُ سَبَبِهِ:
36 - الأَْصْل أَنْ يَقَعَ الإِْبْرَاءُ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ، لأَِنَّهُ لإِِسْقَاطِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ انْشِغَالِهَا. وَلَكِنَّهُ قَدْ يَأْتِي قَبْل وُجُوبِ الْحَقِّ، وَهُنَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي يَنْشَأُ بِهِ الْوُجُوبُ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ.
وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ قَبْل وُجُودِ السَّبَبِ، فَوُجُودُهُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الاِسْتِحْقَاقِ فِيهِ سَاقِطٌ أَصْلاً بِالْكُلِّيَّةِ، فَلاَ مَعْنَى لإِِسْقَاطِ مَا هُوَ سَاقِطٌ فِعْلاً، وَيَكُونُ الإِْبْرَاءُ مِنْهُ مُجَرَّدَ امْتِنَاعٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْزِمٍ، لأَِنَّهُ وَعْدٌ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِمَا أَبْرَأَ مِنْهُ، عَلَى مَا سَبَقَ. (81)
37 - وَأَمَّا بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ فَفِي اشْتِرَاطِ وُجُوبِ الْحَقِّ وَحُصُولِهِ فِعْلاً خِلاَفٌ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ شَرْطٌ، فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ قَبْل الْوُجُوبِ وَإِنْ انْعَقَدَ السَّبَبُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِيمَا لاَ يُمْلَكُ (82) . وَالإِْبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا، وَقَدِ اعْتَبَرُوا مَا لَمْ يَجِبْ سَاقِطًا فَلاَ مَعْنَى لإِِسْقَاطِهِ. (83)
وَقَدْ مَثَّل الْحَنَفِيَّةُ لِذَلِكَ بِالإِْبْرَاءِ عَنْ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ قَبْل فَرْضِهَا (أَيْ الْقَضَاءِ بِتَقْدِيرِهَا) فَلاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ إِبْرَاءٌ قَبْل الْوُجُوبِ - بِالرَّغْمِ مِنْ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ الاِحْتِبَاسُ - وَإِسْقَاطُ الشَّيْءِ قَبْل وُجُوبِهِ لاَ يَصِحُّ. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أَوْرَدُوهَا الإِْبْرَاءُ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَفَرَّقُوا فِي الْحُكْمِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ فِيهِ تَبَعًا لِوُجُوبِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الإِْبْرَاءُ، وَذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ مِنَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِ رَدِّهَا (أَيْ تُصْبِحُ لَدَيْهِ وَدِيعَةً) لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ تَعَلَّقَ بِضَمَانِ الرَّدِّ وَهُوَ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ. أَمَّا إِنِ اسْتَهْلَكَهَا الْغَاصِبُ، أَوْ مَنَعَهَا مِنَ الْمَالِكِ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَلاَ أَثَرَ لِلإِْبْرَاءِ، وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ قِيمَتَهَا. فَلَمْ يَتَعَلَّقِ الإِْبْرَاءُ بِالْقِيمَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِهَا حَال قِيَامِ الْعَيْنِ. (84)
كَمَا صَرَّحُوا بِعَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الْكَفَالَةِ بِالدَّرَكِ (فِيمَا لَوْ تَكَفَّل بِأَدَاءِ مَا يَمُوتُ فُلاَنٌ وَلَمْ يُؤَدِّهِ) لأَِنَّ الْكَفَالَةَ عَمَّا يَجِبُ مِنْ مَالٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَال لَمْ يَجِبْ لِلْكَفِيل عَلَى الأَْصِيل، فَلاَ يَصِحُّ إِبْرَاؤُهُ قَبْل الْوُجُوبِ. وَنَحْوُهُ لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ عَنْ ثَمَنِ مَا تَشْتَرِيهِ مِنِّي غَدًا فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ أَيْضًا.
وَمَثَّل لَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِإِبْرَاءِ الْمُفَوِّضَةِ عَنْ مَهْرِهَا قَبْل الْفَرْضِ (التَّقْدِيرِ) وَالدُّخُول، وَمِثْلُهُ الإِْبْرَاءُ عَنِ الْمُتْعَةِ قَبْل الطَّلاَقِ، لِعَدَمِ الْوُجُوبِ. وَاسْتَثْنَوْا صُورَةً يَصِحُّ فِيهَا الإِْبْرَاءُ قَبْل الْوُجُوبِ. وَهِيَ مَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلاَ إِذْنٍ، وَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ، أَوْ رَضِيَ بِبَقَائِهَا، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ حَافِرُهَا مِمَّا يَقَعُ فِيهَا. (85)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الاِكْتِفَاءِ بِوُجُودِ السَّبَبِ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ أَوِ الْوَاقِعَةُ الَّتِي يَنْشَأُ بِهَا الْحَقُّ الْمُبْرَأُ مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْحَقُّ بَعْدُ، وَقَدْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ الْحَطَّابُ فِي (الاِلْتِزَامَاتِ) فَعَقَدَ فَصْلاً لإِِسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْل وُجُوبِهِ، وَتَعَرَّضَ لِلْمَسَائِل الْمَشْهُورَةِ، وَكَرَّرَ الإِْشَارَةَ لِلْخِلاَفِ، وَاسْتَظْهَرَ الاِكْتِفَاءَ بِالسَّبَبِ. وَمِمَّا قَال: " إِذَا أَبْرَأَتِ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مِنْ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْل الْبِنَاءِ وَقَبْل أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَقَال ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ: يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الإِْبْرَاءِ مِمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ قَبْل حُصُول الْوُجُوبِ (وَذَكَرَ عِبَارَاتٍ شَتَّى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَى تَقَدُّمِ سَبَبِ الْوُجُوبِ أَوْ حُصُول الْوُجُوبِ) ثُمَّ قَال: فَهُوَ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ قَبْل وُجُوبِهِ بَعْدَ سَبَبِهِ ". (86)
ثُمَّ أَشَارَ الْحَطَّابُ إِلَى مَسْأَلَةِ إِسْقَاطِ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَل فَقَال: فِي لُزُومِ ذَلِكَ قَوْلاَنِ: هَل يَلْزَمُهَا؛ لأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِهَا قَدْ وُجِدَ، أَوْ لاَ يَلْزَمُهَا؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ؟ قَوْلاَنِ حَكَاهُمَا ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ " ثُمَّ قَال آخِرَ الْمَسْأَلَةِ: " وَالَّذِي تَحَصَّل مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْقَطَتْ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَل لَزِمَهَا ذَلِكَ عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ ". (87)
38 - وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي وُجُوبِ الْحَقِّ الْمُبْرَأِ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ لِلْوَاقِعِ لاَ لِلاِعْتِقَادِ، فَلَوْ أَبْرَأَهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنْ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، صَحَّ الإِْبْرَاءُ لِمُصَادَفَتِهِ الْحَقَّ الْوَاجِبَ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَصْرِيحٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ سِوَى الاِسْتِئْنَاسِ بِمَا سَبَقَ فِي شَرْطِ (سَبْقِ الْمِلْكِ) مِنَ اكْتِفَائِهِمْ بِالْوَاقِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ، أَوْ عَدَمُهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ. (88)
كَمَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ قَبْل حُلُول الدَّيْنِ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ عِبَارَاتِ غَيْرِهِمْ، لِجَعْلِهِمْ مُتَعَلِّقَ الإِْبْرَاءِ هُوَ الْحَقُّ الْوَاجِبُ لاَ وَقْتُ وُجُوبِهِ، وَلاِعْتِبَارِهِمُ الْحُلُول وَالتَّأْجِيل صِفَتَيْنِ، وَالإِْبْرَاءُ يَتَّصِل بِأَصْل وُجُوبِ الْحَقِّ لاَ بِصِفَاتِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الإِْبْرَاءَ هُوَ لِسُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ مُطْلَقًا، فَالْحَقُّ يُعْتَبَرُ وَاجِبًا وَلَوْ تَأَخَّرَ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِهِ. (89)

مَوْضُوعُ الإِْبْرَاءِ

39 - الإِْبْرَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ عَيْنًا (مَالاً مُعَيَّنًا) أَوْ حَقًّا مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَقْبَل الإِْسْقَاطَ، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.

الإِْبْرَاءُ عَنِ الدَّيْنِ:
40 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الدُّيُونَ الثَّابِتَةَ فِي الذِّمَمِ يَجْرِي فِيهَا الإِْبْرَاءُ، لِلأَْدِلَّةِ السَّابِقَةِ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ، لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ مَدَارُهُ إِسْقَاطُ مَا فِي الذِّمَمِ.

الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ:
41 - الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ دَعْوَى الْعَيْنِ، أَوْ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَنِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الدَّعْوَى بِصَدَدِ الْحُقُوقِ.
أَمَّا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا بِمَعْنَى الإِْسْقَاطِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ، فَلاَ تُوصَفُ بِالْبَرَاءَةِ، فَإِذَا أُطْلِقَ هَذَا التَّعْبِيرُ فَالْمُرَادُ الصَّحِيحُ مِنْهُ الإِْبْرَاءُ عَنْ عُهْدَتِهَا أَوْ دَعْوَاهَا وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا، كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (أَوْ هُوَ ثُبُوتُ الْبَرَاءَةِ بِالنَّفْيِ مِنَ الأَْصْل، أَوْ بِرَدِّ الْعَيْنِ إِلَى صَاحِبِهَا فِي إِبْرَاءِ الاِسْتِيفَاءِ الَّذِي عُنِيَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا أَنَّ الْمُرَادَ سُقُوطُ الطَّلَبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ إِذَا فَوَّتَهَا الْمُبْرَأُ، وَسُقُوطُ الطَّلَبِ بِرَفْعِ الْيَدِ عَنْهَا إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً. (90)
وَلِلْحَنَفِيَّةِ هُنَا تَفْصِيلٌ بَيْنَ الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ صَرَاحَةً، وَبَيْنَ الإِْبْرَاءِ عَنْهَا ضِمْنًا، أَوْ مِنْ خِلاَل الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ، فَإِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ ضِمْنِيًّا كَمَا لَوْ جَاءَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ، فَعَلَى جَوَابِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالإِْبْرَاءُ، وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ هَذَا بِمَعْنَى الإِْبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْعَيْنِ لاَ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا. وَعَلَى جَوَابِ الْهِدَايَةِ لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ الصُّلْحَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ إِسْقَاطٌ لِلْبَاقِي، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ مُبَاشَرَةً.
وَإِنْ كَانَ الإِْبْرَاءُ عَامًّا فَإِنَّهُ يَشْمَل الأَْعْيَانَ وَغَيْرَهَا، فَالْخِلاَفُ لَيْسَ فِي هَذَا. فَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الإِْبْرَاءَ مَتَى لاَقَى عَيْنًا لاَ يَصِحُّ، مَحْمُولٌ - كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ - عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الإِْبْرَاءُ الْمُقَيَّدُ بِالْعَيْنِ.
ثُمَّ قَال: وَمَعْنَى بُطْلاَنِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الأَْعْيَانِ أَنَّهَا لاَ تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى دَعْوَاهُ، بَل تَسْقُطُ فِي الْحُكْمِ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى لاِبْنِ عَابِدِينَ: مَعْنَاهُ أَنَّ لِلْمُبْرِئِ أَخْذَ الْعَيْنِ مَا دَامَتْ قَائِمَةً، فَلَوْ هَلَكَتْ سَقَطَ (أَيْ ضَمَانُهَا) لأَِنَّهَا بِالإِْبْرَاءِ صَارَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، أَيْ أَمَانَةً. (91)
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ عَدَمِ تَصْحِيحِ الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا مَا لَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً، كَالدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّ الإِْبْرَاءَ عَنْهَا صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَكَانَتْ هَالِكَةً أَمْ قَائِمَةً، لأَِنَّ الْهَالِكَةَ كَالدَّيْنِ، وَالْقَائِمَةَ يُرَادُ الْبَرَاءَةُ عَنْ ضَمَانِهَا لَوْ هَلَكَتْ، فَتَصِيرُ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ كَالْوَدِيعَةِ، وَالإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ أَمَانَةٌ يَصِحُّ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً.

الإِْبْرَاءُ عَنِ الْحُقُوقِ:
42 - الْحُقُوقُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَقًّا خَالِصًا لِلَّهِ ﷿، أَوْ حَقًّا خَالِصًا لِلْعَبْدِ، أَوْ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مَعَ غَلَبَةِ أَحَدِهِمَا. وَهِيَ إِمَّا مَالِيَّةٌ كَالْكَفَالَةِ، أَوْ غَيْرُ مَالِيَّةٍ، كَحَدِّ الْقَذْفِ.
وَالإِْبْرَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُهُ حَقًّا بِعَيْنِهِ، أَوْ جَمِيعَ الْحُقُوقِ، بِحَسَبِ الصِّيغَةِ، كَمَا لَوْ قَال: لاَ حَقَّ لِي قِبَل فُلاَنٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يَقْتَضِي الْعُرْفُ اسْتِيعَابَهُ جَمِيعَ الْحُقُوقِ، عَلَى الرَّاجِحِ الْمُصَرَّحِ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مِنِ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ وَعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأَْلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الدَّلاَلَةِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، كَمَا قِيل مِنْ أَنَّ (عِنْدَ) وَ (مَعَ) لِلأَْمَانَاتِ، وَ (عَلَى) لِلدُّيُونِ، عَلَى مَا سَبَقَ.
وَقَدْ تَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُرَادِ بِالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ حَتَّى جَعَلُوهَا تَشْمَل " الدُّيُونَ وَالْقَرْضَ وَالْقِرَاضَ وَالْوَدَائِعَ وَالرُّهُونَ وَالْمِيرَاثَ، وَكَذَلِكَ الْحَقُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الإِْتْلاَفِ كَالْغُرْمِ لِلْمَال " وَهُوَ إِطْلاَقٌ اصْطِلاَحِيٌّ لَيْسَ خَاصًّا بِهِمْ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ قَال: لاَ حَقَّ لِي قِبَل فُلاَنٍ، يَدْخُل الْعَيْنُ وَالدَّيْنُ وَالْكَفَالَةُ وَالْجِنَايَةُ. (92)
فَالإِْبْرَاءُ عَنِ الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ لِلْعَبْدِ، كَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ، صَحِيحٌ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا الْحُقُوقُ الْخَالِصَةُ لِلَّهِ ﷿، كَحَدِّ الزِّنَى فَلاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ عَنْهَا. وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ بَعْدَ طَلَبِهِ، وَحَدِّ السَّرِقَةِ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ. وَأَمَّا الْحُقُوقُ الَّتِي غَلَبَ فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ، كَالتَّعْزِيرِ فِي قَذْفٍ لاَ حَدَّ فِيهِ، فَيَصِحُّ الإِْبْرَاءُ عَنْهُ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ مَوْطِنُهُ الأَْبْوَابُ الَّتِي يُفَصَّل فِيهَا ذَلِكَ الْحَقُّ.

الإِْبْرَاءُ عَنْ حَقِّ الدَّعْوَى:
43 - الإِْبْرَاءُ عَنِ الدَّعْوَى إِمَّا أَنْ يَرِدَ عَامًّا أَوْ خَاصًّا، وَكَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَحْصُل أَصَالَةً أَوْ تَبَعًا، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي: يَكُونُ الإِْبْرَاءُ عَنِ الدَّعْوَى عَامًّا مُطْلَقًا إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْمُخَاصَمَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تُجَاهَ شَخْصٍ مَا، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ يَتَنَاوَل الْمَوْجُودَ وَمَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، وَالإِْبْرَاءُ عَمَّا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ وُجُوبِهِ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا. (93)
وَمِنَ الْعَامِّ نِسْبِيًّا الإِْبْرَاءُ عَنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَخْصٍ إِلَى تَارِيخِ الإِْبْرَاءِ، فَهَذَا الإِْبْرَاءُ صَحِيحٌ، وَلاَ تُسْمَعُ بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَاهُ بِحَقٍّ قَبْل الإِْبْرَاءِ. (94)
وَالْخَاصُّ مَا كَانَ عَنْ دَعْوَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اتِّفَاقًا، وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ عَنْ تِلْكَ الْعَيْنِ. (95)
وَحَقَّقَ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي الإِْبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْعَيْنِ فِي صُورَةِ التَّغْمِيمِ بَيْنَ الإِْخْبَارِ وَالإِْنْشَاءِ، خِلاَفًا لِمَنْ أَبْطَل إِنْشَاءَ الإِْبْرَاءِ عَنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى، وَقَصَرَ الصِّحَّةَ عَلَى الإِْخْبَارِ أَوِ الإِْبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى مَخْصُوصَةٍ. (96) هَذَا عَنِ الدَّعْوَى أَصَالَةً. أَمَّا الإِْبْرَاءُ عَنْهَا تَبَعًا فَهُوَ مَال الإِْبْرَاءِ عَنِ الْعَيْنِ إِذْ يَنْصَرِفُ إِلَى الإِْبْرَاءِ عَنْ ضَمَانِهَا أَوْ عَنْ دَعْوَاهَا، لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ عَنِ الْعَيْنِ نَفْسِهَا بَاطِلٌ، وَهِيَ لاَ تُوصَفُ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى مَا سَبَقَ.

أَنْوَاعُ الإِْبْرَاءِ:
44 - الإِْبْرَاءُ عَلَى نَوْعَيْنِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ. وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ هُنَا بِالنِّسْبَةِ لأَِصْل الصِّيغَةِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
أَمَّا الْعَامُّ فَهُوَ مَا يُبْرَأُ بِهِ عَنْ كُل عَيْنٍ وَدَيْنٍ وَحَقٍّ، وَأَلْفَاظُهُ كَثِيرَةٌ وَلِلْعُرْفِ فِيهَا مَدْخَلٌ، عَلَى مَا سَبَقَ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَفْصِيلٍ لِفِكْرَةِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ لَمْ نَقِفْ عَلَى مِثْلِهِ صَرِيحًا عِنْدَ غَيْرِهِمْ، إِذْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَسْتَوِي فِي الْعُمُومِ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيل الإِْخْبَارِ، كَمَا لَوْ قَال: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ حَقِّي. وَأَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيل الإِْنْشَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ حَقِّي، عَلَى مَا بَحَثَهُ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ الْحَنَفِيُّ. (97)
أَمَّا الإِْبْرَاءُ الْخَاصُّ، فَلَهُ عِدَّةُ صُوَرٍ فِيهَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ تَبَعًا لِمَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ:
أ - إِبْرَاءٌ خَاصٌّ بِدَيْنٍ خَاصٍّ، كَأَبْرَأْتُهُ مِنْ دَيْنِ كَذَا، أَوْ بِدَيْنٍ عَامٍّ، كَأَبْرَأْتُهُ مِمَّا لِي عَلَيْهِ. فَيَبْرَأُ عَنِ الدَّيْنِ الْخَاصِّ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى وَعَنْ كُل دَيْنٍ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، دُونَ التَّعَيُّنِ.
ب - إِبْرَاءٌ خَاصٌّ بِعَيْنٍ خَاصَّةٍ، كَأَبْرَأْتُهُ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ بِكُل عَيْنٍ، أَوْ خَاصٌّ بِالأَْمَانَاتِ دُونَ الْمَضْمُونَاتِ. (98) (ثُمَّ هَذَا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْعَيْنِ إِمَّا عَنْهَا نَفْسِهَا وَإِمَّا عَنْ دَعْوَاهَا وَهُوَ مَا عَلَى سَبِيل الإِْنْشَاءِ أَوِ الإِْخْبَارِ، وَأَثَرُ هَذَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ) .
وَالإِْبْرَاءُ يَتَّبِعُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَصْل الصِّيغَةِ أَوْ فِي الْمَوْضُوعِ، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي الْمُبْرِئِ فِيمَا تَنَاوَل الإِْبْرَاءَ. فَالإِْبْرَاءُ الْعَامُّ يَدْخُل فِيهِ الْبَرَاءَةُ عَنْ كُل حَقٍّ، وَلَوْ غَيْرَ مَالِيٍّ كَالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ. كَمَا يَدْخُل مَا هُوَ بَدَلٌ عَمَّا هُوَ مَالٌ كَالثَّمَنِ وَالأُْجْرَةِ، أَوْ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْمَهْرِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَمَا هُوَ مَضْمُونٌ كَالْمَغْصُوبِ، أَوْ أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ، عَلَى مَا حَقَّقَهُ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ (99) .

شُمُول الإِْبْرَاءِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ وَالْمِقْدَارُ:
45 - الإِْبْرَاءُ لاَ يَشْمَل مَا بَعْدَ تَارِيخِهِ مِنْ دُيُونٍ أَوْ حُقُوقٍ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُبْرِئِ، بَعْدَ إِبْرَائِهِ الْعَامِّ بِشَيْءٍ سَابِقٍ لِتَارِيخِهِ، وَذَلِكَ لِلاِتِّفَاقِ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُودِ سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ لِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ. عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ خَاصًّا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ أَصْلاً، وَهَذَا إِذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، أَمَّا لَوِ ادَّعَاهُ لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِصَايَةٍ فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِغَيْرِهِ، فَكَمَا لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَدَّعِيَهَا لِنَفْسِهِ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَدَّعِيَهَا لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِصَايَةٍ.
وَلاَ يَشْمَل الإِْبْرَاءُ ضَمَانَ الاِسْتِحْقَاقِ، لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ ذَلِكَ الضَّمَانَ الْحَادِثَ بَعْدَ الاِسْتِحْقَاقِ وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِالرُّجُوعِ بِهِ، وَكُل ذَلِكَ لاَحِقٌ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الشُّمُول وَحُدُودِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ بِقَوْلِهِ: " الْبَرَاءَةُ السَّابِقَةُ لاَ تَعْمَل فِي الدَّيْنِ اللاَّحِقِ ". (100)
وَمِمَّا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ هُنَا أَنَّهُ لاَ تُقْبَل دَعْوَى الْمُبْرِئِ أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِنَّمَا كَانَ مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ الْخُصُومَةُ فَقَطْ، وَكَذَا إِذَا قَال: لَيْسَ قَصْدِي عُمُومَ الإِْبْرَاءِ بَل تَعَلُّقَهُ بِشَيْءٍ خَاصٍّ، وَهُوَ كَذَا، فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، فَفِي ادِّعَاءِ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ بِقَلْبِهِ يُقْبَل، وَلِخَصْمِهِ تَحْلِيفُهُ.
وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ حَصَل بَعْدَ الإِْبْرَاءِ لِتُقْبَل دَعْوَاهُ بِهِ، كَمَا لاَ تُقْبَل دَعْوَاهُ الْجَهْل بِقَدْرِ الْمُبْرَأِ مِنْهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى النِّسْيَانِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي الْجَهْل بَيْنَ مَا إِذَا بَاشَرَ سَبَبَ الدَّيْنِ بِنَفْسِهِ، أَوْ رُوجِعَ إِلَيْهِ عِنْدَ السَّبَبِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَل، وَإِلاَّ فَيُقْبَل، وَفِي دَعْوَى النِّسْيَانِ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ. (101)

سَرَيَانُهُ مِنْ حَيْثُ الأَْشْخَاصُ:
46 - لِلإِْبْرَاءِ - عَدَا شُمُولِهِ الزَّمَنِيِّ - سَرَيَانٌ لِغَيْرِ الْمُبْرَأِ أَحْيَانًا. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَفِيدُ مِنْ ذَلِكَ الإِْبْرَاءِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ مِقْدَارُ مَا حَطَّهُ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي. وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ إِنْ كَانَ يَصْلُحُ ثَمَنًا (بِأَنْ كَانَ الإِْبْرَاءُ عَنِ الأَْقَل) اسْتَفَادَ الشَّفِيعُ مِنَ الإِْبْرَاءِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ كَانَ الإِْبْرَاءُ عَنِ الأَْكْثَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى كُلِّهِ قَبْل الْحَطِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ يَصِحُّ وَلاَ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ سِوَى الْمُشْتَرِي، أَمَّا الشَّفِيعُ فَيَأْخُذُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ أَوْ يَتْرُكُ. (102)
وَمِنْ ذَلِكَ الْكَفَالَةُ، فَإِنَّ إِبْرَاءَ الأَْصِيل يَسْرِي إِلَى الْكَفِيل، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيل فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَحْدَهُ؛ لأَِنَّ إِبْرَاءَهُ إِسْقَاطٌ لِلْوَثِيقَةِ، وَهِيَ لاَ تَقْتَضِي سُقُوطَ أَصْل الدَّيْنِ، وَهَذَا إِنْ أَبْرَأَهُ مِنَ الضَّمَانِ، أَمَّا إِنْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّيْنِ فَيَنْبَغِي عَلَى مَا قَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ بَرَاءَةُ الأَْصِيل؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ مَحَالُّهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ تَكَرَّرَ الْكُفَلاَءُ وَتَتَابَعُوا، فَإِنَّ إِبْرَاءَ غَيْرِ الأَْصِيل مِنَ الْمُلْتَزِمِينَ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ مَنْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّهُمْ فَرْعُهُ، لاَ مَنْ قَبْلَهُ؛ لأَِنَّ الأَْصِيل لاَ يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ فَرْعِهِ.
وَفِي الْغَصْبِ إِنْ أَبْرَأَ غَاصِبَ الْغَاصِبِ بَرِئَ الأَْوَّل أَيْضًا، أَمَّا إِنْ أَبْرَأَ الْغَاصِبَ الأَْوَّل فَقَطْ فَلاَ يَبْرَأُ الثَّانِي. (103)

التَّعْلِيقُ وَالتَّقْيِيدُ وَالإِْضَافَةُ فِي الإِْبْرَاءِ:
47 - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ التَّعْلِيقَ هُوَ رَبْطُ وُجُودِ الشَّيْءِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَهُوَ مَانِعٌ لِلاِنْعِقَادِ مَا لَمْ يَحْصُل الشَّرْطُ.
أَمَّا التَّقْيِيدُ فَلاَ صِلَةَ لَهُ بِالاِنْعِقَادِ، بَل هُوَ لِتَعْدِيل آثَارِ الْعَقْدِ الأَْصْلِيَّةِ، وَيُسَمَّى الاِقْتِرَانَ بِالشَّرْطِ. وَأَمَّا الإِْضَافَةُ فَهِيَ لِتَأْخِيرِ بَدْءِ الْحُكْمِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ. (104)
وَقَدْ جَاءَتْ بَعْضُ الصُّوَرِ الْمُتَشَابِهَةِ مَعَ اخْتِلاَفِ حُكْمِهَا بِسَبَبِ اعْتِبَارِهَا تَعْلِيقًا أَوْ تَقْيِيدًا لِلتَّجَوُّزِ فِي تَسْمِيَتِهَا عَلَى الْحَالَيْنِ تَعْلِيقًا عَلَى الشَّرْطِ نَظَرًا لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِمَا. (105)
أ - التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ:
48 - تَعْلِيقُ الإِْبْرَاءِ إِنْ كَانَ عَلَى شَرْطٍ كَائِنٍ بِالْفِعْل فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُنَجَّزِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْتِ فَهُوَ كَالإِْضَافَةِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا. وَإِنْ كَانَ عَلَى شَرْطٍ مُلاَئِمٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ كَانَ لِي عَلَيْكَ دَيْنٌ، أَوْ: إِنْ مِتُّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ، فَهَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا. وَقَدِ احْتُجَّ لِجَوَازِهِ بِأَنَّ أَبَا الْيُسْرِ الصَّحَابِيَّ قَال لِغَرِيمِهِ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهَذَا مُتَّجِهٌ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا (يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ) . (106)
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ مِنْ غَيْرِ مَا سَبَقَ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ الإِْبْرَاءِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ آرَاءٌ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ الْجَوَازِ وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ مُتَعَارَفًا عَلَيْهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ، لِمَا فِي الإِْبْرَاءِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالتَّعْلِيقُ مَشْرُوعٌ فِي الإِْسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ لاَ فِي التَّمْلِيكَاتِ، فَإِنَّهَا لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ.
الثَّانِي: جَوَازُ التَّعْلِيقِ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُتَعَارَفًا عَلَيْهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ فِي عَكْسِهِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. الثَّالِثُ: جَوَازُ التَّعْلِيقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الإِْبْرَاءِ مِنْ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ. (107)

ب - التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ:
49 - أَوْرَدَ الْبَابَرْتِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَابِطًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا فِيهِ تَقْيِيدٌ بِالشَّرْطِ عَمَّا فِيهِ تَعْلِيقٌ عَلَيْهِ، مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، أَمَّا اللَّفْظُ فَهُوَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّرْطِ لاَ تَظْهَرُ فِيهِ صُورَةُ الشَّرْطِ (عَلَى غَيْرِ مَا يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُهُ) فَلاَ تَأْتِي فِيهِ أَدَاةُ الشَّرْطِ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُول: أَبْرَأْتُكَ عَلَى أَنْ تَفْعَل كَذَا. . . أَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى الشَّرْطِ فَتُسْتَعْمَل فِيهِ أَدَاةُ شَرْطٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ فَعَلْتَ كَذَا فَأَنْتَ بَرِيءٌ.
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَفِي التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي الْحَال عَلَى عَرْضِيَّةِ الزَّوَال إِنْ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ، وَفِي التَّعْلِيقِ: الْحُكْمُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَال، وَهُوَ بِعَرْضِ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ. وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْكَاسَانِيُّ بِمَا هُوَ أَوْجَزُ قَائِلاً: التَّعْلِيقُ هُوَ تَعْلِيقُ الْعَقْدِ، وَالتَّقْيِيدُ هُوَ تَعْلِيقُ الْفَسْخِ بِالشَّرْطِ. (108) وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى صِحَّةِ تَقْيِيدِ الإِْبْرَاءِ بِالشَّرْطِ فِي الْجُمْلَةِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ تَبَعًا لِتَفْصِيل كُل مَذْهَبٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ عَلَى الشَّرْطِ بِالصِّحَّةِ، عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي الْكَلاَمِ عَنِ (الشَّرْطِ) . (109)

ج - الإِْضَافَةُ:
50 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ إِضَافَةَ الإِْبْرَاءِ (إِلَى غَيْرِ الْمَوْتِ) ، وَلَوْ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، تُبْطِلُهُ. وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى تَصْرِيحٍ لِغَيْرِهِمْ بِقَبُول الإِْبْرَاءِ لِلإِْضَافَةِ، مَعَ إِفَادَةِ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الأَْصْل فِي الإِْبْرَاءِ هُوَ التَّنْجِيزُ. عَلَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مَنْعُ إِضَافَةِ الإِْبْرَاءِ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الإِْبْرَاءَ لِلإِْسْقَاطِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالتَّمْلِيكُ لاَ يَحْتَمِل الإِْضَافَةَ لِلْوَقْتِ. (110) وَلاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي تَصْحِيحِ إِضَافَةِ الإِْبْرَاءِ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَطْ؛ لأَِنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالإِْبْرَاءِ. (111)

الإِْبْرَاءُ بِشَرْطِ أَدَاءِ الْبَعْضِ:
51 - تَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: إِمَّا أَنْ تَحْصُل مُطْلَقَةً عَنِ الشَّرْطِ، كَأَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَقُول الدَّائِنُ: قَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْ نِصْفِهِ - أَوْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ - فَأَعْطِنِي الْبَاقِيَ، فَالإِْبْرَاءُ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا لأَِنَّهُ مُنَجَّزٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ وَلاَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، وَالْمُبْرِئُ مُتَطَوِّعٌ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَاسْتُدِل بِالأَْحَادِيثِ فِي الْوَضْعِ عَنْ جَابِرٍ (112) ، وَعَنِ الَّذِي أُصِيبَ فِي حَدِيقَتِهِ (113) ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ حَيْثُ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبٍ: ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. (114)
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْبَعْضِ مُعَلَّقًا عَلَى أَدَاءِ الْبَاقِي، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ تَعْلِيقِ الإِْبْرَاءِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا الإِْبْرَاءُ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ أَدَاءِ الْبَاقِي، مِثْل أَنْ يَقُول مَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ خَمْسِمِائَةٍ، بِشَرْطِ أَنْ تُعْطِيَنِي مَا بَقِيَ.
52 - وَلِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الأَْخِيرَةِ آرَاءٌ: أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ اسْتِيفَاءُ الْبَعْضِ وَإِبْرَاءٌ عَنِ الْبَاقِي. وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ الْجَمْعَ بَيْنَ لَفْظَيِ الإِْبْرَاءِ وَالصُّلْحِ، لِيَكُونَ مِنْ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ، وَمَعَ ذَلِكَ لاَ يَحْتَاجُ لِقَبُولٍ؛ نَظَرًا لِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنْ لَمْ يُقَيِّدْ أَدَاءَ الْبَعْضِ الْمُعَجَّل بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ، بَرِئَ أَعْطَاهُ الْبَاقِيَ أَوْ لَمْ يُعْطِ، وَإِنْ قَيَّدَ أَدَاءَ الْبَعْضِ الْمُعَجَّل بِيَوْمٍ، قَائِلاً لَهُ: إِنْ لَمْ تَنْقُدْنِي فِيهِ فَالْمَال عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُدْهُ، لَمْ يَبْرَأْ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْعِبَارَةَ الأَْخِيرَةَ وَاكْتَفَى بِتَحْدِيدِ الْيَوْمِ، فَفِيهِ خِلاَفٌ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ قَالَهَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: حُكْمُهُ كَالأَْوَّل الْمُطْلَقِ عَنِ التَّحْدِيدِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِ أَدَاءِ الْبَعْضِ؛ لأَِنَّهُ إِبْرَاءٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ لأَِنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ إِلاَّ لِيُوَفِّيَهُ بَقِيَّتَهُ، فَكَأَنَّهُ عَاوَضَ بَعْضَ حَقِّهِ بِبَعْضٍ.
هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَدَاءَ الْبَاقِي، أَمَّا إِنْ أَبْرَأَهُ عَنِ الْبَعْضِ بِشَرْطِ تَعْجِيل الْبَاقِي فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ عَجَّل ذَلِكَ الْبَعْضَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَأَبْرَأَهُ مِمَّا بَقِيَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ. (115)

الإِْبْرَاءُ بِعِوَضٍ:
53 - تَعَرَّضَ الشَّافِعِيَّةُ لِمَسْأَلَةِ بَذْل الْعِوَضِ عَلَى الإِْبْرَاءِ، فَذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، كَأَنْ يُعْطِيَهُ ثَوْبًا مَثَلاً فِي مُقَابَلَةِ الإِْبْرَاءِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَيَمْلِكُ الدَّائِنُ الْعِوَضَ الْمَبْذُول لَهُ بِالإِْبْرَاءِ، وَيَبْرَأُ الْمَدِينُ.
وَقَالُوا: أَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ بَعْضَ الدَّيْنِ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ مِنَ الْبَاقِي، فَلَيْسَ مِنَ التَّعْوِيضِ فِي شَيْءٍ، بَل مَا قَبَضَهُ بَعْضُ حَقِّهِ، وَالْبَاقِي فِي ذِمَّتِهِ، لَكِنَّهُمْ صَوَّرُوا وُقُوعَ ذَلِكَ بِالْمُوَاطَأَةِ مِنْهُمَا قَبْل الْعَقْدِ، ثُمَّ دَفْعُ ذَلِكَ قَبْل الْبَرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَلَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا، فَقَدْ قِيل فِي ذَلِكَ بِالْبُطْلاَنِ. (116)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُخَرِّجُونَ مَسْأَلَةَ الإِْبْرَاءِ عَلَى عِوَضٍ، عَلَى أَنَّهَا صُلْحٌ بِمَالٍ. (117) وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى رَأْيِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ، وَلَعَل مَا جَاءَ فِي مَسْأَلَةِ الإِْبْرَاءِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ بِأَدَاءِ بَعْضِهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُهَا إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهِيَ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.

الرُّجُوعُ عَنِ الإِْبْرَاءِ:
54 - قَدْ يَرْجِعُ الْمُبْرِئُ عَنِ الإِْبْرَاءِ بَعْدَ صُدُورِ الإِْيجَابِ فَقَطْ، أَوْ بَعْدَهُ وَبَعْدَ الْقَبُول وَعَدَمِ الرَّدِّ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. فَفِي أَثَرِ هَذَا الْعُدُول رَأْيَانِ لِلْفُقَهَاءِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَفِيدُ مِنْ رُجُوعِهِ شَيْئًا؛ لأَِنَّ مَا كَانَ لَهُ سَقَطَ بِالإِْبْرَاءِ، وَالسَّاقِطُ لاَ يَعُودُ، وَلاَ بَقَاءَ لِلدَّيْنِ بَعْدَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا فَتَلِفَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْقَوْل الآْخَرِ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ فِيهِ الرُّجُوعُ، وَذَلِكَ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى التَّمْلِيكِ فِي الإِْبْرَاءِ وَاشْتِرَاطِ الْقَبُول لَهُ، حَيْثُ إِنَّ لِلْمُوجِبِ فِي عُقُودِ التَّمْلِيكِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِيجَابِهِ مَا لَمْ يَتَّصِل بِهِ الْقَبُول. . . لَكِنَّ النَّوَوِيَّ اخْتَارَ عَدَمَ الرُّجُوعِ وَلَوْ قِيل: إِنَّهُ تَمْلِيكٌ. (118)
وَمِمَّا يَتَّصِل بِالرُّجُوعِ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّ الإِْبْرَاءَ لاَ تَجْرِي فِيهِ الإِْقَالَةُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ، فَيَسْقُطُ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الذِّمَّةِ، وَمَتَى سَقَطَ لاَ يَعُودُ، طِبْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ (السَّاقِطُ لاَ يَعُودُ) . (119)

بُطْلاَنُ الإِْبْرَاءِ وَفَسَادُهُ:
55 - الإِْبْرَاءُ إِمَّا أَنْ يَبْطُل أَصَالَةً لِتَخَلُّفِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ، أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ تِلْكَ الأَْرْكَانِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْسُدَ لاِقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ مُفْسِدٍ، عَلَى الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. وَبَيَانُهُ فِي (الْبُطْلاَنِ وَالْفَسَادِ) . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبُطْلاَنُ لِتَضَمُّنٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الإِْبْرَاءُ ضِمْنَ عَقْدٍ فَيَرْتَبِطُ مَصِيرُهُ بِهِ، فَإِذَا بَطَل ذَلِكَ الْعَقْدُ بَطَل الإِْبْرَاءُ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَبْطُل الإِْبْرَاءُ إِذَا بَطَل الْعَقْدُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ خَاصًّا بِذَلِكَ الْعَقْدِ وَبُنِيَ عَلَيْهِ الإِْبْرَاءُ - أَوْ بِتَعْبِيرِ الشَّافِعِيَّةِ: ارْتَبَطَ بِهِ - سَوَاءٌ أَكَانَ عَقْدَ بَيْعٍ أَمْ صُلْحٍ، لِمَا عُرِفَ فِي الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ: إِذَا بَطَل الشَّيْءُ بَطَل مَا فِي ضِمْنِهِ، أَوْ: إِذَا بَطَل الْمُتَضَمِّنُ (بِكَسْرِ الْمِيمِ) بَطَل الْمُتَضَمَّنُ (بِالْفَتْحِ) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ عَامًّا عَنْ كُل حَقٍّ وَدَعْوَى فَلاَ يَبْطُل، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ خَاصًّا لَكِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، بِأَنْ قَال الْمُبْرِئُ: أَبْرَأْتُهُ عَنْ تِلْكَ الدَّعْوَى إِبْرَاءً غَيْرَ دَاخِلٍ تَحْتَ الصُّلْحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَبْطُل الإِْبْرَاءُ بِبُطْلاَنِ الصُّلْحِ، عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (120) .

أَثَرُ الإِْبْرَاءِ:
56 - يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْبْرَاءِ الْمُسْتَوْفِي أَرْكَانَهُ وَمَا يَتَّصِل بِهَا مِنْ شُرُوطٍ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمَدِينِ الْمُبْرَإِ عَمَّا أُبْرِئَ مِنْهُ بِحَسَبِ الصِّيغَةِ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا.
وَبِذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ وَلاَ يَبْقَى لِلدَّائِنِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ فِيمَا تَنَاوَلَهُ الإِْبْرَاءُ، وَذَلِكَ إِلَى حِينِ وُقُوعِهِ، دُونَ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، فَلاَ تُقْبَل دَعْوَاهُ بِحَقٍّ مُسْتَنِدًا إِلَى نِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ. (121)
وَلاَ يَقْتَصِرُ تَصْوِيرُ الأَْثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الإِْبْرَاءِ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ أَوِ الْحَقِّ وَعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ، بَل قَدْ يُرَافِقُ ذَلِكَ أَثَرٌ خَاصٌّ مُنَاسِبٌ لِمَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ. يَتَّضِحُ مِنَ الأَْمْثِلَةِ التَّالِيَةِ لِمَذْهَبٍ أَوْ آخَرَ: فَفِي الرَّهْنِ مَثَلاً يَنْفَكُّ بِالإِْبْرَاءِ، وَيَسْتَرِدُّهُ الرَّاهِنُ كَمَا لَوْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، أَمَّا إِبْرَاءُ الْمُرْتَهِنِ لِلْجَانِي فَلاَ أَثَرَ لَهُ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ، وَمَعَ هَذَا لاَ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (122) .
هَذَا وَإِنَّ لِلإِْبْرَاءِ مِنَ الأَْثَرِ مَا لِقَبْضِ الْحَقِّ الْمُبْرَإِ مِنْهُ، فَمَثَلاً لَوْ أُحِيل الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى مَدِينٍ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ قَبْل الْفَسْخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَقَبْضِهِ لَهُ فِي الأَْحْكَامِ مِنْ حَيْثُ إِعَادَةُ الْمَقْبُوضِ بِسَبَبِ الْفَسْخِ، فَهُنَا لِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِمِثْل الْمُحَال بِهِ الَّذِي أُبْرِئَ مِنْهُ. (123)
57 - وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الأَْثَرِ التَّبَعِيِّ لِلإِْبْرَاءِ، وَهُوَ عَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَهُ، الْمَسَائِل التَّالِيَةَ:
1 - ادِّعَاءُ ضَمَانِ الدَّرَكِ فِي الْبَيْعِ السَّابِقِ لِلإِْبْرَاءِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الإِْبْرَاءِ وَمَشْمُولاً بِأَثَرِهِ، فَإِنَّ ضَمَانَ الدَّرَكِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ قَبِيل الاِسْتِحْسَانِ.
2 - ظُهُورُ شَيْءٍ مِنَ الْحُقُوقِ لِلْقَاصِرِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ، فَأَبْرَأَ وَصِيَّهُ إِبْرَاءً عَامًّا بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ تَرِكَةَ وَالِدِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ مِنْهَا إِلاَّ اسْتَوْفَاهُ، فَإِنِ ادَّعَى فِي يَدِ الْوَصِيِّ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ وَبَرْهَنَ يُقْبَل.
3 - ادِّعَاءُ الْوَصِيِّ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا لِلْمَيِّتِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ مَا لَهُ عَلَى النَّاسِ.
4 - ادِّعَاءُ الْوَارِثِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا لِلْمُوَرِّثِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ عَلَى النَّحْوِ السَّابِقِ.
وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ مَوْضُوعَ الإِْبْرَاءِ فِيهَا قَدِ اكْتَنَفَهُ خَفَاءٌ يُعْذَرُ بِهِ الْمُبْرِئُ فِي دَعْوَاهُ مَعَ صُدُورِ الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ الصُّورَتَيْنِ الأَْخِيرَتَيْنِ هُمَا مِنْ إِبْرَاءِ الاِسْتِيفَاءِ؛ أَيِ الإِْقْرَارِ بِالْبَرَاءَةِ. (124)
58 - هَذَا، وَأَنَّ سُقُوطَ الْمُبْرَإِ مِنْهُ - كَأَثَرٍ لِلإِْبْرَاءِ - إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَضَاءِ، أَيْ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا الأَْثَرُ الأُْخْرَوِيُّ، أَيْ فِي الدِّيَانَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ فِي سُقُوطِهِ، فَقِيل: تَسْقُطُ بِهِ الدَّعْوَى قَضَاءً لاَ دِيَانَةً، وَقِيل: تَسْقُطُ دِيَانَةً أَيْضًا، فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الدَّيْنِ إِنَّمَا يَبْرَأُ عَنْ بَاقِيهِ فِي الْحُكْمِ لاَ فِي الدِّيَانَةِ، فَلَوْ ظَفِرَ بِهِ أَخَذَهُ. وَأَنَّهُ فِي الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ مَعَ جَهْل الْمُبْرَإِ مِنْهُ يَبْرَأُ مِنَ الْكُل قَضَاءً، أَمَّا فِي الآْخِرَةِ فَلاَ يَبْرَأُ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ. (125) وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي الأَْثَرِ الأُْخْرَوِيِّ لِلإِْبْرَاءِ مَعَ الإِْنْكَارِ.
أَوَّلُهُمَا: وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَيْضًا فِي اسْتِحْلاَل الْغَاصِبِ: أَنَّهُ يَبْرَأُ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِحَقٍّ جَحَدَهُ وَأَبْرَأَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ. وَيَتَّصِل بِهَذَا الاِتِّجَاهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول (الَّذِي لَمْ يُصَحِّحُوهُ) مِنْ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِهِ فِي الآْخِرَةِ، لأَِنَّ الْمُبْرِئَ رَاضٍ بِذَلِكَ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ: لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ مُطَالَبَةُ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ بِحَقِّ خَصْمِهِ. (126)

سَمَاعُ الدَّعْوَى بَعْدَ الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ:
59 - سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ الأَْثَرَ التَّبَعِيَّ لِلإِْبْرَاءِ هُوَ مَنْعُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ التَّفْصِيل التَّالِيَ الَّذِي لَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى مِثْلِهِ: إِنْ كَانَ الإِْبْرَاءُ الْعَامُّ عَنِ الدَّيْنِ فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ إِلاَّ عَنْ دَيْنٍ حَادِثٍ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ عَنْ عَيْنٍ فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا كَوْنَ الْعَيْنِ لِلْمُدَّعِي لأَِنَّهُ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالإِْبْرَاءِ بَل بِالإِْنْكَارِ، فَيَكُونُ الإِْبْرَاءُ مِنَ الْمُدَّعِي مُوَافَقَةً عَلَى ذَلِكَ الإِْنْكَارِ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِرًّا بِأَنَّ الْعَيْنَ لِلْمُدَّعِي، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالإِْبْرَاءِ الصَّادِرِ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهَا بَعْدَ الإِْبْرَاءِ عَنْهَا. (أَمَّا إِنْ كَانَتْ هَالِكَةً فَهُوَ إِبْرَاءٌ عَنْ ضَمَانِهَا، وَذَلِكَ كَالدَّيْنِ، فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ) . (127)

أَثَرُ الإِْقْرَارِ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ:
60 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَلاَمِ الْحَطَّابِ - إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَبْرَأَ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرَ مِنَ الدَّيْنِ إِبْرَاءً عَامًّا، ثُمَّ أَقَرَّ الْمُبْرَأُ بِالدَّيْنِ لِلْمُدَّعِي، لَمْ يُعْتَبَرِ الإِْقْرَارُ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ قَدْ سَقَطَ بِالإِْبْرَاءِ، وَالسَّاقِطُ لاَ يَعُودُ.
وَهُنَاكَ اتِّجَاهٌ ثَانٍ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ وَأَخُوهُ الشَّمْسُ اللَّقَانِيُّ أَنَّهُ يُعْمَل بِهِ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إِقْرَارٍ جَدِيدٍ.
وَاسْتَثْنَى ابْنُ نُجَيْمٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَقَرَّ لِزَوْجَتِهِ بِمَهْرِهَا بَعْدَ هِبَتِهَا إِيَّاهُ لَهُ، عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ، فَيُجْعَل زِيَادَةً إِنْ قَبِلَتْ، وَالأَْشْبَهُ خِلاَفُهُ لِعَدَمِ قَصْدِ الزِّيَادَةِ. وَيَخْتَلِفُ أَثَرُ الإِْقْرَارِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ عَنْ مَسْأَلَةِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْعَيْنِ فِيهَا لَوْ أَقَرَّ الْمُبْرَأُ لِلْمُبْرِئِ بِالْعَيْنِ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ، سَلَّمَهَا إِلَيْهِ وَلاَ يَمْنَعُ الإِْبْرَاءُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى لِلْمُبْرِئِ تَصْحِيحًا لِلإِْقْرَارِ، لِتَجَدُّدِ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ. (128)
__________
(1) لسان العرب، والمصباح، (برئ) ، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي 24، وطلبة الطلبة للنسفي 34، وبداية المجتهد 2 / 153 ط الخانجي، وفتح القدير 3 / 356 ط بولاق، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار شرح تنوير الأبصار 4 / 276 ط بولاق.
(2) حاشية القليوبي على شرح المنهاج 3 / 37 ط عيسى الحلبي.
(3) فتح القدير 6 / 310 ط دار إحياء التراث، والقليوبي 3 / 37، أسنى المطالب شرح روض الطالب 2 / 309 ط المكتبة الإسلامية
(4) طلبة الطلبة 59
(5) رسالة (الطلاق المعلق على الإبراء) من رسائل ابن نجيم ص 26 مطبوعة عقب حاشية الحموي على الأشباه ط استانبول.
(6) طلبة الطلبة 3، 9،44،56
(7) تاج العروس، ولسان الحرب، (سقط)
(8) الذخيرة للقرافي 1 / 59، والفروق 2 / 110 ط دار المعرفة
(9) القليوبي 2 / 287
(10) لسان العرب (وهب) ، ورسائل ابن نجيم 119 ط استانبول
(11) الشرح الصغير وبلغة السالك 4 / 142 ط دار المعارف، والروض المربع 2 / 50، والخرشي 5 / 103، وشرح الروض 2 / 481 ط المكتبة الإسلامية، والفتاوى الهندية 4 / 384 ط بولاق، والفروع 4 / 193 ط دار مصر.
(12) لسان العرب، (صلح) ، ورسائل ابن نجيم 121 ط استانبول.
(13) القوانين الفقهية لابن جزي 324 ط تونس، واللباب لابن راشد القفصي 192 ط تونس، وكفاية الأخيار للحصني 1 / 271، ومغني المحتاج 2 / 179، وشرح الروض 2 / 216 وقد عد كلاهما الإبراء من أقسام الصلح.
(14) الرسائل الزينية لابن نجيم 121
(15) إعلام الأعلام لابن عابدين 2 / 6 في مجموعة رسائله، والدسوقي على الشرح الكبير 3 / 411، والمجلة العدلية المادة 1536
(16) شرح الروض 2 / 217، 297
(17) شرح الروض 2 / 239، ومغني المحتاج 2 / 198
(18) مرشد الحيران المادة 195 وما بعدها.
(19) المغرب، مادة (حط)
(20) حاشية ابن عابدين 2 / 338، والفتاوى الهندية 2 / 173، والمجلة العدلية المادة 1536
(21) شرح الروض 2 / 249
(22) القاموس المحيط، مادة (ترك)
(23) إعانة الطالبين 3 / 152، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني 6 / 305 ط صادر، وشرح الروض وحواشي الرملي 2 / 481، 482
(24) شرح الروض 2 / 215 وحواشي الرملي عليه.
(25) حاشية ابن عابدين 4 / 419 ط الأولى بولاق.
(26) سورة النساء الآية 58
(27) حديث " على اليد ما أخذت. . . " أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا وأبو داود والترمذي عنه بلفظ " حتى تؤدي " وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة. (المقاصد الحسنة ص 290 نشر الخانجي بمصر)
(28) القليوبي 2 / 256، وشرح الروض 2 / 201
(29) حديث " إنك أن تذر. . . " جزء من حديث أخرجه الشيخان (اللؤلؤ والمرجان ص 399 نشر وزارة الأوقاف بالكويت) .
(30) مغني المحتاج 2 / 203 وأشار إلى أنه لذلك لا يحتاج إلى نية ولا قرينة. وأشار القاضي زكريا إلى أنه عقد غبن فتوسع فيه (بخلاف البيع القائم على المعاوضة) لذا لا عهدة فيه ولا خيار، وتغتفر فيه جهالة الوكيل بمقدار الدين، وتجري فيه الكنايات عن العدد فتفسر، ولي (شرح الروض 2 / 263، والقليوبي 2 / 190)
(31) سورة البقرة / 280
(32) أخرجه البخاري 13 / 160 شرح العيني، ومسلم 5 / 30، وحديث " كعب بن مالك أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه " رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه (نيل الأوطار 5 / 244) ط العثمانية المصرية 1957 هـ، وحديث جابر: قال جابر قتل أبي وعليه دين فسأل النبي ﷺ غرماءه أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي رواه البخاري (13 / 160 ط المنيرية) ، ويرجع لنيل الأوطار 5 / 288
(33) القليوبي على شرح المنهاج للمحلى 2 / 261، 3 / 111، تحفة المحتاج وحاشية الشرواني 1 / 492
(34) حاشية ابن عابدين 4 / 276، وفتح القدير 6 / 310
(35) إعلام الأعلام من رسائل ابن عابدين 2 / 106، وجامع الفصولين 2 / 4، والمجلة العدلية المادة 1536، ومرشد الحيران المادة 232 (نقلا منه عن طبعة قديمة للفتاوى الهندية 2 / 290) ، والقليوبي 2 / 326، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 57، 69
(36) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 384، وشرح الروض 3 / 41 و2 / 238، والقليوبي 2 / 326 - 327، والأشباه والنظائر للسيوطي 189 ط عيسى الحلبي، والدسوقي 3 / 310، 94، والفروع لابن مفلح 4 / 193
(37) الفروع لابن مفلح 4 / 194
(38) شرح الروض 2 / 239 وحواشي الرملي عليه.
(39) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 384
(40) الفروع لابن مفلح 4 / 194، وشرح الروض وحواشي الرملي عليه 2 / 238، 239، والقليوبي 2 / 327، والدسوقي 4 / 99 و3 / 310
(41) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 384
(42) تبويب الأشباه والنظائر 384
(43) حاشية ابن عابدين 4 / 456 ط بولاق، والتكملة 2 / 347، ورسائل ابن نجيم 26، وأعلام الأعلام من رسائل ابن عابدين 2 / 96 - 99 وقد توسع فيها حول صيغ الإبراء ناقلا عن تنقيح الأحكام للشرنبلالي، والقليوبي 3 / 112، و2 / 308، والفروع 4 / 192، ونهاية المحتاج 4 / 373، والشرواني 4 / 692، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 99 ط دار الفكر، وكشاف القناع 4 / 256
(44) فتح القدير 6 / 308 ط بولاق.
(45) الشرواني على تحفة المحتاج 5 / 192، ونهاية المحتاج 4 / 373، والقليوبي 3 / 112 و308، وفتح المعين 243، وشرح منتهى الإرادات 2 / 521 ط دار الفكر، والفروع 4 / 192، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 99، وحاشية ابن عابدين 4 / 456، وفتح القدير 6 / 310 ط دار إحياء التراث، والمقنع 2 / 334 ط السلفية، والشرح الكبير على المقنع 5 / 3 ط المنار
(46) هو عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ " تصدقوا عليه " الحديث رواه مسلم (5 / 30 مطبعة محمد علي صبيح وأولاده)
(47) المجلة العدلية المادة 1561
(48) الدسوقي 3 / 411 ط عيسى الحلبي، وإعلام الأعلام لابن عابدين 2 / 97، وحاشية ابن عابدين 2 / 567، وتبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 393
(49) العناية شرح الهداية، وتكملة فتح القدير 7 / 44، وتكملة حاشية ابن عابدين 2 / 501 ط الحلبي، وتبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 382، والمجلة العدلية المادة 1568، ومغني المحتاج 2 / 179، وشرح الروض 2 / 215 و481، والقليوبي 2 / 307 و3 / 112، والأشباه للسيوطي 89 ط عيسى الحلبي، والفروع 4 / 192، وشرح منتهى الإرادات 2 / 517 ط دار الفكر.
(50) الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 99، والشرح الصغير وبلغة السالك 4 / 142 ط دار المعارف، والزرقاني على خليل 6 / 3، والخرشي 7 / 103، وقد جاء في الدسوقي 3 / 310، والشرح الصغير 3 / 417 عبارة غريبة تخالف ما في المواطن السابقة منهما وغيرهما من المراجع المالكية المشهورة، لتضمنها أن الإبراء لا يحتاج إلى قبول، ولعلها خاصة بباب الصلح الذي جاءت بمناسبته.
(51) الفروق 2 / 110
(52) الدسوقي 4 / 99، والقليوبي 2 / 340، والفتاوى الهندية 3 / 263، ونهاية المحتاج 5 / 410، وكشاف القناع 2 / 478 ط الشرفية
(53) الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 99 نقله عن الفروق للقرافي وأقره (وموطنه في الفروق 2 / 101)
(54) المجلة العدلية 1568 ووقع للحموي في حاشيته على الأشباه التسوية بين الحالتين، ونوقش من بعض شراح المجلة (كشرح الأتاسي 4 / 589) ، وتبويب الأشباه والنظائر ص 383 نقلا عن البدائع 6 / 46 ط دار الكتاب العربي.
(55) العناية شرح الهداية وتكملة فتح القدير 7 / 44، وحاشية ابن عابدين 4 / 469، والفتاوى الهندية 4 / 384، وتكملة ابن عابدين 2 / 347، وكشاف القناع 2 / 478 ط الشرفية، والفروع 4 / 192، والمهذب 2 / 454، وشرح الروض 2 / 240، ومطالب أولي النهى 4 / 392، والأشباه للسيوطي 189 ط عيسى الحلبي، والمجلة العدلية المادة 1586 وفيها تقييد اعتبار الرد بكونه في المجلس وناقش ذلك بعض الشراح ما بين جعله قيدا احترازيا أو اتفاقيا.
(56) حاشية ابن عابدين 4 / 274، وتبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 383
(57) الفتاوى الهندية 4 / 179 وتكملة حاشية ابن عابدين 2 / 347 و5 / 87، وشرح الروض 2 / 11، والقليوبي 2 / 326 و3 / 162 و159، المغني 5 / 602 الطبعة الثالثة، ونهاية المحتاج 5 / 70 ط الحلبي، ومرشد الحيران المادة 235 و241، 242، والمجلة العدلية المادة 1570، 1571
(58) هكذا جعلوه متصلا بشريطة الرضا، ولعل المراد شوائب الرضا لأنه بالتدليس أشبه.
(59) شرح الروض 2 / 261، 271، 281، ومغني المحتاج 2 / 222، لباب اللباب لابن راشد 200، والفروع 4 / 366
(60) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 391، وحاشية ابن عابدين 4 / 411
(61) شرح الروض 2 / 281، والأشباه والنظائر للسيوطي 382 ط عيسى الحلبي، والقليوبي 2 / 342
(62) القليوبي 3 / 162، 159 و3 / 128، والمجلة العدلية المادة 1570، ومرشد الحيران المادة 241، 242
(63) الفتاوى الهندية 4 / 204، والخرشي 6 / 99 ط صادر، شرح الروض 2 / 240، وجامع الفصولين 1 / 125 ط الأزهرية، والأشباه للسيوطي 189، وكتاب القناع 2 / 478 ط الشرفية.
(64) المجلة العدلية المادة 1567، مرشد الحيران المادة 237 (نقلا عن الفتاوى الأنقروية 2 / 105) ، وإعلام الأعلام لابن عابدين 102، والعناية شرح الهداية 6 / 281 الطبعة الأولى.
(65) شرح الروض 2 / 217، والدسوقي 3 / 309 ط دار الفكر، وفتح القدير 7 / 23 ط دار صادر.
(66) حاشية ابن عابدين 4 / 200، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 411 و3 / 378، والشرح الصغير للدردير 3 / 503 ط دار المعارف، والقليوبي 2 / 326، والأشباه والنظائر للسيوطي 189 و490 ط عيسى الحلبي، والفروع 4 / 193
(67) الجمل على شرح المنهج 3 / 382 - 383، والوجيز 1 / 184 و189، والقليوبي 2 / 327، وشرح الروض 2 / 239 وفيه 2 / 240، 263 وغيره طريقة بيان ما انتفى فيه الغرر من المجهول جهالة يسيرة كالإبراء من درهم لعشرة وبعض الكنايات الأخرى. . وهي طرق لا تختص بالإبراء بل هي في الأصل للإقرار والطلاق.
(68) الفروع 4 / 93، وكشاف القناع 4 / 256
(69) المجموع شرح المهذب للنووي 10 / 100 ط الإمام، والهداية 3 / 82 ط مصطفى الحلبي، والفتاوى الهندية 4 / 309، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 110، وتحفة المحتاج 2 / 543، وكشاف القناع 3 / 37، والالتزامات للحطاب ضمن فتاوى عليش 1 / 228 - 229، ورسالة ابن نجيم فيما يسقط من الحقوق 52 مطبوعة مع الأشباه.
(70) فتح القدير لابن الهمام 2 / 190 و459 ط بولاق، وحاشية ابن عابدين 4 / 177
(71) الدسوقي 2 / 350 ط دار الفكر، والحطاب على خليل 4 / 165، والمغني لابن قدامة 9 / 174 - 179 الطبعة الأولى، والالتزامات للحطاب (ضمن فتاوى عليش 1 / 326)
(72) تكملة فتح القدير 7 / 41، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 79
(73) تنبيه ذوي الأفهام، من مجموعة رسائل ابن عابدين 2 / 94
(74) حواشي الرملي على شرح الروض 2 / 340 و248، وحاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج 3 / 45، والقليوبي 4 / 83 " لا تدخل نفقة الأمة في ملك السيد إلا بعد تسليمها، فلا يصح إبراؤه منها قبله "
(75) سيأتي تخريجه ص 158
(76) الفروع 4 / 195، والدسوقي 4 / 89
(77) المجموع - شرح المهذب 10 / 100 ط الإمام.
(78) الأشباه والنظائر للسيوطي 189 ط عيسى الحلبي، وشرح منتهى الإرادات 2 / 521، والفروع وتصحيحه 4 / 194، المغني 5 / 660 ط الرياض، تبويب الأشباه لابن نجيم 384، والمجلة العدلية المادة 60
(79) تبويب الأشباه 383، وحاشية ابن عابدين 2 / 518 ط بولاق، وتكملة حاشية ابن عابدين 2 / 502 الطبعة الثانية مطبعة عيسى الحلبي
(80) القواعد لابن رجب 120 الطبعة الأولى.
(81) الالتزامات للحطاب (كما في فتح العلي المالك 1 / 322)
(82) حديث " لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك " رواه أبو داود والحاكم بلفظ " لا طلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك ". رواه ابن ماجه عن المسور بن مخرمة بلفظ " لا طلاق قبل النكاح ولا عتاق قبل ملك ". قال ابن حجر: سنده حسن. وله طرق أخرى (تلخيص الحبير 3 / 210) . (فيض القدير 6 / 432)
(83) الأشباه والنظائر للسيوطي 410 ط عيسى الحلبي، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 82، والقليوبي 2 / 211 و3 / 282، والشرواني على التحفة 7 / 397، والفروع 4 / 195، وكشاف القناع 4 / 256
(84) حاشية ابن عابدين 2 / 653 ط بولاق. أما الإبراء بعد الفرض فيصح مما مضى مطلقا، وعما بعده مما وجب بدخول أول وقته حسب طريقة فرض النفقة باليوم أو الشهر أو السنة.
(85) الفتاوى الهندية 3 / 95، الفتاوى الخانية 3 / 63 بهامش الهندية، والأشباه والنظائر للسيوطي 490
(86) تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب (ضمن فتاوى عليش فتح العلي المالك 1 / 322 ط البابي الحلبي) والأمثلة لديه كثيرة في الصفحات 1 / 306 - 332 مع الإشارة لبعض المسائل لم يصح فيها الإسقاط لملاحظ خاصة لا لعدم وجوب الحق فيها.
(87) الالتزامات للحطاب 1 / 322
(88) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 384، والفروع وتصحيحه 4 / 194، والأشباه للسيوطي 189
(89) شرح منتهى الإرادات 4 / 521 ط دار الفكر.
(90) حاشية ابن عابدين 4 / 474 و2 / 566، والفتاوى الخانية 3 / 90، والقليوبي 3 / 13، وكشف المخدرات 257 ط السلفية، وشرح منتهى الإرادات 2 / 521، والدسوقي 3 / 411، والحطاب 5 / 232 وفيه التعقب على القرافي في الذخيرة لإطلاقه منع الإبراء عن الأعيان دون التفصيل المذكور. وقد اعتبر الدسوقي ذلك الإطلاق خلاف الصواب عند المالكية، وإعلام الأعلام بأحكام الإقرار العام لابن عابدين في مجموعة رسائله 2 / 97، 98
(91) حاشية ابن عابدين 4 / 338، وتنبيه الأعلام (من مجموعة رسائل ابن عابدين 2 / 88) ، إعلام الأعلام له أيضا 2 / 97، 98
(92) السياسة الشرعية لابن تيمية 69 / 120، وفتح القدير لابن الهمام 4 / 162 ط بولاق، والدسوقي على الشرح الكبير 3 / 411، إعلام الأعلام لابن عابدين 2 / 98، وحاشية ابن عابدين 3 / 186
(93) الوجيز 2 / 361 وفيه " لا معنى للإبراء في الدعوى "، وتبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 372، وحاشية ابن عابدين 2 / 566، 4 / 474، وشرح الروض 2 / 140 " لو قال أبرأتك من الدعوى لم يبرأ وله العود إليها "، والمغني 9 / 88 ط الرياض " لا يسقط الحق إلا في الدعوى المقامة وله أن يستأنف الدعوى "
(94) المجلة العدلية المادة 1565
(95) الدسوقي 3 / 411، إعلام الأعلام 105
(96) تنقيح الأحكام للشرنبلالي مما لخصه عنه ابن عابدين في إعلام الأعلام 2 / 101 و109 من مجموعة رسائله.
(97) تنقيح الأحكام للشرنبلالي على ما نقله ابن عابدين في مجموعة رسائله 2 / 107، وحاشية ابن عابدين 4 / 470
(98) الأعلام من رسائل ابن عابدين 2 / 107، والفتاوى الهندية 4 / 504، وتبويب الأشباه والنظائر ص 372
(99) حاشية ابن عابدين 4 / 470 ومجموعة رسائله 2 / 107
(100) المجلة العدلية المادة 1565 و1649، والدسوقي 3 / 411، والفتاوى الخانية 3 / 140، وشرح الروض 2 / 309، 310
(101) الدسوقي 3 / 411، والفروع 4 / 198، وشرح الروض وحواشي الرملي 2 / 217
(102) فتح القدير والعناية 5 / 271، والدسوقي 3 / 495، وشرح الروض 2 / 370، وشرح منتهى الإرادات 2 / 446، والمغني 5 / 259 ط مكتبة القاهرة
(103) حاشية ابن عابدين 4 / 276، وشرح الروض 2 / 246، 247، 249، وتنبيه ذوي الأفهام لابن عابدين 2 / 94، والقليوبي 4 / 30
(104) المجلة العدلية المادة 82، والعناية شرح الهداية للبابرتي 7 / 44 ط بولاق بهامش فتح القدير.
(105) من ذلك قول ابن نجيم: " لا يصح تعليقه بصريح الشرط، لمعنى التمليك فيه، ويصح تعليقه بمعنى الشرط، لمعنى الإسقاط فيه "، انظر تبويب الأشباه ص 384، وهناك عبارات أشد التباسا من هذه.
(106) الفروع لابن مفلح 4 / 194، والالتزامات للحطاب (فتاوى عليش 1 / 335، 336)
(107) تكملة فتح القدير والعناية شرح الهداية 7 / 44، 45، والأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية الحموي 1 / 255 و2 / 224 ط استانبول، وحاشية ابن عابدين 4 / 276 و520، والبدائع 6 / 45 و50، وتنقيح الفتاوى الحامدية 2 / 40، والدسوقي 4 / 99، والوجير 1 / 185، والأشباه والنظائر للسيوطي 189، والقليوبي 3 / 310 و4 / 368، وإعانة الطالبين 3 / 152، والمغني لابن قدامة 5 / 16 الطبعة الثالثة مطبعة المنار، والكافي 2 / 127 ط المكتب الإسلامي.
(108) العناية شرح الهداية 7 / 44 بهامش فتح القدير، والبدائع 6 / 44
(109) تنقيح الفتاوى الحامدية 2 / 40، والبحر الرائق 7 / 310، وكشاف القناع 2 / 478 ط الشرفية، والالتزامات للحطاب 1 / 335، 336 فتاوى عليش، والدسوقي 2 / 307، والقليوبي 2 / 292
(110) البحر الرائق 7 / 322، والبدائع 6 / 118، وحاشية ابن عابدين 4 / 343 الطبعة الثانية بولاق.
(111) الفروع 4 / 195، والقليوبي 3 / 162، وشرح الروض 3 / 41
(112) حديث الوضع عن جابر تقدم تخريجه.
(113) تقدم تخريجه أيضا.
(114) حديث كعب حيث قال النبي ﷺ له " ضع الشطر من دينك " رواه البخاري في موضعين من صحيحه 1 / 551، 561 ط السلفية ورواه مسلم 3 / 1192 ط عيسى الحلبي.
(115) العناية شرح الهداية 7 / 45، وتكملة فتح القدير 7 / 41، والبدائع 6 / 44، 45 (وقد جعلوا المسألة على خمس صور بحسب البدء بالإبراء فيكون تقييدا، أو البدء بالأداء فيكون تعليقا وبحسب تحديد وقت الأداء) ، والفتاوى الخانية 3 / 141، والدسوقي 3 / 310، والقليوبي وعميرة 4 / 368 و2 / 308، وشرح الروض 2 / 215، والوجيز 1 / 177، والمغني لابن قدامة 4 / 363 ط مكتبة القاهرة
(116) الجمل على شرح المنهج 3 / 381 ط إحياء التراث.
(117) حاشية ابن عابدين 4 / 456 ط بولاق.
(118) تكملة ابن عابدين 2 / 461 الطبعة الثانية مطبعة عيسى الحلبي، والأشباه للسيوطي 189، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 99، وكشاف القناع 2 / 477، والجمل على شرح المنهج 4 / 599 وقال: سواء قلنا إنه تمليك أو إسقاط.
(119) حاشية ابن عابدين 4 / 146، 151 والمجلة العدلية المادة 51
(120) المجلة العدلية المادة 1566، وتبويب الأشباه والنظائر 372، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 57
(121) تبويب الأشباه لابن نجيم 389، ومرشد الحيران، المادة 34، والمجلة العدلية المادة 1562 - 1564، والدسوقي 3 / 411، وتنبيه ذوى الأفهام من مجموعة رسائل ابن عابدين 3 / 90
(122) القليوبي 2 / 280 و278، وشرح الروض 2 / 176
(123) شرح الروض 2 / 233
(124) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 367، وتنبيه ذوي الأفهام لابن عابدين 2 / 91
(125) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 380، وحاشية ابن عابدين 4 / 218، وتنبيه الأعلام لابن عابدين 2 / 88
(126) الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 411 نقلا عن شرح القرطبي لصحيح مسلم، وإعانة الطالبين 3 / 152، ومجموع فتاوى ابن تيمية 3 / 376 ط الرياض.
(127) إعلام الأعلام، لابن عابدين 2 / 100 نقلا عن الأشباه والفتاوى البزازية.
(128) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم 359 و363، وإعلام الأعلام 2 / 101، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 411، وتنقيح الفتاوى الحامدية 2 / 56

الموسوعة الفقهية الكويتية: 142/ 1